← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الخامس من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ"أ"

стр. 107

صورة غلاف الجزء السادس من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ "أ"

стр. 108

صورة اللوحة الأولى من الجزء السادس من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ "أ"

стр. 109

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء السادس من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ "أ".

стр. 110

غلاف الجزء السابع من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ"أ"

стр. 111

صورة اللوحة الأولى من الجزء السابع من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ "أ"

стр. 112

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء السابع من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية والمرموز لها بـ "أ"

стр. 113

صورة غلاف النسخة الخطية للمكتبة السليمانية بتركيا والمرموز لها بـ "ت"

стр. 114

صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية بتركيا والمرموز لها بـ"ت"

стр. 115

صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية بتركيا والمرموز لها بـ "ت"

стр. 116

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب المُجَلَّد الأَوَّلُ دَارُ النَّوادِرِ

стр. 117

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 118

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ (١)

стр. 119

جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٧ - ٨٤ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤَسَّسَة دَار النَّوادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللِّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِرِ الكُوَيْتِيَّةِ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م - نُورُ الدِّين طَالِب - المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنْفِيذِي

стр. 120

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَة المؤلف الحمد لله الذي بحمده يحسُن الابتداء، وبشمول رِفْدِه تمتد النفوس إلى الطلب والرجاء، وتَضَرَّعُ القلوب إلى صدق اللجاء، وترتاح الأرواح إلى التنزه في رياض البهاء، والتروي من حياض العطاء في دار البقاء. من إله عظيمٍ اختصَّ بإزار العظمة ورِداء الكبرياء، ويا له من ربٍّ حكيم استبدَّ بالخَلق والأمر والفصل والقضاء، وشرع لنا من الدِّيْنِ ما وصَّى به الأنبياء، وأمرنا بالاقتداء بأهل الاهتداء، ونهانا عن التشبه بأهل الضلال والافتراء والجدال والامتراء؛ ثم هو سبحانه يختصُّ برحمته من يشاء. أحمده أن أرشدنا إلى التخلق بأخلاقه أبلغَ الحمدِ والثناء، وأشكره أن أمدَّنا بإدراراته وأرزاقه أوفى الشكر على أوفر العطاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثيل، ولا عديل له، الواحدُ، المحيط بالموجودات من سائر الأرجاء؛ شهادةً خالصةً عن شوائب التعطيل والتشبيه والغلو والإرجاء. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه وصفيه ونبيه وخليله، قطبُ

стр. 121

دائرة الاصطفاء، وحقيقة حقائق النبوة والولاية والاجتباء، المبعوثُ بأخص الأنباء، والمخصوصُ بعموم البعثة والإنباء، صلى الله وسلم عليه وعلى المنتمين من الآل والصحب إليه صلاةً وسلاماً دائمين ما فى امت الآلاء، وتوالت النعماء، وتلألأت الأضواء، وتلاحقت الأَنْواء، وامتدت سطور القدرة على طروس المصنوعات من غير انتهاء. أمّا بعد: فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير؛ نجمُ الدِّين محمدُ بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغَزِّيُّ العامريُّ الشافعيُّ - ألحقه الله تعالى بأهل الولاء، وحشره في زمرة العلماء -: هذا كتاب كريم تطمئن إليه قلوب الأتقياء، وتنشرح له صدور الفضلاء، وتنبسط به أرواح الأولياء، وتنقبض منه نفوس أهل الآراء الفاسدة والأهواء، ضَمَّنته الأمرَ باتباع مَن ورد الأمر بالاقتداء بهداهم والاقتفاء، والنَّهي عن التشبه بمن ورد الزجر عن اتباع هواهم من أهل الافتراء، وأتبعت ذلك بالكلام على التشبه بالبهائم والسباع، كالهر والعواء؛ ليتنزه الإنسانُ عما لا يليق به من الطباع - كالهُزْء والهراء - إلى مقام الْمُرُوَّةِ والمعرفة والترقي عن مراكز النسر والعواء. وهو كتاب لم أسبق - فيما أعلم - إلى جمعه وترتيبه، ولم أزاحم على اختراعه وتهذيبه، ولا وجدت من جاء في بابه بمثله ولا على أسلوبه، ذكرت فيه ما ورد في ذلك بحسب الاطلاع على سبيل السبر والاستقراء،

