← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يا رسول الله! وما لنا أَكثر أهل النار؟ قال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ" (١)؛ يعني: الزوج. ولا ينبغي لها أن تسيء الظن بزوجها ولا بإخوانه إذا كان ظاهره حسناً، ولا تكره له قريباً ولا صديقاً ولا ضيفاً ولا تطعن فيهم، ولا تبهَت ضرتها، ولا تؤذي أولاده من غيرها؛ فإن كل ذلك مناقض للصلاح المطلوب منها، المعدود من سعادة بعلها. وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن سلم (٢) بن قتيبة قال: قال بعض حكماء العرب: ما أعان على نظم مروءات الرجال كالنساء الصوالح (٣). وروى ابن أبي شيبة، والبيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: النساء ثلاث: امرأة عفيفة مسلمة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلٌ ما تجدها. وامرأة: وعاء لم تزد أن تلد الولد. وثالثة: غُلٌّ قَمِلٌ يجعلها الله في عنق من يشاء، وإذا أراد الله أن ينزعه نزعه (٤).

стр. 1087

وقوله: "غُلٌ قَمِلٌ" قال ابن الأنباري في كتاب "الزاهر": قال أبو العباس - يعني: المبرد -: أصله مثلٌ لكل ما ابتلي به الإنسان، ولقي منه شدة. قال: والأصل في هذا أنهم كانوا يَغُلُّوْن الأسير بالغُلِّ، فَيُقَمِّلُ عليه، فيلقى منه شدة، ثم أكثر ذلك، وجرى به المثل حتى نعتوا به كل مؤذٍ (١). * تنبِيْهٌ لَطِيْفٌ: روى الطبراني في "معجمه"الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ فِيْ النِّساءِ كَمَثَلِ الْغُرابِ الأَعْصَمِ"، قيل: يا رسول الله! وما الغراب الأعصم؟ قال: "الَّذِيْ إِحْدَىْ يَدَيْهِ بَيْضاءُ" (٢). وفي رواية: "كَمَثَلِ الْغُرابِ الأَعْصَمِ بَيْنَ مِئَةِ غُرابٍ". قال في "الإحياء": الأعصم: الأبيض البطن (٣). والمراد بذلك تقليل الصالحات منهن. وروى الإمام أحمد، والنسائي بسند صحيح، عن عمرو بن العاص

стр. 1088

رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمَرِّ الظَّهران، فإذا بغربان كثيرة فيها غراب أعصم، أحمر المنقار، فقال ﷺ : "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مِثْلُ هَذا فِيْ هَذِهِ الْغِرْبانِ" (١). ولفظ أحمد قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في شِعْبٍ، فقال: "انْظُرُوْا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئاً؟ " فقلنا: "نرى غرباناً فيهم غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين"، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النّساءِ إِلاَّ مَنْ كانَ مِنْهُنَّ مِثْلُ هَذا الْغُرابِ فِيْ الْغِرْبانِ" (٢). وروى الطَّبراني بسند جيد، عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْمَرْأَةِ الْمُؤْمِنَةِ كَمَثَلِ الْغُرابِ الأَبْلَقِ فِيْ غِرْبانٍ سُوْدٍ، لا ثانِيَةَ لَها، وَلا شَبِيْهَ لَها. وَمَثَلُ الْمَرْأَةُ السُّوْءِ كَمَثَلِ بَيْتٍ مُزَوَّقٍ، ظَهْرُهُ خَرِبٌ، جَوْفُهُ كَظُلْمَةٍ لا نُوْرَ لَها يَوْمَ الْقِيامَةِ. وَاللهِ إِنِّيْ لأَخْشَىْ أَنْ لا تَقُوْمَ امْرَأَةٌ عَنْ فِراشِ زَوْجِها مُجانِبَةٌ لَهُ، إِلاَّ هِيَ عاصِيَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُوْلهِ" (٣). وأراد بالمؤمنة: الكاملة الإيمان، وهي الصالحة.

стр. 1089

وقد أجاد البرهان القيراطي رحمه الله تعالى من قصيدة: [من الطويل] وَعَيْشُكَ لايُرْضِيْ النساءَ مَعِيْشُهُ ... وَلَوْ أَنَّها مِنْ جَنَّةِ الْخُلْدِ تُجْلَبُ وَما زِلْنَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ سَجِيَّةً ... وُينْكِرْنَ خَيْراً فِيْهِ يَسْعَىْ وَيَدْأَبُ وَإِنْ أَحَسَنَ الدَّهْرَ امْرُؤٌ لِحَلِيْلَةٍ ... تَقُلْ لَمْ أُشاهِدْ مِنْكَ خَيْراً وَتَصْخَبُ وَإِنْ قِيْلَ مِنْهُنَّ التَّقِيَّاتُ فَاتَّئِدْ ... فَما كُل مَصْقُوْلِ الذَّوائِبِ زيْنَبُ وَقَبْلَكَ قَدْ جَرَّبْتُهُنَّ فَلَمْ أَجدْ ... وَحَقَكَ فِيْهِنَّ الَّذِيْ أتطَلَّبُ تُشاهِدُها فِيْ حالَةِ الْغَيْظِ مَهْلَكاً ... وَحالَ الرِّضَا لَمْ يَكْفِها مِنْكَ مَطْلَبُ وَإِنِّيْ امْرُؤٌ عَنْهُنَّ صَدَّتْ عَزائِمِيْ ... لإِفْراطِ خَوْفِيْ رَهْبَةً أترَهَّبُ وَما ذاكَ إِلاَّ أَنهنَّ فَوارِكٌ ... يُدِيْرُ هَواهُمْ عَنْ وِدادِكَ لَوْلَبُ

