وهذا يوضح معنى حديث ابن عباس المتقدم آنفاً.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان قال: قال عيسى ﵇: إنما أعلمكم لتعلموا، ليس لتعجبوا؛ يا ملحَ الأرض! لا تفسدوا؛ فإن الشيء إذا فسد إنما يصلح بالملح، وإن الملح إذا فسد لم يصلحه شيء (١).
وأنشد بعض المتقدمين: [من الرجز]
يا عُلَماءَ النَّاسِ (٢) يا مِلْحَ البَلَد ... ما يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذا الْمِلْحُ فَسَد (٣)
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَعِشرُونَ:
قد سبق أن الصالحين إنما أصلحهم الله تعالى، وأنه إنما يطلب الصلاح بتوفيق الله إليه.
ومن الأدعية النافعة لهذا المطلوب: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيايَ الَّتِي فِيها مَعاشِي، وَأَصْلحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيها مَعادِي، وَاجْعَلِ الْحَياةَ زِيادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ راحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" (٤).
стр. 1227
ولا شك أن من أصلح الله له دينه ودنياه وآخرته فقد استكمل الصلاح، وظفر بالفلاح، وتمت سعادته.
وقد جمع رسول الله ﷺ لفاطمة رضي الله تعالى عنها مبسوط هذا الدعاء في كلمة واحدة؛ فروى النسائي في "عمل اليوم والليلة"، والحاكم -وصححه على شرطهما- والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لها: "يا فاطِمَةُ! ما يَمْنَعُكِ أَنْ تَقُولي: يا حَيُّ يا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، لا تَكِلْنِي إِلَى نفسِيَ طَرْفَةَ عَينٍ، وَأَصْلحْ لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ" (١).
ورواه أبو بكر بن السُّني عنه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لفاطمة رضي الله تعالى عنها: "ما يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي ما أُوْصِيكِ، تَقُولي إِذا أَصْبَحْتِ وَإِذا أَمْسَيْتِ: يا حَىُّ يا قَيُّومُ! بِكَ أَسْتَغِيثُ؛ فَأَصْلِحْ لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ (٢)، وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِيَ طَرْفَةَ عَينٍ (٣).
وروى الخطيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لها رضي الله تعالى عنها: "يا فاطِمَةُ! ما لِيَ لا أَسْمَعُكِ بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ تَقُولينَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ؛ أَصْلِحْ لِي شَأْنِيَ كُلَّهُ،
стр. 1228
وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي" (١).
* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَعِشرُونَ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن بشير الدمشقي قال: قيل لناحية من الأرض: إن عيسى بن مريم ﵉ مارٌّ بكم.
قال: فنزلوا من الغيران (٢)، والجزائر، وأظلة الأشجار، ورؤوس الجبال.
قال: فمر بهم، فقال: اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا؛ ثلاثاً.
قالوا: يا روح الله! إنا رجونا أن نسمع منك اليوم موعظة، ونسمع منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى!
فأوحى الله إلى عيسى ﵇: قل لهم: إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها دنياه وآخرته (٣).
قلت: وجه ذلك أن كل مولود يولد على الفطرة، فأصل كل مؤمن أن يكون على الفطرة، ومن كان على الفطرة فهو صالح بلا شك، فإذا خلط المؤمن وغفر الله تعالى تخليطه؛ والمغفرة الستر؛ بأن يستره في الدنيا، ولا يفضحه في الآخرة؛ لأنه إذا غفر في الدنيا فكرمه يقتضي أن لا يفضحه في الآخرة، لأن الكريم إذا جاد بشيء لم يرجع فيه، فبقي العبد
стр. 1229
بالمغفرة على أصل الفطرة.
وأيضاً فإن المغفرة تشمل الذنوب كما في الحديث: أنه ﷺ كان يقول:
"إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألمَّا"
رواه الترمذي، وغيره (١).
وإذا غفرت ذنوب العبد كان صالحاً للقربة في الدنيا والآخرة.
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَعِشْرونَ:
روى أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْخَصْلَةَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ فِي الرَّجُلِ فَيُصْلِحُ اللهُ بِها عَمَلَهُ كُلَّهُ، وَطُهُورُ الرَّجُلِ لِصَلاتِهِ يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ ذُنوبَهُ وَتَبْقَى صَلاتُهُ لَهُ نافِلَةً" (٢).
ووجه ذلك: أن الخصلة الصالحة إذا كانت من صفة الرجل، ولا تصلح إلا إذا كانت طاعة خالصة لله تعالى، والطاعة على حقيقة الشكر، والشكر يقتضي المزيد، فيزيده الله تعالى من طاعته، ثم يزيده توفيقاً إليها حتى تصلح أعماله كلها.
стр. 1230
وفي الحديث إشارة إلى أن الرجل متى وجد من العبد خصلة صالحة ينبغي أن يتوسم فيه الصلاح، ولا يسيء الظن به؛ فإن لخصلته أخوات.
وفيه وجه آخر، وهو أن الخصلة الصالحة تكفر خصالاً من السيئات، فيرجى له أن تكون تلك الخصلة سبباً لسعادته.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
قال أبو عثمان النهدي رحمه الله تعالى: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوية: ١٠٢] الآية. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في "التوبة" (١)، والبيهقي في "الشعب"، وغيرهم (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى قال: عرضت نفسي على القرآن، فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] (٣).
وروى البيهقي عن مطرف رحمه الله تعالى قال: إني لأستلقي من
стр. 1231
الليل على فراشي، وأتدبر القرآن، فأعرض نفسي على أعمال أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، فلا أراني منهم.
فأعرض نفسي على هذه الآية: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [القمر: ٤٢ - ٤٦] فأرى القوم مكذبين، فلا أراني فيهم.