стр. 122

ولاحظت فيه مع مراعاة الإيجاز والتقريب طريق الاستيفاء، ولم آلُ جهداً في تحرير معانيه - كان رَقَتْ - ولا في تنوير مبانيه - وإن انقادت إليه في الزمن اليسير، وحُقَّتْ - وذلك بفضل الله الذي يؤتي فضلَه من يشاء، ويخص مَن شاء بما شاء. وإني - وإن كنت في نفس الأمر مقصراً عن مقامات المحققين، وعن صعود هذا القصر - فقد أنجد من رأى حصناً، وكاد الباسل أن يظفر بهمته باليتيمة العصماء. وما الباعث لي على الإقدام على مزاحمة الأئمة الأعلام في جمع المؤلفات النافعة والكتب الجامعة، إلا أني شاهدت أن فضل ربي لا يختص بزمان، وأن المبرز في الفضل في علم الله تعالى عند حضور السباق في مضمار الرهان متقدم في حلبة الموفَّقين - وإن تأخر زمناً -، بذلك قضى أهل الحكمة إلا من كان أجبنَ من صَافر، أو أحمقَ من ربيعة البَكَّاء. فلا غَرو أقدمت على الركض في ميدان العرفان، ولم أقدم رِجْلاً، وأؤخر أخرى، وقلت: لعمري إن امتطاء الهمم في قطع الأوهام، ومنع الإحجام عن التوصل إلى حظائر القدس؛ أحق من النزول والركود في حضيض الخمول والخمود، لمن يريد حصول الأنس وأحرى. وخاطبتُ سائلتي عن وجه الحكمة حين وقفت على سابلتي بهذه

стр. 123

الكلمة على طريق الإنشاد والإنشاء: [من المتقارب] وَقَائِلَةٍ كَيْفَ نِلْتَ الَّذِيْ ... تَقَاصَرَ (١) عَنْهُ مِنَ النَّاسِ جَمٌ فَقُلْتُ دَعِيْنِيْ فَإِنِّيْ امْرُؤٌ ... رَأَيْتُ النَّوَالَ بِقَدْرِ الْهِمَم فمن كانت همته سعادة الأبد من الله، فنواله من الله رضاه، ومن كانت همته جناح بعوضة أو نواه، فنواله ما نواه؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعاه، ولا ينال فضل الله إلا من ابتغاه، أو من اختاره الله واجتباه، وفرق بين من شكر له سعيه، وبين من خاب مسعاه. وأقول: [من البسيط] يَا هِمَّةَ النَّدْبِ إِنْ جَدَّتْ جِيادُكِ فِيْ ... قَطْعِ الْمُرَادِ [و] فِيْ تَحْصِيْلِ إِسْعَادِ أَوْ لا فَيَا ضَيْعَةَ الأَوْقاتِ فِيْ لسَفَرٍ ... مَا نِلْتُ مِنْهُ سِوَىْ كَدِّيْ وَإِجْهادِ قال الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتاب "الإخلاص والنية": حدثني أبو الحسن الشيباني، قال: قلت لبعض الحكماء: فلان

стр. 124

بعيد الهمة، قال: إذن لا يرضى بمنزلة دون الجنة (١). قلت: ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]. فعلى قدر الهمَّة يكون السَّبق، وعلى قدر السَّبق يكون التقريب عند الله تعالى. وقال داود الطَّائي رحمه الله تعالى: كل نفس ترد إلى همتها، فمهموم بخير، ومهموم بِشَرٍّ (٢). وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: إن الأبرار تغلي قلوبُهم بأعمال البر، وإن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله تعالى (٣). وقال يزيد الرقاشي رحمه الله تعالى: للأبرار هِمَمٌ تبلغهم أعمال البر، وكفى بهمة دعتك إلى خير خيراً (٤).

