إِذا كَفَّ عَبْدُ اللهِ عَمَّا يَضُرُّهُ ... وَأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ فَالعَبْدُ صالِحُ
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَأَرْبَعونَ:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي العلاء بن الشِّخِّير رحمه الله تعالى قال: ما أعطي رجل ما أعطي عبد في الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه (١).
وكلامه يدل على أن العقل منه صالح ومنه غير صالح، وهو كذلك.
والعقل الصالح ما يعقل صاحبه على خير وعن الشر، وهو العقل الذي يعترف الفاجر يوم القيامة بأنه لم يكن له منه نصيب كما أخبر الله بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠ - ١١].
وأما العقل الذي ليس بصالح فهو العقل الذي يصرفه صاحبه في تحصيل دنياه وموافقة هواه، فهو يوم القيامة حجة على صاحبه، ومنه عقول أهل الدهاء والمكر، بل عقول كثر الخلق غير مصروفة إلى ما ينفعهم في الآخرة لتوجهها إلى إصلاح الدنيا ومتابعة الهوى كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧].
стр. 1262
قال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
ورووا عن قتادة في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]؛ قال يعلمون تجارتها، وحِرَفها، وبيعها (٢).
وفي رواية عن ابن عباس: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]؛ يعني: معايشهم؛ متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون (٣).
وقال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (٤).
قلت: قد بلغ من حذقهم ما دققوه من الفكر في عمل الآنية والأمتعة، والنقوش والزخارف والتصاوير، واصطناع الشخوص المتحركة، والإصطرلابات، والساعات المرتبة على لوالب وحركات تنتقل حتى تنتهي حركتها إلى رأس كل ساعة فتضرب، وبيوت الإبر التي لا تتوجه في المرآة إلا إلى جهة الجنوب (٥)، وأعمال الناريجيات والسيمياء، والتغطية على أبصار الناس، وأنواع السحر والكهانة.
стр. 1263
ومنهم أن يكون ذكاؤه وحذقه في تحريف الكلام وتصحيفه، أو يكون فكره في استخراج عيوب الناس وهجائهم، أو المبالغة في المديح والتشبيب والهجاء، ثم ترى الواحد منهم لا يعرف حكم وضوئه ولا صلاته، ولا بيعه ولا شرائه، ولا تصرفاته التي فيها خلاصه في الدار الآخرة.
نعم؛ يعرف طريق المكاسب والمكر والخديعة في البيع والشراء والحيلة في الحساب، وبذل بعض أنواع النقود دون بعض لما فيه من التفاوت وانتقاص الغريم من حقه.
ومن كان عقله كذلك فهو فاسد العقل، مطموس القلب، متعرض للهلاك والندامة والحسرة في الدار الآخرة.
وإنما العاقل: الأريب، الصالح العقل من فطانته وحذقه في أمور دنيه (١).
ولقد أحسن القائل: [من الطويل]
أَلا إِنَّ خَيرَ العَقْلِ ما دلَّ أَهْلَهُ ... عَلى البِرِّ وَالتَّقْوى وَنيْلِ الْمَكارِمِ
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَأَربعونَ:
روى أبو داود، والترمذي - وصححه - عن عبد الله بن عمرو رضي الله
стр. 1264
تعالى عنهما قال: مر علينا رسول الله ﷺ ونحن نعالج خُصًّا (١) لنا، فقال: "ما هَذا؟ ".
فقلنا: قد وَهى فنحن نصلحه.
فقال: "ما أَرى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ هَذا" (٢).
فيه إشارة إلى أن إصلاح الدنيا ليس من المهمات التي ينبغي الاعتناء بها للصالحين؛ فإنهم إنما هم في صلاح آخرتهم لا دنياهم، وإلى أن الذي يهون على العبد خراب الدنيا، وترك الاهتمام بإصلاحها قصر الأمل، واعتقاد زوال الدنيا ومفارقتها عن قرب.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ثابت البناني رحمه الله تعالى: أن صفوان بن محرز رحمه الله تعالى كان له خُصٌّ فيه جذع، فانكسر الجذع، فقيل له: ألا تصلحه؟
فقال: دعوه؛ إنما أموت غداً (٣).
نعم؛ لا بد مما لا بد منه من إصلاح الضروري من الدنيا كإصلاح الهيئة اللائقة بالعبد حفظاً لمروءته، وصيانة لعرضه عن وقوع الناس فيه كما قال رسول الله ﷺ : "إِذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلا يَمْشِ فِي الأُخْرى
стр. 1265
حَتَّى يُصْلِحَها". رواه مسلم، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
وكذلك حفظ ما أعطاه الله تعالى من متاع الدنيا للانتفاع به في طاعة الله تعالى ولو في المستقبل من طعام وشراب، ولباس وفراش، ومال كما قال رسول الله: "أَطْفِئُوا الْمَصابِيحَ إِذا رَقَدْتُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوابَ، وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعامَ وَالشَّرابَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيهِ". رواه البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه (٢).
وكذلك إصلاح شأنك وهيئتك وبزتك إرغاماً للحاسد، وإظهاراً للنعمة كما قال رسول الله ﷺ : " أَحْسِنوا لِباسَكُمْ، وَأَصْلِحوا رِحالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شامَةٌ فِي النَّاسِ". رواه الحاكم - وصححه - عن سهل بن الحنظلية رضي الله تعالى عنه (٣).
وهو في "مسند الإمام أحمد"، ولفظه: قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّكُمْ قادِمُونَ عَلى إِخْوانِكُمْ؛ فَأَصْلِحُوا رِحالَكُمْ، وَأَصْلِحوا لِباسَكُمْ حَتَّى تَكُونوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شامَةٌ؛ فَإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ" (٤).
وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه ﵀ قال: أتيت
стр. 1266
رسول الله ﷺ في ثوب دون، فقال: "أَلَكَ مالٌ؟ ".
قال: قلت: نعم.
قال: "مِنْ أَيِّ الْمالِ؟ ".
قال: من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق.
قال: "فَإِذا آتاكَ الله فَلْيُرَ أثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيكَ وَكَرامَتُهُ" (١).
وروى الترمذي - وحسنه - والحاكم - وصححه - عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، والإمام أحمد عن أبي هريرة، وعمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهم، وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والطبراني في " الكبير " عن ابن علقمة رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ" (٢).
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيْمانٍ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّهٍ مِنْ كِبْرٍ ".
стр. 1267
قال رجل: يا رسول الله! إنه يعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً - وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه - فمن الكبر ذاك يا رسول الله؟
قال: "لا؛ ذاكَ الْجَمالُ، إِنَّ اللهَ [جَمِيلٌ] يُحِبُّ الْجَمالَ، وَلَكِنَّ الكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ وَازْدَرى النَّاسَ" (١).
فإصلاح البزة إذا خلا من هذا المرض الباطني - وهو سفه الحق، وازدراء الناس والخيلاء - لا يناقض الصلاح، فإذا وجد العبد من نفسه شيئاً من ذلك كان إصلاح قلبه بإيثار الخلق والدون، أو ما مر بإصلاح ظاهره كما سبق عن مالك بن دينار، وحناذ القلاء رحمهما الله تعالى.
ولقد قال عيسى بن مريم ﵉: جَودة الثياب من خيلاء القلب. رواه أبو نعيم عن ابن شوذب (٢).
وروى الأصبهاني في " الترغيب " عن علي بن يزيد بن جدعان قال: رأى علَيَّ سعيد بن المسيب جبة خز، فقال لي: إنك لجيد الجبة!
قلت: وما تغني وقد أفسدها عليَّ أبو عبد الله سالم بن عبد الله؟
قال: أصلح قلبك، والبس ما شئت (٣).
стр. 1268
وروى ابن أبي شيبة عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى أنه قال: قلب نقي في ثياب دَنِسةٍ، خيرٌ من قلب دَنِسٍ في ثياب نقية (١).
وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَصْلِحُوا دُنْياكُمْ، وَاعْمَلُوا لآخِرَتكُمْ كَأَنَّكُمْ تَمُوتونَ غَداً" (٢).
وهذا الحديث على وزان قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].
في قوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] قولان:
الأول: أن المراد بالنصيب ما يحتاج إليه في الدنيا لمعاشه.
قال قتادة: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]؛ أي: تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك؛ فإن لك فيه غنى وكفاية. رواه عبد بن حميد (٣).
وقال الحسن في الآية: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك (٤).
стр. 1269
وفي رواية: أمسك قوت سنة، وتصدق بما بقي (١). رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي في "الشعب"، وابن أبي حاتم، وغيرهم.
والقول الثاني: أن المراد بالنصيب ما صرفه العبد من الدنيا في طلب الآخرة.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]: أن تعمل فيها لآخرتك.
وفي رواية: ولا تترك أن تعمل لله في الدنيا. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وقال مجاهد: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]:
الذي تثاب عليه في الآخرة. رواه عبد الله بن أحمد، وابن أبي حاتم، وآخرون (٣).
* فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَأَرْبعونَ:
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].
стр. 1270
وهذه الآية - وإن نزلت فيمن شرب الخمر، ومات قبل تحريمه كما صححه الترمذي عن البراء بن عازب، والحاكم عن ابن عباس (١) - فإنها عامة في حق كل صالح اتقى الله تعالى في طعامه وشرابه، فلا حرج عليه فيه ولا في سائر مباحات الدنيا؛ وإن كان مسؤولاً عنه لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]؛ فإن الصحيح أن العبد الصالح - وإن سئل عما نعَّمه الله به في الدنيا - فإنما يسأل سؤال تمحيص وامتنان، لا سؤال توبيخ وتثريب.
واعلم أن في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] أقوالاً:
أحدها: أن العبد يسأل عن كل نعيم مطلقاً.
والثاني: أنه يسأل عن ما سوى ما يشبع بطنه ويرويه، ويستر عورته، ويكنه من الحر والبرد أقل ما يكفيه من ذلك.
والثالث: أنه إذا تنعم وحمد الله تعالى عليه لا يسأل عنه، ويسأل عما ترك الحمد عليه.
والرابع: أنه إنما يسأل عن الحرام.
والخامس: أنه إنما (٢) يسأل عما تناوله بغفلة عن الله تعالى.
стр. 1271
والسادس: أن كل عبد يسأل إلا أن السؤال يختلف؛ فتارة يكون سؤال تثريب وعقوبة، وتارة يكون سؤال تمحيص لما بقي عليه من خطيئة ونحوها، وتارة يكون سؤال امتنان ليعترف العبد (١).
قلت: هذا القول هو الصحيح.
ثم أعتقد أن من عباد الله تعالى من لا يسأل عن شيء بالكلية فضلاً من الله تعالى وعفواً؛ إذ لا يلزم من قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أن يسأل كل الناس، ولا أن يسأل العبد عن كل شيء؛ بل يكفي في صدق هذه العبارة أن يسأل المعظم عن المعظم؛ والله أعلم!
