← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قلت: قد سبق أن الأرض تبكي على الصالح أربعين يوماً والملك العادل، والمؤمن الشجاع، والجواد من أخيار الصالحين، وأما العالم التقي فهو شهيد أو صديق، وهما من أخص الصالحين. وفي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ غَدا يُرِيدُ العِلْمَ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِلَّهِ فَتَحَ اللهُ لَهُ باباً إِلَى الْجَنَّةِ، وَفَرَشَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ ﵈ أَكْنافَها، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ وَحِيتانُ البَحْرِ، وَلِلْعالِمِ مِنَ الفَضْلِ على العابِدِ كَالقَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ على أَصْغَرِ كَوْكَبٍ فِي السَّماءِ، وَالعُلَماءُ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ؛ إِنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيناراً وَلا دِرْهَماً، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّهِ، وَمَوْتُ العالِمِ مُصِيبَةٌ لا تُجْبَرُ، وَثُلْمَةٌ لا تُسَدُّ، وَهُوَ نَجْمٌ طُمِسَ، مَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوتِ عالِمٍ"، رواه البيهقي (١). وهو عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه " دون قول: " وَمَوت العالِمِ ... " إلى آخره (٢). وروى البزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وابن لال في "مكارم الأخلاق " عن ابن عمر، وجابر رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "مَوْتُ العالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الإِسْلامِ لا تُسَدُّ ما اخْتَلَفَ

стр. 1297

اللَّيْلُ وَالنَّهارُ" (١). وقوله: وموت الغير تخفيف رحمة؛ يشير إلى قوله ﷺ : "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتراحٌ مِنْهُ - يعني: الميت - العَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيا وَأَذاها إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى، وَالعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبادُ وَالبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ". رواه الإمام مالك، والإمام أحمد، والشيخان، والنسائي عن أبي قتادة ﵁ (٢). وروى الخطيب، والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا ماتَ صاحِبُ بِدْعَةٍ فَقَدْ فُتِحَ فِي الإِسْلامِ فَتْحٌ" (٣). وصاحب البدعة شامل لمن يبتدع في الاعتقاد، ومن يبتدع الظلم والضرر والأذى. ولأبي العتاهية: [من مجزوء الكامل]

стр. 1298

مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ فِي الـ ... أَرْضِ عَلى بَعْضٍ فُتوحُ (١) * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَخَمسونَ: روى الإمام أحمد - بإسناد جيد - عن أبي منيب الأحدب قال: خطب معاذ رضي الله تعالى عنه بالشام، فذكر الطاعون، فقال: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم (٢). قوله: وقبض الصالحين قبلكم؛ ليس معناه أن الطاعون لا ينزل إلا بالصالحين، بل معناه أنه إذا نزل بهم فهو رحمة، وإذا نزل بالفاجرين فهو عذاب كما في "صحيح البخاري" رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فقال: "كانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ اللهُ عَلى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ما مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ فَيَكُونُ فِيهِ، لا يَخْرُجُ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلاَّ كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ" (٣). فالطاعون يزيد الصالح في ثوابه، ويرفع من مقامه حتى يلحقه بالشهداء كما سيأتي. وفي " الصحيحين " عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1299

"الطَّاعُونُ شَهادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (١). * فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سِتِّينَ فائِدَةً: من لطائف الشعر اللائق إيراده أيضاً في هذا الباب، وإنشاده قول شيخ الطائفة، وإمام الفرقة العاطفة على حب اللُّه، والعاكفة؛ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري كما نقله عنه ابن السبكي في " الطبقات ": [من الخفيف] جَنِّبانِي الْمُجونَ يا صاحِبَيَّا ... وَاتْلُوا سُورَةَ الصَّلاحِ عَلَيَّا قَدْ أَجَبْنا لِزاجِرِ العَقْلِ طَوْعاً ... وَتَرَكْنا حَدِيثَ سَلْمَى وَمَيَّا وَمَنَحْنا لِمُوجِبِ الشِّعْرِ نَشْراً ... وَشَرَعْنا لِمُوجِبِ اللَّهْوِ طَيَّا وَوَجَدْنا إِلَى القَناعَةِ باباً ... فَوَضَعْنا عَلى الْمَطامِعِ كَيَّا كُنْتُ فِي حَرِّ وَحْشَتِي لاخْتِيارِي ... فَتَعَوَّضْتُ بِالرِّضا مِنْهُ فَيَّا