стр. 125

روى هذه الآثارَ ابنُ أبي الدنيا رحمه الله تعالى. وروى غيرُه عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: قيمة كل عامل همتُه (١). قال أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى: فمن كانت همته الدنيا فقيمته أقل من جناح بعوضة، ومن كانت همته الله تعالى فإن نبله وشرفه ما له قيمة. فذلك وأمثاله مما ورد في فضل علو الهمة من كلام أهل المعرفة وأرباب الحكمة هو الباعثُ لي على الكَلَفِ باقتناص أوابد العلوم، وشرائد الفنون منذ كتب عليَّ قلم التكليف، وتوجه إليَّ الخطاب، والحاثُّ لي على التقاط لآلئ الفوائد، وجواهر الفرائد، وقَلْدِها في عقود التأليف على وجه الحق، ونهج الصواب. وقد قلت: [من المنسرح] بَعَثتنِيْ بَواعِثُ الْهِمَم ... فِيْ اقْتِنَاصِ الْعُلُوْمِ وَالْحِكَم فَتَرَانِي مُنْظِما دُرَراً ... فِيْ سُمُوطِ الْخُطُوطِ مِنْ كَلِمِ

стр. 126

كُتُبِي كَالسَّمَاءِ حَيْثُ هَدَتْ ... بِالدَّرارِيْ السُّراةَ فِيْ الظُّلَم وَهِيَ فَضْلٌ مِنَ الْعَظِيْمِ لَقَدْ ... خَصَّنِيْها بِخالِصِ الْكَرَمِ لَيْسَ فِيْها تَعَمُّل وَلَكَم ... سَابقَ الْفِكْرَ وَالنُّهَىْ قلَمِي حَبَّذَا مِنْحَةً وَنائِلةً ... مِنْ كَرِيْمٍ يَمُدُّ بِالنِّعَمِ لَمْ يَزَلْ قائلًا بِلا شَبَهٍ: ... وَاعَطَاءً، وَهَذهِ قُسَمِيْ ولولا بقايا عليَّ من النفس ما خلت كشوفي بسببها من اللبس، واستجليت مكنونات المعاني جهراً، واستمليت من أفواه الغيوب حقائق تنطبع في قوالب المباني تِبْراً، واستملت خواطر القلوب بألحان المعارف لا المعازف، في ألحان الماكث فيه مُطرب العرفان والعاكف، والشادي بإنشاء الإرشاد المربى على إنشاد الحادي، والرداد بآلات المثالث والمثاني حدراً حدراً. وإني - وإن أحطت - ولله الحمد - من علوم أهل الحقائق خبراً، وأخذت من كمالات النفوس التركية الفوائق نصيباً وَفْرأ - فإني لأقولن:

стр. 127

رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا، ويسرْ لي من أمري عسراً؛ فإنه لا غنى لي عن فضلك، ولا رِيَّ لقلبي كان توالت أوراد جودك عليه وبَذْلك. ولو توهمتُ الرِّي يوما من الأيام من مناهلك، لاستغفرتك من الرَّيْنِ والغين، حتى أتحقق بالزين والعين من فضائلك وفواضلك. وأقول: [من الرجز] أَسْتَمْطِرُ الْجُوْدَ وإِنِّيْ فِيْ حَرَقْ ... وإِنْ يَصِحْ غَيْرِيَ مِنْ خَوْفِ الْغَرَقْ يا رَبِّ سَرْمِدْ لِي النَّدَىْ فَإِنَّنَيْ ... أَشْفَقْتُ أَنْ أَهْلِكَ مِنْ فَرْطِ الْفَرَقْ أَسْتَغْفِرُ اللهَ إِذا ما أَشْرَقَتْ ... شَمْسٌ عَلَىْ قَلْبِي وَمِنْ بَعْدِ الشَّرَقْ

стр. 128

هذا ولقد سميت كتابي هذا: حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ وقسمته - بين فاتحته، وخاتمته، وفي كَنف مقدمته، ولاحقته - إلى قسمين، وجعلته على ضربين: * القسم الأول: فيمن ورد الأمر بالتشبه بهم، والاقتداء بهداهم، وهديهم. * والقسم الثاني: فيمن ورد النهي عن التشبه بهم، واتباع طرقهم.

