قدر على بطنه قدر على دينه، ومن قوي على بطنه قوي على الأخلاق الصالحة، ومن لم يعرف مضرته في دينه من قِبَلِ بطنه فذاك رجل من العابدين أعمى (١).
وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: معاشر الأنبياء (٢)! تعالوا أعلمْكم خشية الله؛ أيما عبد منكم أحب أن يحيا ويرى الأعمال الصالحة فليحفظ عينه أن تنظر إلى السوء، ولسانه أن ينطق بالإفك، عين الله إلى الصديقين، وهو يسمع لهم (٣).
وفي كتاب الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
قال الحسن: سديداً: صدقاً. رواه الفريابي، وعبد بن حُميد (٤).
وقال [قتادة]: عدلاً. رواه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم (٥).
стр. 1157
وروى هؤلاء، وابن أبي شيبة عن عكرمة في الآية قال: قولوا: لا الله إلا الله (١).
ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" عنه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
فالتقوى، والعدل، والصدق، وذكر الله تعالى أعظم مُعين على تحصيل مقام الصالحين.
وروى ابن أيي الدنيا في "التقوى" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] " (٣).
وروى سمُّويه في "فوائده" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب الناس، أو علَّمهم لا يَدَعُ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٤).
стр. 1158
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ:
قال الدينوري في "المجالسة": حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: بلغني أن الصالحين كانوا يستنجحون (١) حوائجهم بركعتين يقولون بعدهما: اللهم إني بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد ﷺ إليك أتوجه، اللهم ذلِّل لي صعوبته، وسهل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف (٢).
قلت: دل هذا الأثر على أن التوجه بالنبي ﷺ ، والتوسل به إلى الله تعالى سنة قديمة من سنن الصالحين، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من المحجوبين.
وقد ألف ابن النعمان في هذه المسألة كتاباً هاماً سماه "مصباح الظلام في التوسل بالنبي عليه [الصلاة و] السلام".
وما أحسن قول شيخ الإسلام والدي رحمه الله تعالى في قصيدة استغاث فيها بالله ، وتوسل إليه بالنبي ﷺ في حادثة: [من الطويل]
فَغَوْثِيَ مِنْها اللهُ ثُمَّ وَسِيلَتِي ... مُحَمَّدٌ الْهادِي إلَى رَبِّنا العَلِي
стр. 1159
فَلَيْسَ على غَيْرِ الإِلَهِ تَوَكُّلِي ... وَلَيسَ بِغَيرِ الْهاشِمِيِّ تَوَسُّلِي
* تَنْبِيهٌ:
قد سبق أن الآثار من الدعاء من الفضائل التي يتجمل بها الصالحون، فلا يقتصرون من الدعاء في حوائجهم على ما ذكر، بل هم إلى الدعاء في مهماتهم يفزعون، وإلى الله تعالى في كل أمورهم يَضْرعون، وبابه دون باب غيره يقرعون، وربما أُلهموا من الدعاء ما لم يجر على ألسنة غيرهم من البشر.
فلذلك كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يدعو بهذه الدعوات بعد التشهد: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمتُ منه وما لم أعلم، إني أسألك خير ما سألكَ عبادُك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ بك منه عبادك الصالحون.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]. رواه ابن أبي شيبة (١).
стр. 1160
فإذا علمت أن الله تعالى قد يجري على لسان بعض عباده الصالحين ما لم يجر على لسان غيره من الدعاء والاستعاذة؛ فإذا سألت الله من خير ما سأله منه عباده الصالحون، واستعذت من شر ما استعاذ منه عباده الصالحون؛ فقد توصلت بذلك إلى طلب خير كثير، والتعوذ من شر كثير.
ومن هذا القبيل في التوصل إلى طلب جوامع الخير، والعياذ من جوامع الشر: ما رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ علمها هذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عاجِلِهِ وَآجلِهِ، ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عاجِلِهِ وَآجِلِهِ، ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أَعْلَمْ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ ما سَأَلَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما عاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنبِيُّكَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَما قَرَّبَ إِلَيْها مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَما قَرَّبَ إِلَيْها مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيراً" (١).
وقوله "ما سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنبِيُّكَ" فيه وجهان:
الأول: أن المراد به النبي ﷺ ، وهو المتبادر.
والثاني: أن المراد به جنس العباد والأنبياء؛ لأن الجنس إذا أضيف إلى معرفةٍ شَمَلَ كل فرد منه، والمراد خواص العباد والمضافين إلى الله
стр. 1161
تعالى إضافة الخصوصية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩].
وقوله: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦].