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَأَرْبعونَ:
روى الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " عن محمود بن خالد قال: قلت لأبي حفص عمر [و] بن أبي سلمة: تحب أن تحدث؟
قال: ومن يحب أن يسقط اسمه من الصالحين (٢)؟
وعن أبي بكر بن أبي مريم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى والي حمص: مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال ما يغنيهم لئلا يشغلهم شيء عن تلاوة القرآن وما حملوا من الأحاديث (٣).
стр. 1272
وفي كلامه إشارة إلى أن أهل الصلاح هم القراء والمحدثون.
وقد شهد النبي ﷺ للمحدثين بالعدالة، وهي داخلة في صفة الصلاح؛ إذ لا يتحقق الصلاح إلا بها.
وروى الخطيب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ [يقول]: "يَرِثُ هَذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدولُهُ " (١).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وفي "التاريخ" عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري رضي الله تعالى عنه - واختلف في صحبته - وزاد: "يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالِينَ، وَانْتِحالَ الْمُبْطِلينَ، وَتَأْوِيلَ الْجاهِلِينَ" (٢).
وأخرجه ابن عدي في "الكامل"، ومن طريقه الخطيب بهذه الزيادة عن أبي هريرة إلا أنه قال: "يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ" (٣).
وبه أخرجه الخطيب أيضاً من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أيضاً.
ثم روى من طريق أبي بكر الخلاَّل قال: قرأت على زهير بن صالح: ثنا مهنا - وهو ابن يحيى - قال: سألت أحمد - يعني: ابن حنبل - عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري رضي الله
стр. 1273
تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْجاهِلِينَ، وَانْتِحالَ الْمُبْطِلينَ، وَتَأْوِيلَ الغالِينَ".
فقلت لأحمد: كأنه كلام موضوع؟
قال: لا، هو صحيح.
فقلت له: ممن سمعته أنت؟
قال: من غير واحد.
قال أحمد: معاذ بن رفاعة لا بأس به.
فهذا نص من الإمام أحمد بتصحيح الحديث، وكفى به (١).
ومن عدله رسول الله كيف لا يكون صالحاً؟
نعم؛ قد يطلب الحديث والعلم من ليس بعدل، فلا يكون من حملة العلم والحديث، ولا من ورثته حتى يحمل أعباءه ويقوم بشرطه وأدبه، وحينئذ يكون من صالحي الأمة وخيارها.
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: ليس قوم عندي خيراً من أهل الحديث ليس يعرفون إلا الحديث (٢).
ورأى أصحابَ الحديث وقد خرجوا من عند محدث والمحابر
стр. 1274
بأيديهم، فقال أحمد: إن لم يكونوا هؤلاء الناس فلا أدري من الناس (١)! وقال أبو بكر بن عياش رحمه الله تعالى: ما أحد خيراً من أصحاب الحديث (٢).
وقال عمر بن حفص بن غياث: سمعت أبي وقالوا له: أما ترى أصحاب الحديث وكيف تغيروا؟ كيف قد فسدوا؟ قال: هم على ما هم خيار القبائل (٣).
وقال عثمان بن أبي شيبة رضي الله تعالى عنه، وكان رأى بعض أصحاب الحديث يضطربون فقال: أما إن فساقهم خير من عُبَّاد (٤) غيرهم (٥).
وقال الإمام أحمد أيضاً: أهل الحديث أفضل من تكلم في العلم (٦).
وقال: إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون!
وقال سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أدري من الأبدال!
وقال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: إن لم يكن أهل القرآن
стр. 1275
والحديث أولياءَ الله، فليس لله في الأرض ولي (١).
روى هذه الآثار كلها الخطيب.
وروى أبو الفتوح الطائي في " أربعينه " عن ابن الأنباري: [من الكامل]
أَهلاً وَسَهلاً بِالَّذِينَ أوَدُّهُمْ ... وَأُحِبُّهُمْ فِي اللهِ ذِي الآلاءِ
أَهلاً بِقَومٍ صالِحينَ ذَوِي تُقًى ... خَيْرِ الرِّجالِ وَزَيْنِ كُلِّ مَلاءِ
يَسْعَوْنَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ بِعِفَّةٍ ... وَتَوَقُّر وَسَكِينَةٍ وَحَياءِ
لَهُمُ الْمَهابَةُ وَالْجَلالَةُ وَالتُّقَى ... وَفَضائِلٌ جَلَّتْ عَنِ الإِحْصاءِ (٢)
* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَأَرْبعونَ:
روى مسلم عن يحيى بن سعيد القطان: لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
стр. 1276
وفي رواية: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال مسلم: يقول: يجري الكذب على ألسنتهم، ولا يتعمدون الكذب (١).
قال النووي: وذلك لكونهم لا يعانون صناعة الحديث، فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب.
ومذهب أهل الحق أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو؛ عمداً كان، أو سهواً، أو غلطاً، انتهى (٢).
قلت: ليس كلام يحيى بن سعيد شاملاً لكل صالح وكل من كان من أهل الخير؛ بل أراد من غلب عليه الصلاح وعمل الخير حتى لم يشتغل بإتقان صناعة الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه منهم، ولم يطعن ذلك في صلاحه.
وثَمَّ طائفة أخرى بارعون في الحديث، ثقات فيه، مبرزون في العمل الصالح والانقطاع إلى الله تعالى، فهم أكمل منهم صلاحاً كالحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومالك ابن دينار، والفضيل، وسفيان الثوري، ومِسْعر، وأحمد بن حنبل؛ في خلائق لا يحصون طبقة بعد طبقة.
وفي معنى كلام ابن سعيد ما رواه مسلم أيضاً عن أبي الزناد قال:
стр. 1277
أدركت بالمدينة مئة كلهم مأمونون ما يؤخذ عنهم الحديث؛ يقال: ليس من أهله (١).