стр. 129

[مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ] فأما مقدمة هذا الكتاب وسابقته، وغُرَّة هذا المؤلَّف وفاتحته: فاعلم - وفقني الله تعالى وإياك إلى الْمَحَابِّ، وهدانا إلى الصواب - أن التشبه عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به، وعلى هيئته، وحِليته، ونَعته، وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك، وتقصُّده، وتعمُّله. والشِّبْه - بالكسر والسكون، وبفتحتين -: المِثْل؛ كالشبيه. يقال: أشبهه، وتشبه به؛ ماثله. ويقال: اشتبها، وتشابها؛ أشبه كلٌّ منهما الآخر. ومنه قول القائل: [الكامل] رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ ... وَتَشابَها فَتَشاكَلَ الأَمْرُ فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ ... وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلا خَمْرُ (١)

стр. 130

وقد يعبر عن التشبه بالتشكل، والتمثل، والتزيي، والتحلي، والتخلق، أو يختص هذا الأخير بتكلف الأخلاق الباطنة، والطبائع، والصفات اللازمة. ومثله التطبع، والتسلق؛ بمعنى: تكلف مشاكلة الطبيعة، والسليقة. قال الشاعر: [من البسيط] إِنَّ التَّخلُّقَ يَأتِيْ دُوْنَهُ الْخُلُقُ (١) ويختص التشكل والتزيي والتحلي بتكلُّف الهيئة الظاهرة، والحلية البارزة، فيقال في التشبه بالحلم والكرم مثلاً: تَخَلَّقَ، وفي اللباس والزينة: تَشَكَّلَ، وتَزيَّا، وتحلَّى؛ ومنه الحديث: "لَيْسَ الإِيْمانُ بِالتَّحَلِّيْ" (٢).

стр. 131

وقد يكون التمثُّل بمعنى الدخول في الصورة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]؛ أي: تصوَّر. وقد يكون التشكُّل بهذا المعنى؛ ومنه قول العلماء: للملائكة قوة التشكُّل؛ أي: الظهور بأي صورة أرادوها. وفي "القاموس": الحِلية - بالكسر -: الخلقة والصورة والصفة (١). فعليه: يجوز أن يكون التحلِّي بمعنى الدخول في الصورة - أيضًا -، وإنّه سبحانه هو الموفق. وقد روى الإمام أبو داود في "سننه" - بإسناد حسن -، والإمام أبو عبدالثه الحاكم في "مستدركه" - وقال: صحيح الإسناد - عن عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، والإمام أبو القاسم الطبراني في "معجمه الأوسط" عن حذيفة بن اليمان ﵁، كلاهما عن رسول الله ﷺ . أنه قال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢). وإنما كان المتشبِّه بالقوم منهم؛ لأن تشبهه بهم يدل على حبه إيَّاهم، ورضاه بأحوالهم وأعمالهم. وقد قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ إِذا رَضِيَ هَدْيَ الرَّجُلِ وَعَمَلَهُ

стр. 132

فَهُوَ مِثْلُهُ". رواه الطبراني من حديث عقبة بن عامر ﵁ (١). وروى أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْجَبَهُ سَمْتُ رَجُلٍ فَهُوَ مِثْلُهُ" (٢). وَلِمَا ذكرناه من أن التشبه بالقوم يدل على محبتهم، ويفصح عن مودتهم، قال جماعة - منهم: الحارث بن أسد المحاسبي، وأبو محمد سهل بن عبد الله التستري، وأبو علي الرُّوذَباري، وأبو القاسم القشيري رحمهم الله تعالى -: إن المحبة هي الموافقة، وذلك لأن الإنسان إذا أحب أحداً أحب سائر أوصافه وأفعاله وأخلاقه، وإذا أحبها دعاه حبُّها إلى التخلق والاتصاف بها، ومهما تحلى بها أو اتصف فقد وافق ذلك المتصف بها فيها، وكل إنسان فينه محب لأوصاف نفسه، كَلِفٌ بها، فإذا ادعيت محبته لا تقوم شواهد صدقك عنده إلا بمحبتك لأوصافه وخلائقه، وكل ما ينسب إليه، ولا تتحقق منك المحبة لأوصافه وخلائقه إلا إذا رآك تحليت بها، واخترت الاتصاف بها (٣).