وعلى هذا الوجه فالمعنى: أسأل الله تعالى من كل خير سأله إياه عبد صالح أو نبي، والعياذ من كل شر عاذ منه نبي أو عبد صالح؛ فافهم!
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ نُوحٌ ﵊ لابنه: يا بُني! إِنِّي مُوْصِيكَ بِوَصِيَّهٍ، وَقاصِرُها عَلَيْكَ حَتَّى لا تَنْساها؛ أُوْصِيكَ بِاثْنتَيْنِ، وَأَنْهاكَ عَنِ اثْنتَيْنِ.
فَأَمَّا اللَّتانِ أُوْصِيكَ بِهِما فَإِنِّي رَأَيْتُهُما يُكْثِرانِ الوُلُوجَ عَلى اللهِ ، وَرَأَيْتُ اللهَ يَسْتَبْشِرُ بِهِما وَصالِحُ خَلْقِهِ؛ قَوْلُ: سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ فَإِنهَّا صَلاةُ الْخَلْقِ، وَبِها يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَقَوْلُ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ فَإِنَّ السَّمواتِ وَالأَرَضِينَ لَوْ كُنَّ حَلقةً لَقَصَمَتْها، وَلَوْ كُنَّ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ.
وَأَمَّا اللَّتانِ أَنْهاكَ عَنْهُما فَالشِّرْكُ وَالْكِبْرُ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ مِنَ شِرْكٍ أَوْ كِبْرٍ فَافْعَلْ" (١).
стр. 1162
قوله "وَرَأَيْتُ اللهَ يَسْتَبْشِرُ بِهِما"؛ أي: يرضى بهما هو وصالح خَلقِه.
ومعنى استبشار صالح الخلق بهما، أنهم إذا أُلهموها سُرُّوا بها، واستبشروا بثوابها لثقلها في الميزان كما في حديث "الصحيحين" (١)، أو لاشتمالها على التنزه والشكر؛ فالتنزيه ثوابه طهارة نفس المنزه وتقديسها، والشكر ثوابه مزيد النعمة، فاستبشارهم بذلك.
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه - وحسنه ابن حجر في "أماليه" - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَروا، وإِذا أَساؤُوا اسْتَغْفَروا" (٢).
* * *
تَابِع
(٣) بَابُ التَّشَبُّه بِالصَّالَحِيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالى عَنْهُم وأجْمَعِيْنَ
* فائِدَةٌ سادِسَةٌ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه قال: في كتب الحواريين: إذا سلك بك سبيل أهل البلاء، فاعلم أنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك سبيل أهل الرخاء، فاعلم أنه سلك بك سبيلاً غير سبيلهم، وخلف بك عن طريقهم (١).
وروى الدينوري عن عبد الواحد بن زيد - رحمه الله تعالى - قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى! إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين (٢).
وكان الشيخ أحمد بن الرفاعي رحمه الله تعالى يقول: الفقراء أشرف الناس لأن الفقر لباس المرسلين، وجلباب الصالحين، وتاج المتقين،
стр. 1169
وغنيمة العارفين، ومُنية المريدين، ورضى رب العالمين، وكرامة لأهل ولايته.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد والرقائق" عن وهب بن منبه قال: إني وجدت في كتاب الله المنزل - أو: قرأت في كتاب الله المنزل - في ذكر الصالحين أنهم إذا طالت بهم العافية حزنوا لذلك، ووجدوا في أنفسهم، وإذا أصابهم الشيء من البلاء فرحوا به واستبشروا، وقالوا: الآن عاتبكم ربكم فأَعتِبوه (١)؛ أي: أزيلوا عتابه.
ولهذا شواهد من الأحاديث الصحيحة المرفوعة:
-منها: ما رواه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم -وصححه- والبيهقي في "شعبه" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الصَّالِحِينَ لَيُشَدَّدُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُ لا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ نَكْبَةٌ مِنْ شَوْكَةٍ فَما فَوْقَ ذَلِكَ إِلاَّ حُطَّتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ، وَرُفِعَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وابن ماجه عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلى حَسبِ دِينهِ؛ فَإِنْ
стр. 1170
كانَ فِي دِينِهِ صُلْباً اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وإِنْ كانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ على قَدْرِ دِينِهِ، فَما يَبْرَحُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأَرْضِ وَما عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ" (١).
وروى الطبراني في "الكبير" - بإسناد حسن - عن أخت حذيفة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ" (٢).
