← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقلت: [من الرجز] القَلْبُ وَالعَقْلُ جَمِيعاً صَلُحا ... مِنكَ إِذا صَحِبْتَ أَنتَ الصُّلَحا وَطابَتِ الْحَياةُ فِي صُحْبَتِهِم ... وَحالُ مَنْ إِلَى حِماهُم جَنَحا * فائِدَةٌ ثَالِثَةَ عَشْرَةَ: قال مجاهد رحمه الله تعالى: لو لم يكن في الأخ الصالح إلا أن حياءك منه يمنعك عن معصية الله تعالى كفاك. قلت: ولقد كان هذا مستقراً في نفوس العقلاء أن العاقل إذا أراد أن يعصي استحيى من صالحي قومه وأهله استحياءً يمنعه من المعصية. ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "اسْتَحْيِ مِنَ اللهِ اسْتِحْياءَكَ مِنْ رَجُلَينِ صالِحَينِ مِنْ عَشِيرَتكَ"، كما تقدم (١). وأما الآن فقد قل الحياء، وقل من يُستحى منه. وفي "معجم الطبراني الكبير" - وإسناده حسن كما قال المنذري - عن عبد الله بن بُسر رضي الله تعالى عنه قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان: "إِذا كُنتَ فِي قَوْمٍ - عِشرِينَ رَجلاً أَوْ أقلَّ أَوْ أَكْثَرَ - فَتَصَفَّحْتَ وُجُوهَهُمْ،

стр. 1192

فَلَمْ تَرَ فِيهِمْ رَجُلاً يُهابُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ رَقَّ" (١). ولقد قلت: [من الرمل] رَقَّ أَمْرُ الدِّينِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ... فِي عَشِيرٍ واحِدٌ مِنْهُمْ يُهابْ أَيْنَ مَنْ يَسْتَحِي أَوْ [مَنْ] يُسْتَحَى ... مِنْهُ فَلا يَحْصُلُ ما كانَ يُعاب مُنْكَرُ الأُمَّةِ مَعْروفٌ كَما ... عُدَّ ماكانَ خِطاءً فِي الصَّواب * فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ: قال ابن عطية في "تفسيره": حدثني أبي: أنه سمع أبا الفضل الجوهري في سنة سبع (٢) وستين وأربع مئة يقول: إن مَنْ أَحَبَّ أهلَ الخير نال من بركتهم؛ كلبٌ أحب أهل فضل وصحبهم ذكرَه الله تعالى معهم في القرآن (٣)؛ يعني: كلب أصحاب الكهف.

стр. 1193

قلت: ويدخل معهم الجنة كما قال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أهل الكهف، وناقة صالح، وحمار العزير. نقله الدميري في "حياة الحيوان"، والسيوطي في "ديوان الحيوان" (١). قلت: والثلاثة أيضاً مذكورات في القرآن، والحكمة في ذلك أن كل واحد منها كان آية عظيمة. وروى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]؛ قال: يمسك عليهم باب الكهف (٢)؛ أي: ليحرسهم مما يؤذيهم، أو تنتهك حرمتهم. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حميد المكي ﵀: أنه قال في كلب أصحاب الكهف: جعل رزقه في لحس ذراعيه (٣). فهاتان خارقتان لهذا الكلب. قال: وكان اسمه: قطميراً؛ قاله الحسن. أو: قطموراً؛ قاله مجاهد. ورواهما ابن أبي حاتم، والأول أشهر (٤).

стр. 1194

واعتاد التجار أن يكتبوه على أحمالهم في الأسفار لتحفظ، يتبركون باسمه، ولم أجد لهذا أصلاً، لكنهم لم يفعلوه إلا بإلهام الله تعالى (١)، فهي فضيلة أخرى لهذا الكلب، وكل ذلك بسبب نسبته إلى قوم صالحين. وفي "معجم الطبراني الأوسط" - بسند صحيح - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ يعني: أصحاب الكهف. قال: أنا من أولئك القليل: مكسلمينا، ويملخاء؛ وهو المبعوث بالورِق إلى المدينة، ومَرطولس (٢)، وبتْيونِس، ودرْدُونِس، وكفاشْطَيطوس، ومَنطُواسَبْيُوس؛ وهو الراعي، والكلب اسمه قطمير، دون الكردي وفوق القبطي (٣).

стр. 1195

قال أبو شبيل (١): بلغني أنه من كتب هذه الأسماء في شيء - يعني: أسماء أهل أصحاب الكهف واسم كلبهم - وطرحه في حريق، سكن الحريق (٢). قلت: وهذه فضيلة أخرى لهذا الكلب بسبب عشرة الصالحين، وهي أنه ضم اسمه إلى أسمائهم في هذه الخصوصية العظيمة. * فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ: روى الإمام أحمد، والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَما أَيُّوبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْياناً خَرَّ عَلَيهِ رِجْلُ (٣) جَرادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحثِي فِي ثَوبِهِ، فَناداهُ اللهُ تَعالَى: أَلَمْ أَكُ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قالَ: بَلى يا رَبِّ! وَلَكِنْ لا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ" (٤). وصحح الحاكم من حديثه عن النبي ﷺ قال: "لَمَّا عافَى اللهُ أَيُّوبَ أَمْطَرَ عَلَيهِ جَراداً مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي ثَوبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أَيُّوبُ أَما تَشْبَعُ؟ قالَ: وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ؟ " (٥).