فأمرُّ بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، وأرجو أن كون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم (١).
قلت: لقد مر في بعض مجالسي من نحو عشرين سنة أني دعوت الله تعالى، فقلت: اللهم اجعلنا من الصالحين، فإن لم تجعلنا من الصالحين فاجعلنا من المخلطين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، أو ما هذا معناه، فبعد انقضاء المجلس اعترض علي بعض السامعين، فقال: يا سيدي! كيف تدعو الله أن يجعلنا من المخلطين والمعصية مقررة فيهم؟
قلت: سبحان الله تعالى! والعمل الصالح مقرر فيهم أيضاً، وهو أولى أن يكون من المصرين، فإن لم يكن وابل فَطَلٌّ.
ثم وقفت على كلام مطرف هذا، فحمدت الله على موافقته.
стр. 1232
على أن المخلطين المذكورين في الآية كانوا من أعيان الأنصار والصحابة الأخيار رضي الله تعالى عنهم، وأنى لنا باللحاق بأقلهم.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]؛ (عسى) و (لعل) في القرآن تدل على تحقيق ما بعدهما بإجماع المحققين من المفسرين؛ فالتوبة مقبولة منهم بفضل الله تعالى.
* فائِدَةٌ تَتِمُّ بِها ثَلاثونَ فائِدَةً:
تقدم أن صلاح الرعية بصلاح سلطانها، وجاء ما يدل على أن صلاح السلطان بصلاح الرعية، فصلاح كلٍّ متسبب عن صلاح الآخر، ومن ثم جاء عن بعض السلف أنه كان يدعو: اللهم مصلحَ الراعي والرعية.
قال كعب الأحبار رحمه الله تعالى: إن لكل زمان ملكاً يبعثه الله على قلوب أهله، فإذا أراد الله بقوم صلاحاً بعث فيهم مصلحاً، وإذا أراد الله بقوم هلكة بعث فيهم مترفاً.
ثم قرأ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. رواه أبو عمرو الداني في "الفتن"، والبيهقي (١).
وقال القاسم بن مخيمرة: إنما زمانكم سلطانكم؛ فإذا صلح
стр. 1233
سلطانكم صلح زمانكم، وإذا فسد سلطانكم فسد زمانكم. رواه الداني، وغيره (١).
وروى ابن جميع في "مسنده"، والقضاعي عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكُمْ". وسنده ضعيف (٢).
* فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَلاثونَ:
روى أبو عمرو الداني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: ليأتين على الناس زمان يكون صالحو الحي فيهم في أنفسهم؛ إن غضبوا غضبوا لأنفسهم، وإن رضوا رضوا لأنفسهم، لا يغضبون لله ، ولا يرضون لله ؛ فإذا كان ذلك الزمان فاحترسوا من الناس بسوء الظن (٣).
قلت: إنما أطلق عمر رضي الله تعالى عنه على هؤلاء اسم الصلاح باعتبار ما يظهر منهم لحيهم من النسك وإظهار زي الصالحين، أو باعتبار ما يزعمون، وإلا فإن الصالح لا ينبغي له أن يغضب لنفسه ويرضى لنفسه.
стр. 1234
أو أراد أن الفتنة تدخل على الناس حتى على صالحيهم، فتكون فتنتهم في الغضب والرضا لأنفسهم لا لله تعالى، ومن ثم قال: فإذا كان ذلك الزمان فاحترسوا من الناس بسوء الظن.
وقد سبق عن سهل التُّستَري أنه ينزع من المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان الخشية والورع والمراقبة، ومن نزع منه ذلك كيف يغضب لله أو يرضى لله.
وقد علم بذلك أن الغضب لله والرضا لله في هذا الزمان من أخص أعمال الصالحين، وهذا أعز من الكبريت الأحمر الآن.
* فائِدَة ثانِيَةٌ وَثَلاثونَ:
روى ابن المبارك رحمه الله تعالى عن الحسن رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزالُ هَذِهِ الأُمَّةُ تَحتَ يَدِ اللهِ وَفِي كَنَفِهِ ما لَمْ يُمالِ قُرَّاؤُها أُمَراءَها، وَلَمْ يُزَكِّ صُلَحاؤُها فُجَّارَها، وَما لَمْ ينمِ خِيارُها أَشْرارَها؛ فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ رَفَعَ اللهُ الكَرِيْمُ عَنْهُمْ يَدَهُ، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جَبابِرَتَهُمْ فَسامُوهُمْ سُوءَ العَذابِ، وَضَرَبَهُمْ بِالفَقْرِ وَالفاقَةِ وَمَلأَ قُلُوبَهُمْ رُعباً" (١).
ومعنى ممالأة القراء الأمراء: مساعدتهم على ما هم فيه، أو على ما يريدون بأي شيء كان.
стр. 1235
وتزكية الصلحاء الفجار: أن يثنوا عليهم ويمدحونهم، وهم يعلمون أنهم على خلاف ذلك.
وكذلك التنمية بمعنى التزكية، أو معنى تنمية الأخيار الأشرار: زيادتهم في دنياهم، وتقويتهم بمال أو سلاح أو غيره.
وكل ذلك واقع في زماننا، وظهرت العقوبة التي وعد أهله بها من فقر كثير من ذوي الأموال، وكسرهم، وتسليط جبابرة الحكام وأتباعهم عليهم حتى كأنهم أهل ذمة، وامتلاء قلوبهم رعبا وخوفاً؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون!
ولقد كان الناس يُرحمون بصالحيهم، فإذا فسد الصالحون فكيف يرحمون!
* فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَثلاثونَ:
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦ - ١١٧].