стр. 133

وقد قال أوقليدس الحكيم - فيما نقله عنه الشهرستاني -: من أراد أن يكون محبوبُه محبوبَك وافقكَ على ما تحب، فإذا اتفقتما على محبوب واحد فقد صرتما إلى الاتفاق (١). * فَائِدَةٌ زَائِدةٌ: قد ذكرنا أن كل إنسان محب لأوصاف نفسه، كلِفٌ بها، وهذا من البديهيات، فلا يحتاج إلى برهان، ولذلك ورد: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَوَلَدِي" (٢). ومن هنا كان الفعل في الإرشاد أبلغ من القول، وذلك لأن الإنسان إذا رأى عاملاً بخير، كان ذلك داعياً له إلى فعل ذلك الخير، أكثر مما لو دعاه إليه ذلك العامل من غير أن يعمل به، ولذلك استحب للعلماء إذا أمروا بشيء أن يعملوا به، أو نهوا عن شيء أن يُظهروا كمال الانزجار عنه؛ ليجمعوا للمأمور والمنهي بين طريقي الإرشاد. ولهذا كان النبي ﷺ إذا أراد أن يؤكد أمراً أكده بفعل نفسه، واحتج به عليه؛ كما ثبت في "الصحيحين" أنه ﷺ قال للرهط الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً: "أَنْتُمُ الَّذِيْنَ قُلْتُمْ كذَا وَكَذا؟ أمَا وَاللهِ إِنَّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأتقاكُمْ لَهُ، لَكِنِّيْ أَصُوْمُ وَأُفْطِرُ،

стр. 134

وَأُصَلّيْ وَأَرْقُدُ، وَأتزَوَّجُ النِّساءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنيْ" (١). وفي "الصحيحين" - أيضا - من حديث مالك بن الحُويرث رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ" (٢). * عَوْداً، عَلَىْ بَدْءٍ: فإن قيل: قد قررت أن التخلق بأخلاق الشخص يدل على محبته، وأن المحبة لا تتم إلا بالموافقة في الأخلاق والأحوال، وإنَّا نجد كثيراً من الناس يكرهون أن يتخلق غيرهم بأخلاقهم، أو يتحلوا بحُلاهم؟ قلت: إنما تكون كراهيتهم لذلك من حيث إن المتحلي بحليتهم إنما يريد التشبه بهم لمناظرتهم، أو معارضتهم، أو التهكُّم عليهم، أو السخرية والإزراء بهم، وذلك لا يدل على محبته لهم، ولا اتفاقه معهم - وإن كان موافقا في الصورة - بل يدل ذلك على شدة المباينة، وتمام العداوة، فلا يكون تشبهه بهم في الصورة الظاهرة منهم. بخلاف ما إذا كان تشبهه بهم، وتخلقه بأخلاقهم على سبيل الاقتداء بهم، والاتباع لهم، والاستحسان لأحوالهم؛ فإن هذا عين الدليل على محبتهم؛ لأنه لو لم يحبهم، ويحب أفعالهم لم يقتدِ بهم فيها، ولا استحسنها منهم، ولا أَحَبَّ أن تنسب إليه كما نسبت إليهم، فهو في هذه الحالة متشبه بهم في أوصافهم وأخلاقهم على

стр. 135

وجه الرضى بها لنفسه، والطمأنينة إلى نسبتها إليه، بخلافه في تلك الحالة؛ فإنه إن تشبه بهم على وجه التهكم والسخرية والإزراء فهو مُبَاين لهم في عين اتصافه بأوصافهم، غير راض نسبتها إليه - وإن تشبه بهم على وجه المناظرة والمعارضة -؛ فإنه لو لم يطمع بسبب اتصافه بأوصافهم، وتخلقه بأخلاقهم في التوصل بها إلى مباينتهم، ومضادتهم لم يكن طالباً لتلك الأوصاف، ولا مُعَرِّجًا عليها، وهذه أوقعت بين كثير من الأُستاذِيْن وتلامذتهم. وبهذا يظهر الفرق بين التشبهين؛ أعني: التشبه الذي مبناه على العداوة والمعارضة، والتشبه الذي مبناه على المحبة والموافقة، وهذا التشبه الأخير هو الذي يصير المتشبه بقوم منهم؛ فإن من وافق قوماً، وأحبهم كان منهم ومعهم في الدنيا والآخرة، كما روى الطبراني في "معجمه الكبير"، والحافظ ضياء الدين المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن أبي قرفاصة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حَشَرَهُ اللهُ فِيْ زُمْرَتهِمْ" (١). ورواه أبو نعيم في "جزء له"، ولفظه: "مَنْ أَحَبَّ قَوْماً وَوالاهُمْ حَشَرَهُ اللهُ فِيْهِمْ" (٢).