стр. 1196

وذكر الدميري: أن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال في هذا الحديث: نِعمَ المالُ الصالح مع العبد الصالح (١). قلت: هو حديث أخرجه الإمام أحمد، والحاكم - وصححه - عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "نِعْمَ الْمالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ" (٢). وفيه دليل على أنه لا منافاة بين الصلاح والمال إذا كان مأخوذاً من حقه، موضوعاً في محله، وقد طلب سليمان بن داود ﵉ من الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فلما أوتيه طلب من الله تعالى أن يُوزِعه للشكر، ويدخله في الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ولولا أن سليمان ﵇ علم أن الملك وكثرة الأموال وعروض الدنيا لا يمنع من أن يكون الرجل صالحاً لم يسأل الله تعالى أن يدخله في الصالحين؛ بل الصالح الغني من أقوى الصلحاء لاستقامة قلبه مع الغنى على تقوى الله تعالى. ولقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ابتلينا بفتنة الضراء

стр. 1197

فصبرنا، وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر (١). وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى قال: قلت لأبي سليمان رحمه الله تعالى: كان عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف موسرين. قال: اسكت؛ إنما كان عثمان وعبد الرحمن خازنين من خزان الله في أرضه، ينفقان في وجوه الخير (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يحيى بن أبي كثير قال: كان للنبي ﷺ من سعد بن عبادة كل يوم جفنة تدور معه حيثما دار من نسائه. قال: وكان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مالاً؛ فَإِنَّهُ لا يُصْلحُ الفِعالَ إِلاَّ الْمالُ (٣). قلت: وينبغي للغني إذا أراد أن يكون من الصالحين أن يقتدي بالأغنياء الصالحين كسليمان، ويوسف ﵉، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما؛ فإن سليمان ﵇ كان يطبخ في مطبخه جِفان الطعام الطيِّب، فإذا أفطر أفطر على خبز

стр. 1198

الشعير وجريش الملح (١). وكان يوسف ﵇ يجوع وبيده خزائن الأرض، فيقال له في ذلك، فيقول: أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين (٢). وكان عثمان ﵁ يطعم الناس طعام الإمارة، ويفطر على خبز الشعير والخل والزيت، واشترى بئر رومة بعشرين ألفاً، وحمل جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرساً، وتصدق بالألوف (٣). قال عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه: كنت مع رسول الله ﷺ في جيش العسرة، فجاء عثمان رضي الله تعالى عنه بألف دينار، فنثرها بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم ولى، فسمعت رسول الله ﷺ وهو يقلب الدنانير، وهو يقول: "ما يَضُرُّ عُثمانَ ما فَعَلَ بَعدَ هَذا اليَومِ". رواه أبو نعيم، وغيره (٤). وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه كثيرَ الصدقات؛ شاطرَ الفقراء على ماله مرات.

стр. 1199

قال المِسور بن مَخرمة رضي الله تعالى عنه: باع عبد الرحمن بن عوف أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال بين بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بمال من ذلك المال، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إِلاَّ الصَّالِحُونَ"؛ سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة (١). وقال أبو هريرة (٢) رضي الله تعالى عنه: تصدق عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه على عهد رسول الله بشطر ماله أربع مرات (٣)، ثم تصدق بأربعين ألفاً (٤)، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مئة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمس مئة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة (٥). وقال الحسن رحمه الله تعالى: باع طلحة أرضاً بسبع مئة ألف،

стр. 1200

فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرِقاً من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففَرَّقه (١). وقالت سعدى بنت عوف امرأة طلحة رضي الله تعالى عنه وعنها: لقد تصدق طلحة يوماً بمئة ألف (٢)، ثم حبسه عن الرواح إلى المسجد أن جمعت له بين طرفي ثوبه (٣). وقالت أيضاً: كانت غلة طلحة كل يوم ألفاً وافياً، وكان يسمى طلحة الفياض (٤). وقال سعيد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: كان للزبير بن العوام ﵁ ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وكان يقسمه كل ليلة، ثم يقوم إلى منزله وليس معه شيء منه (٥). روى ذلك كله أبو نعيم. وفي نفس الأمر ما كان غنى هؤلاء إلا حجة على جميع الأغنياء الذين لم ينفقوا أموالهم.

стр. 1201

وروى أبو نعيم عن مجاهد قال: يؤتى بثلاثة نفر يوم القيامة؛ بالغني، والمريض، والعبد المملوك، فيقول للغني: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: أكثرت لي من المال فطغيت. فيؤتى بسليمان بن داود في ملكه، فيقال له: أنت كنت أشد شغلاً أم هذا؟ قال: بل هذا. قال: فإن هذا لم يمنعه شغله عن عبادتي. قال: ثم يؤتى بالمريض، فيقول: ما منعك من عبادتي؟ قال: رب أشغلت علي جسدي. قال: فيؤتى بأيوب ﵇ في ضره؛ قال له: أنت كنت أشد ضراً أم هذا؟ قال: [فيقول: لا، بل هذا. قال: ] فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني. قال: ثم يؤتى بالمملوك، فيقول: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: رب! فضلت علي أرباباً يملكوني. فيؤتى بيوسف الصديق ﵇ في عبوديته، فيقال: أنت أشد عبودية أم هذا؟ قال: بل هذا.

