← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ليس منهم قطعاً؛ لأنه - وإن توهم من قلبه محبتهم والميل إليهم - فقد باينهم في أصل الإيمان الذي هو عقيدتهم، وذلك عين العداوة، فأين المحبة؟ وأيُّ عداوة أشد من عداوة الدِّين؟ كما قيل: [من البسيط] كُلُّ الْعَداواتِ قَدْ تُرْجَىْ مَوَدَّتُها ... إِلاَّ عَداوَةَ مَنْ عاداكَ فِيْ الدِّيْنِ (١) ومن هذا القبيل: محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم. وإن وافقهم في أصل الإيمان، وخالفهم في غيره من الطاعات ومكارم الأخلاق، فلا يخلو إما أن تكون مخالفته لهم في الطاعات والأخلاق والآداب رغبة عنها، وأَنَفَةً منها، ومحبة لما سواها، أو لا؛ فإن كان الأول فهذا - أيضاً - لا ينفعه أصل محبته لهم مع رغبته عن أخلاقهم وأوصافهم، ولا يلحقه بهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ" (٢)؛ لأن رغبة هذا عن أخلاق من يدعي محبتهم، وإعراضه عن أوصافهم، دليل على أن محبته تلك لا حقيقة لها، وأنها مجرد دعوى. ولا يبعد أن تكون محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم من هذا القبيل - أيضاً -؛ ألا ترى أنهم كانوا يدَّعون محبة إبراهيم ﵇، ثم كانوا يرغبون عن ملته، ثم كانوا يدَّعون أنه كان على ما هم عليه من

стр. 142

اليهودية والنصرانية، ثم افترقوا فيه، فقالت اليهود: كان منا، وقالت النصارى: بل كان منا، فشتمهم الله تعالى في كتابه العزيز، وأكذبهم في ذلك كله، فقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. فنفى عنه اليهودية والنصرانية، وأثبت له الإسلام، وعرفنا أن الإسلام دين قديم من عهد إبراهيم ﵇ لم يحدث بعده بقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]. فلا ينتفع من ادعى محبة قوم، وخالفهم في أخلاقهم، وأعمالهم رغبة عنها بمحبتهم، ولا يلحقه بهم. وكذلك - أيضاً - لو كان مشتغلاً عن متابعتهم، وموافقتهم بما هو فيه من شهوات النفس، وتُرَّهَاتِ الهوى، والعكوف على تحصيل الدنيا بأي وجه تيسرت به، بحيث غلب عليه الظلم والغش والمكر والخديعة وغير ذلك؛ فإنَّ ما يدعيه من محبتهم لا ينفعه، ولا يلحقه بهم؛ لأنه مجرد تَمَنٍّ، ومحضُ ادِّعاء لا يجدي، وكيف تثبت له محبتهم وقد عكف على أوصاف من سواهم، وجاء بأعمال من عداهم ممن ليسوا منهم؟

стр. 143

ولذلك قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنا" (١) الحديث الآتي. ومن هذا القبيل محبة الظَّلَمةِ والفَسَقةِ للصالحين، وتقربهم من المباركين بعرض أموالهم عليهم، وإرسال الهدايا إليهم، وهم مُكِبُّوْنَ على ظلمهم للناس، وإسرافهم على أنفسهم، فهؤلاء لا تنفعهم محبة الصالحين، ولا تلحقه بهم. وإن كان الثاني؛ بأن كانت مخالفته لهم لا على طريق الرغبة عن أخلاقهم، ولا على سبيل الأَنَفَةِ من أحوالهم، بل كان ذلك على سبيل العجز والتقصير عن بلوغ درجاتهم، والانحطاط عن عُلُوِّ همتهم، أو على وجه غلبة الهوى عليه، وضعفه عن مصادمته ومخالفته، فوقعت منه الزلة، وألَمَّ تلك اللمة، ولو تيسر له اللحاق بهم في وصفٍ لم يتأخر عن الاتصاف به، أو في خُلقٍ لم يتوان عن التخلق به، فهذه المخالفة والتقصير لا يُقعدانه عن اللحاق بمن يحبهم، ولا يؤخره عن الكينونة معهم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث والآثار الواردة في ذلك. ولا شك أن قول النبي ﷺ : "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" جوابا لقول القائل: يا رسول الله! المرء يحب قوماً ولما يلحق بهم (٢)؟ وفي حديث أبي ذر: ولا يستطيع أن يعمل بعملهم (٣)؟

стр. 144

دليل على أن المحب لقومٍ معهم، وإن قصر عنهم في الأعمال والأحوال، ولذلك اشتد فرح المسلمين بذلك. وروي: أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ كان شديد الحب للنبي ﷺ ، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فعرف في وجهه الحزن، فقال: "يا ثَوْبانُ! ما غَيَّرَ لَوْنَكَ؟ " فقال: يا رسول الله! ما بِيَ من ضُرٍّ ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أني لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً (١). فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وروى الطبراني، وأبو نعيم، وغيرهما، وحسنه الضياء المقدسي في "المختارة"، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلاً قال: يا رسول الله! (٢)، وذكر نحو حديث ثوبان ﵁. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المحتضرين" عن عبد الرحمن بن

стр. 145

صالح العجلي قال: قال ابن السَّمَّاك عند وفاته: اللهم إنك تعلم أني إذا عصيتك، فإني كنت أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك (١). ولَمَّا أملى الحافظ أبو الفضل شهاب الدين بن حجر العسقلاني حديث: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" أنشد في إثره - وأخبرنا به شيخ الإسلام الوالد عن مشايخه عنه -: [من السريع] وَقائِلٍ هَلْ عَمَلٌ صالحٌ ... أَعْدَدْتَهُ يَدْفَعْ عَنْكَ الْكُرَبْ فَقُلْتُ حَسْبِيْ خِدْمَةُ الْمُصْطَفَىْ ... وَحُبُّهُ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحبُّ (٢) وأنشدنا الوالد رحمه الله تعالى لنفسه، وهو أحسن من قول ابن حجر: [من السريع] مَنْ رامَ أَنْ يَبْلُغَ أَقْصَىْ الْمُنَى ... فِيْ الْحَشْرِ مَعْ تَقْصِيْرهِ فِيْ الْقُرَبْ فَلْيُخْلِصِ الْحُبَّ لِمَوْلَىْ الْوَرَىْ ... وَالْمُصْطَفَىْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبُّ

стр. 146

قال والدي رحمه الله تعالى: وقد ظفرت بعد ذلك ببيتين لشيخ الإسلام الوالد - يعني: الشيخ رضي الدين -، وهما أحسن من قول ابن حجر، ومن قولي، وهما: [من الخفيف] إِنْ تَكُنْ عَنْ حالِ الَّذِيْنَ اجْتَبَاهُمْ ... ربُهُمْ عاجِزاً وَتَطْلُبْ قُرْبا حِبَّ مَوْلاكَ وَالَّذِيْنَ اصْطَفَاهُمْ ... تَبْقَ مَعْهُمْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبَّا وقوله: "حِبَّ مولاك" - بكسر الحاء -؛ بمعنى: أَحِبَّ؛ لغة قليلة، يقال: حَبَّ، يَحِبُّ - بكسر ثاني المضارع -، كما في "القاموس" (١). * تَنْبِيهٌ: من شرط إلحاق المحبة من يحب بمن يحبه من الصالحين وأولياء الله تعالى: الإخلاص وحسن النية. وهذا مما أبعد المنافقين عن النبي ﷺ ، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم؛ لأنهم أظهروا محبتهم لهم، ونيتهم غير ذلك. وقال ابن مسعود: هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فكان يسمى مهاجر أم قيس. رواه الطبراني في "الكبير" بسند صحيح (٢).

стр. 147

فتأمَّل كيف لما هاجر إلى النبي ﷺ في الظاهر - والهجرة إليه دليل حبه - فلما أشرك في هجرته غيره، وأضمر طلب أم قيس، سمي بها دونه! قال بعض العلماء: وهذا كان السبب (١) في قوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَىْ، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَىْ اللهِ وَرَسُوْلهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَىْ اللهِ وَرَسُوْلهِ، وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَىْ دُنْيَا يُصِيْبُها، أَوْ إِلَىْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُهُ إِلَىْ ما هاجَرَ إِلَيْهِ". أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث عمر ﵁ (٢). وفي قوله: "أَوِ امْرَأةٍ ينْكِحُها" تلميحٌ بمهاجر أم قيس. وقد روى الطبراني - بسند جيد - عن الحسين بن علي ﵄ قال: من أحبنا للدنيا، فإن صاحب الدنيا يحبه البَرُّ والفاجر، ومن أحبنا لله تعالى، كنا نحن وهو يوم القيامة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى (٣).

стр. 148

وفي قوله: فإن صاحب الدنيا يحبه البَرُّ والفاجر: إشارة إلى أنَّ محبة أهل الدنيا ومؤاخاتهم ليس فيها فضيلة أصلاً، والأمر كذلك. وقد عوتب النبي ﷺ بإعراضه مرة عن الفقراء اشتغالاً بمحادثة من كان يرجو إسلامه من أرباب الدنيا (١)، بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. بل محبة أهل الدنيا للدنيا مكروهة أو حرام؛ لأنها ترجع إلى محبة الدنيا. وفي الحديث: "حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلّ خَطِيْئَةٍ". رواه البيهقي في "شُعَب الإيمان" عن الحسن مرسلاً (٢). وروى الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، وابن حبَّان، والحاكم - وصححاه - عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ دنْياهُ أَضَرَّ بآخِرَتهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْياهُ، فآثِرُوْا ما يَبْقَى عَلَى ما يَفْنَى" (٣).

стр. 149

وفي "الحلية" لأبي نعيم: عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: إذا رأيت القارئ يلوذ بباب السلطان فاعلم أنه لصٌّ، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فهو مرائي (١). وقوله: يلوذ بالأغنياء؛ أي: يلزمهم، ويحرص على صحبتهم. * فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ: كما أن محبة أولياء الله تعالى من شرطها الإيمان به، كذلك - أيضاً - من شرط محبة الله تعالى الإيمان به، فلا يصح دعواها لغير مؤمن. ولذلك أكذب الله تعالى اليهود في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، وذلك لأنهم لو أحبُّوه لأحبَّهم، ولو أحبَّهم لم يعذبهم. ودليل أنهم لم يحبوه، أنهم لم يؤمنوا به كما ينبغي، ولو آمنوا به لم يؤثروا عليه شيئاً، ولَمَّا لم يحبهم عذَّبهم بذنوبهم. وفي الحديث: "وإِذا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبٌ". رواه القشيري في "الرسالة"، وغيره عن أنس (٢).

стр. 150

ومعنى أنه "لم يضره ذنب": أنه لم يعذبه به بأن يوفقه للتوبة، أو يعفو عنه. ثمَّ لا بد مع الإيمان أن لا يقع من المحب المعصية على قصد المخالفة، والمعاندة لمباينتها للإيمان حينئذٍ، وهذا ما كان يقصده عبد الله ابن المبارك، ورابعة العدوية رحمهما الله تعالى بما كانا يتمثلان به من قول أبي العتاهية: [من الكامل] تَعْصِيْ الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِيْ فِيْ الأَنامِ بَدِيْع لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ بخلاف المعصية التي تكون عن خطأ وزلة؛ فإن ذلك مقتضى جِبِلَّة البشر، كما قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ يَنِيْ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِيْنَ التَّوَّابُوْنُ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححاه - من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (١).