стр. 1090

لَقَدْ عَزَفَتْ عَنْهُنَّ نَفْسِيْ مَلالَةً ... وَطابَ عَلَىْ كُرْهٍ لَدَيْها التَّعَزُّبُ فَيا لَيْتَ شِعْرِيْ هَلْ أُلاقِيْ حَلِيْلَةً ... فَلا أَشْتَكِيْ مِنْها وَلا أتعَتَّبُ عَلَىْ أَنَّ مِنْهُنَّ الْجَلِيْلاتِ رُتْبَةً ... وَمَنْ وَجْهُها فِيْ مَطْلَع الْحُسْنِ كَوْكَبُ وَمِنْهُنَّ ذاتُ الدِّيْنِ وَالْعِفَّةِ الَّتِيْ ... لَها شَرَفٌ فِيْ الْعالَمِيْنَ وَمَنْصِبُ وَلَكِنَّهُ يُرْوَىْ وَإِنَّكَ عالِمٌ ... حَدِيْثٌ لَهُ مَعْنًى يَرُوْقُ وَيَعْذُبُ إِذا مِئَتا عامٍ تَقَضَّتْ فَخَيْرُنا ... تَقِيٌّ خَفِيْفُ الْحاذِ فِيْ الدِّيْنِ يَرْغَبُ

стр. 1091

فَصلٌ صلاح المرأة - وإن كان مطلوباً - فإنه لا يكاد أن تجتمع خصال الخير في امرأة لغلبة الهوى عليهن، والميل إلى الدنيا أكثر من الرجال، ولأن المرأة خلقت من ضلع - كما تقدم - فلا تكاد تستقيم، وقد قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأةَ كَالضِّلَعِ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيْمُها كَسَرْتَها، وَإِنْ تَرَكْتَها اسْتَمْتَعْتَ بِها وَفِيْها عِوَجٌ". رواه مسلم، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). وفي رواية لمسلم، والترمذي: "إِنَ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيْمَ لَكَ عَلَىْ طَرِيْقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِها اسْتَمْتَعْتَ بِها وَبِها عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيْمُها كَسَرْتَها، وَكَسْرُها طَلاقُها" (٢). وروى الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ،

стр. 1092

وَإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقامَةَ الضِّلَعِ تَكْسِرُها؛ فَدارِها تَعِشْ بِها" (١). قوله ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ" إشارة إلى خلق حواء من ضلع آدم حين نام، فانكسرت قصرى أضلاعه اليسرى، فخلق الله منها حواء، ولذلك سميت حواء لأنها خلقت من حي، فكان القصور فيها، وفي بناتها عن بلوغ رتبة الكمال في الصلاح، ألا ترى كيف كانت سبباً لأكل آدم وأكلها من الشجرة (٢)؟ ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ : "لَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَىْ زَوْجَها الدَّهْرَ (٣) ". رواه الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٤). وفي "كامل ابن عدي" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن

стр. 1093

النبي ﷺ قال: "لَوْلا النِّساءُ لَعُبِدَ اللهُ حَقَّاً حَقَّاً" (١). وقوله- ﷺ : "اسْتَمْتَعْتَ بِها وَبها عِوَجٌ"؛ أي: استمعت بها في دار الدنيا، مأخوذ من قوله تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية ... إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]. وقال رسول الله ﷺ : "الدَّنْيا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتاعِ الدُّنْيا [المرأة] الصَّالِحَةُ". رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (٢). فإذا تيسر للمرء امرأة صالحة من جهات، ولها عوج من جهة، فليهب سيئاتها لحسناتها تخلقاً بأخلاق الله - عزوجل -؛ فإنه يذهب السيئات بالحسنات. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَفْرَكْ (٣) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَة؛ إِنْ كَرِهَ مِنْها خُلُقاً رَضِيَ مِنْها آخَرَ", أو قال: "غَيْرَهُ" (٤). ولا يتطلب منها الكمال من كل وجه، وقد قيل: أي الرجال

стр. 1094

المهذب؟ فما ظنك بالنساء وهن نواقصات عقل ودين، كما في الحديث؟ (١). وقد قال رسول الله ﷺ : "كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيْرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عائِشَةَ عَلَىْ النّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَىْ سائِرِ الطَّعامِ". رواه الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه (٢). والمراد بالنساء نساء الأمم السابقين؛ لئلا يلزم فضل آسية ومريم على خديجة وفاطمة ﵅؛ بدليل حديث الشيخين، والترمذي، والنسائي عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَخَيْرُ نِسائِها خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ" (٣). وحديث الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله هو:

стр. 1095

"حَسْبُكَ مِنْ نِساءِ الْعالَمِيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَخَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ" (١). وصحح الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ نِساءِ الْعالَمِيْنَ خَدِيْجَةُ، وَفاطِمَةُ، وَمَرْيَمُ، وَآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ" (٢). وأما ما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِساءِ الْعالَمِينَ بَعْدَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ، وَآسِيةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيْجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵅" (٣)؛ فالبعدية في الزمان لا في الرتبة والفضل. وفي "تاريخ ابن عساكر" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعُ نِسْوَةِ سادَاتُ عَالَمِهنَ (٤): مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وَخَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ، وَفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ ﷺ ، وَأَفْضَلُهُنَّ عَالَماً فاطِمَةُ" (٥). وفيه نص على فضل فاطمة عليهن كلهن، وعائشة من عالم فاطمة

стр. 1096

رضي الله تعالى عنهما، ففاطمة أفضل منها (١) لكونها بضعة رسول الله ﷺ ، كما نص على ذلك الإمام مالك (٢)، وغيره. وروى الشيخان عن عائشة، عن فاطمة رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "يا فاطِمَةُ أَلا تَرْضين (٣) أَنْ تَكُوْييْ سَيِّدَةَ نِساءِ الْمُؤْمِنِيْنَ؟ " (٤).