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَأَربعونَ:
مما شرط فيه الصلاح: التصوف؛ فلا يكون الصوفي صوفياً حتى يكون صالحاً، بل الصوفية خيار الصالحين، وإلا كانوا متشبعين.
قال أبو سعيد الحسن بن علي الواعظ في كتاب "الحقائق": حكي أن سلطاناً هجم على جماعة جلسوا على غير صلاح، وعلى واحد منهم مرقعة، فقال صاحب المرقعة: أمهلوني حتى أنزع مرقعتي وأعطيكم مئة درهم.
ففعلوا، ثم قالوا له في ذلك.
قال: خشيت أن يقال: هذا رجل صوفي جلس على غير صلاح، فيقبح اسم الصوفية عند الناس.
وسئل حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى عن مال أوصي به للصوفية؛ فمن الذي يصرف إليه؟
فأجاب بأن التصوف أمر باطني لا يطلع عليه، فلا يمكن ربط الحكم بحقيقته، بل بأمور ظاهرة يعول عليها أهل العرف في إطلاق اسم الصوفي، ثم بين أنها خمس صفات: الصلاح، والفقر، وزي الصوفية، وألا يكون مشتغلاً بحرفة لا تليق بهم كالتجارة والدَّهْقنة، لا كالورَّاقة
стр. 1278
والخيَّاطة، وأن يكون مخالطاً لهم بطريق المساكنة في الخانقاه ونحوها؛ ثم بسط القول على ذلك (١).
وقد استوفيت مقاصد جوابه في شرح ألفية التصوف للجد المسمى بِـ: "منبر التوحيد".
* فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ خَمسينَ فائِدَةً:
روى النسائي، وغيره - بإسناد جيد - عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إن الله قضى علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله ، [فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون] (٢)، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول: إني أخاف، وإني أخاف؛ فإن الحلال بَيِّن، والحرام بَيَّن، وبَيْن ذلك أمور مشتبهات؛ فدع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك (٣).
وروى النسائي أيضاً: أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى شريح: أن اقض بما في كتاب الله تعالى، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة
стр. 1279
رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فاقض بما قضى به الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك؛ والسلام (١).
والمراد بالصالحين في هذين الأثرين: العلماء العاملون، الراسخون في العلم المجتهدون؛ كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم.
ولا يتناول ذلك عوام الصالحين من المتعبدين والمتزهدين.
وقد استقر الأمر الآن على تقليد الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، والأخذ من قواعد مذاهبهم، ونصوص المعتبرين من أصحابهم رضي الله تعالى عنهم.
* فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَخَمسونَ:
روى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن الربيع بن يونس قال: رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا؛ فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني أن تغرقني في الفرات، أو أن أَلي الحكم، لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك.
стр. 1280
فقال له: كذبت، أنت تصلح.
فقال: قد حكمت لي على نفسك؛ كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب (١).
قول أبي حنيفة ﵁: لا أصلح لذلك؛ يعني: القضاء؛ أي: لا أرى نفسي صالحاً له، ولا آمن على نفسي أن تستقيم في الرضا والغضب، وفيما لو توجه الحكم على الخليفة فمن دونه أو على حاشيته.
وهذه من آفات القضاء، ولذلك امتنع منه كثير من السلف الصالحين لاستضعاف أنفسهم عنه، وخوفهم من الفتنة فيه.
وقد روى الترمذي: أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال لابن عمر: اذهب فاقض بين الناس.
قال: أوتعافيني يا أمير المؤمنين؟
قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كانَ قاضِياً يَقْضِي بِالْحَقِّ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كفافاً"؛ فما أرجو بعد ذلك (٢)؟
وفي رواية: فقال: لا أقضي بين رجلين.
قال: فإن أباك كان يقضي؟
قال: فإن أبي كان يقضي، فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله ﷺ ،
стр. 1281
فإن أشكل على رسول الله ﷺ سأل جبريل ﵇، وإني لا أجد من أسأله.
وقال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "مَنْ عاذَ بِاللهِ تَعالَى فَقَدْ عاذَ"، وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضياً.
فأعفاه، وقال: لا تخبرن أحداً (١).
وروى البيهقي عن أيوب قال: وجدت أعلم الناس بالقضاء أشدَّ الناس منه فراراً، وأشدهم منه فَرَقاً.
ثم قال: وما كنت أدركت أحداً كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة، وكان يراد على القضاء فنفر إلى الشام مرة، ونفر إلى اليمامة مرة، وكان إذا قدم البصرة كان كالمستخفي حتى يخرج (٢).
وعن الشافعي ﷺ قال: دخل سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه على أمير المؤمنين المنصور، فجعل يتجانن عليه (٣) ويمسح البساط، ويقول: ما أحسنه! بكم أخذتم هذا؟ ثم قال: البول! البول! حتى أُخرج؛ يعني: إنه احتال ليتباعد عنهم ويسلم من أمرهم (٤).
стр. 1282
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن مسعر رحمه الله تعالى قال: دعاني أبو جعفر ليوليني، فقلت: إن أهلي يقولون: لا نرضى اشتراءك لنا في شيء بدرهمين؛ وأنت توليني! أصلحك الله! إن لنا قرابةً وحقاً؛ فأعفاه (١).
أراد بالقرابة: أم الفضل الهلالية والدة عبد الله بن عباس، وكان مسعر هلالياً.
وذكر عن أبي بكر بن أبي داود قال: كان المستعين بالله بعث إلى نصر بن علي - يعني: الجهضمي، أحد الحفاظ والأئمة بالبصرة - يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة، فأمره بذلك، فقال: أرجع فأستخير الله.