стр. 136

وروى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بإسناد جيد، من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال في حديث: "وَلا يُحِبُّ رَجُل قَوْماً إِلاَّ جَعَلَهُ مِنْهُمْ" (١). وأخرج الإمام أبو محمد البغوي في "شرح السنة" من طريق عبد الرزاق، عن ابن مسعود ﵁ قال: ثلاث أحلف عليهن، والرابعة لو حلفت عليها لبررت: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبداً في الدنيا فولاَّه غيرَه يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جاء معهم، والرابعة لو حلفت عليها لبررت: لا يستر الله على عبدٍ في الدنيا إلا ستر الله عليه في الآخرة. وقد رواه الطبراني في "معجمه الكبير" عنه مرفوعاً (٢). ورواه في "معجمه الصغير"، و"الأوسط" - بإسناد جيد - عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ هُنَّ حَقٌّ: لا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِيْ الإِسْلامِ كَمَنْ لا سَهْمَ لَهُ، وَلا يَتَوَلَّىْ اللهُ عَبْداً فِيْ الدُّنْيَا فَيُوَلِّيْهَ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَلا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْماً

стр. 137

إِلاَّ جَعَلَهُ مَعَهُمْ" (١). وروى الشيخان - أبو عبد الله البخاري، وأبو الحسين مسلم - عن أنس ﵁: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : متى الساعة؟ قال: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء أشد مما فرحوا يومئذ (٢). وفي لفظ آخر: قال: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" (٣). قال أنس: فأنا أحبُّ النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر ﵄، وأرجو أن أكون معهم (٤). ورويا - أيضاً - عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحب قوماً، ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (٥).

стр. 138

ورويا عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم، ولم يلحق بهم؛ فقال: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١). وروى أبو داود عن أبي ذر ﵁: أنه قال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: "أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، فأعادها أبو ذر، فأعادها رسول الله ﷺ (٢). فهذه الأحاديث قاضية بأن المحبة تُلحق المُقَصِّرَ في الأعمال عن درجات المجتهدين لمحبته إياهم بهم، فما ظنك بمن بلغ من محبته لهم أن يتشبه بهم في الأعمال الصالحات، والاجتهاد في تحصيل الكمالات! ! فإن قلت: كيف يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى مع هذه الأحاديث: يا ابن آدم! لا يغرنك قول من يقول: المرء مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم؛ فإن اليهود والنصارى يحبون أنبيائهم، وليسوا معهم. قال حجة الإسلام الغزالي: وهذه إشارة إلى أن مجرد ذلك من غير موافقة في بعض الأعمال أو كُلِّها لا ينفع. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في بعض كلامه: هاه! تريد أن تسكن الفردوس، وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين

стр. 139

والشهداء والصالحين، بأي عمل عملته، بأي شهوة تركتها، بأي غيظ كتمته، بأي رحم قاطعة وصلتها، بأي زلة لأخيك غفرتها، بأي قريب باعدته في الله، بأي بعيد قربته في الله! (١). فالجواب عن ذلك: أن المحب لقوم لا يخلو حاله إما أن يكون موافقاً لهم في كل أعمالهم، وأخلاقهم بحسب إمكانه، أو مخالفاً لهم في كلها، أو مخالفاً في البعض، موافقاً في البعض. فإن كان موافقاً لهم في كل أعمالهم، وأخلاقهم فهذا منهم ومعهم بلا شك؛ لأن محبته إياهم أدت به إلى اتصافه بكل أوصافهم، وتشبهه بهم في كل أحوالهم، فقد بلغ أعلى طبقات المحبة، فكيف لا يكون منهم! وهذا - أعني: المشابهة بالقوم في كل أحوال القوم - أعظم شيء يلحقه بهم. ولقد أحسن القائل: [من المتقارب] إِذا أَعْجَبَتْكَ خِصالُ امْرِئ ... فَكُنْهُ يَكُنْ فِيْكَ ما يُعْجِبُكْ فَلَيْسَ عَلَىْ الْمَجْدِ وَالْمَكْرُما ... تِ إِنْ رُمْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ (٢)