стр. 1300

إِنَّ مَنْ يَهْتَدِي لِقَطْعِ هَواهُ ... فَهْوَ فِي العِزِّ حازَ أَوْجَ الثُّرَيَّا وَالَّذِينَ ارْتَوَوْا بِكَأْسِ هَواهُمْ ... فَعَلى الصَّدِّ سَوفَ يَلْقَونَ غَيَّا (١) قوله رضي الله تعالى عنه: جنباني المجون يا صاحبيا ... إلى آخره؛ إشارة إلى أن الصلاح يناقض المجون، وهو الخلاعة إذا كانت الخلاعة هي مقصود الخليع، أما إذا كان متستراً بالمجون، متترساً بالخلاعة إيثاراً للخمول، وطلباً لصفاء وقته مع الله تعالى، وخلوص قلبه له، فلا يناقض الصلاح، وهذا طريق الملامتية؛ فإنهم لا يظهرون خيراً ولا يضمرون شراً. ولا في صحة طريق الملامتي أن لا يرتكب معصية هو بها عاص في نفس الأمر، وإنما غاية أمره أن يظهر ما صورته المعصية، وهو في نفسه مطيع؛ كمن يخيل إلى الناس أنه يشرب الخمر ويأكل الحشيش، وهو إنما يشرب سويقاً ويأكل حلوى. ومأخذ الملامتية عن الخضر ﵇ في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار بغير أجرة لقوم لم يضيفوه وصاحبَه. وهي طريقة خطرة خصوصاً في هذه الأزمان. وفي نفس الأمر فاتباع السنة ظاهراً وباطناً أتم من هذه

стр. 1301

الطريقة وأصلح (١). وقد أوضحت طريقة الملامتية في "منبر التوحيد"، وهو شرح ألفية الجد في التصوف. * فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَسِتُّونَ: روى البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي السكن الهجري رحمه الله تعالى قال: مات خليل الله ﵇ فجأة، ومات داود ﵇ فجأة، ومات سليمان بن داود ﵉ فجأة، والصالحون؛ وهو تخفيف على المؤمن، وتشديد على الكافر (٢). وروى الإمام أحمد، والبيهقي في "السنن" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "مَوتُ الفَجْأَةِ راحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلفاجِرِ" (٣).

стр. 1302

روى الإمام أحمد، وأبو داود عن عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ" (١)؛ أي: للفاجر خاصة بدليل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. ولقد سبق أن الطاعون رحمة للصالحين، وعذاب على الفاجرين، وفي ذلك دليل على أن العبد الصالح كيفما كان فهو من الله تعالى في خير، كما قال رسول الله ﷺ : "عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ اللهَ لَمْ يَقْضِ لَهُ قَضاءً إِلاَّ كانَ خَيراً لَهُ". رواه الإمام أحمد، وابن حبان في " صحيحه " عن أنس رضي الله تعالى عنه (٢). وفي "صحيح مسلم" عن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ، وإِنْ أَصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ " (٣). ولا شك أن المؤمن كلما ترقى في الصلاح كان (٤) الخير له في قضاء الله تعالى أكمل وأتم.

стр. 1303

* فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَسِتُّونَ: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ضاف النبيَّ ﷺ أعرابيٌّ، فطلب له شيئاً، فلم يجد له شيئاً حتى أصاب لقمة من سلت، فأخذها وجعل يجزئها، ووضعها بين يديه، فأكل الأعرابي حتى شبع، وفضلت فضلة، فجعل الأعرابي ينظر إليه ويقول: إنك لرجل صالح (١)! قلت: في هذا الحديث إشارة إلى أن الأمر الخارق دليل مستقر في النفوس على صلاح العبد وولايته، وقد شاهدنا كثيراً من إخواننا الصالحين الصادقين يضيفون الطعام القليل القوم الكثيرين، وكلُّهم من رسول الله مُلْتَمِسٌ. * فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَسِتُّونَ: الرغبة في الصلاح محمودة من كل أحد، إلا أن العبد إذا شاب كانت به أليق، كما أن الفسق منه أفحش. قال الحافظ عبد الكريم بن السمعاني في "تاريخه ": أنشدنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي قال: أنشدنا أبو سعيد بن صاعد القاضي

стр. 1304

قال: أنشدنا أبو يوسف يعقوب بن محمد بن أحمد الأديب: [من الوافر] إِلَهِي إِنَّ قَلْبِي غَيْرُ صاحِي ... عَلى الْحالاتِ مِنْ سُكْرِ الْجُناحِ ظَنَنْتُ الشَّيْبَ يُصْلِحُنِي فَهَذا ... مَشِيْبِي أَيْنَ آثارُ الصَّلاحِ * فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسِتُّونَ: ذكر الديلمي في "الفردوس" من حديث أبي الغصن رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ أَرِنِي الدُّنْيا كَما تُرِيها صالِحَ عِبادِكَ" (١). وهو في " الإحياء " بلفظ: "اللَّهُمَّ أَرِنِي الدُّنيا كَما أَرَيْتَها الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكَ". وذلك أن الصالحين يرون الدنيا حقيرة بالنسبة إلى الآخرة كما ذكره في " الإحياء " (٢). * فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَسِتُّونَ: روى أبو القاسم الأصبهاني في " الترغيب " عن صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعْلَمْ أَنَّ عَونَ اللهِ مَعَ صالِحِي التُّجَّارِ" (٣).