стр. 151

فهذه المعصية لا تناقض محبة العبد لله تعالى، ولا تقعد بمحب الله ورسوله وأنبيائه وصالحي خلقه عن اللحاق بهم في جوار الله تعالى وداره. وعلى ذلك ما روي في الحديث الصحيح: أن نعيمان رضي الله تعالى عنه كان يؤتى به إلى النبي ﷺ شارباً، فأتي به مرة، فحدَّه النبي ﷺ ، وضربه بالنِّعال، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : "لا تَلْعَنْهُ"، وفي رواية: "لا تَسُبُّوْا نُعيْمانَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ" (١). فأثبت له النبي ﷺ محبة الله ورسوله مع هذه المعصية؛ لأنها كانت عن خطأ وزلة، لا عن قصد المباينة والمخالفة؛ فإنها لو كانت كذلك لكانت مناقضة للمحبة؛ فإن هذه المعصية لا تجامع المحبة

стр. 152

أصلاً بخلاف تلك. وأنت فتأمل في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فإنه أثبت للمحبين ذنوباً تغفر، وهي ذنوب الخطأ والزلات، لا ذنوب القصد والمخالفات. وفي الآية لطيفةٌ، وهي أنه جعل وجود المحبة مشروطاً بوجود الاتباع، لا بعدم المعصية. قال وهب بن منبه: قال إبليس: يا رب! إن عبادك يحبونك ويعصونك، ويبغضوني ويطيعوني، فقال الله تعالى: إني قد غفرت لهم ما يعصوني بما أحبوني، وعفوت عما يطيعونك بما أبغضوك. وروى الطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَنْباً يَعْتَادُهُ الْفَيْنَةَ (١) بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْباً لا يَتْرُكُهُ حَتَّىْ يَمُوْتَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ خَطَّاءَ نسَّاءَ، فَإِذَا ذَكَرَ ذُكِرَ" (٢). وروى البزار، والطبرانيُ - وحسنه ابن حجر في "أماليه" - عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ وَاهٍ رَاقِعٌ (٣)، وَسَعِيْدٌ

стр. 153

مَنْ ماتَ عَلَىْ رُقْعَةٍ" (١). وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمن قد يقع منه المعصية على وجه الخطأ والنسيان، ولا يضره ذلك إذا مات على توبة وإحسان، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]. ويؤخذ من ذلك أن نسيان العبد وعصيانه مظهر لكرم الله وإحسانه؛ إذ لولا معصية العبد لما ظهر وصف العفو والحلم والعدل ونحوها. ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ : "وَالَّذِيْ نَفْسِيَ بِيَدهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ، وَيَسْتَغْفِرُوْنَ اللهَ، فَيَغْفِرَ لَهُمْ". رواه الإمام أحمد، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). ولنا في هذا المقام: [من السريع] إِذا عَصَيْنا اللهَ عَنْ زَلَّةٍ ... عُدْنا إِلَى خالِصِ غُفْرانِهِ وإنْ نَسِيْنا عَهْدَهُ إِنَّمَا ... نِسْياننُا مُظْهِرُ إِحْسانِهِ وَلَمْ نُعانِدْهُ بِعِصْيانِنا ... مُذْ مُلِئَ الْقَلْبُ بِإِيْمانِهِ * تَتِمَّة: مقتضى قوله ﷺ : "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (٣): أن المتحابين في الله

стр. 154

متى كان أحدهما أرفع من الآخر مقاماً لحق به. ثم له فائدة أخرى في التحاب، بل لهما إذا تحابا في الله - وهما مقصران في الطاعة - في التحاب هذه الفائدة العظيمة، وهي ما رواه أبو نعيم عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنا شَفِيْعٌ لِكُلِّ أَخَوَيْنِ تَحابَّا فِي اللهِ مِنْ مَبْعَثِي إِلَى يَومِ الْقِيامَةِ" (١). ولا شك أن الشفاعة إنما تكون لمن قصرت به أعماله.

стр. 155

فَصْلٌ أسند الأستاذ الكبير العارف بالله تعالى شهاب الدين أبو حفص السُّهروَردي رحمه الله تعالى في باب (المتصوف والمتشبه) من كتاب "عوارف المعارف" حديث: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١)، ثم قال: فالمتشبه بالصوفية ما اختار التشبه بهم دون غيرهم من الطوائف إلا لمحبته إياهم. قال: وهو مع تقصيره عن القيام بما هم فيه يكون منهم لموضع إرادته ومحبته. ثم قال: ومحبة المتشبه إياهم لا تكون إلا لتنبه روحه لما تنبهت له أرواح الصوفية؛ لأن محبة أمر الله تعالى، وما يقرب منه، تكون بجاذبة الروح (٢).انتهى. وفيه إشارة إلى ما قررناه سابقاً من أن المتشبه بقوم إنما يتشبه بهم في الغالب لمحبته إياهم، وأن محبته إياهم وتشبهه بهم إنما

стр. 156

يكون لتوافق روحه وأرواحهم فيما تنبهت له أرواحهم من خير وشر، وهو كذلك. ولا شك أن الأرواح إذا تنبهت لشيء واحد واطمأنت إليه، فقد توافقت، وتجانست، وتشاكلت، وتشابهت، وتقاربت - وإن تباعدت أجسادها -. نعم، لو اجتمعت أجسادها يوماً لظهرت هذه المعاني بينها بالتحلي والتشبه والمجاورة والموافقة. ألا ترى إلى قول الله - عزوجل -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. فبيَّن أن قلوب السابقين واللاحقين تشابهت في الجهل والكفر حتى قالوا مثل ما قالوا، فاتفاقهم في القول سببه اتفاق القلوب والأرواح - وإن طالت المدد بينهم - فهم مجموعون في العذاب لاجتماع قلوبهم على الكفر والجهل، كما يجتمع أهل الإيمان في النعيم لاجتماع قلوبهم على الإيمان والمعرفة. فالعبرة باجتماع القلوب، واتفاق الأرواح - وإن تباعدت الأجساد -. وكذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ

стр. 157

الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]. فيه إشارة إلى أن من كانوا مجتمعين مع النبي علي ﷺ في المعابد والمشاهد، ما قرت عينه منهم إلا ممن تألفت قلوبهم على المودة والإيمان بتأليف الله تعالى. ومن خالف قلبه قلوبهم، وعَقْدُهُ عقدَهم، لم يكن له فيه قرة عين؛ كعبد الله بن أبي ابن سلول (١)، وأضرابه من المنافقين على أنهم كانوا يصلون معه ومع أصحابه، ويشهدون معهم المشاهد، ثم كانوا يفترقون، فالمؤمن مع المؤمن، والمنافق مع المنافق، فيتسارُّ المنافقون بما اجتمعت عليه قلوبهم من الكفر وذم المؤمنين وأذاهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٣، ١٤]. وأكثر المنافقين كانوا من أهل المدينة، فلما ظهرت منهم مَخايل النفاق هَجَرَهم الأنصار كما هجرهم المهاجرون - على أنهم كانوا هم والأنصار أهل مدينة واحدة، بل كانوا أقارب وعشائر -

стр. 158

لافتراق قلوبهم. وتَوافَقَ الأنصار والمهاجرون لاتفاق قلوبهم على الإيمان، وتآلفها مع أن هؤلاء من بلاد، وهؤلاء من بلاد، ولم يكن بينهم قبل ذلك قرابة ولا عشرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لو أن مؤمنًا دخل إلى مجلس فيه مئة منافق، ومؤمن واحد، لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقاً دخل إلى مجلس فيه مئة مؤمن، ومنافق واحد، لجاء حتى يجلس إليه. رواه البيهقي موقوفاً (١)، وذكره صاحب "الفردوس" من حديث معاذ ﵁ مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ (٢). قال حجة الإسلام رحمه الله تعالى: وهذا يدل على أن شبيه الشيء منجذب إليه بالطبع، وإن كان هو لا يشعر به (٣). وأنشدوا في المعنى: [من الطويل]

стр. 159

فَلا تَحْقِرَنْ شَخْصاً وَأَنْتَ خَلِيْلُهُ ... فَكُلُّ امْرِئٍ يَصْبُوْ إِلَىْ مَنْ يُجانِسُ (١) وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر؛ فإن أشكال الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة. قال: فرأى يوماً غراباً مع حمامة فتعجب من ذلك، وقال: اتفقا وليسا من شكل واحد، ثم طارا، [فإذا هما أعرجان] (٢)، فقال: من هاهنا اتفقا. قال حجة الإسلام: ولذلك قال: كل إنسان يأنس إلى شكله، كما أن كل طير مع جنسه (٣). وقد روى الإمامان؛ البخاري من حديث عائشة، ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "الأَرْواحُ جُنُوْدٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْها ائتُلَفَ، وَما تَنَاكَرَ مِنْها اخْتَلَفَ" (٤).

стр. 160

قال عبد الله بن مسعود ﵁: الأرواح جنود مجندة؛ تلاقى فتَشَامُّ كما تَشَامُّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. نقله البغوي في "شرح السنة" (١). ثم قال: وفي الحديث - يعني: المتقدم -: بيان أن الأرصل خلقت قبل الأجساد، وأنها مخلوقة على الائتلاف والاختلاف، كالجنود المجندة إذا تقابلت تواجهت. قال: وذلك على ما جعلها عليه من السعادة والشقاوة. ثم الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل والتناكر في بدء الخلق، فترى البَرَّ الْخَيِّرَ يحب مثله، والفاجر يألف شكله، وينفر كلٌّ عن ضده (٢). انتهى. وقال بعضهم في عقد الحديث: [من البسيط] إِنَّ الْقُلُوْبَ لأَجْنادٌ مُجَنَّدَةٌ ... لِلَّهِ فِيْ الأَرْضِ بِالأَهْواءِ تَخْتَلِفُ

стр. 161

فَما تَناكَرَ مِنْها فَهْوَ مُخْتَلِفٌ ... وَما تَعارَفَ مِنْها فَهْوُ مُؤْتَلِفُ (١) وقد روى الإمام أحمد، والحسن بن سفيان في "مسندهما" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن امرأة بمكة كانت تُضحِك النِّساء، وكانت بالمدينة أخرى، فنزلت المكيَّة على المدنيَّة، فدخلت على عائشة، فأضحكتها، فقالت: أين نزلتِ؟ فذكرت لها، فقالت: صدق الله ورسوله؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأَرْوَاحُ جُنُوْدٌ مُجَنَّدةٌ"، الحديث (٢). وروى البخاري في "أدبه"، والطبراني في "معجمه الكبير" عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ رُوْحَيِ الْمُؤْمِنَيْنِ يَلْتَقِيانِ عَلَى مَسِيرَةِ يَويم وَلَيْلَةٍ، وَما رَأَى واحِدٌ مِنْهُما وَجْهَ صاحِبِهِ" (٣).