стр. 1097

وروى الحاكم في "المستدرك" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "سَيِّداتُ نِساءِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ، وَفاطِمَةُ، وَخَدِيْجَةُ، وَآسِيَةُ" (١). واختلف في التفضيل بين عائشة، وخديجة رضي الله تعالى عنهما (٢): الأكثرون على تفضيل عائشة. وذهبت طائفةٌ محققون إلى تفضيل خديجة، واختاره السبكي (٣). ولو قيل بتساويهما لم يبعد؛ لأن الأدلة بتفضيل كل منهما قوية. ثم المراد بكمال هؤلاء الأربع أنهن بلغن الغاية في الكمال إلى مرتبة الصِّدِّيقيَّة، كما وصف الله تعالى بالصِّديقيَّة مريم بقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، ثم شهد رسول الله ﷺ بالأفضلية لها، وللثلاث الأُخر، فالمراد بكمالهن كمال الصِّدِّيقيَّة، وإلا فقد كمل غيرهن كمالاً ما، فهن صالحات.

стр. 1098

وقد قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْناهُ عَلَىْ وَلَدٍ فِيْ صِغَرِه، وَأَرْعاهُ عَلَىْ زَوْجٍ فِيْ ذاتِ يَدهِ". رواه عبد الرزاق، والشيخان، وابن جرير (١). قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط (٢). وأراد بذلك الجواب عما يفهمه ظاهر الحديث من تفضيل صالح نساء قريش على عموم النِّساء. وفي الحديث: "نِعْمَ النِّساءُ نِساءُ الأَنْصارِ؛ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَياءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِيْ الدِّيْنِ" (٣). وناهيك بسائر أزواج النبي ﷺ اللاتي خيرن بين الدنيا وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. وكفى بالصَّالحات من نساء المهاجرين والأنصار، ومن بعدهن التابعات، وغيرهن كرابعة العدوية، ورابعة الشامية، وغيرهما مما اشتملت عليه كتب الحديث والتاريخ وفيهن كثرة. ولا يبعد أن يكون قوله ﷺ : "كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيْر، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ

стр. 1099

النِّساءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنُ" (١) محمولاً على رجال ونساء الأمم المتقدمة، أما هذه الأمة فقد كمل من نسائها كثير خصوصية للنبي ﷺ ، وإن كن لم يبلغن رتبة مريم وآسية وخديجة وفاطمة رضي الله تعالى عنهن. وفي "معجم الطبراني الكبير" عن سعد بن جنادة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ زَوَّجَنِيْ فِيْ الْجَنَّةِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ، وَامْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، وَأُخْتَ مُوْسَىْ" (٢). روى أبو بكر بن السُّنِّي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال لها: "يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللهَ زَوَّجَنِيْ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ، وَآسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ فِيْ الْجَنَّةِ" (٣). * * *

стр. 1100

فَصْلٌ وإذا كانت المرأة الصَّالحة يرغب فيها للرَّجل، فالرغبة بالرجل الصالح للمرأة أولى؛ لما ذكرنا من سريان طباع الخليط إلى الآخر، ولا شك أن المرأة أقرب انقياداً للرجل منه لها؛ لأن الرجل خلق قوَّاماً على المرأة، والياً عليها، وخلقت تحت ولايته، وسلطنته؛ لضعفها ولين جانبها. قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني: أمراء عليهن. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). فإذا كان الزوج صالحاً أمرها بطاعة الله تعالى، ونهاها عن معصيته، فأما لو كان غير صالح فربما حملها على المعصية، وأمرها بالمنكر، أو أقرها عليه؛ فصلاحيته ضرورية لها. قال الضحاك في الآية: الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله،

стр. 1101

فإن أبت يضربها ضرباً غير مبرح، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه (١). وقال السُّدِّي: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] يأخذون على أيهدين، ويؤدبوهن. رواهما ابن جرير (٢). وقال مجاهد في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: بالتأديب، والتعليم. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولا شك أن النساء لا يوفيهن حقوقهن بالمعروف من الأزواج إلا الصَّالحون، بل الصالح لا يتجاوز الحق، ولا يقصر عنه، فينجو هو، وينجو به أهله. وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ قال زيد بن أسلم: الإمارة. رواه ابن أبي حاتم، وغيره (٤). فإذا كان الرجل يستولي على المرأة بالتزوج استيلاء الأمراء، فلأن يكون أميراً صالحاً أولى من أن يكون غير صالح.