стр. 1305

وعن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ أَطْيَبَ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الَّذِينَ إِذا حَدَّثوا لَمْ يَكْذِبُوا، وَإِذا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وَإِذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونوا، وَإِذا اشْتَرَوْا لَمْ يَذُمُّوا، وَإِذا باعُوا لَمْ يَمْدَحُوا، وَإِذا كانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وَإِذا كانَ لَهُمْ لَمْ يُعَسِّرُوا" (١). قلت: وهؤلاء هم صالحو التجار، ومن أوصافهم أنهم لا يكثرون الأيمان على البيع والشراء وإن كان صدقاً، ولا يغشون، ولا يكتمون عيباً، ولا يتركون صلاة في وقتها لبيع ولا شراء، ويؤتون [٩٥] الزكاة، ولا يبيعون على بيعِ مسلم ولا ذمي، ولا يشترون على شرائه، ولا يسومون على سَومه، ويحذرون من كل إثم، ويرغبون في كل خير. * فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسِتُّونَ: روى أبو نعيم، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَأْتِي بِالْخَبَرِ الصَّالِحِ، وَالرَّجُلُ السُّوءُ يَأْتِي بِالْخَبَرِ السُّوءِ" (٢). وفي لفظ: "يُحِبُّ الْخَبَرَ الصَّالِحَ".

стр. 1306

وروى أحمد بن منيع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " الْخَبَرُ الصَّالِحُ يَجِيْءُ بِهِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، وَالْخَبَرُ السُّوءُ يَجِيْءُ بِهِ الرَّجُلُ السُّوءُ" (١). والمعنى أن من أخلاق الصالحين التبشير دون التنفير، كما قال رسول الله ﷺ : "بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا" (٢). وكذلك لا يحبون نقل الأراجيف، ولا إشاعة السوء والفواحش في المسلمين لأن ذلك من خلق الأشرار المنافقين كما قال الله تعالى في أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. روى ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: من حدث بما أبصرت عيناه وسمعت أذناه - يعني: من السوء - فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (٣). وقال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] الآية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسيرها: الخبيثات من

стр. 1307

الكلام للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلام، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام (١). أوقال مجاهد في قوله تعالى، : ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]: من كان طيباً فهو مبرأ من كل قول خبيث يقوله، يغفر الله له، ومن كان خبيثاً فهو مبرأ من كل قول صالح يقوله، يرده الله عليه، لا يقبله [منه]. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني (٢). وقال عطاء بعد أن فسر الآية بنحو قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ [النور: ٢٦]: ألا ترى أنك تسمع بالكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول: غفر الله لفلان، ما هذا من خلقه، ولا من شيمه، ولا مما يقول، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] أن يكون ذلك من شيمهم ولا من أخلاقهم، ولكن الزلل قد يكون. رواه عبد بن حميد (٣). وفيه إشارة إلى أن الرجل الصالح لا تضره الكلمة السوء إذا بدرت منه واستغفر منها.

стр. 1308

ولقد سبق قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذا أَساؤُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا" (١). نعم؛ من شرط الصالح إذا استغفر من الكلمة السوء والفعلة السوء أن يضيق لها صدره، ويخفق لها قلبه، ويلوم عليها نفسه. ولا يظهر الاستغفار وفي قلبه ميل لتلك الكلمة، ولا تعلق بتلك الفعلة، ونفسه حينئذ لوامة. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١ - ٢]. و(لا) زائدة لتأكيد الكلام، وإقسام الله تعالى بها تعظيم لها وتعريف بمقامها. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]؛ قال: تندم على ما فات، وتلوم عليه. رواه ابن المنذر (٢). وقال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه؛ ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديثي نفسي، ولا أراه إلا معاتبها، وإن الفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه. رواه ابن

стр. 1309

أبي الدنيا في "محاسبة النفس "، وغيرُه (١). ولقد قلت في النفس اللوامة: [من الطويل] إِذا عَمِلَ العَبْدُ التَّقِيُّ خَطِيئَةً ... تَكادُ تَذُوبُ النَّفْسُ مِنْ أَجْلِها حُزْنا تَلُومُ عَلى ما فاتَ مِنْها كَأَنَّها ... تَزِلُّ مِنْ الوَسْواسِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَتَخْشَى عَذابَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِها ... وَلَكِنَّها تَرْجُو مِنَ الْمُؤْمِنِ الأَمْنا فَلا سِرُّها يَهْدِي لِما امْتُحِنَتْ بِهِ ... وَلا فِكْرُها يَصْحُو وَلا عَيْشُها يَهْنا وَلَيْسَ لَها مِنْ راحَةِ دُونَ أَنْ تَرى ... مِنَ اللهِ بِالْمَوْتِ الْمَسَرَّةَ وَالْحُسْنَى * فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَسِتُّونَ: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عون الأنصاري رحمه الله تعالى قال: من أراد الله به خيراً يلقيه رجلاً صالحاً يعرف بينه وبينه ما لم يكن عرفه قبل.