стр. 162

قال بعض العلماء: إن الله تعالى خلق الأرواح، ففلق بعضها من بعض، وأطافها حول العرش، فأي روحين من فلقتين تعارفتا هناك والتقتا، تواصلا في الدنيا (١). انتهى. وقلت في هذا المعنى: [من الوافر] ذَرِئْنِيْ يَا أُمَيْمَةُ إِنَ وَجْدِيْ ... بِأُلاَّفِيْ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيْمِ تَلاقَيْنا حَوالَي عَرْشِ رَبِّي ... وَقَدْ طَوَّفْتُ بِالْعَرْشِ الْعَظِيْمِ تَشَمُّ الرُّوْحُ مِنِّيْ رُوْحَ إِلْفِي ... عَلَىْ بُعْدِ الْهَياكِلِ وَالْجُسُوْمِ فَمَنْ يَكُ شَكْلُهُ شَكْلِي فَإِنِّيْ ... سآلَفُهُ وَأَجْعَلُهُ حَمِيْمِي وَأُشْبِهُهُ وُيشْبِهُنِيْ وَنَغْدُوْ ... وِفاقاً فِيْ الطِّباعِ وَفِيْ الْهُمُوْمِ وَمَنْ لَمْ ألفَ مِنْ أُلاَّفِ رُوْحِيْ ... سَأَرْجِعُ عَنْ مُوافَقَةِ اللَّئِيْمِ

стр. 163

وقلت - مع الإشارة إلى معاني أخرى لطيفة، ومعارف رحمانيَّة شريفة -: [من البسيط] قُلُوْبُنا بِلَهِيْبِ الشَّوْقِ مُحْتَرِقَة ... مَعْ أَنَّهَا لِطِباقِ الْقُرْبِ مُخْتَرِقَهْ فَاعْجَبْ لِضِدَّيْنِ كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُما ... حالُ اللِّقاءِ وَحالُ الشَّوْقِ مُتَّفِقَهْ عُلْوِيَّةٌ لَقِيَتْ مَطْلُوْبَها وَغَدَتْ ... تَبْغِيْ الرُّقِيَّ إِلَى الْعَلْياءِ مُعْتَلِقَهْ لَكِنَّها أَلِفَتْ سُفْلِيَّ جُثَّتِها ... مَزْجاً بِهِ كمِياهِ الْعُوْدِ مُلْتَصِقَهْ وَتَبْتَغِيْ لَوْ وَفَّتْ حَقَّ الْجِوارِ لِما ... كانَتْ بِهِ بِدِيارِ الْحِسِّ مُعْتَنِقَهْ ما بَيْنَ هذَيْنِ تَلْقاهَا مُحَيَّرَةَ ... بَيْنَ الْمَعانِيْ وَبَيْنَ الْحِسِّ مُنْخَنِقَهْ حَتَّىْ إِذا غَلَبَ الْعَقْلُ الْحَكِيْمُ بِما ... يُعْطَىْ مِنَ الرُّشْدِ وَالتَّوْفِيْقِ وَالشَّفَقَهْ

стр. 164

طابَتْ بِنَشْوَتِها حَتىْ عَلَتْ وَعَلا ... جُثْمانُها بِجَنابِ الْقُدْسِ مُلْتَحِقَهْ فَاشْتَمَّ ناسُوْتُها اللاَّهُوْتَ مُرْتَقِياً ... فِيْ ساحَةِ الْمَلَكُوْتِ الْقَمْرَ وَالطَّبَقَهْ تَوافَقَتْ هِيَ وَالْجُثْمانُ فِيْ صُعُدٍ ... كَالشَنِّ وافَقَ فِيْ تَمْثِيْلِهِمْ طَبَقَهْ طابَتْ صَبُوْحًا بِكاساتِ الرِّضَا وَحَسَتْ ... كَأسَ الْهَنا بِرَحِيْقِ الأُنْسِ مُغْتَبِقَهْ طُهْرِيَّةُ الذَّاتِ مِعْطارٌ عَناصِرُها ... يَغْدُوْ بِها الأفْقُ وَالأَرْجاءُ مُعْتَبِقَهْ مَا لَمْ تُشَبْ بِهَواها وَهْوُ فاتِنُها ... مَهْما غَدَتْ بِسِهامِ البَيْنِ مُرْتَشِقَهْ مَخْذُوْلَةٌ رُتِقَتْ مِنْ بَعْدِما فُتِقَتْ ... ثُمَّ انْبَرَتْ بِنِصالِ الْمَقْتِ مُنْفَتِقَهْ أَوْدَىْ بِها الْجِسْمُ أَوْ أَوْدَتْ بِهِ كَلَفاً ... بِالتُّرَّهَاتِ وَلَمْ تُوْعَظْ بِمَنْ خَلَقَهْ

стр. 165

فَاسْتَلْحَقَتْ دَرَكاتِ التُّرْبِ هابِطةً ... أَدْنَىْ الْحَضِيْضِ كَيُرْبُوْعٍ أَتَىْ نَفَقَهْ شَتَّانَ بَيْنَ مُقامَيْها مُنَعَّمَةً ... عُلْواً وَفِيْ ثِقَلِ النَّاسُوْتِ مُحْتَرِقَهْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَوْ نالَتْ مَقامَةَ مَنْ ... أَضْحَتْ عَلَيْهِ مَعانِيْ الْكَوْنِ مُتَّسِقَهْ دامَتْ عَلَىْ الشَّوْقِ لا تُشْفَىْ غلائِلُها ... حَتَّىْ تَرَىْ اللهَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْحَدَقَهْ أَرْخَىْ عَلَيْها مِنَ الرِّضْوانِ أَرْدِيَةً ... فِيْ جَنَّةِ الْخُلْدِ وَالأَلْطافُ مُتَّفِقَهْ مِنْ بَعْدِ فَيْنَاتِها الأُخْرَىْ وَقَدْ شَرَخَتْ ... لَهَا غُصُوْنُ شَبابِ الأُنْسِ مُنْبَسِقَهْ مَعَ الأَخِلاَّء كِانَتْ قَبْلُ أَنْفُسُهُمْ ... رُوْحٌ بِرُوْحٍ لِوَجْهِ اللهِ مُعْتَلِقَه إِذْ يَنْزِعُ اللهُ غِلاًّ مِنْ صُدُوْرِهِمُ ... فَوْقَ الأَسِرَّةِ وَالأَكوابُ مُنْدَهِقَهْ