стр. 1102

وقال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وفي قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ إشارة إلى أنه لا عبرة بالبزة الظاهرة، ولا الثروة الوافرة، بل بالإيمان القلبي، ويخشى على من زوج بنته برجل لبزته، أو ثروته، أو جاهه أن تكون عاقبته إلى خلاف مراده، كما تقدم نظيره في اختيار المرأة لمالها، أو جمالها، أو حسبها، ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ : "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ، وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوْهُ؛ إِلاَّ تَفْعَلُوْا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِيْ الأَرْضِ، وَفَسادٌ عَرِيْضٌ". رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). وفي "صحيح البخاري" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: مر رجل على رسول الله ﷺ -فقال: "ما تَقُوْلُوْنَ فِيْ هَذَا؟ " قالوا: حَرِيٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: "ما تَقُوْلُوْنَ فِيْ هَذَا؟ " قالوا: حَرِيٌّ إن خطب لا ينكح، وإن شفع لا يشفع، وإن قال لا يسمع، فقال رسول الله ﷺ : "هَذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلِ هَذَا" (٢). أي: فهذا هو الذي ينبغي أن يرغب فيه، ويعتنى بشأنه، وكذلك أمثاله من المؤمنين وإن كانوا فقراء، بخلاف المترفين والفاسقين، وإن

стр. 1103

زينهم الله تعالى في الظاهر بزينة الغنى، والجاه والعشيرة. فتزويج المرأة من الفاسق وسيلة إلى التخلق بالفسق والجبروت؛ لأن المرأة على هوى بعلها وطريقته. وقد روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ النِّساءَ شَقائِقُ الرِّجالِ" (١). قال علماء الغريب: أي: نظائرهم وأمثالهم في الأخلاق والطباع كأنهن شققن منهم، ولأن حواء من آدم ﵉ (٢). ومن أمثال العرب القديمة: المرأة من المرء، وكل أدماء من آدم. نقله الميداني في "أمثاله" (٣)، وغيره. وفي معنى ذلك: ما أخرجه أبو نعيم عن الزُّبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَىْ ابْنَتِهِ فَيُزَوجُهَا الشيخ الدمِيْمَ (٤)! ! إِنَّهُنَّ يُرِدْنَ ما تُرِيْدُوْنَ" (٥). وهذا منه ﷺ إرشاد إلى إعفاف النساء وتحصينهن، فلا ينبغي تزويج المرأة الشابة شيخاً ولا عِنَّيْناً؛ لعدم حصول الغرض من

стр. 1104

التحصين والإعفاف، ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين المرأة لي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: وما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها لأن الله تعالى يقول: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. رواه وكيع في "الغرر"، وسفيان بن عيينة في "مسنده"، وابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وفي اختيار العبد الصالح للمرأة تمام الإعفاف والتحصين لأنه يقتصر على الحلال، بخلاف الفاسق فقد يتجاوز إلى السفاح، بل كثير من الفساق يعرضون عن نسائهم، ويقبلون على الزنا واللواط، خصوصاً في هذه الأزمنة، وقد اكتفى كثير من الرجال بالرجال. وقد روى أبو نعيم عن الشعبي قال: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها (٢).

стр. 1105

وسمعت شيخنا -نفع الله به- يحكي عن والده الشيخ يونس العيثاوي، وكان من خيار العلماء رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: من زوج موليته من شارب الخمر فقد عرَّضها للزنا. ومعناه: أنه إذا شرب الخمر فربما طلق في سكره، فيقع طلاقه ولا يدري، ثم يقع عليها. وفي "مسند الفردوس" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ، أَوْ واحِدَةً مِنْ أَهْلِهِ مِمَّنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَكَأَنَّما قادَهَا إِلَىْ النَّارِ". ومن هنا منعت المرأة أن تزوج نفسَها إلا بولي عدل؛ لأن نظرها قاصر، والحاجة إلى الكفاءة، واختيار اللائق بها من الأزواج ضرورية. قال رسول الله ﷺ : "لا نِكاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ". أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، وابن ماجه، والبيهقي عن عائشة، وعن ابن عباس ﵃ (١). زاد البيهقي في رواية في حديث عائشة: "وَشاهِدَيْ عَدْلٍ" (٢). وقال في حديث ابن عباس في رواية: "لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ،

стр. 1106

وَشاهِدَيْ عَدْلٍ" (١). وبهذا اللفظ أخرجه الشافعي رضي الله تعالى عنه (٢). فتأمل في قوله ﷺ "مرشد"! ليرشد موليته إلى أصلح الأزواج بها، وأتقاهم لله تعالى، وأكرمهم ديناً، وحسباً. وروى الإمام مالك، والبيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلاَّ بِإِذْنِ وَلِيِّها، أَوْ ذَوِيْ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِها، أَوِ السُّلْطانِ (٣). على أن الولي -وإن كان فاسقاً- قد تحمله الحَمِيَّةُ والأَنَفة من إنكاح موليته غير الكفء، وإن كان العدل مقدماً عليه، واشتراط الولي احتياطاً لها. وأيضاً يرغب في الرَّجل الصالح للمرأة لفائدة أخرى: وهي أن المرأة إذا كانت تحت رجل صالح حُشرت معه ما لم تتصل بعده بغيره. روى إبن سعد في "طبقاته" عن عكرمة: أن أسماء بنت أبي بكر الصِّديق -رضي الله تعالى عنهما- كانت تحت الزُّبير بن العوام ﵁ وكان شديداً عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: يا بنية!