وروى ابن ماجه، وأبو يعلى، والحاكم -وصححه- عن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، لَقَدْ كانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالفَقْرِ حَتَّى ما يَجِدَ إِلاَّ العَباءَةَ (٣) يُحوِّيها فَيَلْبَسُها، وُيبْتَلى بِالقملِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَلأَحَدُهُمْ كانَ أَشَدَّ فَرحاً بِالبَلاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالعَطاءِ" (٤).
وروى ابن أبي حاتم الرازي عن يزيد بن أبي ميسرة رحمه الله تعالى قال: أجد فيما أنزل الله تعالى على موسى ﵇: أيفرح عبدي
стр. 1171
المؤمن أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني؟ أو يجزع عبدي المؤمن أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب إليه مني؟
ثم تلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] (١).
وروى هو وغيره عن قتادة: أنه قرأ هذه الآية فقال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم؛ فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح (٢).
وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ إِذا أَحَبَّ قَوماً ابْتَلاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (٣).
وروى البيهقي في "البعث" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبداً ابْتلاهُ لِيَسْمَعَ تَضُرُّعَهُ" (٤).
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح البخاري" من حديثه عن
стр. 1172
النبي ﷺ قال: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيراً يُصِبْ مِنْهُ" (١).
وروى الترمذي، والحاكم -وصححه- عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبداً حَماهُ الدُّنْيا، كَما يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهُ الْماءَ" (٢).
وروى الإمام أحمد عن محمود بن لَبيد ﵁، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعالَى يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيا وَهُوَ يُحِبُّهُ، كَما تَحْمُونَ مَرِيضَكُمُ الطَّعامَ وَالشَّرابَ تَخافُونَ عَلَيْهِ" (٣).
وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عساكر في "تاريخه" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعالَى لَيَتَعاهَدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالبَلاءِ كَما يَتَعاهَدُ الوالِدُ وَلَدَهُ بِالْخَيْرِ، وَإِنَّ اللهَ لَيَحْمِى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيا كَما يَحْمِي الْمَرِيضَ أَهْلُهُ الطَعامَ" (٤).
стр. 1173
وروى الحاكم في "الكنى" عن أبي فاطمة الضمري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِن اللهَ لَيَبْتَلِي الْمُؤْمِنَ وَما يَبْتَلِيهِ إِلاَّ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ" (١).
وفي كتاب الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧].
قال الحسن: أكذبتهما جميعاً.
ثم قال: ما بِالغِنَى أكرمك، ولا بالفقر أهانك. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وقلت: [من السريع]
كَرامَةُ الصَّالِحِ أَنْ يُبْتَلَى ... فِي أَكْثَرِ الأَحْوالِ كَيْ يَضْرَعا
وَيُمْنَعَ الدُّنْيا وَلَذَّاتِها ... خَشْيَةَ أَنْ يَمْرَحَ أَوْ يَرْتَعا
تَعاهَدَ اللهُ تَعالَى لِمَنْ ... يُحِبُّهُ يُوْجِبُ أَنْ يُرْفَعا
فَإِنْ تَجِدْ [أَنَّ بلاءً نزلْ] (٣) ... فِيكَ فَلا تَسْخَطْ وَلا تَجْزَعا
وَاخْشَعْ لِمَوْلاكَ إِذْ مَسَّكَ الضُّـ ... ـرُّ فَإِنَّ القَصْدَ أَنْ تَخْشَعا
стр. 1174
وروى البيهقي في "الشعب" عن عكرمة بن خالد قال: كان رجل يتعبد، فجاءه شيطان يفتنه، فازداد عبادة، فتمثل له برجل، فقال له: أصحبك؟
فقال: نعم.
فصحبه، فكان العابد يتخلف عنه ويطيف، فأنزل الله تعالى ملكاً، فلما رآه الشيطان عرفه ولم يعرفه الإنسان، فكان إذا مشى تخلف الشيطان، فمدَّ الملك يده نحو الشيطان فقتله، فقال الرجل: ما رأيت كاليوم! قتلته وهو من حاله ومن حاله؟
ثم انطلقا حتى نزلا قرية، فأنزلوهما وضيفوهما، فأخذ الملك منهم إناء من فضة، ثم انطلقا فنزلا في قرية أخرى، فزجروهما ولم يضيفوهما، فأعطاهم الملك الإناء.
فقال له: أما من أضافنا فأخذت إناءهم، ومن لم يضفنا أعطيته الإناء؟ فلن تصحبني!
قال: أما الذي قتلت فإنه شيطان أراد أن يفتنك، وأما الذي أخذت منهم الإناء فإنهم قوم صالحون فلم يكن ينبغي لهم، وكان هؤلاء قوماً فاسقين فكانوا أحق به.