فرجع إلى بيته نصف النهار، فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير (٢) فاقبضني إليك.
فنام، فأنبهوه فإذا هو ميت (٣).
وعن الحسن بن علي الزنجاني قال: كان يحيى بن يحيى النيسابوري الحافظ، أحد الأئمة يحضر مجلس مالك، وكان يحضره
стр. 1283
المأمون، قال: فانكسر قلم يحيى، فناوله المأمون قلماً من ذهب، فامتنع من أخذه، فكتب المأمون على ظهر جزء: ناولت يحيى بن يحيى قلماً فلم يأخذه.
فلما ولي الخلافة كتب إلى عامله أن يولي يحيى بن يحيى قضاء نيسابور، فقال يحيى للأمير: قل لأمير المؤمنين: ناولتني قلماً وأنا شابٌّ فلم أقبله، أفتجبرني على القضاء وأنا شيخ؟
فرفع ذلك إلى المأمون فقال: يولي رجلاً يختاره.
فأشار برجل، فلم يلبث أن دخل الرجل على يحيى وعليه السواد، فضم يحيى فراشه كراهية أن يجمعه وإياه فراش، فقال: ألم تخترني؟
قال: إنما قلت: اختاروه (١)، ولم أقل لك تتقلد القضاء (٢).
* فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَخَمسونَ:
روى النسائي عن ابن الفراسي: أن الفراسي رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله ﷺ : أسأل يا رسول الله (٣)؟
قال: "لا، وَإِنْ كُنْتَ سائِلاً لا بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحينَ" (٤).
قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في "شرح الترمذي":
стр. 1284
هل المراد بالصالحين الذين عليهم حقوق أموالهم، ولا يمنعون إعطاء ما عليهم من الحق، وقد لا يعلمون استحقاق المستحق من غيره، فإذا عرفوا بسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم؟
أو المراد: الصالحون الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه حق، فيعطيهم أرباب الأموال لوثوقهم بصلاحهم؟
قال: وقد رأينا جماعة يكون قصدهم قضاء حوائج المحتاجين، وليس لهم أموال؛ يسألون أرباب الأموال لأهل الحاجات، انتهى.
قلت: لا شك أن الوجه الأول أقرب.
وعليه: فلا منافاة بين الصلاح والغنى كما تقدم.
ولكن أقرب منه أن يراد بالصالحين: الذين لا يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢].
بل من هؤلاء من يرون المنة للسائل عليهم، ويسابقون السائل بالعطاء، ولا يقولون له: لا، وكان بعضهم يقول للسائل: اكتب ما تحتاج إليه في مرة أخرى؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذُلَّ السؤال.
ومن شأن هؤلاء البشاشة والصباحة، وإجزال النوال، والسماحة، ولا يعبسون في وجهه، ولا يتبرمون من سؤاله، وهم حِسان الوجوه
стр. 1285
الذين قال رسول الله ﷺ في حقهم: "الْتَمِسُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ". رواه تمام في "فوائده" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١)، وله طرق أخرى، وهذه أحسن الطرق (٢).
وفي بعض ألفاظه: "اطْلُبُوا الْحَوائِجَ وَالْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ".
وفي لفظ آخر: "عِنْدَ صِباحِ الوُجُوهِ".
وقال حسان بن ثابت، أو عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "قضاء الحوائج"، والعسكري في " الأمثال ": [من الخفيف]
لَقَدْ سَمِعْنا نبَيَّنا قالَ قَولاً ... هُوَ لِمَنْ يَطْلُبُ الْحَوائِجَ راحة
اطْلُبُوا الْخَيْرَ وَالْحَوائِجَ مِمَّنْ ... زَيَّنَ اللهُ وَجْهَهُ بِصَباحَة (٣)
وما أحسنَ ما قيل: [من مجزوء الكامل المرفل]
لِلْخَيْرِ أَهْلٌ لا تَزا ... لُ وُجُوهُهُمْ تَدْعُو إِلَيْهِ
стр. 1286
طُوبَى لِمَنْ جَرَتِ الأُمُو ... رُ الصَّالِحاتُ عَلى يَدَيْهِ (١)
* فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَخَمْسونَ:
إذا كان سؤال الدنيا إذا احتيج إليه لا ينبغي أن يكون إلا من الصالحين، فالسؤال عن العلم واستفادته أولى بأن لا يكون إلا من الصالحين.
روى مسلم في مقدمة " الصحيح " عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢).
قال النووي في "شرح المهذب": قالوا: ولا نأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته وسيادته، فقد قال ابن سيرين، ومالك، وخلائق من السلف: هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم (٣).
ثم قال في "آداب المستفتي": يجب عليه قطعاً البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفاً بأهليته؛ فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك
стр. 1287
من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك، ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلاً للفتوى، انتهى (١).
وأهل الفتوى من استوفى شروط المفتي التي ذكرها النووي أيضاً، فقال: شرط المفتي كونه مكلفاً، مسلماً، ثقةً، مأموناً، منزهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيهَ النفس، سليمَ الذهن، رزينَ الفكر، صحيحَ التصرف والاستنباط، متيقظاً (٢).
قلت: ومن كان بهذه الصفة فهو من خيار الصالحين وصفوة المفلحين.
قال النووي: واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه، ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين (٣).
فظهر بذلك أن قصد الصالحين من العلماء، فالاستفتاء عند الحاجة إليه واجب.