стр. 1107

اصبري؛ فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تتزوج، جمع بينهما في الجنَّة (١). وروى ابن المنذر عن عروة بن رُويم اللخمي رحمه الله تعالى قال: قالت امرأة موسى لموسى ﵇: إني أَيِّمٌ منك منذ أربعين سنة، فأمتعني بنظرة، فرفع البرقع عن وجهه، فَغَشَّىْ وجهَه نورٌ التمع بصرها، فقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: على أن لا تتزوجي بعدي، وأن لا تأكلي إلا من عمل يدك، قال: فكانت تتبع الحصادين فإذا رأوا ذلك تخاطوا لها، فإذا أحست بذلك تجاوزته (٢). ونظير ذلك قوله ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها: "يَا عَائِشَةُ! إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوْقَ بِيْ فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيا كَزادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجالَسَةَ الأَغْنِياءِ، وَلا تَسْتَخْلِفِيْ ثَوْبًا حَتَّىْ تَرْقَعِيْهِ". رواه الحاكم عنها (٣). فالعبد الصالح ينفع أهله حتى بعد موته بما يبقيه فيهم من وصيته وآثاره. وفي "طبقات ابن سعد" عن عكرمة مرسلاً: أن النبي ﷺ قال لفاطمة

стр. 1108

رضي الله تعالى عنها: "يَا فَاطِمَةُ! أَمَا إِنَّيْ ما آلَيْتُ أَنْ أَنْكَحْتُكِ خَيْرَ أَهْلِيْ" (١). وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله البخاري في "صحيحه": باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح (٢). ثم روى عن ثابت البناني قال: كنت عند أنس رضي الله تعالى عنه وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله! ألك فيَّ حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقلَّ حياءَها، واسَوْأَتاهُ! فقال: هي خير منك؛ رغبت في النبي ﷺ ، فعرضت عليه نفسها (٣). ثم قال: باب عرض الإنسان ابنته (٤)، أو أخته على أهل الخير (٥). وروى فيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر ﵄ من خُنَيْسِ بن حُذافة السَّهْمِيِّ -وكان من أصحاب النبي ﷺ ، فتوفي بالمدينة- فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر:

стр. 1109

فلقيت أبا بكر الصديق ﵄ فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليَّ شيئاً، وكنت أَوَجَد عليه مني على عثمان، فلبث ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحتها إياه، فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع عليك فيما عرضت عليَّ إلا أني كنت قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلتها (١). وروى الحاكم، والبيهقي عن عثمان، وابن عساكر عنه، وعن عليٍّ رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال لعمر حين عرض حفصة على عثمان: "أَلا أَدُلُّكَ عَلْى خَتْنٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ عُثْمانَ، وَأَدُلُّ عُثْمانَ عَلَىْ خَتْنٍ خَيْرٍ لَهُ مِنْكَ؟ " قال: بلى، قال: "زَوِّجْنِيْ ابْنَتَكَ، وَأُزَوِّجُ عُثْمَانَ ابْنَتِيْ" (٢). وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن حرملة، [عن ابن أبي وداعة] (٣) رحمه الله تعالى قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: تُوُفِّيَتْ أهلي، فاشتغلت بها، فقال: ألا

стр. 1110

أخبرتنا فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله! ومن يزوجني وأملك درهمين، أو ثلاثة؟ فقال: أنا، فقلت: وتفعل؟ قال: نعم. ثم تَحَمَّد، وصلى على النبي ﷺ ، وزوجني على درهمين، أو قال: ثلاثة. قال: فقمت، وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن آخذ، وممن أستدين، فصليت المغرب، وانصرفت إلى منزلي، واسترحت، وكنت وحدي صائماً، فقدمت عشائي أفطر -وكان خبزاً وزيتاً- فإذا بآت يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، قال: فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ فإنه لم يُرَ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت، فخرجت، فإذا سعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد! ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فقال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمر؟ قال: إنك كنت رجلاً عزباً، فتزوجت، فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك، فهذه امرأتك، فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها، فدفعها في الباب، وردَّ الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم تقدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز، فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه، ثم صعدت إلى السطح، فرميت الجيران، فجاؤوني، فقالوا: ما شأنك؟ قلت: وَيْحَكُمْ! زَوَّجَني سعيد بن المسيب ابنته اليوم، وقد جاءني بها على غفلة، قالوا: سعيد بن المسيب زَوَّجَك؟ قلت: وهي ذا هي في

стр. 1111

الدار، قال: ونزلوا هم إليها، وبَلَغَ أمي، فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام. قال: فأقمت ثلاثاً، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي أحفظ الناس لكتاب الله ، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق زوج. قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد، ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته، فسلمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس -أي: تفرقوا- فلمَّا لم يبق غيره قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خير يا أبا محمد! على ما يحب الصديق، ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي، فوجه إلي بعشرين ألف درهم. قال أبو نعيم: قال عبد الله بن سليمان - يعني: الأشعث أحد رواته -: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد، فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مئة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وألبسه جبة صوف (١). انتهى.