ثم عرج إلى السماء والرجل ينظر إليه (١).
стр. 1175
* فائِدَة سابِعَةٌ:
قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: مكتوب في التوراة: علامة الرجل الصالح أن يخاصمه قومه؛ الأقربُ فالأقرب (١).
قلت: وذلك لأن الرجل الصالح من شأنه إذا تكمل أن يفيض من كماله على غيره، ثم من شأنه الابتداء بالدعوة إلى الله تعالى وإلى سبيله بأهله وقومه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
وكما يقال: الأقربون أولى بالمعروف.
وأفضل الصدقةِ الصدقةُ على الأقارب، والعلم والهداية والإصلاح من أفضل الصدقات.
ثم إن الحق ثقيل، فإذا ألقاه الصالح على أقربائه وهم لا يرون له فضلاً عليهم، بل يرون أنفسهم أمثاله، ويعتبرون تسوية النسب بينهم، فإذا ألقاه إليهم عاداه الأقرب فالأقرب منهم، وكذَّبوه على ترتيب دعوته لهم إلا من وفقه الله تعالى منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦].
وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، ورهطك منهم المخلصين؛ خرج النبي ﷺ حتى صعِد على الصفا، فهتف: "يا صَباحاه! ".
стр. 1176
فقالوا: من هذا الذي يهتف؟
قالوا: محمد ﷺ ، فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالوادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ ".
قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً.
قال: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ".
فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم؛ ألهذا جمعتنا؟
فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (١).
وروى أبو بكر بن مردويه، وأبو القاسم بن عساكر عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يحدث الناس ويفتيهم، وولده وأهل بيته جلوسٌ في جانب يتحدثون، فقيل له: يا أبا الدرداء! ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الأَنْبِياءِ وَأَشَدَّهُمْ عَلَيهِمُ الأَقْرَبُونَ".
وذلك فيما أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] إلى آخر الآية.
стр. 1177
ثم قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي العالِمِ أَهْلُهُ حَتَّى يُفارِقَهُمْ، وإِنَّهُ يَشْفعُ فِي أَهْلِ دارِهِ وَجِيرانِهِ" (١).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن أبي الدرداء، وابن عدي في "الكامل" عن جابر رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي العالِمِ أَهْلُهُ وَجِيرانُهُ" (٢).
وروى البيهقي في "الدلائل" عن كعب: أنه قال لأبي مسلم؛ يعني: الخولاني: كيف تجد قومك لك؟
قال: مكرمين مطيعين.
قال: ما صدقتني التوراة إذن؛ ما كان حكيم في قوم إلا بَغَوا عليه وحسدوه (٣).
وروى ابن عساكر عن محمد بن جُحادة: أن كعباً لقي أبا مسلم الخولاني، فقال: كيف كرامتك على قومك؟
قال: إني عليهم كريم.
قال: إني أجد في التوراة غير ما تقول.
стр. 1178
قال: وما هو؟
قال: وجدت في التوراة: أنه لم يكن حكيم في قوم إلا كان أزهدهم فيه قومه، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان في حَسَبِه شيء عيروه به، وإن كان عمل برهة من دهره ذنباً عيروه به (١).
وروى أبو نعيم عن شر حبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: أن كعب الأحبار قال له: كيف تجد قومك فيك يا أبا مسلم؟
فقال: أجدهم يا أبا إسحاق يُجِلُّوني ويكرموني.
فقال له كعب: ما هكذا تقول التوراة يا أبا مسلم.
قال أبو مسلم: فكيف تقول التوراة يا أبا إسحاق؟
فقال كعب: تقول: إن أعدى الناس للرجل الصالح قومُه، يخاصمه الأقرب فالأقرب.
قال أبو مسلم: وصدقت التوراة (٢).
* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ:
نقل حجة الإسلام في "الإحياء"عن بعضهم قال: إذا أبغض الله عبداً أعطاه الله ثلاثاً، ومنعه ثلاثاً:
стр. 1179
أعطاه صحبة الصالحين، ومنعه القبول منهم.
وأعطاه الأعمال الصالحة، ومنعه الإخلاص فيها.
وأعطاه الحكمة، ومنعه الصدق فيها (١).
ونقل السلمي في "الحقائق" عن أبي عثمان رحمه الله تعالى أنه قال: علامة قسوة القلب أن لا تعمل فيه الموعظة، ولا تؤثر فيه النصيحة، ولا تظهر فيه بركة مجالسة الصالحين (٢).