وهل يجب البحث عن الأعلم والأورع إذا كان هناك اثنان فأكثر ممن يستفتى، أو يجوز له استفتاء من شاء منهم؟
وجهان؛ الصحيح: الثاني لأن الجميع أهل.
قال أبو عمرو بن الصلاح: لكن متى اطلع على الأوثق فالأظهر
стр. 1288
أنه يلزمه تقليده كما يجب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين.
قال النووي: فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع من العالمين، والأعلم من الورعين؛ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قلد الأعلم على الأصح (١).
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَخَمسونَ:
قال أبو طالب المكي في كتاب "القوت ": ويقال: إذا أثنى على الرجل جيرانُه في الحضر، وأصحابه في السفر، ومعامِلوه في الأسواق، فلا تشكُّوا في صلاحه، انتهى (٢).
وفيه أن الصلاح لا يغاير التجارة والاكتساب والاحتراف، وهو كذلك؛ بل التاجر والمحترف إذا اتقيا الله تعالى في الكسب والاحتراف، وأقاما الصلاة، وآتيا الزكاة، فإنهما من الصالحين.
ولقد قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧].
لم يقل: لم يتجروا، ولم يبيعوا، بل قال: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ [النور: ٣٧]، فهم كانوا يكتسبون ويحترفون إلا أنهم لم يتركوا لذلك طاعة توجهت عليهم، وبالنية يصير الكسب والحرفة عبادةً وطاعةً.
وسئل بعض السادة عن التصوف، فقال: الحرفة والعفة.
стр. 1289
والحرفة - وإن كانت دنيئة - لا تناقض الصلاح أيضا كالجزارة، والدباغة إذا تحرز عن النجاسات.
إلا أن من الحرف ما اختاره السلف لمعنى فيه.
قال أبو طالب: وكانت هذه الأعمال العشرة صنائع الأخيار والأبرار: الخرز، والتجارة، والحمل، والحياطة، والقصارة، والخفاف، وعمل الحديد، وعمل المغازل، وصيد البر والبحر، والوراقة (١).
ومنها ما كرهوه لمعنى فيه أيضاً.
أوصى بعض التابعين رجلاً فقال: لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين: بيع الطعام، وبيع الأكفان؛ فيتمنى الغلاء وموت الناس.
والصنعتان: صنعة الجزارة؛ فإنها تقسي القلب، وصنعة الصائغ؛ فإنه يزخرف الدنيا بالذهب والفضة.
وكره ابن سيرين الدلالة.
وكره قتادة أجرة الدلال.
وكَرِه الحسن، وابن سيرين، وغيرهما الصرف (٢).
وذلك كله مع تجنب المعصية في ذلك كله من الرِّبا، وصياغة الآنية من النقدين والحلي المحرم، وكذلك التصوير وعمل آلات اللهو.
فأما العاصي في حرفته فحاشا أن يكون من الصالحين، فإن كان
стр. 1290
مصراً على صغيرة أو مرتكباً لكبيرة في كسبه أو حرفته فهو من الفاسقين، وإذا خرج من عهدة ما يجب عليه وكان بنية كفاية نفسه، والقيام على عياله، ومساعدة المسلمين بحرفته، وأتقن صنعته، وأحسن، وسمح في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والقضاء والاقتضاء خصوصاً في هذه الأعصار التي كثر فيها الفساد، ومرجت فيها العهود، واستنكر المعروف واستعرف المنكر، فهو في رتبة الصديقية فضلاً عن عموم الصلاح.
ووجود واحد بهذه الصفة الآن في غاية العزة والشذوذ.
وذكر أبو طالب عن بعض السلف قال: أتى على الناس زمان كان الرجل يأتي إلى مشيخة الأسواق فيقول: من ترون لي أعامل من الناس من أهل الصدق والوفاء؟
فيقال له: عامل من شئت.
ثم أتى عليهم وقت آخر وكان الرجل يقول: من ترون أعامل من الناس؟
فيقال له: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً.
ونحن في زمان إذا قيل لنا: من نعامل من الناس؟
قلنا: ليس إلا فلاناً أو فلاناً.
وأخشى أن يأتي على الناس زمان يذهب هذا أيضاً (١).
стр. 1291
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَخَمسونَ:
ألهمني الله تعالى في قوله تعالى حكاية عن الجن في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] مع قوله تعالى في الحديث القدسي: "أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ" كما رواه الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١)، دليلاً سمعياً للقول الراجح في الجن أنهم يثابون على الإحسان كما يعاقبون على الإساءة خلافاً لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وآخرين أنهم يعاقبون على المعصية، وليس لهم ثواب إلا النجاة من النار فقط احتجاجاً بأنه لا دليل من السمع على أن لهم ثواباً غير ذلك (٢).
ولا يخفى أن في هذه الآية مع الحديث المذكور دليلاً واضحاً على أن لهم ثوابًا غير ذلك لأن الله تعالى يقول: "أَعْدَدْتُ لِعبادِيَ الصَّالِحِينَ"، وهم أعم أن يكونوا بشراً أو ملكاً أو جِنًّا، فتأمله: فإنه لطيف وهو من استنباطي؛ والله الموفق!
* فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَخَمسونَ:
حكى الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي رضي الله تعالى عنه في "روض
стр. 1292
الرياحين" في الحكاية الثالثة والعشرين بعد الأربعمئة عن بعض المشايخ قال: قال لي أبو بكر بن الشفق بطرسوس: إني سمعت من أبي الخير شيئاً لم يقبله قلبي منه.
قلت: وما هو؟
قال: ذكر أنه لقي عيسى بن مريم ﵉.