стр. 1112

ونظير قصة سعيد بن المسيب في رد الخليفة وقد خطب إليه ابنته، وإيثار عبد الرحمن بن حرملة (١) بها لدينه وعلمه: ما رواه الإمام أحمد في "الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم، وغيرهما عن ثابت البناني قال: خطب يزيد بن معاوية إلى أبي الدرداء ابنته الدرداء، فرده، فقال رجل من جلساء يزيد: أصلحك الله! تأذن لي أن أتزوجها؟ قال: اعْزُبْ ويلك! قال: فائذن لي أصلحك الله! قال: نعم، قال: فخطبها، فأنكحها أبو الدرداء الرجل، فسار ذلك في الناس أن يزيد خطب إلى أبي الدرداء فرده، وخطب إليه رجل من ضعفاء المسلمين فأنكحه، قال: فقال أبو الدرداء: إني نظرت للدرداء ما ظنكم بالدرداء؛ إذا قامت على رأسها الخصيان، ونظرت في بيوت يلتمع فيها بصرها، أين دينها منها حينئذ؟ (٢). هكذا كان نظرهم لبناتهم ومولياتهم في اختيار الأكفاء، واعتبار الكفاءة في الدين بخلاف أهل زماننا. وقد رغب علماؤهم إلا من شذ في مصاهرة أرباب الدولة أو التجار على ما هم عليه من الغرور، فكيف بغير العلماء؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون! * تَتِمَّةٌ: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ

стр. 1113

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]؛ الخطاب في الآية للأولياء والسادة. قال صاحب "الكشاف": فإن قلت: لم خص الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم، ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم، وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة، والمودة، فكانوا مظنة التوصية بشأنهم، والاهتمام بهم، وتقبل الوصية فيهم، وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك. قال: أو أريد بالصَّلاح القيام بحقوق النكاح (١). انتهى. قلتُ: وعلى هذا الوجه فالصلاح في الآية عام؛ يعني: إرادة النكاح للتحصن، وإقامة الحقوق، أما من يدعى إلى التزوج وهو يرغب عنه لما شربه قلبه من محبة السفاح، والميل إليه، والنكاح في الغالب لا يعفه، وهو حال أكثر الناس في هذا الزمان، فكم من إنسان زوج ابنه، أو غلامه ليعف، فلم يعف! فإن قلتَ: لم خص الصالحين من الأرقاء، وعمم في أيامى الأحرار -جمع أيِّم؛ وهو من لا زوج له من ذكر أو أنثى-؟ قلتُ: لأن التحصين في حق المولى الحر ضروري أضر منه في حق المولى العبد، وصلاح الحر يعينه عليه النكاح، فقد يتزوج الفاسق فيعف، والحر يرجع إلى صيانة نسبه، وحفظ حسبه، والحياء من عشيرته،

стр. 1114

وأهل بلده، وأهل محلته ما لا يرجع إليه العبد. ولقد قيل: [من مجزوء الكامل المرفل] الْعَبْدُ يُردع بِالْعَصَا. . . وَالْحُرُّ تَكْفِيْهِ الْمَلامَةْ (١) واعلم أن ما سبق من باب إرشاد الراغب من رجل أو امرأة في -تزوج الآخر إلى صلاح مطلوبه، وهذا إرشاد للأولياء إلى تزويج من في ولا يتهم إعفافاً لهم، وتحصيناً، وتحصيلاً للصَّلاح، وإن كان المزوج منحرفاً عنه. وروى الطبراني في "معجمه الكبير" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَجَّ (٢) شَيْطانُهُ يَقُوْلُ: يا وَيْلَهُ! عَصَمَ ابْنُ آدَمَ مِنِّيْ ثُلَثَيْ دِيْنِهِ" (٣). وفي "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدِ اسْتكمَلَ نِصْفَ الإيْمانِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِيْ النِّصْفِ الثَّانِيْ" (٤).

стр. 1115

وروى الأئمة الستة عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا مَعْشَرَ الشَّبابِ! مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الْباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" (٢). * * *

стр. 1116

فَصْلٌ وينبغي للعبد أن يكثر من ذكر الصالحين؛ لما رواه الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في مقدمة كتابه "صفه الصفوة" عن سفيان بن عيينة أنه قال: عند ذكر الصَّالحين تنزل الرحمة (١). وقال عبد الله بن خبيق -وهو أحد رجال "الرسالة القشيرية"-: سمعت محمد بن يونس يقول: ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين (٢). بل روى الديلمي في "مسند الفردوس"عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ذِكْرُ الأَنْبِياءِ مِنَ الْعِبادَةِ، وَذِكْرُ الصَّالِحِيْنَ كَفَّارَةٌ، وَذِكْرُ الْمَوْتِ صَدَقَة، وَذِكْرُ الْقَبْرِ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ". وإنما كان ذكر الأنبياء من العبادة؛ لأن المراد ذكرهم على وجه التعظيم، وهو يستدعي الإقرار بنبوتهم، والإيمان بها، وذلك من أشرف العبادات.