стр. 166

ذاكَ الْعَطاءُ لِذاتٍ راقَ مَشْرَبُها ... مِنْ مَنْهَلِ الشَرْعِ لِلْخَيْراتِ مُسْتَبِقَهْ مَأخُوْذَةُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِ الْحَبِيْبِ غَدَتْ ... بِحُرْمَةِ الْجَمْعِ فِيْ التَّحْقِيْقِ مُنْتَطِقَهْ مَمْحُوَّةٌ فِي وُجُوْدِ اللهِ فانِيَةٌ .... مَمْحُوْقَةٌ فِيْ شُهُوْدِ اللهِ مُنْسَحِقَهْ

стр. 167

فَصْلٌ ولما كان الطبع يسرق من الطبع، ويسري إليه - خصوصاً مع طول الصحبة، والمعاشرة - حتى يدعو ذلك الشخص إلى تخلقه بخلق مجاوره ومعاشره، كما ترى ذلك كثيراً في كثير من الحيوانات المتوحشة إذا أكثر مقامها بين الناس أَلِفَتْهُمْ، وفهمت إشاراتهم، ومنها ما يقبل التعليم كالببغاء، والقُمْرِيِّ من الطير، والفهد والقرد من السباع والبهائم، بل تبلغ من تآلفها بهم أن لو خرجت عنهم لاستوحشت إلى الأنس بهم، ونفرت عن الوحشة منهم، ولذلك قيل: للمجاورة تأثير، وقيل: من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم. لَمَّا كان ذلك كذلك، جاء النهي عن الإقامة في بلاد الكفار وعن مساكنتهم ومجاورتهم، والأمر بالهجرة عنهم، فروى أبو داود، والترمذي، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "أَنَا بَرِيْءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيْمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِيْنَ؛ لا تَراءَىْ ناراهُما" (١).

стр. 168

وفي هذا الحديث معنى آخر، وهو أن إقامة المسلم ببلادهم توجب ذِلَّة المسلم فيهم، وإهانته بينهم؛ وقد قال رسول الله ﵁: "لا يَنْبَغِيْ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قيل: وكيف يدُّل نفسه؟ قال: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ لِمَا لا يُطِيْقُ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه عن حذيفة ﵁، والطبراني - بسند جيد - عن ابن عمر ﵄ (١). وروى الطبراني - أيضاً - في "معجمه الكبير" عن سَمُرة بن جندب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تُساكِنُوْهُمْ - يَعْنِيْ: الْمُشْرِكِيْنَ -، وَلا تُجامِعُوْهُمْ؛ فَمَنْ ساكَنهمْ، أَوْ جامَعَهُمْ، فَهُوَ مِثْلُهُم" (٢). ورواه أبو داود بلفظ: "مَنْ جامَعَ الْمُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ" (٣). وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم،

стр. 169

وعلى فراق المشرك. رواه النسائي (١). وله - أيضاً - نحوه عن أبي نجيلة البجلي، [عنه] (٢). وقوله: "وعلى فراق المشرك" شامل لمفارقته في الدار، فتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار الدِّيْن من بلاد الشرك إلى ديار الإسلام. ولقد قطع الله الموالاة بين المؤمن المهاجر، والمؤمن الذي لم يهاجر؛ إذ كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة؛ تأكيداً لوجوب الهجرة على المؤمنين من بلاد المشركين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. وروى الإمام أحمد، وغيره - وصححه الحاكم - عن جرير بن عبد الله ﷺ قال: المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة (٣). والمراد بالولاية في هذا الحديث: المناصرة والتوادُّ والتحالل. وذلك أن المهاجر لما هاجر من أرض قومه وهم على كفرهم

стр. 170

وفارقهم، انقطعت الوصلة بينه وبينهم، واتصل بمن هاجر إليهم، وهذا بعينه هو السبب في اتحاد المهاجرين، والأنصار حتى جمعهم الله تعالى في كتابه، وقال في الأنصار: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]؛ وكيف لا يحبون من هاجر إليهم وقد رغب عن قومه إليهم! والهجرة من شأن الأنبياء ﵈، ولذلك قال ﷺ : "لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأَنْصارِ، وَلَوْ أَنَّ النَاسَ أَخَذُوْا وادِياً وَشِعْباً، وَسَلَكَتِ الأَنْصارُ وادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصارِ وَشِعْبَهُمْ". رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ (١). ولقد هاجر محمد ﷺ ، وأمر أصحابه بالهجرة، وهاجر قبله أبوه إبراهيم ﵇ وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩] الآية. وهاجر معه ابن أخيه لوط ﵉، وهاجر موسى ﵇ من مصر إلى مَدْين، وهذه سنة الأنبياء والصالحين، ولو شاؤوا لدعَوا على أهل الشرك فهلَكوا، أو سلِموا هم من أذاهم، ولم يهاجروا من أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك تشريعاً لأتباعهم؛ إذ لا يمكن كلاًّ من الأتباع ذلك، ولو أقاموا بين المشركين وآذوهم، لم يطيقوا، فربما

стр. 171

فتنوهم، أو أهلكوهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَقامَ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ". رواه الطبراني في "معجمه الكبير"، والبيهقي في "سننه" عن جرير ﵁ (١). وهو - أعني: حديث جرير المار - شا مل - أيضاً - لمفارقة المشركين في الخلق والوصف والفعل، فهو متضمن النهي عن التشبه بالمشرك - أيضاً -، بل الحذر من التشبه بالمشركين هو السبب في نهي المسلم عن مساكنتهم، وأمره بمفارقتهم؛ فإن كثرة الاختلاط بالمشركين توجب ائتلاف من يخالطهم لأحوالهم، وتفضي به إلى التشبه بهم ولو في شيء ما من أحوالهم وأفعالهم، فتعينت مفارقتهم حذراً من سريان الطبع إلى الطبع - كما ذكرناه -. وكذلك ورد: "مَنْ أكثَرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢). وروى الخطيب البغدادي في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى

стр. 172

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَوَّدَ مَعَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَوَّعَ مُسْلِماً لِرِضَىْ سُلْطانٍ جِيْءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَعَهُ" (١). وفي النهي عن تكثير سواد الكفار والفسَّاق مبالغة في التنفير عنهم وعن مخالطتهم؛ لأن ذلك صادق على الوقوف في سوادهم مرة واحدة. وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله - تعالى ذكره - فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] (٢). فانظر كيف استوجب هؤلاء هذا الوعيد الشديد بمجرد تكثير سواد المشركين، ووقوفهم معهم مع اعتذارهم باستضعافهم واستهانتهم لمَّا كانت الهجرة ممكنة لهم، والمفارقة سائغة منهم، على أنه لم يثبت أنهم ساعدوا المشركين في قتالهم إلا بمجرد الوقوف معهم، وتكثير سوادهم، فما ظنك بمن يتشبه بالمشركين والفاسقين! وممَّا يدل على أن مجرد تكثير سواد الفاسقين موجب للحاق بهم:

стр. 173

ما رواه الطبراني - ورجاله رجال الصحيح إلا ابن لَهيعة، وحديثه لا بأس به - عن خَرَشَة بن الحُرِّ - وكان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم -: أن النبي ﷺ قال: "لا يَشْهَدْ أَحَدُكُمْ قَتِيْلاً، فَعَسَىْ أَنْ يُقْتَلَ مَظْلُوْماً، فتَنْزِلَ السَّخْطَةُ عَلَيْهِمْ، فَتُصِيْبَهُ مَعَهُمْ" (١). فليس في هذا الحديث أن السخطة أصابته معهم إلا من حيث إنه شهد معهم قتل القتيل، وكثر سوادهم، ولم يباشر القتل؛ فما ظنك بمن يباشر القتل أو غيره من الفسوق، ويشارك أهله فيه، ويتشبه بهم! ومن ثَمَّ جاء النهي عن مصاحبة الفسَّاق ومجالستهم. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُجَالِسُوْا أَهْلَ القَدَرِ ولا تُفَاتِحُوهُمْ" (٢). وقال عمر ﵁ في كلام له رواه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف"، وأبو نعيم في "الحلية"، والأصفهاني في "الترغيب"، وغيرهم:

стр. 174

ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره (١). وقال علي رضي الله تعالى عنه، فيما رواه عنه الخطابي في "العزلة"، وأبو عبد الرحمن السلمي في "آداب الصحبة": [من الهزج] وَلا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ ... وَإِيَّاكَ وإيَّاهُ فَكَمْ مِنْ جاهِلٍ أَرْدَىْ ... حَلِيْماً حِيْنَ واساهُ يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ... إِذا ما هُوَ ماشاهُ وَلِلْقَلْبِ عَلَىْ الْقَلْبِ ... دليْلٌ حِيْنَ يَلْقاهُ وَلِلْمَرْءِ عَلَىْ الْمَرْءِ ... مَقايِيْسٌ وَأَشْباهُ (٢) وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، والامام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبَّان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تُصاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِناً، وَلا يَأْكُلْ طعامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" (٣).

стр. 175

وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَرْءُ عَلَىْ دِيْنِ خَلِيْلِهِ" (١). إنَّ مآلهما إلى التوافق في الدِّين بسبب سريان طبع أحدهما إلى الآخر، ثم من كان منهما متمكناً في حاله غلب على الآخر؛ فإن كان حال الفاسق أمكن في فسقه من حال الصالح العدل في صلاحه وعدله غلب الفسق عليهما، وإن كان حال الصالح أمكن في صلاحه من حال الفاسق في فسقه وفجوره غلب الصلاح عليهما، ولكن يتعين على ذلك العدل الصالح أن لا يصحب ذلك الفاسق إلا إذا تحقق بغلبة حاله. ثم هو في ذلك على خطر عظيم لاحتمال غلبة حال الفاجر من حيث خفي ذلك عليه - خصوصاً في هذه الأعصار المتأخرة -، فإن الفجور غالب على الناس، والشر منتشر فيهم، وبضاعة الصلاح مُزْجاة بينهم، وقد قلَّ راغبوها، وعزَّ طالبوها، فلا تكاد تجد للتقوى طالباً، ولا للحق ناصراً، مع كثرة أنواع الباطل والفجور، وفرط الرغبة في أنواع اللهو والغرور. فإن فرض أن أحداً تحقق بقُوَّته في الدين، وأيقن بالتمكين، فلا بأس إذا صحب أهل الفجرة والشر رجاءَ نقلهم إلى الخير والبر، كما كان رسول الله ﷺ يجالس المنافقين، ويصاحبهم مع علمه بأحوالهم، وكذلك

стр. 176

لم تزل الأنبياء ﵈ يصابرون كفار أممهم ومنافقيها حتى يتحققوا عدم إيمانهم. وقد روي: أن يحيى وعيسى ﵉ كانا يسوحان في البرية جميعًا، فإذا دخلا المدن نزل عيسى على شرار الناس رغبة في هدايتهم، ونزل يحيى على خيار الناس رغبة في صحبتهم. وقد رواه الإمام أحمد في "الزهد" على وجه آخر عن سفيان بن عيينة قال: كان عيسى ويحيى ﵉ يأتيان القرية، فيسأل عيسى عن شرار أهلها، ويسأل يحيى عن خيار أهلها، فقال: لِمَ تنزل على شرار الناس؟ فقال: إنما أنا طبيب أداوي المرضى (١). وأما من تحركت روحه، وتنبهت خليقته من أهل التخليط إلى الرغبة في التوبة، والإقلاع عن الحَوبة، فدعاه ذلك إلى التفتيش عن الصالحين، والاجتهاد في طلب المتقين، فهذا يتعين عليه إن ظفر بأحد منهم أن يحرص على موافقته ومرافقته، ولا يفرط في صحبته ومجالسته، فعسى أن تسري إليه أخلاقه وأفعاله، وتتفق له أوصافه وأعماله، وعلى الآخر أن يُقبل عليه، ويستوصي به خيراً؛ لأنه من أحباب الله تعالى؛ إذ يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: جالسوا التوابين؛ فإنهم أرق شيء