قال: فقلت: أنا أحكي لك حكاية تصديقاً لأبي الخير: سمعت محمد بن حامد وقد ذكر قول رسول الله ﷺ : "كَيفَ أَخافُ عَلى أُمَّةٍ أَنا أَوَّلُهُمْ وَعِيسى آخِرُهُمْ" (١)؟ فقال ابن حامد: إن عيسى ينزل ثلاث مرات؛ يظهر في أول مرة للأولياء، وفي الثانية للصلحاء، والثالثة ينزل ببيت المقدس فيراه الخاص والعام.
فقام ابن الشفق فدخل داره، فركب دابة وخرج علينا، فقلت له: أين تريد؟
فقال: إلى أبي الخير أستحله.
فقلت له: اجلس إلى الغد.
فقال: إني أخاف والله الموت.
فلما كان بعد أيام رجع إلى طرسوس، فدخلت إليه فقال: رجعت بأعجب مما مضيت فيه عما مضيت فيه، وذلك أني وصلت وقد صلى
стр. 1293
أبو الخير العصر وهو في محرابه، فلما صرت بباب المسجد قال لي: يا أبا بكر! ارجع فقد جعلناك في حل (١).
وقوله في هذه الحكاية يظهر في أول مرة للأولياء، وفي الثانية للصلحاء؛ أراد بالأولياء خواص الصلحاء، لا مطلق الصلحاء، فلا تنافي بينه وبين ما سنذكره إن شاء الله تعالى من أن الأولياء هم الصالحون.
وقوله: وفي الثالثة ينزل ببيت المقدس؛ أراد أن يتخذ بيت المقدس نزلاً وسكناً، ولا يريد نزوله من السماء؛ فإن نزوله من السماء يكون بدمشق لحديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ﵇ عِنْدَ الْمَنارَةِ البَيْضاءِ شَرْقِي دِمَشْقَ". رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن (٢).
وهو في "الصحيح" من حديث النواس بن سمعان (٣).
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَخَمسونَ:
روى الإمام أحمد، وابن ماجه عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: "الْمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيلَةٍ " (٤).
стр. 1294
وهذا الحديث يحتمل معنيين:
الأول: أن المهدي قد يكون قبل استخلافه مقارفاً لبعض ما عليه الناس، ثم يصلحه الله تعالى في ليلة فيكون من الصالحين كما أصلح الله تعالى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه حين استخلف، وكان قبل ذلك متنعماً بما عليه أبناء الخلافة والنعمة.
والثاني: أن المراد: يصلحه الله تعالى للخلافة، ويعرفه بما يحتاج إليه من سياسة الرعية ونحوها في ليلة واحدة.
والحاصل: أن الله تعالى يصلحه ويصلح به كما روى أبو نعيم الأصبهاني في "الأربعين" التي جمعها في المهدي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وَيْحَ هَذهِ الأُمَّةَ مِنْ مُلوكٍ جَبابِرَةٍ كَيفَ يَقْتُلُونَ وَيَحيفونَ الْمُطِيعينَ إِلاَّ مَنْ أَظْهَرَ طاعَتَهُمْ، فَالْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ يُصانِعُهُمْ بِلِسانِهِ وَيَفِرُّ مِنْهُمْ بِقَلْبِهِ، وإِذا أَرادَ اللهُ تَعالَى أَنْ يُعِيدَ الإِسْلامَ عَزِيزاً قَصَمَ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَهُوَ القادِرُ على ما يَشاءُ أَنْ يُصْلِحَ الأُمَّةَ بَعدَ فَسادِها.
يا حُذَيفَةُ! لَوْ لَمْ يَبقَ مِنَ الدُّنيا إِلاَّ يَومٌ واحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ اليَومَ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِيَ، تَجْري الْمَلاحِمُ على يَدَيْهِ، وَيُظْهِرُ الإِسْلامَ؛ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ" (١).
стр. 1295
* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَخَمسونَ:
من لطائف الشعر الرائق اللائق إيراده في هذا الباب وإنشاده قولُ الشيخ العارف بالله تعالى عبد العزيز بن أحمد الدميري رحمه الله تعالى كما نقله ابن السبكي في " الطبقات " رحمه الله تعالى: [من الوافر]
إِذا ما ماتَ ذُو عِلْمٍ وَتَقْوى ... فَقَدْ ثُلِمَتْ مِنَ الإِسْلامِ ثُلْمَة
وَمَوْتُ العادِلِ الْمَلِكِ الْمُوَلَّى ... بِحُكْمِ الْحَقِّ مَنْقَصَةٌ وَوَصْمَة
وَمَوْتُ الصَّالِحِ الْمَرْضِيِّ نَقْصٌ ... فَفِي مَحْيَاهُ لِلإِسْلامِ نَسْمة
وَمَوْتُ الفارِسِ الصرِّغامِ ضَعْفٌ ... فَكَمْ شَهِدْتَ لَهُ فِي النَّصْرِ عَزْمَه
وَمَوْتُ فَتًى كَثِيرِ الْجُودِ مَحْلٌ ... فَإِنَّ بَقاءَهُ خِصْبٌ وَنِعْمَة
فَدُونَكَ خَمْسَةً تَبْكِي عَلَيْهِم ... وَمَوْتُ الغَيْرِ تَخْفِيفٌ وَرَحْمَة (١)
стр. 1296
قلت: قد سبق أن الأرض تبكي على الصالح أربعين يوماً والملك العادل، والمؤمن الشجاع، والجواد من أخيار الصالحين، وأما العالم التقي فهو شهيد أو صديق، وهما من أخص الصالحين.