أراد سبحانه أن يبين في الآية ما كان سبباً في استئصال الأمم السالفة، وهو فُشُوُّ الظلم والفساد في الأرض، والإتراف؛ وهو الإنعام في الشهوات والإمعان فيها، والاهتمام بتحصيل أسبابها، وترك النهي عن المنكر من بقايا الناس ممن بقي من ذوي العقول والأحلام منهم إلا قليلاً من أهل النجاة.
стр. 1236
فلما سكتت بقيتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]، فلذلك حق عليهم العذاب.
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
فإن قلتَ: كيف يجتمع الإصلاح مع الظلم؟
قلتُ: يكون الظلم من عامتهم والإصلاح من خاصتهم، وإنما قال: ﴿وَأَهْلُهَا﴾ [هود: ١١٧]؛ أي: معظمهم، أو خاصتهم.
كان الاعتبار بأهل الصلاح والإصلاح -وإن كانوا بعضاً منهم- فإنهم يقومون مقام الكل، ولذلك أطلق عليهم قوله: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]؛ كأنهم هم أهلها دون من سواهم، فإذا ترك خاصتهم الإصلاح عَمَّ الفساد، فكان الهلاك.
وروى ابن أبي حاتم، والخرائطي عن جرير رضي الله تعالى عنه - موقوفاً عليه - والطبراني عنه - مرفوعاً - قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، فقال رسول الله ﷺ : "وَأَهْلُها يُنْصِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضَا" (١).
стр. 1237
والإنصاف من أخص أخلاق الصالحين، ومن شأن الصالح أن ينصف ولا ينتصف، بل يكون أبداً على نفسه.
وقد روى البزار - ورجح وقفه - والطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن عمار بن ياسر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ مِنَ الإِيْمانِ - ولفظ أبي نعيم: ثَلاثُ خِلالٍ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ خِلالَ الإِيْمانِ -: الإِنْفاقُ مِنَ الإِقْتارِ، وَالإِنْصافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلعالَمِ" (١).
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثلاثونَ:
روى الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرانِ" (٢).
قلت: المراد بالعبد الصالح الذي ينصح سيده، ويحسن عبادة ربه، لا يشغله حق السيد عن حق الله، ولا حق الله عن حق السيد.
كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ إِذا نَصَحَ لِسَيَّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبادِةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ".
стр. 1238
رواه الإمام مالك، والشيخان، وأبو داود (١).
واعلم أنه يحتج بسيدنا يوسف ﵇، وبكل مملوك صالح على من لم يكن كذلك كما تقدم نظير ذلك في صلحاء الأغنياء.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد قال: ويجاء بالعبد يوم القيامة فيقول له: ما منعك أن تكون عبدتني؟
فيقول: ابتليتني، فجعلت علي أرباباً فشغلوني.
فيجاء بيوسف ﵇، فيقال: أنت كنت أشد عبودية أم هذا؟
فيقول: بل هذا.
فيقول الله تعالى: لم يمنعه ذلك أن عبدني (٢).
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثلاثونَ:
روى الطبراني في "الأوسط" - بإسناد حسن - عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فِي الدُّنْيا جَعَلَ اللهُ لَهُ نُوراً يَومَ القِيامَةِ إِنْ كانَ صالِحاً" (٣).
ففي هذا الحديث إشارة إلى أن استكمال الأعمى للكرامة يوم
стр. 1239
القيامة مشروط بالصلاح؛ فإن لم يكن صالحاً - بأن كان كافراً أو فاسقاً - فلا كرامة له إلا أن يؤمن أو يتوب؛ فإنه بالكفر والفسق يكون أعمى القلب؛ ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢].
والمراد بذلك أعمى القلب؛ كما روي: أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه - وكان أعمى - لما نزلت هذه الآية حزن، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ١٤٦] (١).
ولا يختص ذلك بالعمى، بل سائر الأمراض والبلايا إذا نزلت بالعبد؛ فإن كان صالحاً فهي كرامة في حقه، وما ورد من أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون؛ فهو مع الصبر والرضا بخلاف غيرهم، فقد يشدد في البلاء عليهم ويجزعون ويسخطون.
وقد روى الإمام أحمد - ورواته ثقات - عن محمود بن لبيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَحَبَّ اللهُ قَوماً ابْتلاهُمْ؛ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزعَ فَلَهُ الْجَزَعُ" (٢).
وروى الترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وإِنَّ اللهَ إِذا أحَبَّ قَوماً
стр. 1240
ابْتلاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (١).
وروى مسلم عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْخامَةِ مِنَ الزَّرْعِ؛ تُفيَّئُها الرِّياحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُها حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنافِقِ كَمَثَلِ الأَرزةِ الْمُجْدِبَةِ الَّتِي لا يُصِيبُها شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعافُها مَرَّة واحِدَةً" (٢).
خامة الزرع - بالمعجمة، وتخفيف الميم -: الطاقة الغضة منه.
ومعنى: تفيئها - بالفاء -: تقلبها يميناً وشمالاً، أو تميلها مرة.
وتعدلها؛ أي: ترفعها.
والأرزة - بفتح الهمزة، وإسكان الراء، وحكي فتحها، وبعدها زاي مفتوحة -: شجرة تشبه شجرة الصنوبر تكون بالشام وبلاد الأرمن.
وقيل: هي شجرة الصنوبر.
والمجدبة - بالجيم، والدال المهملة -: الثابتة المنتصبة.
والانجعاف - بالجيم، والعين المهملة -: الانقلاع.
ومعنى الحديث: إن المؤمن كثير الأسقام والبلاء في نفسه وأهله وماله، إلا أن ذلك يكفر ذنوبه، ويرفع درجاته، ويصلح شأنه، كما أن لعب الريح بالخامة يصلحها ولا يضرها، والمنافق ليس كذلك، بل إذا أخذه الله لم يفلته، فيأخذه أخذة رابية.