стр. 140

وفي "رسالة" الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله تعالى بإسناده عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى قال: من علامات المحب لله متابعة حبيب الله ﷺ في أفعاله، وأخلاقه، وأمره، وسننه (١). قلت: وهو مأخود من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. والمعنى فيه: أن من أحب اللهَ أحبَّه اللهُ، فإذا تابع محبُّ الله حبيبَ الله فقد صدق في الحب، وصار هو - أيضا - حبيبَ الله. وإن كان مخالفا لهم في كل أفعالهم، مبايناً لهم في كل أحوالهم، فهذا ليس منهم قطعاً، وعلى ذلك حمل الغزالي كلام الحسن، وكذلك يحمل عليه كلام الفضيل؛ لأن الظاهر أن محبة هذا مجرد دعوى، ومحضُ تَمَنٍّ، وهذا لا يقال فيه: (محبٌّ) حقيقة، بل: (مدعي المحبة). ويدل عليه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتاب "الزهد" عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم! زعمت أنك تحب الصالحين، وتفر من أعمالهم، وتبغض الفجار، وأنت أحدهم! وإن كان موافقا في البعض مخالفاً في البعض، فلا يخلو إما أن يخالفهم في أصل الإيمان، أو يوافقهم؛ فإن خالفهم في الإيمان فهذا

стр. 141

ليس منهم قطعاً؛ لأنه - وإن توهم من قلبه محبتهم والميل إليهم - فقد باينهم في أصل الإيمان الذي هو عقيدتهم، وذلك عين العداوة، فأين المحبة؟ وأيُّ عداوة أشد من عداوة الدِّين؟ كما قيل: [من البسيط] كُلُّ الْعَداواتِ قَدْ تُرْجَىْ مَوَدَّتُها ... إِلاَّ عَداوَةَ مَنْ عاداكَ فِيْ الدِّيْنِ (١) ومن هذا القبيل: محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم. وإن وافقهم في أصل الإيمان، وخالفهم في غيره من الطاعات ومكارم الأخلاق، فلا يخلو إما أن تكون مخالفته لهم في الطاعات والأخلاق والآداب رغبة عنها، وأَنَفَةً منها، ومحبة لما سواها، أو لا؛ فإن كان الأول فهذا - أيضاً - لا ينفعه أصل محبته لهم مع رغبته عن أخلاقهم وأوصافهم، ولا يلحقه بهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ" (٢)؛ لأن رغبة هذا عن أخلاق من يدعي محبتهم، وإعراضه عن أوصافهم، دليل على أن محبته تلك لا حقيقة لها، وأنها مجرد دعوى. ولا يبعد أن تكون محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم من هذا القبيل - أيضاً -؛ ألا ترى أنهم كانوا يدَّعون محبة إبراهيم ﵇، ثم كانوا يرغبون عن ملته، ثم كانوا يدَّعون أنه كان على ما هم عليه من

стр. 142

اليهودية والنصرانية، ثم افترقوا فيه، فقالت اليهود: كان منا، وقالت النصارى: بل كان منا، فشتمهم الله تعالى في كتابه العزيز، وأكذبهم في ذلك كله، فقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. فنفى عنه اليهودية والنصرانية، وأثبت له الإسلام، وعرفنا أن الإسلام دين قديم من عهد إبراهيم ﵇ لم يحدث بعده بقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]. فلا ينتفع من ادعى محبة قوم، وخالفهم في أخلاقهم، وأعمالهم رغبة عنها بمحبتهم، ولا يلحقه بهم. وكذلك - أيضاً - لو كان مشتغلاً عن متابعتهم، وموافقتهم بما هو فيه من شهوات النفس، وتُرَّهَاتِ الهوى، والعكوف على تحصيل الدنيا بأي وجه تيسرت به، بحيث غلب عليه الظلم والغش والمكر والخديعة وغير ذلك؛ فإنَّ ما يدعيه من محبتهم لا ينفعه، ولا يلحقه بهم؛ لأنه مجرد تَمَنٍّ، ومحضُ ادِّعاء لا يجدي، وكيف تثبت له محبتهم وقد عكف على أوصاف من سواهم، وجاء بأعمال من عداهم ممن ليسوا منهم؟