стр. 1310

وفيه إشارة إلى أن معرفة الصالحين دليل على صلاح العبد لما سبق من أن الجنس إلى الجنس أميل، وعليه أقبل، وما من عبد صالح يعرفه إلا رجع منه بخير يتعرفه. * فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَسِتُّونَ: روى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" عن أبي بكر بن طاهر رحمه الله تعالى قال: احتياج الأشرار إلى الأخيار صلاح الطائفتين، واحتياج الأخيار إلى الأشرار فتنة للطائفتين (١). قلت: وبيانه أن الحاجة إذا اضطرت الأشرار إلى الأخيار أوقعت في قلوبهم توقير الأخيار والصالحين ومحبتهم، وبذلك صلاحهم، ثم إن اضطرارهم إلى الأخيار يورث الرحمة في قلوب الأخيار والشفقة عليهم، ويبذلون الجهد في نصيحتهم وإرشادهم، فتصلح الطائفتان جميعاً. فأما إذا اضطرت الحاجة الأخيار إلى الأشرار ألجأت الأخيار إلى مداراتهم ومودتهم، والتقرب لقلوبهم وترك الإنكار عليهم، وأوهمت الأشرار خيرية أنفسهم وتزكيتها، والتكبر والافتخار، فتفسد الطائفتان، ويفتنون. * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَسِتُّونَ: روى السلمي عن أبي بكر الوراق قال: الناس ثلاثة: العلماء،

стр. 1311

والأمراء، والقراء؛ فإذا فسدت الأمراء فسد المعاش، وإذا فسدت العلماء فسدت الطاعات، وإذا فسدت القراء فسدت الأخلاق (١). ومفهومه: أن المعاش إنما يصلح بصلاح الأمراء، والطاعات بصلاح العلماء، والأخلاق بصلاح القراء. بيانه: أن المراد إذا فسدت الأمراء فظلمت أهل الزرع ضعفوا عنه، أو أهل الماشية قلَّتْ ماشيتهم، أو أبعدوا ماشيتهم عن ولاية الأمير الظالم، أو أهل التجارة قلَّتِ البضائع وانقطع الجلب عن البلد، فيفسد المعاش. وإذا فسدت العلماء تساهلوا في الطاعات، أو تجوزوا في المكروهات والمحرمات، فالعوام يركبون ما يهون، ويحتجون بأحوال العلماء، فتفسد الطاعات. وإذا فسد القراء فلم يتخلقوا بأخلاق القرآن من الحلم والكرم، والاحتمال والإعراض عن الجاهلين، وظهرت عليهم مساوئ الأخلاق، فالعامة يقع بعضهم في بعض بكل سوء، فتفسد الأخلاق من الخاصة والعامة. * فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سَبْعِينَ فائِدَةً: روى السلمي أيضا عن أبي بكر الوراق أيضاً قال: إذا فسدت العامة

стр. 1312

غلبت الفساق على أهل الصلاح، وولاة الجَور على ولاة العدل، والكفار على المسلمين. وقال: وإذا فسقت الخاصة غلبت الكَذَبة على الصادقين، والكهنة على الموقنين، والموسوسون على المخلصين (١). قلت: ووجهه أن الخاصة إذا فسقت لم يقووا على إنكار المنكر، وتكذيب الكاذب والكاهن، ونصح الموسوس، وإذا فسق أكثرهم قاس الناس بهم من لم يفسق منهم، واختلط الأمر واشتبه الحق. وأما فساد العامة فإنهم يصير ميلهم مع كل مارق يمكِّنهم من أخذ أموال الناس، وظلم العباد، فهم أنصاره على من يأخذ على أيديهم، وينكر عليهم ويمنعهم من الظلم. * فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَسَبْعونَ: روى السلمي أيضاً عن أبي عبد الله محمد بن علي الترمذي رحمه الله تعالى قال: صلاح خمسة أصناف في خمسة مواطن: صلاح الصبيان في الكتاب، وصلاح القطاع في السجن، وصلاح النساء في البيوت، وصلاح الفتيان في العلم، وصلاح الكهول في المساجد (٢). وبيانه: أن الصبيان ينكَفُّون بالكتاب عن اللعب ومخالطة الصبيان العارمين، وعن الفساد، وبذلك صلاحهم وصيانتهم.