стр. 1117

وإنما كان ذكر الصَّالحين كفارة؛ لأن الذنب جفاء، وذكر الصالحين صفاء، والصفاء يكفر الجفاء. وأيضاً فإن العبد إذا ذكر الصالحين يذكرهم بأوصافهم الجميلة، وأحوالهم الشريفة، فيستصغر نفسه، ويحتقر عمله عندهم، وذلك من جملة المكفرات لذنوب النفس، ورؤية الأعمال. وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: يا بِشْرُ! تَدْرِيْ لِمَ رَفَعَكَ اللهُ مِنْ بَيْنِ أَقْرانِكَ؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: بِاتِّباعِكَ لِسُنَّتِيْ، وَخدمتك (١) لِلصَّالِحِيْنَ، وَنَصِيْحَتِكَ لإِخْوانِكَ، وَمَحَبَّتِكَ لأَصْحابِي، وَأَهْلِ بَيْتِي؛ هُوَ الَّذِيْ بَلَّغَكَ مَنازِلَ الأَبْرارِ (٢). وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن أبي بكر الدَّقاق رحمه الله تعالى قال: أهل الحقائق والصالحون والكبار أدنى أحوالهم إذا ذكرت يزداد الإنسان معرفة بتقصير نفسه. وعن إبراهيم الحربي قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: بحسبك أن أقواماً موتى يحيا القلب بذكرهم -يعني: الصالحين-، وأن أقواماً أحياء تعمى الأبصار بالنظر إليهم؛ يعني: الكفار والظلمة والفسقة (٣).

стр. 1118

والمراد بعمى الأبصار ما يقع لذويها من سخنة العين برؤيتهم، كما قال ابن الفارض رحمه الله تعالى: [من الطويل] وَقَدْ صَدِئَتْ عَيْنِيْ بِرُؤْيَةِ غَيْرِهَا * ومن لطائف الأدب مع الصالحين: ما ذكره ابن عقيل في "الفنون"، ونقله ابن مفلح عنه في "الآداب": أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان مستنداً، وذكر عنده ابن طهمان، فأزال ظهره عن الاستناد، وقال: لا ينبغي أن يجري ذكر الصالحين ونحن مستندون. قال ابن مفلح: وقد ذكر هذا الحافظ ابن الأخضر فيمن روى عن أحمد في ترجمة أبي زرعة الرازي، قال: سمعت أحمد بن حنبل ذكر عنده إبراهيم بن طهمان وكان متكئاً من علة، فاستوى جالساً، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصَّالحون فنتكئ (١). انتهى. * ومن فوائد ذكر الصَّالحين: أن العبد إذا ذكرهم رقَّ قلبه عند ذكرهم، وأحبهم، وودَّ أن يتأسى بهم، ونشط في العبادة والطاعة، ورغب في اللحاق بهم، وترحم عليهم، ودعا لهم، ودعاء العبد لأخيه في ظهر الغيب يستدعي دعاء الملائكة لهم كذلك، ودعاء الملائكة ﵈ أقرب إلى الإجابة والقبول. روى مسلم عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ

стр. 1119

قال: "ما مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُوْ لأَخِيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلاَّ قالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ" (١). واشتهر عن الإمام أحمد أنه قال: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي (٢). وقال له ابنه: أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء؟ وقال أحمد: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف! (٣). وذكر ابن السبكي في "طبقاته" في ترجمة الحارث بن سريج قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أنا أدعو الله للشافعي، قال: وكذلك ذكر يحيى بن معين أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة (٤). وكان يحيى بن سعيد من أقران شيوخ الشافعي، والإمام أحمد من أصحابه، فدعاء يحيى له من باب دعاء الكبير للناشىئ الصالح، ودعاء أحمد له من دعاء الصاحب لصاحبه الصالح، أو التلميذ لشيخه الصَّالح. وقد أشار في جوابه لابنه حين سأله عن سبب كثرة دعائه للشافعي

стр. 1120

إلى أن دعاءه له من باب تأدية الحق، ومكافأته للشافعي عن أهل عصره بما نفعهم به من العلم، وفيه إشارة إلى أن الدعاء للصالحين، والعلماء العاملين فيه أداء لحقوقهم مهما كان لهم نفع في عباد الله تعالى، بل كل مسلم يطلب منه الدعاء للمسلمين طلباً لصلاحهم، وكمالهم، وإذا دعا لهم كان له مثل ما يدعو به لهم؛ لحديث أبي الدرداء المتقدم. وفي "معجم الطبراني الكبير" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِناتِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعاً وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً، أَوْ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً كانَ مِنَ الَّذِيْ يُسْتَجابُ لَهُمْ، وُيرْزَقُ بِهِ أَهْلُ الأَرْضِ" (١). وعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِناتِ كتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً" (٢). فدعاء المسلم للمؤمنين من تمام صلاحه، ومن أنفع أسباب فلاحه، فكيف بالصالحين! وقد أوجب الله تعالى ذكر الصالحين على كل مسلم مصلٍّ مقروناً بالسلام عليهم، المتضمن للدُّعاء لهم بالسلامة بحيث إن صلاته لا تصح بدون ذلك، كما هو مذهب أكثر أهل العلم.

стр. 1121

وروى الشيخان، وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِيْ الصَلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَىْ عِبادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ؛ فَإِنَّهُ إِذا قالَ ذَلِكَ أَصابَ كُلَّ عَبْدٍ صالِحٍ فِيْ السَّماءِ وَالأَرْضِ"، الحديث (١). قال بعض العلماء: تارك الصلاة ظالم لكل صالح في السموات والأرض حقاً فرضه الله له عليه، وحقوق العباد محل الْمُشَاحَّةِ والْمُحَاقَّةِ، فلأجل ذلك كان ذنبه عظيماً، ولا يقبل منه إلا أن يأتي بها، وإلا قتل بترك صلاة واحدة. * ومن لطائف الآثار: ما رواه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة عروة ابن رويم عنه، عن خالد بن يزيد القرشي قال: كانت لي حاجة بالجزيرة، فاتخذتها طريقا مستخفياً، قال: فبينما أنا أسير بين أظهرهم إذا أنا بشمامسة ورهبان، وكان رجلاً كيساً ذا رأي، قال: فقلت لهم: ما جمعكم هاهنا؟ قالوا: إن لنا شيخاً سياحاً نلقاه في كل عام في مكاننا هذا مرة، فنعرض عليه ديننا، وننتهي فيه إلى رأيه، قال: وكنت رجلاً معنياً بالحديث، فقلت: لو دنوت من هذا فلعلي أسمع منه شيئاً أنتفع به، قال: فدنوت منه، فلما نظر إلي قال: ما أنت؟ مِنْ هؤلاء؟ قلت: أجل، قال: من أمة أحمد ﷺ ؟ قلت:

стр. 1122

نعم، قال: من علمائهم أنت، أو من جهالهم؟ قلت: لست من علمائهم، ولا جهالهم. قال: ألستم تزعمون في كتابكم أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون؟ قال: قلت: نعم، قال: نقول ذلك، وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلاً في الدنيا؛ فما هو؟ قلت: مثل الصبي في بطن أمه؛ يأتيه رزق الرحمن بكرة وعشياً، ولا يبول، ولا يتغوط، قال: فتَرَبَّدَ وجهه، وقال لي: ألست تزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: بلى، ما أنا من علمائهم، قال: ولا من جهالهم. ثم قال لي: ألستم تزعمون أنكم تأكلون، وتشربون، ولا ينتقص مما في الجنة شيء؟ قلت: نعم، قال: نقول ذلك، وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلاً في الدنيا، فما هو؟ قلت: مثل هذا رجل أعطاه الله تعالى علماً وحكمة، وعلمه كتابه، فلو اجتمع جميع من خلقه الله فتعلموا منه، ما نقص من علمه شيئاً، قال: فتَرَبَّدَ وجهه، وقال: ألم تزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: أجل، ما أنا من علمائهم، ولا من جهالهم. فقال لي: ألستم تقولون في صلاتكم: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين؟ قال: قلت: بلى، قال: فلها عني، ثم أقبل على أصحابه، فقال: ما بسط لأحد من الأمم ما بسط لهؤلاء من الخير؛ إن أحد هؤلاء إذا قال في صلاته: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لم يبق عبد صالح في السَّموات والأرض إلا كتب الله له به عشر حسنات.

стр. 1123

ثم قال: ألستم تستغفرون للمؤمنين والمؤمنات؟ قال: قلت: بلى، فقال لأصحابه: إن أحد هؤلاء إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات لم يبق عبد مؤمن في السَّموات من الملائكة، ولا في الأرض من المؤمنين، ولا من كان على عهد آدم ﵇، أو من هو كائن إلى يوم القيامة إلا كتب له به عشر حسنات. قال: ثم أقبل عليَّ، فقال: إن لهذا مثلاً في الدنيا، فما هو؟ قلت: كمثل رجل مر بملأ، كثيراً كانوا، أو قليلاً، فسلم عليهم، فردوا عليه، أو دعا لهم، فدعوا له، قال: فتَرَبَّدَ وجهه، فقال: ألست تزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: أجل، ما أنا من علمائهم، ولا من جهالهم. فقال: ما رأيت من أمة محمد ﷺ من هو أعلم منك، سلني عما بدا لك. قال: قلت: كيف أسأل من يزعم أن لله ولداً؟ قال: فشق عن مدرعته حتى بدا بطنه، ثم رفع يديه فقال: لا غفر الله لمن قالها، منها فررنا، واتخذنا الصوامع. قال: إني أسألك عن شيء فهل أنت مخبري؟ قال: قلت: نعم، قال لي: أخبرني هل بلغ ابن القرن فيكم أن يقوم إليه الناشئ، أو الطفل فيشتمه، ويتعرض لضربه، ولا يغير ذلك عليه؟ قال: قلت: نعم، قال: ذلك حين رق دينكم، واستحببتم دنياكم، وآثرها من آثرها منكم، فقال

стр. 1124

رجل من القوم: ابن كم القرن؟ قال: أما أنا قلت: ابن ستين، وأما هو فقال: ابن سبعين، فقال رجل من جلسائه: يا أبا هاشم! ما كان يسرنا أن يكون أحد من هذه الأمة لقيه غيرك (١). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: [النور: ٦١]؛ قال: هو المسجد؛ إذا دخلته فقل: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين (٢). وعن مجاهد قال: إذا دخلت بيتاً فقل: بسم الله، والحمد لله، والسلام علينا من ربنا، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين (٣). وعنه، وعن قتادة رحمهما الله تعالى أنهما قالا: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين؛ فإن الملائكة ﵈ ترد. وقد سبق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما نحوه (٤).

стр. 1125

* تَنْبِيْهٌ: إذا ذكر المرء الصالحين وجب عليه ألا يذكرهم إلا بخير، وليحذر مِنْ ذِكْرِهِمْ بما يُكره؛ فإن غيبتهم أشد حرمة من غيبة من سواهم. وفي "رسالة القشيري" رحمه الله تعالى: وقيل: أوحى الله إلى سليمان بن داود ﵉: أوصيك بتسعة أشياء: لا تغتابنَّ صالح عبادي، ولا تحسدنَّ أحداً من عبادي، فقال سليمان: يا رب! حسبي (١). * * *
следующие страницы →