стр. 1202

قال: فإن هذا لم يشغله شيء عن عبادتي (١). قلت: وفي قوله في يوسف: لم يشغله شيء عن عبادتي، ولم يقل: لم تشغله العبودية إشارةٌ لطيفة؛ فإن يوسف ابتلي بالضراء، فألقي في الجُبِّ، واستُرِقَّ، وبيع بثمن بخس، وامتحن بامرأة العزيز، وبالنسوة، وبالتهمة، وبالسجن سنين، ثم ابتلي بالسراء، فاحتاج إليه الملك في تأويل الرؤيا، وطُلب إليها فتعزز حتى استنصف، ثم ملك خزائن الأرض، ثم تزوج امرأة العزيز، ثم جمع بينه وبين أبيه وإخوته، فلم يمنعه شيء من ذلك من عبادة ربه. ثم إن للأثر (٢) عن مجاهد حكم المرفوع؛ لأن مثل ذلك لا يقال رأياً. وقد رواه الإمام أحمد في "الزهد" مفرقاً، ولفظه: "يُجاءُ يَومَ القِيامَةِ بِثَلاثَةٍ: الغَنِيِّ وَالْمَمْلُوكِ وَالْمَرِيضِ، فَيُؤْتَى بِالغَنِيِّ فَيَقولُ: ما مَنَعَكَ أَنْ تَكونَ عَبداً تَقِيًّا؟ فَيَقولُ: رَبِّ! كَثَّرْتَ لِي مِنَ الْمالِ، فَيَذْكُرُ ما ابْتُلِيَ بِهِ. قالَ: فَيُجاءُ بِسُلَيمانَ بْنِ داوُدَ ﵉ فِي مُلْكِهِ، فَيُقالُ: كُنتَ (٣) أَغْنَى أَمْ هَذا؟

стр. 1203

فَيَقولُ: بَلْ هَذا. قالَ: فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ عَبَدَنِي" (١). فالمال إذا مالَ بصاحبه عن التقوى كان وبالاً عليه في الآخرة، وأقيمت عليه الحجة يوم القيامة بصالحي الأغنياء، وإن استقام صاحبه ولم يمل معه كان زيادة في مقام صاحبه. على أن الاستقامة مع الغنى (٢) أمر عزيز، ومن ثم قال عيسى بن مريم ﵉: بحق أقول لكم: إن أكناف السماء لخالية من الأغنياء؛ أي: من ذكرهم، ومن ذكر أعمالهم. قال: ولَدخول جَملٍ في سَمِّ الخياط أيسر من دخول غني الجنة. رواه الإمام أحمد في "الزهد" (٣). وروى ابنه في "زوائده" عن وهب أيضاً قال: مر رجل عابد على رجل عابد، فقال: مالك؟ قال: أعجب من فلان؛ إنه كان قد بلغ من عبادته ومالت به الدنيا! فقال: لا تعجب ممن تميل به، ولكن اعجب ممن استقام (٤). وقال رسول الله ﷺ : "ما ذِئْبانِ جائِعانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَها مِنْ

стр. 1204

حِرصِ الْمَرْءِ عَلى الْمالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه (١). وأخرجه الخطيب في "تالي التلخيص" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "ما ذِئْبانِ ضارِيانِ فِي زَرِيبةٍ بِأَسْرَعَ فِيها فَساداً مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَالْمالِ فِي دِينِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ" (٢). فكما أن النبي ﷺ مدح المال الصالح للرجل الصالح؛ بين ما يخشى على الرجل الصالح من المال والشرف، ومن ثم لا يجوز إطلاق مدح المال ولا إطلاق ذمه، بل يعود ذلك إلى ما يؤول أمره إليه من النفع والضرر، أو باعتبار التصرف فيه إحساناً وإساءةً في الكسب والصرف. * فائِدَةٌ سادِسَةَ عَشْرَةَ: العبد الصالح أيُّ حاليه كان عليه من فقر أو غناء، أو شدة أو رخاء، أو مرض أو صحة، إلى غير ذلك؛ فإن حاله ذلك هو الذي يتم به صلاحه لأنه في كل حال يتأسى فيه بما أرشد إليه فيه من شكر أو صبر، ومن ثم لا يكون الصالح على حال إلا والأكمل في حقه أن لا يتمنى غيره؛ فإن الخيرة ليست له، بل لله تعالى فيه، فالاختيار أن يختار

стр. 1205

ما قضاه الواحد القهار، الكريم الغفار. وقد روى ابن أبي الدنيا في "كتاب الأولياء"، والحكيم الترمذي، وأبو نعيم، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وابن عساكر عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن الله قال: "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: مَنْ أَهانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالْمُحارَبَةِ، وَإِنِّي لأَغَضْبُ لأَوْلِيائِي كَما يَغْضَبُ اللَّيْثُ الْحَرِبُ. وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ بِمِثْلِ أَداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَما يَزالُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَبَصَراً، وَيَداً وَمُؤيِّداً؛ إِنْ دَعانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ. وَما تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِيَ فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنَ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَساءَتَهُ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ. وَإِنَّ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَسْأَلُنِي البابَ مِنَ العِبادَةِ فَأَكُفَّهُ عَنهُ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ عُجْبٌ فَيُفْسِدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصْلِحُ إيْمانَهُ إِلاَّ الغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ. [وَإِنَ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصلِحُ إِيْمانَهُ إِلَّا الفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ]. [وَإِنَّ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصْلِحُ إِيْمانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ].