стр. 1313

ولعل هذا باعتبار زمان تقدم، وأما الآن فقد يكون في بعض المكاتب فساد بعض الصبيان لتقصير المعلمين وتساهلهم. وقُطَّاعُ الطريق إذا حُبِسوا حِيْلَ بينهم وبين القتل والسلب وإخافة الطريق، وبذلك صلاحهم وصلاح المارين بالطريق. والنساء إذا كن في البيوت سترت عوراتهن، وغضت أبصارهن، وأُمِنَ تبرجهن، وبذلك صلاحهن. والفتيان إذا تمرنت نفوسهم في الشباب على طلب العلم أشربت محبة العلم والطاعة، وبذلك يصلحون. والكهول إذا كانوا في المساجد كانوا مشتغلين بالعبادة منكَفِّين عن مخالفة الناس ومقاساتهم ومداراتهم، وذلك أصلح لهم. * فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَسَبْعونَ: روى السلمي عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى قال: ما أكثرَ الصالحين وأقل الصادقين في الصالحين (١)! وأراد بالصالحين في قوله: ما أكثر الصالحين؛ من يظهر عليه آثار الصالحين وأعمالهم. ونظيره ما ذكره أبو طالب المكي عن مجاهد قال: قلت لابن عمر رضي الله تعالى عنهما وقد دخلت القوافل: ما أكثرَ الحاجَّ!

стр. 1314

فقال: ما أقلَّهم، ولكن قل: ما أكثرَ الرَّكْب (١)! أراد أن الحاج حقيقة هو الذي يصح قصده في حجه، ويتم بر حجه من طيب النفقة وحسن الاتباع. قال مجاهد: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الزي والمحامل يقول: الحاج قليل والركب كثير. قال: ثم نظر إلى رجل ضعيف رث الهيئة تحته جوالق، فقال: هذا نعم من الحاج (٢). * فائِدَةٌ ثالِثة وَسبعونَ: روى أبو يعلى، والبزار، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن عامر بن سعد، عن أبيه رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا جاء إلى الصلاة والنبي ﷺ يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: "مَنِ الْمُتكلِّمُ آنِفًا؟ ". قال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: "إِذَنْ يُعْقَرُ جَوادُكَ، وَتُسْتَشْهَدُ" (٣).

стр. 1315

في هذا الحديث إشارة إلى أن العبد لا يستقيم مقام الصالحين إلا بالعبور إلى مقام الشهادة، والآية المتقدمة تدل على ذلك، ومن ثم جعلتُ التشبهَ بالشهيد بعد التشبه بالصالحين. * فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسَبعونَ: روى أبو بكر بن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ قال: "يا رَبِّ! مَسْأَلَةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنها"، فهبط جبريل ﵇ فقال: إن الله يقرئك السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه تقي يقول: يا رب! فأقول: لبيك، فأقضي حاجته (١). ومن هنا يستحب طلب الدعاء من الصالحين كما تقدم. وفي "صحيح مسلم" عن أسير بن جابر رحمه الله تعالى قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس ابن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد، ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: كان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضع درهم؟

стр. 1316

قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَأْتِي عَلَيْكَ أُوَيْسُ بْنُ عامِرٍ مَعَ أَمْدادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِنْ مُرادٍ ثُمْ مِنْ قَرَنٍ، كانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضعَ دِرْهَمٍ، لَهُ والِدةٌ هُوَ بِها بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لأَبَرَّهُ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ "؟ فاستغفر لي. قال: فاستغفر له، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. فلما كان من العام المقبل حج رجلٌ من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس؟ قال: تركته رث البيت، قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله يقول: "يَأْتِي عَلَيْكَ أُويسُ بْنُ عامِرٍ مَعَ أَمْدادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِنْ مُرادٍ ثُمْ مِنْ قرنٍ، كانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضعَ دِرْهَمٍ، لَهُ والِدةٌ هُوَ بِها بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لأَبَرَّهُ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ ". فأتى أويس، فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهداً بسفر

стр. 1317

صالحٍ، فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على وجهه. قال أسير: وكَسَوتُه بردةً، فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة (١)؟ في هذا الحديث وصية عمر وغيره ممن يستطيع أن يستغفر له أويس القرني لكونه صالحاً خيِّراً بارًّا بأمه، كما في حديث مسلم أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: أُويْسُ، وَلَهُ والِدَةٌ، وَكانَ بِهِ بَياضٌ فَبَرِئَ؛ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكَ (٢) " (٣). وروى الحاكم - وصححه - عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ التَّابِعِينَ " (٤). وجمع النووي بين هذا وبين قول أحمد بن حنبل وغيره: أفضل