стр. 177

أفئدة. رواه ابن أبي شيبة، وغيره (١). وروى ابن المبارك في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: المؤمن شُعْبَة من المؤمن؛ إن به حاجته، إن به علته، إنه يكلمه، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، وهو مرآة أخيه، إن رأى منه ما لا يعجبه سدَّده وقوَّمه ووجَّهه، وخاطبه في السر والعلانية، إن لك من خليلك نصيبًا، إن لك نصيبا من ذِكْرِ من أحببت، فتَنَقَّ الأصحابَ والإخوان والمجالس (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن معاوية بن قرة قال: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بُنَيَّ! جالسِ الصالحين من عباد الله؛ فإنك تصيب من مجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك أن تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم. يا بُنَيَّ! لا تجالس الأشرار؛ فإنك لا تصيب من مجالستهم خيراً، ولعله في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبةٌ فتصيبك معهم (٣). وقد أشار لقمان - الذي امتنَّ الله عليه بالحكمة، ونوَّه باسمه في كتابه العزيز - إلى أن تكثير السواد لا بد له من أثر - خير أو شر -، وأقل

стр. 178

ما في ذلك أن تكثير سواد أهل الخير يوجب المساواة معهم في الرحمة، وتكثير سواد أهل الشر يوجب المساواة معهم في العقوبة، ولو لم يكن فيه إلا ذلك لكفى. وروى ابن المبارك في "الزهد" عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه دعي إلى وليمة، فلما حضر إذا هو بصوت، فرجع، فقيل له: ألا تدخل؟ فقال: أسمع صوتاً، ومن كَثَّرَ سواداً كان من أهله، ومن رضي عملاً كان شريك مَن عمله (١). وروى البيهقي في "الشُّعَب" عن مكحول قال: إياك ورفيقَ السوء؛ فإن الشر للشر خُلِقَ (٢). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن يحيى بن آدم قال: كان الثوري - يعني: سفيان - يتمثل: [من الكامل] اُبْلُ الرِّجالَ إِذا أَرَدْتَ إِخاهُمُ ... وَتَوسَّمَنَ أُمُوْرَهُمْ وَتَفَقَّدِ فَإِذا وَجَدْتَ أَخا الأَمانَةِ وَالتُّقَىْ ... فَبِهِ الْيَدَيْنِ قَرِيْرَ عَيْنٍ فَاشْدُدِ

стр. 179

وَدعِ التَّخَشُّعَ وَالتَّذَلُّلَ تَبْتَغِي ... قُرْبَ امْرِئٍ إِنْ تَدْنُ مِنْهُ يَبْعُدِ (١) (٢) وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيْسِ الصَّالح وَجَلِيْسِ السُّوْءِ؛ كَحامِلِ الْمِسْكِ وَنافِخ الْكِيْرِ؛ فَحامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يَحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتاعَ مِنْهُ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طَيِّبَةً، وَنافخُ الْكِيْرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثَوْبَكَ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريْحاً مُنْتِنَةً" (٣). قوله ﷺ : "فَحامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يَحْذِيَكَ" - بالحاء المهملة، والذال المعجمة، وأوله مفتوح -: أن يعطيك. هذا مثل الجليس الصالح؛ فإنه إما أن يعطيك من فوائده، ويهديك إلى مقاصده، وإمَّا أن تأخذ أنت من أخلاقه، وَيسري إليك من طباعه. ولذلك قال أبو محمد الجُريري رحمه الله تعالى: كمال الرجل في ثلاثة؛ في الغربة والصحبة والفطنة، أما الغربة فلتذليل النفس، وأما

стр. 180

الصحبة فليتخلق بأخلاق الرجال، وأما الفطنة فللتمييز (١). "وإِمَّا أَنْ تَجِدَ عِنْده رِيْحاً طَيِّبةً" من حكمة تجدها عنده، أو رحمة تنزل عليه وأنت معه. وقد قلت في المعنى: [من الوافر] أَلا خَيْرُ الأُمُوْرِ لِكُلِّ عَبْدٍ ... يُحاوِلُ أَنْ يَنالَ نَدَىً عَظِيْماً جَلِيْسٌ صالحٌ يُحْذِيْهِ عِلْماً ... وَيهْدِيْهِ الصِّراطَ الْمُسْتَقِيْما وُيكْسِبُهُ الْمَكارِمَ وَالْمَعالِيْ ... فَيَغْدُوْ فِيْ خَلائِقِهِ كَرِيْما وُيظْفِرُهُ وإِنْ لَمْ يَحْوِ فَضْلاً ... بِرَحْمَةِ رَبِّهِ الْبرِّ الرَّحِيْما وقوله ﷺ : "وَنافخ الْكِيْرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيابَكَ ... إلى آخره" هذا مثل جليس السوء؛ فإما يتلف عليك دينك، ويدنِّس منك عرضك، وإما أن تجد منه رائحة منتنة من غيبة أو نميمة أو نحو ذلك، أو من سخط ينزل عليه وأنت عنده، أو عذاب يأخذه وأنت معه، فمن يجالس العبد السوء فقد تعرض لذلك كله.
следующие страницы →