وفي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ غَدا يُرِيدُ العِلْمَ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِلَّهِ فَتَحَ اللهُ لَهُ باباً إِلَى الْجَنَّةِ، وَفَرَشَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ ﵈ أَكْنافَها، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ وَحِيتانُ البَحْرِ، وَلِلْعالِمِ مِنَ الفَضْلِ على العابِدِ كَالقَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ على أَصْغَرِ كَوْكَبٍ فِي السَّماءِ، وَالعُلَماءُ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ؛ إِنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً وَلا دِرْهَماً، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّهِ، وَمَوْتُ العالِمِ مُصِيبَةٌ لا تُجْبَرُ، وَثُلْمَةٌ لا تُسَدُّ، وَهُوَ نَجْمٌ طُمِسَ، مَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوتِ عالِمٍ"، رواه البيهقي (١).
وهو عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه " دون قول: " وَمَوت العالِمِ ... " إلى آخره (٢).
وروى البزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وابن لال في "مكارم الأخلاق " عن ابن عمر، وجابر رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "مَوْتُ العالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الإِسْلامِ لا تُسَدُّ ما اخْتَلَفَ
стр. 1297
اللَّيْلُ وَالنَّهارُ" (١).
وقوله: وموت الغير تخفيف رحمة؛ يشير إلى قوله ﷺ : "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتراحٌ مِنْهُ - يعني: الميت - العَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيا وَأَذاها إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى، وَالعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبادُ وَالبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ". رواه الإمام مالك، والإمام أحمد، والشيخان، والنسائي عن أبي قتادة ﵁ (٢).
وروى الخطيب، والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا ماتَ صاحِبُ بِدْعَةٍ فَقَدْ فُتِحَ فِي الإِسْلامِ فَتْحٌ" (٣).
وصاحب البدعة شامل لمن يبتدع في الاعتقاد، ومن يبتدع الظلم والضرر والأذى.
ولأبي العتاهية: [من مجزوء الكامل]
стр. 1298
مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ فِي الـ ... أَرْضِ عَلى بَعْضٍ فُتوحُ (١)
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَخَمسونَ:
روى الإمام أحمد - بإسناد جيد - عن أبي منيب الأحدب قال: خطب معاذ رضي الله تعالى عنه بالشام، فذكر الطاعون، فقال: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم (٢).
قوله: وقبض الصالحين قبلكم؛ ليس معناه أن الطاعون لا ينزل إلا بالصالحين، بل معناه أنه إذا نزل بهم فهو رحمة، وإذا نزل بالفاجرين فهو عذاب كما في "صحيح البخاري" رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فقال: "كانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ اللهُ عَلى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ما مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ فَيَكُونُ فِيهِ، لا يَخْرُجُ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلاَّ كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ" (٣).
فالطاعون يزيد الصالح في ثوابه، ويرفع من مقامه حتى يلحقه بالشهداء كما سيأتي.
وفي " الصحيحين " عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 1299
"الطَّاعُونُ شَهادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (١).
* فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سِتِّينَ فائِدَةً:
من لطائف الشعر اللائق إيراده أيضاً في هذا الباب، وإنشاده قول شيخ الطائفة، وإمام الفرقة العاطفة على حب اللُّه، والعاكفة؛ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري كما نقله عنه ابن السبكي في " الطبقات ":
[من الخفيف]
جَنِّبانِي الْمُجونَ يا صاحِبَيَّا ... وَاتْلُوا سُورَةَ الصَّلاحِ عَلَيَّا
قَدْ أَجَبْنا لِزاجِرِ العَقْلِ طَوْعاً ... وَتَرَكْنا حَدِيثَ سَلْمَى وَمَيَّا
وَمَنَحْنا لِمُوجِبِ الشِّعْرِ نَشْراً ... وَشَرَعْنا لِمُوجِبِ اللَّهْوِ طَيَّا
وَوَجَدْنا إِلَى القَناعَةِ باباً ... فَوَضَعْنا عَلى الْمَطامِعِ كَيَّا
كُنْتُ فِي حَرِّ وَحْشَتِي لاخْتِيارِي ... فَتَعَوَّضْتُ بِالرِّضا مِنْهُ فَيَّا
стр. 1300
إِنَّ مَنْ يَهْتَدِي لِقَطْعِ هَواهُ ... فَهْوَ فِي العِزِّ حازَ أَوْجَ الثُّرَيَّا
وَالَّذِينَ ارْتَوَوْا بِكَأْسِ هَواهُمْ ... فَعَلى الصَّدِّ سَوفَ يَلْقَونَ غَيَّا (١)
قوله رضي الله تعالى عنه: جنباني المجون يا صاحبيا ... إلى آخره؛ إشارة إلى أن الصلاح يناقض المجون، وهو الخلاعة إذا كانت الخلاعة هي مقصود الخليع، أما إذا كان متستراً بالمجون، متترساً بالخلاعة إيثاراً للخمول، وطلباً لصفاء وقته مع الله تعالى، وخلوص قلبه له، فلا يناقض الصلاح، وهذا طريق الملامتية؛ فإنهم لا يظهرون خيراً ولا يضمرون شراً.
ولا في صحة طريق الملامتي أن لا يرتكب معصية هو بها عاص في نفس الأمر، وإنما غاية أمره أن يظهر ما صورته المعصية، وهو في نفسه مطيع؛ كمن يخيل إلى الناس أنه يشرب الخمر ويأكل الحشيش، وهو إنما يشرب سويقاً ويأكل حلوى.
ومأخذ الملامتية عن الخضر ﵇ في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار بغير أجرة لقوم لم يضيفوه وصاحبَه.
وهي طريقة خطرة خصوصاً في هذه الأزمان.
وفي نفس الأمر فاتباع السنة ظاهراً وباطناً أتم من هذه