وروي عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: إذا أراد الله بعبد خيراً زوى عنه الخذلان، وأسكنه بين الفقراء الصادقين، وإذا أراد بعبد شراً عطله عن الأعمال الصالحة حتى تكون على قلبه أثقل من الجبال، وأسكنه بين الأغنياء (٣).
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:
ينبغي للعبد إذا قصرت همته عن مراتب الصالحين أن يحزن لذلك، ويؤفف على نفسه، ويعاتبها على التقصير عنهم، كما روى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: إذا ذكر الصالحون فأُفِّ لي وتف (٤).
стр. 1180
وروى هو وأبو نعيم عن أيوب السختياني قال: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل (١).
وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي رحمه الله تعالى، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته، فقلت: يا سعيد! ما يبكيك وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم؟
فقال: يا سفيان! وما يمنعني من البكاء؛ وإذا ذكرت مناقب أهل الخير كنت منهم بمعزل (٢)؟
وروى ابن الجوزي عن أسود بن سالم: أن داود الطائي رحمه الله تعالى كان يقول: سبقني العابدون، وقُطِع بي دونهم؛ فيا لهفاه (٣)!
وروى الدينوري عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: سمعت محمد بن نصر الحارثي رحمه الله تعالى يقول: ثلاث كلمات نفعني الله بهن:
سمعته يقول: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل.
стр. 1181
وسمعته يقول: لا يستقيم طلب الآخرة إلا بالمبادرة إليها.
وسمعته يقول: إنما تنتظرون ثلاثة، فما يحبسكم عن العمل؟ إما نعمة تزول، وإما مصيبة تنزل، وإما مَنِية تقضى (١).
وروى أبو نعيم عن محمد بن بشير الدعاء قال: ذكر عند مخلد بن الحسين رحمه الله تعالى من أخلاق الصالحين، فقال: [من الكامل]
لا تعرِضَنَّ بِذِكرِنا فِي ذِكْرِهِم ... لَيسَ الصَّحِيحُ إِذا مَشى كَالْمُقْعَدِ (٢) ويحتمل أن يكون قول مالك بن دينار: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف، وقول أيوب وغيره: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل، وأمثال ذلك؛ أن يكون من باب الإزراء على النفس، كقول بعض المجتهدين في العبادة عند فراغه منها لنفسه: يا حاويَ كل سوء! ما رضيتك له طرفة عين.
وهذا خلق عظيم من أخلاق الصالحين.
ومن هذا القبيل قول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
وقول يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
стр. 1182
إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣].
وكذلك قوله ﷺ في حديث الصحيحين: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرافِي فِي أَمْرِي، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي؛ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي" (١).
وأمثال ذلك كثيرة.
وقال الفضيل بن عياض: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي - يعني: وادي مكة - وكان أمثل أهله يومئذ، فقلت له: إن كنت تظن أنه على وجه الأرض شر مني ومنك فبئسما تظن. رواه ابن الجوزي (٢).
وفي "حلية أبي نعيم" عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى: أنه نظر إلى ابن له يخطر بيده، فقال له: تعال! ويحك! تدري ابن من أنت؟ أمك اشتريتها بمئتي درهم، وأبوك فلا أكثر الله في المسلمين ضَرْبه، أو نحوه (٣).
وعن محمد بن أسلم الطوسي رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: والله الذي لا الله إلا هو ما رأيت نفساً تصلي إلى القبلة شراً عندي من نفسي (٤).
стр. 1183
وإنما آثر الصالحون والعارفون الإزراء بالنفس، ودعوا إليه؛ خشيةً من الانخداع بصفة الصلاح والركون إليها، فيرائي الرجل ويطلب تعظيم نفسه من الناس، ونظرهم إليه؛ فيهلك.
كما روى ابن الجوزي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: لو قيل لك: يا مرائي لغضبت، ولشق عليك، وتشكو فتقول: قال لي: يا مرائي، وعساه قال حقا؛ من حبك للدنيا تزينت وتصنعت للدنيا.
ثم قال: اتق الله أن تكون مرائيا وأنت لا تشعر، تصنعت وتهيأت حتى عرفك الناس فقالوا: هو رجل صالح، فأكرموك وقضوا لك الحوائج، ووسَّعوا لك المجالس؛ وإنما عرفوك بالله، ولولا ذلك لهُنت عليهم (١).
وروى ابن باكويه الشيرازي عن أبي عثمان النيسابوري قال: خرجنا جماعةً مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور، فجلسنا، فتكلم الشيخ علينا، وطابت أنفسنا، ثم بصرنا بِأَيلِ قد نزل من الجبل حتى بَرَك بين يدي الشيخ، فأبكاه ذلك بكاءً شديدًا، فلما هدأ الشيخ سألناه فقلنا له: يا أستاذ! تكلمت علينا وطابت قلوبنا، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك، فأحببنا أن نعرف فقه ذلك!