стр. 1241
واعلم أن للمنافق باعتبار البلاء طريقين:
أحدهما: أن الله تعالى يعفيه من البلاء بالكلية في حياته الدنيا، ثم يقلعه قلعة واحدة، وإلى ذلك الإشارة لحديث مسلم.
والثاني: أن الله تعالى يبتليه، ولكن لا يلهمه الصبر في البلاء، فيفجر ويسخط، وإذا انتهى بلاؤه عاد إلى ما كان عليه، فهو في مرور البلاء عليه وانحساره عنه كالبهيمة لا يعرف الحكمة في البلاء ولا في العافية.
كما روى أبو داود عن عامر الرامي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذا أَصابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفاهُ اللهُ عَنْهُ كانَ كَفَّارَةً لِما مَضى مِنْ ذُنوبِهِ، وَمَوْعِظَةً فِيما يُسْتَقْبَلُ، وَإِنَّ الْمُنافِقَ إِذا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كانَ كَالبَعِيرِ عَقلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلوهُ" (١).
واعلم أن الله تعالى يحتج بسيدنا أيوب ﵇ وسائر الصالحين من أهل البلاء بصبرهم ورضاهم وطاعتهم على من لم يصبر ولم يَرضَ.
قال مجاهد في أثره المتقدم: ويجاء بالمريض فيقول: ما منعك أن تعبدني؟
قال: فيقول: يا رب! ابتليتني.
стр. 1242
فيجاء بأيوب ﵇، فيقول: أنت كنت أشد ضراً أم هذا؟
فيقول: بل هذا.
فيقول: لم يمنعه ذلك أن عبدني (١).
* فائِدَة سادِسَة وَثَلاثونَ:
إنما ابتلى الله تعالى الأنبياء ﵈ بأنواع البلاء ليكونوا سلفاً للصالحين، وتسلية لهم إذا نزل بهم البلاء كابتلاء آدم ﵇ بأكل الشجرة، ثم بفقد الولد هابيل ﵇.
وابتلاء نوح ﵇ بأذية قومه، وطول مدته فيهم، ثم بعمل السفينة، ثم بانعزال ولده عنه، ثم تبرئته منه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦].
وابتلاء هود ﵇ بقوة قومه، وجرأتهم عليه، واشتطاطهم.
وصالح ﵇ بالناقة وعقر قومه لها.
وإبراهيم ﵇ بأبيه وقومه، وإلقائه في النار، وذبح ولده.
وإسحاق وإسماعيل ﵉ بالذبح (٢).
ويعقوب ﵇ بفقد ولديه.
стр. 1243
ويوسف ﵇ بعداوة إخوته وقسوتهم، وإلقائه في الجب، وبالرِّق، والتهمة، والسجن.
وأخيه بنيامين ﵇ (١) بالتهمة وفراق الأب.
وموسى ﵇ بفرعون وأذى بني إسرائيل.
ولوط ﵇ بفجور قومه، وقصدهم ضيوفه بالسوء.
وأيوب ﵇ بالبلاء بالمرض، وفقد الأهل والأولاد.
وداود ﵇ بالخطيئة، وبالخصمين.
وسليمان ﵇ بالجسد.
وزكريا، ويحيى، وحزقيل (٢)، وغيرهم بالقتل عليهم الصلاة والسلام.
وعيسى ﵇ ببني إسرائيل، وطعنهم عليه، وقصدهم قتله.
ومحمد ﷺ بما هو مشهور في سيرته من أنواع البلاء.
فإذا نزل بالعبد الصالح نوع من البلاء نظر في أسوته ممن ابتلي ببلائه منهم، وعلم أن بلاء ذلك النبي أشد من بلائه، فكان هذا كافياً في تسليته وصبره، وتأدبه بآداب ذلك النبي في ذلك البلاء.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" -بإسناد صحيح- عن الأحنف بن قيس
стр. 1244
رحمه الله تعالى: أن داود ﵇ قال: يا رب! إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فاجعلني يا رب لهم رابعاً.
قال: فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! إن إبراهيم ألقي في النار في شيء فصبر، وتلك بلية لم تَنَلْكَ، وإن إسحاق بذل مُهجة دمه في شيء فصبر، وتلك بلية لم تَنَلْكَ، وإن يعقوب أخذت حبيبيه حتى ابيضت عيناه فصبر، وتلك بلية لم تَنَلْكَ (١).
وعن عبد الله بن عبيد، عن أبيه قال: قال موسى ﵇: أي رب! ذكرت إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ بم أعطيتهم ذاك؟
قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وهو بما سواها أجود، وإن يعقوب لم أَبْتَلِهِ ببلاء إلا ازداد بي حسنَ ظن (٢).
وروى حميد بن زنجويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه دخل المسجد حين قتل ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما وهو مصلوب، أو مطروح، فقيل له: إن أسماء في ناحية المسجد، فمال إليها فقال: إن هذه الجثة ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله تعالى، فاتقي الله وعليك بالصبر.
стр. 1245
فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا ﵉ إلى بَغِيٍّ من بغايا بني إسرائيل (١)!
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثلاثونَ:
الصالح إذا زل زلة ينبغي أن يُتجافى عنها ولا تعدَّ عليه، بل ينبغي الاعتراف بفضله، والتنبيه على زلته لتحذر.
ويدل على ذلك: ما رواه الشيخان، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك: أن رسول الله ﷺ قام على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال وهو على المنبر: "يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ! مَنْ يَعْذرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؛ فَوَ اللهِ ما عَلِمْتُ عَلى أَهْلِي إِلاَّ خَيراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عَلَيهِ إِلاَّ خَيراً، وَما كانَ يَدْخُلُ على أَهْلِي إِلاَّ مَعِي".
فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أعذرك منه يا رسول الله؛ إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
قالت: فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج ﵁، وكان رجلاً صالحاً، ولكن اجتهلته الحمية - فقال لسعد بن معاذ: لَعمرو الله لا تقتلنه، ولا تقدر على قتله.
فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن
стр. 1246
عبادة: كذبت؛ لعمرو الله لنقتلنه؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
فثار الْحَيَّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت (١).
فقول عائشة رضي الله تعالى عنها في سعد بن عبادة: رجلاً صالحاً؛ اعترافٌ بصلاحه، ولم يمنعها الغضب لنفسها من الاعتراف بالحق.
قالت: ولكن اجتهلته الحمية؛ أي: حملته على الجهل.
وفي رواية البخاري: احتملته؛ وهي راجعة إلى معنى تلك الرواية. فهذه الزلة من سعد بن عبادة لا تخرجه عن صفة الصلاح، على أن له فيها عذراً من حيث إنه إنما حصلت منه هذه الحمية حين لم يتبين للناس الحق، ولا تحققوا براءة عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما نزل القرآن ببراءتها سلموا وآمنوا حتى أصحاب الإفك، إلا ما كان من عبد الله بن أبي؛ فإنه مات منافقاً.
وأيضاً لم يكن يومئذ حد القاذف القتل، فاستجازة سعد بن معاذ لقتل المتولي ذلك الأمر اجتهاد، واعتراض سعد بن عبادة له اجتهاد، ومثل ذلك لا يخرج العبد عن كونه صالحاً، ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أحد منهما.
стр. 1247
وأما قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين؛ فالمعنى: إنك قاربت النفاق لمجادلتك عن المنافقين، أو: فعلت أفعال المنافقين.
ومن هنا يعلم أن ما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما صدر من بعضهم من زلة لا يخرجهم عن العدالة والصلاح لأن ذلك يكون عن اجتهاد وإن أخطأ بعضهم، وكان لهم من الإحسان ما يكفر الزلة من الإساءة، ثم هم أقرب إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى من غيرهم.
ومذهب أهل السنة أن من أساء عشراً وأحسن واحدة، كفرت هذه الواحدة عن تلك العشرة؛ فكيف بمن يحسن عشراً ويسيء واحدة؟ بل كيف بمن معظم أعماله حسن وزلته واحدة؟ فافهم!
* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثلاثونَ:
اعلم أن العبد الصالح ليس من شرطه أن يكون معصوماً، بل من شرطه أن يكون كارهاً للذنب قبل وقوعه منه، محزوناً منه بعد وقوعه، خائفاً من عقوبته، واجداً على نفسه، تائباً منه.
ولقد أحسن القائل: [من الطويل]
وَما كُنْتُ أَرْجُو أَنْ تَرى لِيَ زَلَّةً ... وَلَكِنْ قَضاءُ اللهِ ما مِنْهُ مَهْرَبُ (١)
стр. 1248
وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهِيَ أَمارَةُ الْمُؤْمِنِ". رواه البخاري في "تاريخه" عن عمر رضي الله تعالى عنه (١).
وروى الطبراني في " الكبير " عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئاتُهُ، وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ " (٢).
وفي "الأوسط" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ " (٣).
وحديث أبي أمامة عند الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم - وصححه - والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة "، ولفظهم: " إِذا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَساءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَإِنَّكَ مُؤْمِنٌ " (٤).
ورواه الطبراني في " الكبير " من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، ولفظه: " مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ " (٥).
стр. 1249
وروى الديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ ساءَتْهُ خَطِيئَتُهُ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ" (١).
قلت: ووجه ذلك أن العبد إذا كره الخطيئة وسيء بها، كانت كراهته لها حسنة، والحسنة تكفر الخطيئة من الصغائر.
وأيضاً فإن ما يدخل عليه من السوء بسبب الخطيئة مصيبة، والمصيبة مكفرة أيضاً.
فإن استغفر فالاستغفار مكفر ثالث.
وهذا حال الصالحين؛ إذا أذنب أحدهم قامت قيامته، وعظمت مصيبته، وضاقت نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت كما وصف الله تعالى بذلك الثلاثة الذين خلفهم عن المتخلفين عن تبوك؛ فإنه لما رجع جاء إليه من تخلف عنه، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فاعتذروا فقبل عذرهم؛ إلا ما كان من كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية الواقفي رضي الله تعالى عنهم؛ فإنهم أقروا بأنهم تخلفوا عنه بغير عذر، وأقروا بذنوبهم، وصدقوا في ترك الاعتذار، فأمر رسول الله ﷺ بهجرهم، فمكثوا خمسين يوما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وحزنوا لذنوبهم (٢)، فأنزل الله تعالى فيهم، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى
стр. 1250
النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩] (١).
قال السدي في الآية: كونوا مع كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية. رواه ابن أبي حاتم، وغيره (٢).
فهؤلاء الثلاثة لما ساءتهم سيئتهم، وأحزنتهم، وضيقت صدورهم، تاب الله عليهم، وأمر المؤمنين أن يتأَسَّوا بهم. وفي "الصحيحين" في حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه عن توبته بعد أن وصف صدقه النبي ﷺ ، ولم يتجوز في الاعتذار، وقول النبي ﷺ له: "أَمَّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ؛ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ".
وصف تأنيب قومه له على ذلك؛ قال: فو الله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذِّب نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟
قالوا: نعم؛ رجلان قالا (٣) مثل ما قلت، وقيل لهما [مثل ما قيل لك].
стр. 1251
قال: قلت: من هما؟
قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي.
قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوة.
قال: فمضيت حين ذكروهما لي (١).