стр. 1318

التابعين سعيد بن المسيب؛ فإن مرادهم أن سعيد أفضل في العلوم الشرعية كالحديث، والتفسير، والفقه، ونحوها، لا في الخير عند الله تعالى (١). * فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَسَبْعونَ: روي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: أهل الصلاح والحسبة من المؤذنين أول من يكسى يوم القيامة. نقله ابن سيد الناس في "شرح الترمذي " (٢). والمراد أنهم أول من يكسى بعد الأنبياء والصديقين والشهداء، وأول من يكسى مطلقاً إبراهيم، ثم نبينا ﷺ . روى الشيخان، والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "أَيُّها النَّاسُ! إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفاةً مُشاةً عُراةً غُرْلاً - ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] الآية - وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنَ الْخَلائِقِ إِبْراهِيمُ ﵇" (٣). وروى الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد؛ كلاهما في "الزهد"، وأبو يعلى عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ قبطيتين، ثم يكسى النبي ﷺ حَبِرة

стр. 1319

وهو على يمين العرش (١). وروى حميد بن زنجويه في "فضائل الأعمال" عن كثير بن مرة الحضرمي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال في حديث: "وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ بِلالُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ" (٢). وروى الدينوري في "مجالسته" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: يحشر الناس كلهم عراة ما خلا أهلَ الزهد (٣). وهذه خصوصية للزاهدين من الصالحين أنهم يخرجون من قبورهم وعليهم كسوتهم. * فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسَبْعونَ: روى أبو نعيم عن سالم رحمه الله تعالى: أن رجلاً سأله وهو يطوف بالبيت: هل يؤم الأعرابي المهاجر؟ قال: ما يضره إذا كان رجلاً صالحاً (٤)؟ فيه أن صلاح الإمام معتد به، وهو كذلك لأنه شفيع، وإن صحت إمامة الفاسق فإمامة العدل الصالح أولى وإن قل جمعه.

стр. 1320

* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَسَبْعونَ: روى ابن أبي شيبة عن عبيد بن عبد الملك قال: كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: اللهم أصلح من كان صلاحه صلاحاً لأمة محمد ﷺ ، اللهم أهلك من كان هلاكه صلاحاً لأمة محمد ﷺ (١). ويلائم ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد في "الزهد" عنه أنه قال لابنه عبد الملك رحمه الله تعالى قال: ما أحد من الناس أحب إلي صلاحاً منك إلا إمام جماعة، يكون صلاحه صلاح من تحت يده. * فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَسَبعونَ: نقل أبو طالب المكي عن الإمام أحمد أنه كان يقول: إذا كان السلطان صالحاً فهو خير من صالحي الأمة، وإذا كان فاسقاً فصالحو الأمة خير منه. قال أبو طالب: وهذا قول عدل (٢). قلت: في قوله وإذا (٣) كان فاسقاً فصالحو الأمة خير منه؛ إشارة إلى أنه - وإن فسق - لا يخلو من خير كما في الحديث: "سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَراءُ يَفْسُدُونَ، وَما يُصْلِحُ اللهُ بِهِمْ أَكثَرُ". رواه البيهقي عن ابن مسعود

стр. 1321

رضي الله تعالى عنه (١). ومن هنا لما سئل سهل بن عبد الله التُّسْتَري رحمه الله تعالى: أي الناس خير؟ قال: السلطان. قيل: كنا نرى أن شر الناس السلطان! فقال مهلاً؛ إن لله في كل يوم نظرتين؛ نظرة إلى سلامة أموال المسلمين، ونظرة إلى سلامة أبكارهم، فيغفر له جميع ذنوبه (٢). وروى المعافى في "الجليس والأنيس" عن مردويه قال: سمعت الفضيل - يعني: ابن عياض - رحمه الله تعالى يقول: لو أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للإمام؛ لأن صلاحه صلاح العباد والبلاد. قال: فقام إليه ابن المبارك فقبل وجهه، وقال: يا معلم الخير! من يحسن هذا غيرك (٣)؟ * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَسَبْعونَ: روى ابن أبي شيبة عن مقاتل بن سليمان رحمه الله تعالى في قوله

стр. 1322

تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]؛ قال: العهد الصلاح (١). وروى ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله تعالى عنه في الآية قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء (٢). وفي الحديث: " إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ شَفاعَةً" (٣). ولكن لا يخفى أن شفاعة الصالحين من المؤمنين أعظم من شفاعة عامتهم، وأتم وأنفع. * فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ ثَمانِينَ فائِدَةً: قال إخوة يوسف كما حكى الثه تعالى عنهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]. ظنوا أن الصلاح والخير يأتي بالفساد والشر، وهذا مما لا يكون، ولو قتلوه هلكوا. قال السدي رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]: تتوبون مما صنعتم به. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٤).