فقال: نعم؛ رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في
стр. 1184
قلبي: لو أن شاة ذبحتها ودعوتهم عليها، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون الذي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه له.
قلت: فما يؤمنني أن يكون الله يعطيني كل حظ في الدنيا، وأبقى في الآخرة فقيراً لا شيء لي؛ فهذا الذي أزعجني (١).
وعن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: لو اجتمع الخلق جميعاً على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا على ذلك (٢).
وقد ضمَّنت كلامه في قولي: [من مجزوء الرمل]
قُلْ لِنَفْسِي: إِنْ تُراعِي ... حَقَّ رَبِّي لَنْ تُراعِي
إِنَّما فَقْرٌ وَضَعْفٌ ... وَانْتِقاصٌ مِنْ طِباعِي
مَنْ يَضَعْ مِنِّي وَيجْهَدْ ... لَمْ يَضَعْنِي كَاتِّضاعِي
إِنَّ عِرْفانِي بِنَفْسِي ... قَدْ كَفانِي وَعْظَ واعِ
إِنَّما الدُّنْيا مَتاعٌ ... لَمْ يَدُمْ فِيها انْتِفاعِي
إِنَّما يُسْعَى لِدارٍ ... لَمْ تَضعْ فِيها الْمَساعِي
دارُ تَكْرِيْمٍ إِلَيْها ... قَدْ دَعانا كُلُّ داعِي
стр. 1185
* فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:
ينبغي لك إذا لم تكن صالحاً ألا تقع في الصالحين؛ فإن ذلك هو السم القاتل.
وقد سبق أن غِيبتهم أشد من غيبة غيرهم، وليست أذيتهم كأذية غيرهم، ولا عداوتهم كعداوة غيرهم؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: مَنْ عادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ" (١).
وفي رواية: "مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ" (٢).
والصالحون هم الأولياء كما سيأتي.
وروى البيهقي عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: كفى بالمرء شراً أن لا يكون صالحاً، ويقعَ في الصالحين (٣).
قلت: فإنه جمع شرين: فسادَه، والوقيعةَ في أهل الصلاح.
ومن لطائف أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى: ما رواه أبو نعيم عن أبي أحمد بن الحواري قال: قلت لأبي سليمان: إن فلاناً وفلاناً لا يقعان على قلبي.
قال: ولا على قلبي، ولكن لعلنا أُتِينا من قلبي وقلبك، فليس فينا
стр. 1186
خير، وليس نحب الصالحين (١).
فانظر كيف رد أبو سليمان السبب في ذلك إلى نفسه وإلى صاحبه تهذيباً وتأديباً، واتهاماً للنفس، ولم يحكم على ذَينِكَ بأن السبب من قِبَلِهما؛ أين هذا ممن يقع في الصالحين، وكيف ممن يؤذيهم؟ وقد سبق التحذير من أذيتهم.
وذكر ابن خلكان في "تاريخه": أن مرض الحَجَّاج الذي مات فيه كان بالآكلة؛ وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحماً وعلقه في خيط، وسرَّحه في حلقه، وتركه ساعة، ثم أخرجه وقد لصق به دُودٌ كثير.
قال: وسلط الله عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءةً ناراً، وتدنى منه حتى تحرِق جلدَه وهو لا يحس بها.
قال: وشكا ما يجده إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى، فقال له: قد نهيتك أن تتعرض للصالحين فلججت.
فقال له: يا حسن! لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي، ولا يطيل عذابي.
فبكى الحسن بكاءً شديداً، وأقام الحَجَّاج على هذه الحالة [بهذه العلة] خمسة عشر يوماً، ومات (٢).
стр. 1187
ويرحم الله جدي الشيخ رضي الدين القائل: [من الرجز]
مَنْ بارَزَ الرِّجالَ بِالأَذَى وَلَمْ ... يَخْشَ وَلَمْ يَخَفْ عِقابَ رَبّه
وَيْلٌ لَهُ دُنْياً وَأُخْرى كَيفَ لا ... وَاللهُ قَدْ آذَنَهُ بِحَرْبِه
* فائِدَةٌ حادِيَةَ عَشْرَةَ:
روى أبو الشيخ بن حيان في "العظمة" عن معاذ بن جبل، والعِرباض ابن سارية رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً نِصْفُهُ مِنَ النَّارِ (١) وَنصْفُهُ مِنَ الثَّلْجِ يَقولُ: [اللَّهُمَّ] كَما أَلَّفْتَ بَينَ الثَّلْجِ وَالنَّار، كَذَلِكَ أَلِّفْ بَينَ قُلوبِ عِبادِكَ الصَّالِحينَ" (٢).