فأشار كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه إلى أنه لما عرف أن له شريكين في مثل ذنبه صالحين سَلا بهما، وخفف من همه حين ساواهما؛ وفي أمثلة الناس: إذا كنت ثالث ثلاثة فلا تبالِ، ومن شأن الحكيم أن يتسلى فيما يصيبه بنظائره ونظائر مصائبه.
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثلاثونَ:
روى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لا يُصلِح الناسَ إلا أميرٌ؛ بَرٌّ، أو فاجرٌ.
قالوا: هذا البَرُّ، فكيف بالفاجر؟
قال: إن الفاجر يؤَمِّن اللهُ به السبيلَ، ويجاهَد به العدوُّ، ويَجيء به الفيءُ، وتقام به الحدودُ، وُيحَجُّ به البيتُ، وَيعبُد اللهَ به المسلمُ آمناً حتى يأتيه أجلُه (٢).
قلت: هذا كالبيان لقوله ﷺ : " إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ
الفاجِرِ (٣).
стр. 1252
وهذه الأمور تتم بالبَرِّ، بل هي به أتم، وإنما يفرق بينهما بالنية؛ فالفاجر ينوي بذلك صيانة إمرته، وقيام حرمته، ورغبة الناس في ولايته، فيُصلِح اللهُ به الناسَ وإن لم يُرِد صلاحَهم، والبَرُّ ينوي بذلك سكونَ خواطر المسلمين، ونُصحَهم، وحمايتَهم، وإقامةَ الدِّين، وإعلاءَ كلمة الله تعالى.
وقد يكون سببَ أمْنِ الطُّرُق شِدَّةُ ظلم الأمير وحَيْفِه، فيحصُل الأمنُ اتِّقاءَ ظُلمه، ويكون في ذلك نفعٌ للمسلمين، وعلى الأمراء وزرُهم.
وأما ما سبق أن الأمراء والعلماء إذا صلحوا صلح بصلاحهم سائر الناس، فذلك صلاح يعود ثوابه على الأمراء والعلماء، وصلاح الناس بالأمراء الفجرة لا يعود منه على الأمراء ثواب.
وكان سهل بن عبد الله ﵁ يقول: يعود عليهم بسبب أمن الناس على أنفسهم وعيالهم وأموالهم، وفي طرقهم ومنازلهم ثوابٌ وخير.
والذي يظهر أنه لا ثواب لهم في شيء من ذلك إلا إذا حصل عن نية منهم صالحة، وقصد صحيح - وان كانوا فجاراً في غير ذلك - لأن العمل بالنية؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
* فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ أَرْبَعينَ فائِدَةً:
روى الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن السني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم - وصححه - والبيهقي في "الشعب "، وغيرهم عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله! كيف الصلاح
стр. 1253
بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وكل سوء جزينا به؟
فقال النبي ﷺ : " غَفَرَ الله لَكَ يا أَبا بَكْرٍ! أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ يُصِيبُكَ اللأْواءُ؟ "
قال: بلى.
قال: " فَهُوَ ما تُجْزَوْنَ بِهِ" (١).
قوله: كيف الصلاح؛ أي: كيف صلاح الحال واستقرار النفس بعد نزول هذه الآية: فإن ظاهرها أن الله تعالى يجازي يوم القيامة على كل عمل سوء، فأخبره ﷺ أن المؤمن يجازى بما يعمله في الدنيا بما يصيبه من مرض أو تعب، أو حزن، أو غير ذلك.
وقد روى الإمام أحمد، والبزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت أبا بكر يقول (٢)، والحاكم (٣) عنه: أنه سمع الزبير رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيا ".
стр. 1254
* فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَأَرْبعونَ:
روى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي في " الشعب "، والمفسرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لا يَصلُح الكذبُ في جِدٍّ ولا هزل، ولا أن يَعِدَ أحدُكم صبيَّه شيئاً ثم لا ينجزُه؛ اقرؤوا إن شئتم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
قال: وهي قراءة عبد الله هكذا بكسر المهملة.
قال: فهل تجدون (١) لأحد رخصة في الكذب (٢)؟
وهل يباح الكذب للمصلحة، أو لا؟
كلام ابن مسعود هذا يدل على الثاني، وهو قول جماعة؛ منهم: أبو القاسم الطبراني، وأقضى القضاة الماوردي؛ قالوا: وما جاء في هذا من الإباحة فإنما المراد به التورية واستعمال المعاريض، لا صريح الكذب كأن يَعِدَ زوجته أن يحسن إليها ويكسوها، وينوي إن سمحت نفسه (٣).
وفي الحديث: " إِنَّ فِي الْمَعارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِب". رواه ابن
стр. 1255
السني عن عمران بن حصين، وأبو نعيم عن علي رضي الله تعالى عنهما (١).
قال النووي رحمه الله تعالى في "الأذكار": ومعنى التورية أن يقصد بعبارته مقصوداً صحيحا ليس هو كاذباً بالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ (٢).
وهذا معنى التعريض أيضاً.
ولعل التورية إطلاق لفظ يحتمل معنيين، يوهم بأحدهما السامع، ويقصد بقلبه الآخر.
والصحيح القول الأول، وهو قول الأكثرين: جواز الكذب للمصلحة كخدعة الحرب.
نعم إن أمكنه التورية فلا يعدل إلى الصريح، وإلا جاز له العدول إليه.
стр. 1256
وفي " الصحيحين " عن أم كلثوم رضي الله تعالى عنها: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَينَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيراً، أَوْ يَقُولُ خَيراً ".
زاد مسلم في رواية له: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها (١).
قال النووي: وأحسن ما ضبط به الكذب المباح: ما ذكره حجة الإسلام من أن الكلام وسيلة للمقاصد، وكل مقصود محمود أمكن التوصل إليه بالصدق فالكذب فيه حرام، فهو مباح إن كان المقصود مباحاً، وواجب إن كان واجباً (٢).