стр. 1323

ومثل هذا لا ينبغي أن يعزم العبد على المعصية اعتماداً على التوبة، لأنه قد يحال بينه وبين التوبة كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]. ويحتمل أن يكون معنى قولهم: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] أي: صالحاً حالكم وبالكم من حيث إن قلوبكم لم تتشتت بسبب محبة أبيكم ليوسف وإقباله عليه، ويكون وداد أبيكم ونظره إليكم مقصوراً عليكم، ومن حيث إن يوسف إذا ذهب عن شقيقه لم يبق لشقيقه قوة في معارضتنا. ولقد تكدر عليهم مرادهم، وتنغصت معيشتهم لحزن أبيهم لفراق ولده، وتوجه قلبه إلى طلبه. كذلك من طلب صلاح شأنه بنفسه وتدبير نفسه لم يتم مراده، ولم يحصل على مرامه. * فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَمانونَ: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٨]. في هذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي للعبد أن يثق بنفسه في وعدها

стр. 1324

بالصلاح وهي تطلب الدنيا، وأن الصلاح لا يتم لعبد وقلبه ملتاظ بالدنيا، وأن معاهدة العبد الله تعالى على العمل الصالح إن آتاه من الدنيا مالاً أو جاهاً أو منصباً مستنداً إلى حوله وقوته، غير مستعين بالله تعالى من أحوال المنافقين. روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً. قال: "ويحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ". فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً. قال: "ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُ شُكْرَهُ". قال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً. قال: "ويحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! أَما تُحِبُّ أَنْ تَكونَ مِثْلِي؟ فَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الْجِبالَ مَعِيَ ذَهباً لسارَتْ". قال: يا رسول الله! ادع الله [أن] يرزقني مالاً؛ فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. قال: "ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ". قال: يا رسول الله! ادع الله تعالى. فقال رسول الله: " اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالاً ".

стр. 1325

فاتخذ أو اشترى غنماً، وبورك له فيها، ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله ﷺ ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما ينمو الدود، فتنحى بها، وكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله ﷺ . ثم نمت كما ينمو الدود، [فضاق به مكانه]، فتنحى بها، [فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله ﷺ ]، فجعل يتلقى الركبان، ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله، فسأل عنه، فأخبروه أنه اشترى غنماً، وأن المدينة ضاقت به، وأخبروه خبره، فقال رسول الله ﷺ : "ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ! ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ! ". ثم إن الله تعالى أمر رسول الله ﷺ أن يأخذ الصدقات، وأنزل الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية، فبعث رسول الله ﷺ رجلين؛ رجلاً من جهينة، ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقة، فكتب لهما أسنان الإبل والغنم، وكيف يأخذانها على وجهها، وأمرهما أن يمرَّا على ثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم، فخرجا، فمَرَّا بثعلبة، فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا، ثم مُرَّا بي، قال: فانطلقا. وسمع بهما السلمي فاستقبلهما بخيار إبله، فقالا: إنما عليك دون هذا، فقال ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي، فقبلا، فلما فرغا مَرَّا

стр. 1326

بثعلبة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأي، فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله ﷺ قال قبل أن يكلمهما: "وَيْحَ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِب! " ودعا للسلمي بالبركة، وأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الثلاث آيات. قال: فسمع بعض أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبة فقال: ويحك! ويحك يا ثعلبة! أنزل الله فيك كذا وكذا. قال: فقدم ثعلبة على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه صدقة مالى. فقال رسول الله ﷺ : " إِنَّ اللهَ قَدْ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ". قال: فجعل يبكي، ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ". فلم يقبل منه رسول الله ﷺ حتى مضى، ثم أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا أبا بكر! اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لم يقبلها رسول الله ﷺ وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر. ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص! يا أمير المؤمنين! اقبل مني صدقتي. قال: وثقل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج رسول الله!

стр. 1327

فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لم يقبلها رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر رضي الله تعالى عنه؟ أقبلها أنا؟ فأبى أن يقبلها. ثم ولي عثمان، فهلك في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه (١). * فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَثَمانونَ: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]. قال أكثر المفسرين: إن المراد بالآية آدم وحواء ﵉ (٢). ومعنى قولى: ﴿صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠]: بشراً سوياً، وذلك لأن الشيطان كان قال لها: تلدين ناقة، أو بقرة، أو ماعزة، أو ضانية - وفي رواية: بهيمة - ويخرج من أنفك، أو من عينيك، أو من أذنك.