стр. 143

ولذلك قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنا" (١) الحديث الآتي. ومن هذا القبيل محبة الظَّلَمةِ والفَسَقةِ للصالحين، وتقربهم من المباركين بعرض أموالهم عليهم، وإرسال الهدايا إليهم، وهم مُكِبُّوْنَ على ظلمهم للناس، وإسرافهم على أنفسهم، فهؤلاء لا تنفعهم محبة الصالحين، ولا تلحقه بهم. وإن كان الثاني؛ بأن كانت مخالفته لهم لا على طريق الرغبة عن أخلاقهم، ولا على سبيل الأَنَفَةِ من أحوالهم، بل كان ذلك على سبيل العجز والتقصير عن بلوغ درجاتهم، والانحطاط عن عُلُوِّ همتهم، أو على وجه غلبة الهوى عليه، وضعفه عن مصادمته ومخالفته، فوقعت منه الزلة، وألَمَّ تلك اللمة، ولو تيسر له اللحاق بهم في وصفٍ لم يتأخر عن الاتصاف به، أو في خُلقٍ لم يتوان عن التخلق به، فهذه المخالفة والتقصير لا يُقعدانه عن اللحاق بمن يحبهم، ولا يؤخره عن الكينونة معهم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث والآثار الواردة في ذلك. ولا شك أن قول النبي ﷺ : "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" جوابا لقول القائل: يا رسول الله! المرء يحب قوماً ولما يلحق بهم (٢)؟ وفي حديث أبي ذر: ولا يستطيع أن يعمل بعملهم (٣)؟

стр. 144

دليل على أن المحب لقومٍ معهم، وإن قصر عنهم في الأعمال والأحوال، ولذلك اشتد فرح المسلمين بذلك. وروي: أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ كان شديد الحب للنبي ﷺ ، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فعرف في وجهه الحزن، فقال: "يا ثَوْبانُ! ما غَيَّرَ لَوْنَكَ؟ " فقال: يا رسول الله! ما بِيَ من ضُرٍّ ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أني لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً (١). فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وروى الطبراني، وأبو نعيم، وغيرهما، وحسنه الضياء المقدسي في "المختارة"، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلاً قال: يا رسول الله! (٢)، وذكر نحو حديث ثوبان ﵁. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المحتضرين" عن عبد الرحمن بن

стр. 145

صالح العجلي قال: قال ابن السَّمَّاك عند وفاته: اللهم إنك تعلم أني إذا عصيتك، فإني كنت أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك (١). ولَمَّا أملى الحافظ أبو الفضل شهاب الدين بن حجر العسقلاني حديث: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" أنشد في إثره - وأخبرنا به شيخ الإسلام الوالد عن مشايخه عنه -: [من السريع] وَقائِلٍ هَلْ عَمَلٌ صالحٌ ... أَعْدَدْتَهُ يَدْفَعْ عَنْكَ الْكُرَبْ فَقُلْتُ حَسْبِيْ خِدْمَةُ الْمُصْطَفَىْ ... وَحُبُّهُ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحبُّ (٢) وأنشدنا الوالد رحمه الله تعالى لنفسه، وهو أحسن من قول ابن حجر: [من السريع] مَنْ رامَ أَنْ يَبْلُغَ أَقْصَىْ الْمُنَى ... فِيْ الْحَشْرِ مَعْ تَقْصِيْرهِ فِيْ الْقُرَبْ فَلْيُخْلِصِ الْحُبَّ لِمَوْلَىْ الْوَرَىْ ... وَالْمُصْطَفَىْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبُّ
следующие страницы →