стр. 1206

وَإِنَّ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصْلِحُ إِيْمانَهُ (١) إِلاَّ السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ عِبادِيَ بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِم؛ إِنيِّ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (٢). وفي "حلية أبي نعيم" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أنه قرأ في بعض الكتب: إن الله سبحانه يقول: يا ابن آدم! أطعني فيما أمرتك، ولا تعلمني بما يصلحك؛ إني عالم بخلقي (٣). واشتهر بلفظ: أطعني فيما أمرتك؛ فما أعلمني بما يصلحك. * فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ: قد علم من قول الله تعالى في حديث أنس رضي الله تعالى عنه المذكور آنفاً: "إِنِّي أُدَبِّرُ عِبادِيَ بِعِلْمِي بِقُلُوبِهم" أن العبرة بصلاح القلب، ومن ثم قال: "وَإِنَّ مِنْ عِبادِي مَنْ لا يُصْلِحُ إِيْمانَهُ إِلاَّ كَذا". والإيمان محله القلب؛ فصلاحه وفساده في القلب.

стр. 1207

ولقد تقدم قوله ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَة، مَتَى صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَمَتَى فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُهُ؛ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ". وقوله ﷺ : "مَنْ كانَ لَهُ قَلبٌ صالِحٌ تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ". رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١). وروى فيه عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇: بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض، وبها يخرب الأرض إذا كانت غير ذلك؛ أي: غير صالحة (٢). والمراد بالقلوب الصالحة أن تصلح لله تعالى، ولذكره وحبه، وإرادة وجهه بكل عمل صالح، وإذا كان القلب كذلك صلحت الجوارح، وظهرت الخدمة عليها والطاعة، واستكمل العبد الصلاح. ولسمنون المحب - وأجاد فيما شاد رحمه الله تعالى -: [من الطويل] وَكانَ فُؤادِي خالِياً قَبْلَ حُبِّكُمْ ... وَكانَ بِذِكْرِ الْخَلْقِ يَلْهُو وَيمْرَحُ فَلَمَّا دَعا قَلْبِي هَواكَ أَجابَهُ ... فَلَسْتُ أُراهُ عَنْ فِنائِكَ يَبْرَحُ

стр. 1208

رُمِيتُ بِبَيْنٍ مِنْكَ إِنْ كُنتُ كاذِباً ... وإنْ كُنتُ فِي الدُّنْيا بِغَيْرِكَ أَفْرَحُ وإنْ كانَ شَيْءٌ فِي البِلادِ بِأَسْرِها ... إِذا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي لِعَيْنِيَ يَمْلُحُ فَإِنْ شِئْتَ واصِلْنِي وَإِنْ شِئْتَ لا تَصِلْ ... فَلَسْتُ أَرى قَلْبِي لِغَيْرِكَ يَصْلُحُ (١) * تَنبِيهٌ: قال ولي الله تعالى الشيخ أرسلان الدمشقي في "رسالته": ما صلحْتَ لنا ما دام فيك بقية لسوانا، فإذا حَوَّلْتَ السوى عنك أفنيناك عنك، فصلحْتَ لنا، فأودعناك سرَّنا. أشار بذلك إلى مقام الإخلاص بقوله: ما صلحت لنا؛ أي: ما صلح قلبك لنا. ما دام فيك بقية لسوانا؛ أي: ما دام لك في عمل من أعمالك بقية لسوانا؛ من إرادة مَحمدة عليه، أو نظر إليه، أو غير ذلك من أنواع الرياء؛ فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه، وفي الحديث: "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: أَنا أَغْنَى الأَغْنِياءِ عَنِ الشِّرْكِ" (٢).

стр. 1209

وليس المراد بكلام الشيخ أرسلان أن لا يكون في العبد حركة في شيء من المباحات؛ فإن الأنبياء فمن دونهم ليس لهم غنى عن ذلك. وقد نَظَمْتُ "الرسالة الأرسلانية" في أرجوزة، وقلت في معنى هذا الكلام: [من الرجز] ما أَنْتَ صالِحٌ لَنا ما دامَ فِيكْ ... بَقِيَّةٌ لِمَنْ سِوانا تَقْتَضِيكْ فَخَلَّ عَنِ السِّوى وَحَوِّلْ عَنْكا ... نُفْنِكَ عَنْكَ ننْتَقِذْكَ مِنْكا فَعُدْتَ صالِحاً لَنا فَنُوْدِعَكْ ... مِنْ سِرِّنا شَيئاً بِهِ نُمَتِّعَكْ * فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ: روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: الويل لكم إذا سماكم الناس صالحين (١)! قلت: وفي معناه وجوه: أحدها: أن العبد إذا أثنى الناس عليه بالصلاح فقد يسكن لهذه التسمية، ويعتقد الكمال في نفسه والصلاح، وقد سبق أن من تمام الصلاح الإزراء على النفس، واعتقاد العيب فيها والنقص.