وقال جدي شيخ الإسلام رضي الدين الغزي في ألفيته المسماة بِـ: "الجوهر الفريد": [من الرجز]
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الكِذْبَ فِي الْمَصالِحِ ... مَعَ التَّوَرِّي شَأْنُ كُلِّ صالِحِ
لِقَصْدِ صِدْقٍ وَهْوَ واجِبٌ لَدى ... دَفْعٍ لِمَنْ [قد] صالَ يَبْغِي وَاعْتَدَى
стр. 1257
لأَخْذِ مالِ أوْ إتْلافِ نَفْسِ ... أَوِ الأَذَى كَالضَّرْبِ أَوْ كَالْحَبْسِ
ولو استحلفت في مسألة دفع الصائل الواجب دفعه بالكذب لزمك أن تحلف وتوري؛ فإن لم تور حنثت في الأصح، كما ذكره النووي في " الأذكار "، ولا يحرم (١).
* فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَأَرْبَعونَ:
قد سبق أن أصل الصلاح بصلاح القلب، وأن العبرة بصلاحه، ومن هنا قيل لمن كان همه إصلاح قلبه: صاحب قلب، و: هو من أرباب القلوب.
فصاحب القلب لا يترك عملاً ولا قولاً ولا حالاً يصلح به قلبه، ويجتنب كل عمل وقول وحال لا يصلح عليه قلبه، وإن كان فيه تخريب ظاهره؛ كما قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: لو علمت أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتة أجلس عليها. رواه الخطيب البغدادي (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن حذيفة المرعشي صاحب يوسف بن أسباط: أنه رأى على رأس حناذ القلاء رحمه الله تعالى قَلَنْسوَةً سوداء مخرقة، وفرواً مخرقاً.
стр. 1258
فقال له: ما هذه القَلَنْسُوَة على رأسك؟
قال: وجدت قلبي يصلح عليها.
قال حذيفة: فلم أر أحداً إن شاء الله كان أصدق منه.
قيل له: أين كان من يوسف بن أسباط؟
قال (١): ما كان يوسف [بن أسباط] (٢) يصلح إلا شاكراً لذلك (٣).
فتأمل كيف لا يعتبر أرباب القلوب ما ازدراه منهم الناس إذا صلحت قلوبهم لطاعة الله تعالى وحبه!
وكفاك دليلاً على ذلك قول الله تعالى حكاية عن نوح ﵇ لقومه حين ازدروا أتباعه: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١].
قال السدي في قوله: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١]: يعني: إيماناً. رواه أبو الشيخ (٤).
وبالإيمان صلاح القلب كما سبق، وإذا صح إيمان القلب صلح القلب برثاثة الحال، فهي أولى كما لو صح بحسن البزة وسعة الحال كانت هي أولى، إلا أن الخطر في ذلك أعظم وأشد.
ولقد قال النبي ﷺ : "إِنَّ الصَّفا الزُّلالُ الَّذِي لا تَثْبُتُ عَلَيْهِ أَقْدامُ
стр. 1259
العُلَماءِ الطُّمَّعِ ". رواه ابن المبارك عن سهيل (١) بن حسان مرسلاً (٢).
وبزة الدنيا وزهرتها أعظم شيء يحرك الطمع في قلب العبد، فلا يكاد يصلح عليه إلا قلوب الصديقين، وأما من سواهم فقد تأخذه بعزة وابتهاج عند حسن الملبس وطيب العيش، ويكون سببه استيفاء النفس لمقصودها وشهوتها، فيحسب أن ذلك صلاح قلب، وقد وقع في الفساد والهلاك.
قال الخطيب في " تاريخه ": حدثنا أبو بكر البرقاني قال: قلت لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ! أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام؛ فكيف هذا؟
فقال: كل ما يصلحك [لله] فافعله؛ إذا صلح حالك [مع الله] بلبس لين الثياب، وأكل طيب الطعام فلا يضرك (٣).
* فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَأَربعونَ:
قال أبو العتاهية: [من البسيط]
لَنْ يصلحَ النَّفسَ ما كانَتْ مُصَرَّفَةً ... إِلاَّ التَّنَقُّلُ مِنْ حالٍ إِلى حالِ (٤)
стр. 1260
وفي معناه وجهان:
الأول: أن النفس إذا لزمت حالاً واحدة ملَّت، فإذا انتقلت بها الأحوال من حركة إلى سكون، ومن عشير إلى عشير، ومن طعام إلى طعام، ومن لباس إلى لباس، صلحت وصفا لها وقتها.
وعليه: فصلاحها المراد به صيانتها عن الملل، فالمراد به صلاح عيشها في الدنيا.
وكان المأمون يفهم ذلك من البيت كما ذكر الماوردي في "أدب الدين والدنيا": أن المأمون كان يتنقل كثيراً في داره من مكان إلى مكان، وينشد البيت (١).
وقد يكون بصلاح عيشها في الدنيا صلاح آخرتها، ومن ثم قيل: روحوا النفس ساعة وساعة.
والثاني: أن النفس لا يصلحها بقاؤها على أصل فطرتها، والحال التي طبعت عليها حتى تنتقل من حال إلى حال أكمل منها من محاسن الأخلاق والآداب كما في الحديث المتقدم: "إِنَّما العِلْمُ بِالتَّعَلُمِ، وإِنَّما الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ" فلا يكره خلقاً ولا يستقبح حالاً إلا انتقل إلى خلق أحسن منه وحال أصلح منه، ولا يرجو في شيء نفعاً إلا طلبه، ولا يظن من شيء ضرراً إلا تنزه عنه، كما قال أبو العتاهية أيضاً: [من الطويل]
стр. 1261
إِذا كَفَّ عَبْدُ اللهِ عَمَّا يَضُرُّهُ ... وَأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ فَالعَبْدُ صالِحُ
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَأَرْبَعونَ:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي العلاء بن الشِّخِّير رحمه الله تعالى قال: ما أعطي رجل ما أعطي عبد في الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه (١).