وهذا الحديث دليل واضح على أن ائتلاف العبد بالصالحين دليل على أنه منهم، وقد تقدم في صدر الكتاب ما يؤيد ذلك.
ومن ثم ينبغي للعبد إذا لم ير نفسه تألَفُ الصالحين، ولا يألفونه أن يحزن لذلك، ويبكي على نفسه؛ إلا أن يكون ممن شغله الأنس بالله عن الأنس بعباده، كما روى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن أبي بكر
стр. 1188
الهلالي قال: كنت أتمنى على الله تعالى أن يريني أبا العباس الخضر ﵇، فلما كان بعد مدة إذا أنا بالباب يدق علي، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا الذي تتمنى على الله، أنا الخضر.
فقلت له: الذي طلبناك له قد وجدناه، ارجع إلى حال سبيلك (١).
وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن عمر بن سنان المنبجي قال: اجتاز بنا إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى، فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت في أسفارك.
فقال: لقيني الخضر ﵇ فسألني الصحبة، فخشيت أن يفسد علي سر توكلي بسكوني إليه، ففارقته (٢).
وكذلك إذا لم يألف قلبه مَنْ شِيمتُهُ الصلاحُ ينبغي له أن يرجع باللائمة على نفسه، ويتهمها، ولا يقع في ذلك الذي لم يألفه قلبه كما تقدم قريباً عن أبي سليمان؛ لأن ذلك أسلم لدينه خشية أن يكون ممن أبغض الصالحين، أو غض منهم؛ والعياذ بالله!
وما أحسن قولَ جدي رضي الله تعالى عنه: [من مجزوء الكامل]
ما نَقَصَ الكُمَّلَ إِلاَّ ... ناقِصٌ أَوْ ذُو حَسَد
وَلا رَمى الصَّالِحَ بِالـ ... ـفسادِ إِلاَّ مَنْ فَسَد
стр. 1189
* فائِدَةٌ ثانِيَةَ عَشْرَةَ:
قرأت بخط شيخ الإسلام قاضي القضاة تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى ما نصه: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: أربعة أشياء تزيد في الجماع: أكل العصافير، وكل الإطريفل (١) الأكبر، وأكل الفستق، وأكل الجزر (٢).
وأربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم.
وأربعة أشياء تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان.
وأربعة أشياء توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة.
وهذا منقول في "الإحياء" عن الشافعي رضي الله تعالى عنه، وفيه تقديم وتأخير.
وزاد: وأربعة تقوي البصر: الجلوس حيال الكعبة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف الملبس.
وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر، والنظر إلى المصلوب،
стр. 1190
والنظر إلى فرج المرأة، والقعود في استدبار القبلة (١).
وروى ابن باكويه الشيرازي عن أبي الخير الأقطع رضي الله تعالى عنه قال: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين (٢).
وروى السلمي، وأبو نعيم، والقشيري رحمهم الله تعالى عن إبراهيم الخواص ﵀ قال: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (٣).
ورواه ابن الجوزي من طريق ابن باكويه من قول يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى (٤).
وروى أبو نعيم عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى قال: بصحبة الصالحين تطيب الحياة، والخير مجموع في القرين الصالح؛ إن نسيت ذكَّرك، وإن ذكرتَ أعانك (٥).
стр. 1191
وقلت: [من الرجز]
القَلْبُ وَالعَقْلُ جَمِيعاً صَلُحا ... مِنكَ إِذا صَحِبْتَ أَنتَ الصُّلَحا
وَطابَتِ الْحَياةُ فِي صُحْبَتِهِم ... وَحالُ مَنْ إِلَى حِماهُم جَنَحا
* فائِدَةٌ ثَالِثَةَ عَشْرَةَ:
قال مجاهد رحمه الله تعالى: لو لم يكن في الأخ الصالح إلا أن حياءك منه يمنعك عن معصية الله تعالى كفاك.
قلت: ولقد كان هذا مستقراً في نفوس العقلاء أن العاقل إذا أراد أن يعصي استحيى من صالحي قومه وأهله استحياءً يمنعه من المعصية.
ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "اسْتَحْيِ مِنَ اللهِ اسْتِحْياءَكَ مِنْ رَجُلَينِ صالِحَينِ مِنْ عَشِيرَتكَ"، كما تقدم (١).