стр. 1210

والثاني: أن يكتفي بهذه الشهرة، ويترك الاجتهاد في الطاعة، و (١) يسترسل في المعاصي؛ فيهلك. والثالث: أن تحمله هذه التسمية والشهرة على تكليف الناس إكرامه وتعظيمه، والقيام بخدمته حتى كأنه يرى ذلك حقاً عليهم لازماً، فإن قصروا فيه مقتهم، وسبَّهم وطعن عليهم؛ وهذا هلاك أيضاً. والرابع: أن يعجب بصلاحه، ويحتج على دعواه وعجبه به لهذه الشهرة، ويحتقر من هو دونه. والخامس: أن يفتن بهذه الشهرة، فيقف عند حاله، ولا يفتش عن عيوب نفسه، ويغفل عن تهذيبها حتى يخرج عن سمت الصالحين. ومن ثم كان بعض السلف إذا أثنى عليه الناس يقول: اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، ولا تفتني بما يقولون، ولا تؤاخذني بما لا يعلمون (٢). وأجاد أبو العتاهية في قوله: [من الوافر] يَظُنُّ النَّاسُ بِي خَيْراً وإنِّي ... لَشَرُّ النَّاسِ إِنْ لَمْ تَعْفُ عَنِّي (٣)

стр. 1211

* فائِدَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ: روى أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التُّستَري رحمه الله تعالى قال: يظهر في الناس - يعني: آخر الزمان - أشياء؛ ينزع منهم الخشوع بتركهم الورع، ويذهب منهم العلم بإظهارهم الكلام، ويضيعون الفرائض باجتهادهم في النوافل، ويصير نقض العهود وتضييع الأمانة وارتفاعها من بينهم علماً، ويرفع من بين المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان علم الخشية وعلم الورع وعلم المراقبة، فيكون بدل علم الخشية وساوس الدنيا، وبدل علم الورع وساوس العدو، وبدل علم المراقبة حديث النفس ووسواسها. قيل: ولم ذلك يا أبا محمد؟ قال: يظهر في القراء دعوى التوكل والحب والمقامات؛ ترى أحدهم يصوم ويصلي عشرين سنة وهو يأكل الربا، ولا يحفظ لسانه من الغيبة، ولا عينه وجوارحه مما نهى الله عنه (١). وكان السَّري السَّقَطي رحمه الله تعالى يبكي ويقول: قد توعَّرت طريق الصالحين، وقل فيها السالكون، وهجرت فيها الأعمال، وقل فيها الراغبون، ورفض الحق، ودرس هذا الأمر، فلا أراه إلا في لسان كل بطال، ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال، قد افترش الرُّخَص، وتمهد

стр. 1212

التأويلات، واعتل بذلك العاصون (١). ثم يقول: واغماه من فتنة العلماء! واكرباه من حيرة الأدلاء (٢)! وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار: أنه سمع عبد الله بن غالب الحذاء يقول في دعائه: اللهم إني نشكو إليك سفه أحلامنا، ونقص علمنا، واقتراب آجالنا، وذهاب الصالحين منا (٣). وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن الوليد قال: سمعت ابن حَلْبَس - يعني: يونس بن ميسرة بن حَلْبَس - ينشد هذا البيت عند الموت: [من الكامل] ذَهَبَ الرِّجالُ الصَّالِحُونَ وَأُخِّرَتْ ... نَتَنُ الرِّجالِ لِذا الزَّمانِ الْمُنْتِنِ (٤) * فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ عِشرينَ فائِدَةً: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: قال الحواريون: يا مسيح الله! انظر إلى بيت الله ما أحسنه!

стр. 1213

قال: آمين آمين، بحق أقول لكم: لا يترك الله من هذا المسجد حجراً قائماً على حجر إلا أهلكه بذنوب أهله، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الحجارة شيئاً، إنما أحب إلى الله منها القلوب الصالحة؛ بها يعمر الله الأرض، ويها يخرب الأرض إذا كانت على غير ذلك (١). وروى الطبراني، والبيهقي في "سننه" عن مَسافع الديلي (٢) رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْلا عِبادٌ رُكَّعٌ، وَصِبْيَةٌ رُضَّعٌ، وَبَهائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذابُ صَبًّا، ثُمَّ رُصَّ رَصًّا" (٣). وروى ابن عدي في "كامله"، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أَرادَ اللهُ بِقَومٍ عاهَةً نظَرَ إِلَى أَهْلِ الْمَساجِدِ فَصَرَفَهُ عَنْهُمْ" (٤).

стр. 1214

وروى هو وابن جرير - بإسناد ضعيف - عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بْالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِئَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرانِهِ البَلاءَ". ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] (١). وروى ابن جرير عن مجاهد: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ يقول: لولا دفاع الله بالبر عن الفاجر لفسدت الأرض بهلاك أهلها (٢). وعن أبي مسلم قال: سمعت علياً رضي الله تعالى عنه [يقول]: لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم؛ أي: لولا بقية صالحة كاملة الإسلام باقية فيكم لهلكتم (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] إشارة إلى أن الفضل له سبحانه حيث وفق للناس من يصلح ليدفع بهم البلاء عنهم جميعاً؛ فهو الذي أصلح الصالحين وأصلح بهم. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾

стр. 1215

﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. روى ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]؛ قال: صلوات أهل الإسلام؛ تنقطع إذا دخل عليهم العدو، وتنقطع العبادة من المساجد (١). قلت: وفي قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] إشارة إلى أن الله تعالى إنما يدفع العدو عن المسلمين بمن ينصره، وهم الصالحون كما يدل عليه إبداله (٢) من قوله: ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] قولَه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ. . .﴾ [الحج: ٤١] إلى آخره، وهذه صفة الصالحين، وبهم ينصر الله ويدفع. وقد روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! الرجل يكون حامية القوم، أيكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ! وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ

стр. 1216

إِلاَّ بِضُعَفائِكُمْ؟ " (١). وأخرجه البخاري عن مصعب بن سعد قال: رأى سعدٌ أن له فضلاً على من دونه من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفائِكُمْ؟ " (٢). وأخرجه النسائي، وغيره، ولفظه: "إِنَّما تُنْصَرُ هَذهِ الأُمَّةُ بِضَعَفَتِها؛ بِدُعائِهِمْ، وَصَلاتِهِمْ، وَإِخْلاصِهِمْ" (٣). وروى أبو نعيم عن مخلد قال: كان محمد بن واسع رحمه الله تعالى مع قتيبة بن مسلم في جيش، وكان صاحب خراسان، وكانت الترك خرجت إليهم، فبعث إلى المسجد ينظر من فيه، فقيل له: ليس فيه إلا محمد بن واسع رافعاً أصبعه. قال قتيبة: أصبعه تلك أحب إليَّ من ثلاثين ألف عِنان (٤). ولم تزل عقلاء السلاطين يستمدون النصر بدعاء الصالحين. واشتهر أن السلطان نور الدين الشهيد كان يكرم العلماء والصلحاء والفقراء ويقدمهم، فقيل له: تكرم هؤلاء، وإذا قاتلك العدو كانوا في فرشهم؟

стр. 1217

فقال: إنهم يقاتلون معنا بسهام نافذة وهم في فرشهم؛ يعني: الدعاء. وما أحسن ما قيل: [من الوافر] أتهْزَأُ بِالدُّعاءِ وَتَزْدَرِيهِ ... وَما يُدْرِيكَ ما صَنَعَ الدُّعاءُ سِهامُ اللَّيْلِ لا تُخْطِي وَلَكِنْ ... لَها أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ انْقِضاءُ (١) * تَنْبِيهٌ: كما أن الله تعالى يحفظ الأرض من الفساد، ويغيث العباد ويرزقهم وينصرهم بالصالحين؛ كذلك تفسد الأرض وتخذل الخلق وتقحط بفساد المفسدين وإصرار المصرين. قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. قال ابن عباس في تفسير الفساد في الآية: نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا (٢). وقال السدي في قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]: بما عملوا من المعاصي (٣). رواه (٤) ابن أبي حاتم.

стр. 1218

قلت: لعل المراد في الآية: [إن شاء الله] (١): أن ظهور الفساد في البر والبحر بسبب ما كسبت أيدي الناس، فأذقناهم وبالَ بعض ما عملوه من المعاصي في جملة الناس لعلهم يرجعون عن العصيان، فلا يتعدى ضررهم من بعد ذلك إلى غيرهم. وروى ابن أبي شيبة، وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]: يرجع من بعدهم (٢). وإنما عبر بهم عن من بعدهم؛ لأن الناس من جنس واحد، وفي عقوبة بعض العاصين تأديب لهم وتهذيب لمن يرى عقوبتهم، أو يسمع بها مِن أهل زمانهم، أو من بعدهم. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]: إن البهائم إذا اشتدت عليهم السنة قالت: هذا من أجل عصاة بني آدم؛ لعن الله عصاة بني آدم (٣). وقال عكرمة: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب؛ يقولون: مُنِعنا القطر بذنوب بني آدم. رواه ابن جرير (٤).

стр. 1219

فتأمل فيما بين الصالحين والمفسدين من البون؛ هؤلاء يُنصر الناس بهم ويرزقون ويمطرون، وهؤلاء يُخذلون بهم ويقحطون ويهلكون، ولو لم يكن للصالحين إلا هذه الفضيلة، وللمفسدين إلا هذه الرذيلة، لكفى! * فائِدَةٌ حادِيَةٌ وِعِشرونَ: روى مسلم، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَنْقَطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِه، وَوَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ " (١). ووردت أحاديث أخر في أشياء غير هذه الثلاث لا تنقطع أيضاً بعد الموت؛ نبهنا عليها في غير هذا الكتاب. وقلت عاقداً لهذا الحديث: [من مجزوء الرجز] قالَ النَّبِيُّ العَرَبِي ... الْمُصْطَفى الْمُشَفَّعُ عَلَيْهِ مَعْ صَلاتِنا ... سَلامُنا الْمُضَوَّعُ أَعْمالُنا بَعْدَ الْمَما ... تِ كُلُّها تَنْقَطِعُ إِلاَّ إِذا كانَ لَنا ... عِلْمٌ بِهِ يُنْتفَعُ أَوْ صالِحٌ مِنَ الذَّرا ... رِي بِالدُّعاءِ يَضْرَعُ أَوْ صَدَقاتٌ بَعْدَنا ... تَبْقَى لِمَنْ يَصْطَنِعُ

стр. 1220

وروى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها؛ زِيادَةُ الْعُمْرِ ذِرِّيَّةٌ صالِحَةٌ يُرْزَقُها العَبْدُ، يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتهِ يَلْحَقُهُ دُعاؤُهُمْ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: يرفع المؤمن بعد موته درجة، فيقول: يا رب! أي شيء هذا؟ فيقول: ولدك استغفر لك (٢). ورواه ابن أبي شيبة مرفوعاً - بإسناد حسن - ولفظه: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُرْفَعُ لَهُ الدَرَجَةَ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ! أَنِّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفارِ وَلَدِكَ" (٣). * فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَعِشرونَ: روى مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ [قال] وهو على المنبر: "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمارَتِهِ - يريد أسامة بن زيد؛ أي:

стр. 1221

وكان أمره على بعث فطعن الناس في إمرته كما في رواية أخرى - فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ؛ وَايْمُ اللهِ! إِنْ كانَ لَخَلِيقاً لَها. وَايْمُ اللهِ! إِنْ كانَ لأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ. وَايْمُ اللهِ! إِنَّ هَذا لَخَلِيقٌ لَها؛ يريد أسامة. وَايْمُ اللهِ! إِنْ كانَ لأَحَبَّهَمُ إِلَيَّ مِنْ بَعْدهِ، فَأُوْصِيكُمْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ صالِحِيكُمْ" (١). علل وصيته لهم فيه لكونه من صالحيهم، فدل ذلك على أنه يستوصى في الصالحين ما لا يستوصى في غيرهم؛ سواء في ذلك الأحرار منهم والأرقاء، وسواء في الأحرار ذوي الأنساب والموالي. وفي الحديث دليل أيضاً على أنه يستحب للإمام ونحوه إذا أمَّر أحداً على قوم أن يكون من أصلحهم للإمارة، و (٢) أتقاهم لله تعالى، وأحبهم لله تعالى ورسوله. * فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَعِشرونَ: روى سعيد بن منصور في "سننه"، والخطيب البغدادي في "تاريخه"، والديلمي في "مسند الفردوس" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي ﷺ : "ما مِنْ أَحَدٍ أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ وَزِيرٍ صالِحٍ مَعَ إِمامٍ؛ يَأْمُرُهُ

стр. 1222

بِذاتِ اللهِ فَيُطِيعُهُ" (١). وروى أبو داود - بإسناد حسن - والبيهقي عنها رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي ﷺ : "إِذا أَرادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيْراً جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ؛ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ ذَكَرَ أَعانَهُ. وَإذا أَرادَ غَيرَ ذَلِكَ جَعَلَ وَزِيرَ سوءٍ؛ إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ, إنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ" (٢). قلت: المراد بوزير الصدق: الوزير الصالح؛ لأن الصدق يهدي إلى سائر أعمال البر والصلاح. وقوله: "إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَه"؛ أي: ذكره بالله تعالى، وبأمره، وثوابه وعقابه، وجنته وناره. وإن ذكر الله تعالى أعانه على طاعته سبحانه. ومما يدل على استحباب طلب الوزير الصالح للذكر والتذكير قول موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٩ - ٣٤]. قال عروة: سمعَتْ عائشة رضي الله تعالى عنها رجلاً يقول: إني

стр. 1223

لا أدري أي أخ في الدنيا كان أنفعَ لأخيه من موسى حين سأل لأخيه النبوة؟ فقالت: صدق والله. رواه ابن أبي حاتم (١). وفيه: أن الأخ الصالح مِن تَمام النِّعمة على أخيه كالوالد الصالح والولد الصالح. أين موسى ونفعُه لأخيه ﵇ من قابيلَ وإضراره بأخيه هابيلَ ﵇؟ فقابيل سلفُ كل أخ شقيٍّ فاسق، وموسى ﵇ سلفُ كل أخ سعيد صالح. وكذلك آزرُ سلفُ كل والد فاسق فاجر لولد صالح، ونوح ﵇ سلفٌ لكل والد صالح لولد فاجر. * فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَعِشرونَ: روى الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وأبو نعيم؛ كلاهما في "فضل العلم" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي إِذا صَلُحُوا صَلُحَ النَّاسُ؛ الأُمَراءُ وَالفُقَهاءُ" (٢).

стр. 1224

ورواه أبو نعيم في "الحلية"، ولفظه: "إِذا صَلُحا صَلُحَ النَّاسُ وإِذا فَسَدا فَسَدَ النَّاسُ؛ العُلَماءُ وَالأُمَراءُ" (١). وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأَئِمَّةَ وَادْعُوا لَهُمْ بِالصَّلاحِ؛ فَإِنَّ صَلاحَهُمْ لَكُمْ صَلاحٌ" (٢). وروى أبو الشيخ في "العظمة"، وابن عدي في "الكامل"، وأبو نعيم في "الطب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "العَينانِ دَلِيلانِ، وَالأُذُنانِ قمعانِ، وَاللِّسانُ ترجُمانٌ، وَاليَدانِ جَناحانِ، وَالكَبِدُ رَحْمَةٌ، وَالطِّحالُ ضَحِكٌ، وَالرِّئَةُ نَفَسٌ، وَالكِلْيَتَانِ مَكْرٌ، وَالقَلْبُ مَلِكٌ؛ فَإِذا صَلُحَ الْمَلِكُ صَلُحَتْ رَعِيَّتُهُ، وإِذا فَسَدَ الْمَلِكُ فَسَدَتْ رَعِيَّتُهُ" (٣).

стр. 1225

وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: الرعية تصلح بصلاح الوالي، وتفسد بفساده (١). * فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَعِشرُونَ: لما لعن الله تعالى علماء السوء استثنى منهم مَنْ راجع الصلاح والإصلاح فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. قال عطاء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]؛ قال: ذلك كفارة له. رواه عبد بن حميد (٢). قلت: وإذا راجع العالم دينه، وصلح وأصلح، وبَيَّن ما كتم؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، يساوي العلماء الصالحين فيما لهم؛ فإن الملائكة وسائر الخلق تستغفر لهم كما سيأتي. فكان تسخيرُ اللهِ تعالى الخلق في الاستغفار للعلماء الصالحين كالمقابل لبعثهم على لعن العلماء بالسوء. * فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَعِشرُونَ: العلماء الصالحون أدلة الخلق وهداتهم؛ فإذا تاه الدليل وحار الهادي فكيف حال المستدل والمهتدي؟