وكلامه يدل على أن العقل منه صالح ومنه غير صالح، وهو كذلك.
والعقل الصالح ما يعقل صاحبه على خير وعن الشر، وهو العقل الذي يعترف الفاجر يوم القيامة بأنه لم يكن له منه نصيب كما أخبر الله بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠ - ١١].
وأما العقل الذي ليس بصالح فهو العقل الذي يصرفه صاحبه في تحصيل دنياه وموافقة هواه، فهو يوم القيامة حجة على صاحبه، ومنه عقول أهل الدهاء والمكر، بل عقول كثر الخلق غير مصروفة إلى ما ينفعهم في الآخرة لتوجهها إلى إصلاح الدنيا ومتابعة الهوى كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧].
стр. 1262
قال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
ورووا عن قتادة في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]؛ قال يعلمون تجارتها، وحِرَفها، وبيعها (٢).
وفي رواية عن ابن عباس: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]؛ يعني: معايشهم؛ متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون (٣).
وقال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (٤).
قلت: قد بلغ من حذقهم ما دققوه من الفكر في عمل الآنية والأمتعة، والنقوش والزخارف والتصاوير، واصطناع الشخوص المتحركة، والإصطرلابات، والساعات المرتبة على لوالب وحركات تنتقل حتى تنتهي حركتها إلى رأس كل ساعة فتضرب، وبيوت الإبر التي لا تتوجه في المرآة إلا إلى جهة الجنوب (٥)، وأعمال الناريجيات والسيمياء، والتغطية على أبصار الناس، وأنواع السحر والكهانة.
стр. 1263
ومنهم أن يكون ذكاؤه وحذقه في تحريف الكلام وتصحيفه، أو يكون فكره في استخراج عيوب الناس وهجائهم، أو المبالغة في المديح والتشبيب والهجاء، ثم ترى الواحد منهم لا يعرف حكم وضوئه ولا صلاته، ولا بيعه ولا شرائه، ولا تصرفاته التي فيها خلاصه في الدار الآخرة.
نعم؛ يعرف طريق المكاسب والمكر والخديعة في البيع والشراء والحيلة في الحساب، وبذل بعض أنواع النقود دون بعض لما فيه من التفاوت وانتقاص الغريم من حقه.
ومن كان عقله كذلك فهو فاسد العقل، مطموس القلب، متعرض للهلاك والندامة والحسرة في الدار الآخرة.
وإنما العاقل: الأريب، الصالح العقل من فطانته وحذقه في أمور دنيه (١).
ولقد أحسن القائل: [من الطويل]
أَلا إِنَّ خَيرَ العَقْلِ ما دلَّ أَهْلَهُ ... عَلى البِرِّ وَالتَّقْوى وَنيْلِ الْمَكارِمِ
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَأَربعونَ:
روى أبو داود، والترمذي - وصححه - عن عبد الله بن عمرو رضي الله
стр. 1264
تعالى عنهما قال: مر علينا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خُصًّا (١) لنا، فقال: "ما هَذا؟ ".
فقلنا: قد وَهى فنحن نصلحه.
فقال: "ما أَرى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ هَذا" (٢).
فيه إشارة إلى أن إصلاح الدنيا ليس من المهمات التي ينبغي الاعتناء بها للصالحين؛ فإنهم إنما هم في صلاح آخرتهم لا دنياهم، وإلى أن الذي يهون على العبد خراب الدنيا، وترك الاهتمام بإصلاحها قصر الأمل، واعتقاد زوال الدنيا ومفارقتها عن قرب.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ثابت البناني رحمه الله تعالى: أن صفوان بن محرز رحمه الله تعالى كان له خُصٌّ فيه جذع، فانكسر الجذع، فقيل له: ألا تصلحه؟
فقال: دعوه؛ إنما أموت غداً (٣).
نعم؛ لا بد مما لا بد منه من إصلاح الضروري من الدنيا كإصلاح الهيئة اللائقة بالعبد حفظاً لمروءته، وصيانة لعرضه عن وقوع الناس فيه كما قال رسول الله ﷺ : "إِذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلا يَمْشِ فِي الأُخْرى
стр. 1265
حَتَّى يُصْلِحَها". رواه مسلم، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
وكذلك حفظ ما أعطاه الله تعالى من متاع الدنيا للانتفاع به في طاعة الله تعالى ولو في المستقبل من طعام وشراب، ولباس وفراش، ومال كما قال رسول الله: "أَطْفِئُوا الْمَصابِيحَ إِذا رَقَدْتُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوابَ، وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعامَ وَالشَّرابَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيهِ". رواه البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه (٢).
وكذلك إصلاح شأنك وهيئتك وبزتك إرغاماً للحاسد، وإظهاراً للنعمة كما قال رسول الله ﷺ : " أَحْسِنوا لِباسَكُمْ، وَأَصْلِحوا رِحالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شامَةٌ فِي النَّاسِ". رواه الحاكم - وصححه - عن سهل بن الحنظلية رضي الله تعالى عنه (٣).
وهو في "مسند الإمام أحمد"، ولفظه: قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّكُمْ قادِمُونَ عَلى إِخْوانِكُمْ؛ فَأَصْلِحُوا رِحالَكُمْ، وَأَصْلِحوا لِباسَكُمْ حَتَّى تَكُونوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شامَةٌ؛ فَإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ" (٤).
وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه ﵀ قال: أتيت