وأما الآن فقد قل الحياء، وقل من يُستحى منه.
وفي "معجم الطبراني الكبير" - وإسناده حسن كما قال المنذري - عن عبد الله بن بُسر رضي الله تعالى عنه قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان: "إِذا كُنتَ فِي قَوْمٍ - عِشرِينَ رَجلاً أَوْ أقلَّ أَوْ أَكْثَرَ - فَتَصَفَّحْتَ وُجُوهَهُمْ،
стр. 1192
فَلَمْ تَرَ فِيهِمْ رَجُلاً يُهابُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ رَقَّ" (١).
ولقد قلت: [من الرمل]
رَقَّ أَمْرُ الدِّينِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ... فِي عَشِيرٍ واحِدٌ مِنْهُمْ يُهابْ
أَيْنَ مَنْ يَسْتَحِي أَوْ [مَنْ] يُسْتَحَى ... مِنْهُ فَلا يَحْصُلُ ما كانَ يُعاب
مُنْكَرُ الأُمَّةِ مَعْروفٌ كَما ... عُدَّ ماكانَ خِطاءً فِي الصَّواب
* فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ:
قال ابن عطية في "تفسيره": حدثني أبي: أنه سمع أبا الفضل الجوهري في سنة سبع (٢) وستين وأربع مئة يقول: إن مَنْ أَحَبَّ أهلَ الخير نال من بركتهم؛ كلبٌ أحب أهل فضل وصحبهم ذكرَه الله تعالى معهم في القرآن (٣)؛ يعني: كلب أصحاب الكهف.
стр. 1193
قلت: ويدخل معهم الجنة كما قال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أهل الكهف، وناقة صالح، وحمار العزير.
نقله الدميري في "حياة الحيوان"، والسيوطي في "ديوان الحيوان" (١).
قلت: والثلاثة أيضاً مذكورات في القرآن، والحكمة في ذلك أن كل واحد منها كان آية عظيمة.
وروى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]؛ قال: يمسك عليهم باب الكهف (٢)؛ أي: ليحرسهم مما يؤذيهم، أو تنتهك حرمتهم.
وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حميد المكي ﵀: أنه قال في كلب أصحاب الكهف: جعل رزقه في لحس ذراعيه (٣).
فهاتان خارقتان لهذا الكلب.
قال: وكان اسمه: قطميراً؛ قاله الحسن.
أو: قطموراً؛ قاله مجاهد.
ورواهما ابن أبي حاتم، والأول أشهر (٤).
стр. 1194
واعتاد التجار أن يكتبوه على أحمالهم في الأسفار لتحفظ، يتبركون باسمه، ولم أجد لهذا أصلاً، لكنهم لم يفعلوه إلا بإلهام الله تعالى (١)، فهي فضيلة أخرى لهذا الكلب، وكل ذلك بسبب نسبته إلى قوم صالحين.
وفي "معجم الطبراني الأوسط" - بسند صحيح - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ يعني: أصحاب الكهف.
قال: أنا من أولئك القليل: مكسلمينا، ويملخاء؛ وهو المبعوث بالورِق إلى المدينة، ومَرطولس (٢)، وبتْيونِس، ودرْدُونِس، وكفاشْطَيطوس، ومَنطُواسَبْيُوس؛ وهو الراعي، والكلب اسمه قطمير، دون الكردي وفوق القبطي (٣).
стр. 1195
قال أبو شبيل (١): بلغني أنه من كتب هذه الأسماء في شيء - يعني: أسماء أهل أصحاب الكهف واسم كلبهم - وطرحه في حريق، سكن الحريق (٢).
قلت: وهذه فضيلة أخرى لهذا الكلب بسبب عشرة الصالحين، وهي أنه ضم اسمه إلى أسمائهم في هذه الخصوصية العظيمة.
* فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ:
روى الإمام أحمد، والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَما أَيُّوبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْياناً خَرَّ عَلَيهِ رِجْلُ (٣) جَرادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحثِي فِي ثَوبِهِ، فَناداهُ اللهُ تَعالَى: أَلَمْ أَكُ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قالَ: بَلى يا رَبِّ! وَلَكِنْ لا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ" (٤).
وصحح الحاكم من حديثه عن النبي ﷺ قال: "لَمَّا عافَى اللهُ أَيُّوبَ أَمْطَرَ عَلَيهِ جَراداً مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي ثَوبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أَيُّوبُ أَما تَشْبَعُ؟ قالَ: وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ؟ " (٥).