стр. 1226

وهذا يوضح معنى حديث ابن عباس المتقدم آنفاً. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان قال: قال عيسى ﵇: إنما أعلمكم لتعلموا، ليس لتعجبوا؛ يا ملحَ الأرض! لا تفسدوا؛ فإن الشيء إذا فسد إنما يصلح بالملح، وإن الملح إذا فسد لم يصلحه شيء (١). وأنشد بعض المتقدمين: [من الرجز] يا عُلَماءَ النَّاسِ (٢) يا مِلْحَ البَلَد ... ما يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذا الْمِلْحُ فَسَد (٣) * فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَعِشرُونَ: قد سبق أن الصالحين إنما أصلحهم الله تعالى، وأنه إنما يطلب الصلاح بتوفيق الله إليه. ومن الأدعية النافعة لهذا المطلوب: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيايَ الَّتِي فِيها مَعاشِي، وَأَصْلحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيها مَعادِي، وَاجْعَلِ الْحَياةَ زِيادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ راحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" (٤).

стр. 1227

ولا شك أن من أصلح الله له دينه ودنياه وآخرته فقد استكمل الصلاح، وظفر بالفلاح، وتمت سعادته. وقد جمع رسول الله ﷺ لفاطمة رضي الله تعالى عنها مبسوط هذا الدعاء في كلمة واحدة؛ فروى النسائي في "عمل اليوم والليلة"، والحاكم -وصححه على شرطهما- والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لها: "يا فاطِمَةُ! ما يَمْنَعُكِ أَنْ تَقُولي: يا حَيُّ يا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، لا تَكِلْنِي إِلَى نفسِيَ طَرْفَةَ عَينٍ، وَأَصْلحْ لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ" (١). ورواه أبو بكر بن السُّني عنه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لفاطمة رضي الله تعالى عنها: "ما يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي ما أُوْصِيكِ، تَقُولي إِذا أَصْبَحْتِ وَإِذا أَمْسَيْتِ: يا حَىُّ يا قَيُّومُ! بِكَ أَسْتَغِيثُ؛ فَأَصْلِحْ لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ (٢)، وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِيَ طَرْفَةَ عَينٍ (٣). وروى الخطيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لها رضي الله تعالى عنها: "يا فاطِمَةُ! ما لِيَ لا أَسْمَعُكِ بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ تَقُولينَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ؛ أَصْلِحْ لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ،

стр. 1228

وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي" (١). * فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَعِشرُونَ: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن بشير الدمشقي قال: قيل لناحية من الأرض: إن عيسى بن مريم ﵉ مارٌّ بكم. قال: فنزلوا من الغيران (٢)، والجزائر، وأظلة الأشجار، ورؤوس الجبال. قال: فمر بهم، فقال: اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا؛ ثلاثاً. قالوا: يا روح الله! إنا رجونا أن نسمع منك اليوم موعظة، ونسمع منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى! فأوحى الله إلى عيسى ﵇: قل لهم: إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها دنياه وآخرته (٣). قلت: وجه ذلك أن كل مولود يولد على الفطرة، فأصل كل مؤمن أن يكون على الفطرة، ومن كان على الفطرة فهو صالح بلا شك، فإذا خلط المؤمن وغفر الله تعالى تخليطه؛ والمغفرة الستر؛ بأن يستره في الدنيا، ولا يفضحه في الآخرة؛ لأنه إذا غفر في الدنيا فكرمه يقتضي أن لا يفضحه في الآخرة، لأن الكريم إذا جاد بشيء لم يرجع فيه، فبقي العبد

стр. 1229

بالمغفرة على أصل الفطرة. وأيضاً فإن المغفرة تشمل الذنوب كما في الحديث: أنه ﷺ كان يقول: "إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألمَّا" رواه الترمذي، وغيره (١). وإذا غفرت ذنوب العبد كان صالحاً للقربة في الدنيا والآخرة. * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَعِشْرونَ: روى أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْخَصْلَةَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ فِي الرَّجُلِ فَيُصْلِحُ اللهُ بِها عَمَلَهُ كُلَّهُ، وَطُهُورُ الرَّجُلِ لِصَلاتِهِ يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ ذُنوبَهُ وَتَبْقَى صَلاتُهُ لَهُ نافِلَةً" (٢). ووجه ذلك: أن الخصلة الصالحة إذا كانت من صفة الرجل، ولا تصلح إلا إذا كانت طاعة خالصة لله تعالى، والطاعة على حقيقة الشكر، والشكر يقتضي المزيد، فيزيده الله تعالى من طاعته، ثم يزيده توفيقاً إليها حتى تصلح أعماله كلها.

стр. 1230

وفي الحديث إشارة إلى أن الرجل متى وجد من العبد خصلة صالحة ينبغي أن يتوسم فيه الصلاح، ولا يسيء الظن به؛ فإن لخصلته أخوات. وفيه وجه آخر، وهو أن الخصلة الصالحة تكفر خصالاً من السيئات، فيرجى له أن تكون تلك الخصلة سبباً لسعادته. وقد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. قال أبو عثمان النهدي رحمه الله تعالى: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوية: ١٠٢] الآية. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في "التوبة" (١)، والبيهقي في "الشعب"، وغيرهم (٢). وروى ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى قال: عرضت نفسي على القرآن، فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] (٣). وروى البيهقي عن مطرف رحمه الله تعالى قال: إني لأستلقي من
следующие страницы →