стр. 1328

قال: وأطيعيني، وسميه عبد الحارث تلدي مثلك. ويحتمل أن يكون معنى: ﴿صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] أن يعيش وينتفع به لأنه كان لا يعيش لهما ولد. وقد روى الإمام أحمد، والترمذي - وحسنه - والحاكم - وصححه - وغيرهم عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاءُ طافَ بِها إِبْلِيسُ وَكانَ لا يَعِيشُ لَها وَلَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحارِثِ فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحارِثِ، وَكانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيطانِ وَأَمْرِهِ" (١). وقال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم. رواه ابن جرير (٢).

стр. 1329

وقال القاضي البيضاوي بعد أن قرر القول الأول: ويحتمل أن يكون الخطاب لآل قصي من قريش؛ فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان له زوج من جنسه (١) عربية قرشية، وطلبا من الله الولد فأعطاهما أربعة بنين، فسمياهم: عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار، انتهى (٢). وعلى الأول فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]: كان شركاً في طاعة، ولم يكن شركاً في عبادة. رواه عبد بن حميد (٣). وقال السدي في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠ - ١٩١]: إنه مفصول عن آية آدم وحواء، وهو خاص بآلهة العرب. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٤). وروي نحوه عن ابن عباس، وغيره (٥). وفي ذلك دليل على أن من سأل الولد الصالح فرزقه، فينبغي أن يشكر الله تعالى، ويحسن التسمية.

стр. 1330

وأحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله، وعبد الرحمن كما في الحديث (١). ولا يسميه عبد النبي ونحوه؛ فإن العبودية لله تعالى. وكذلك لا ينبغي لمن لا يولد له أو من لا يعيش له ولد أن يذهب إلى المنجمين والكهنة، ويستكتبهم حروزاً، ولا يعلق تميمة ونحوها لحصول الولد، ولا لبقائه بعد الحمل وبعد الولادة كما يفعله كثير من الجاهلات؛ فإن اعتقاد أن تعليق التمائم والحروز تحفظ الجنين من الإسقاط والولد من الموت كله شرك، ويؤول إلى الشرك؛ والعياذ بالله! وكذلك من يعتقد في نشرة من عبد صالح أو تبييت أثر عنده نفعاً أو ضرراً فإنه جهل من المعتقدين والمعتقدات لذلك، فإن اعتقد المنسوب إلى الصلاح في نفسه شيئاً من ذلك كان أشد جهلاً ممن يعتقد فيه ذلك وإن جرى على ذلك كثير من الناس؛ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. * فائِدَة ثالِثَةٌ وَثَمانونَ: روى أبو الحسن بن جهضم عن سهل بن عبد الله التُّسْتَري رحمه الله تعالى قال: إذا كان التزوج على غير السنة كان الولد عقوبة، فكيف تريد من ولد العقوبة الصلاح؟ ومعنى كون التزوج على خلاف السنة أن لا يراعى فيه شروط العقد، أو لا تراعى فيه الكفاءة، أو تُزوج المرأة للمال، أو للجمال، أو

стр. 1331

للجاه، أو للمباهاة والمباراة، أو غير ذلك مما جاءت السنة بخلافه. ولعل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إشارة إلى ما ذكر. والتزوج إذا كان على غير السنة كان لأن يكون سبب العداوة والقسوة من الزوج والولد أقرب من أن يكون سبب المودة والرحمة، ولذلك كان الولد في الغالب في هذه الأزمنة غيظاً كما في حديث حذيفة وغيره: "إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ غيظاً" (١)، فكان كما أخبر ﷺ لارتكاب البدع في الأنكحة، وقلة الاعتناء بأمور السنة في التزوج. * فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثَمانونَ: روى النسائي - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم - وصححاه - من حديث أبي سلمى راعي رسول الله ﷺ ، وعبد الرزاق، والبغوي، والبزار - وحسن إسناده - من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، والطبراني في "الأوسط" - ورجاله رجال الصحيح - من حديث سفينة، والإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵃؛ كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: "بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ

стр. 1332

ما أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزانِ! سُبْحانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَالوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فَيَحْتَسِبُهُ (١) " (٢). وقد تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "يَنْقَطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَوَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٣). فالولد الصالح تقر به عين والده - سواء تقدم والده بالوفاة (٤)، أو تأخر عنه - ومن ثم أثنى الله تعالى على عباد الرحمن القائلين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. قال عكرمة رحمه الله تعالى: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. رواه عبد بن حميد (٥).

стр. 1333

وفي قرن الولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده بالباقيات الصالحات إيماء قوله عندما يصاب به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لأن المؤمن إذا احتسب ولده أو حبيبه أو مفقوده يقولها وهي من الباقيات الصالحات أو من جنسهن؛ بل الصبر والاحتساب بالقلب من الباقيات الصالحات؛ فإن الأولى في تفسيرهن التعميم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] قال: هن ذكر الله: لا الله إلا الله، والله كبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهي الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة. رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم (١). ورويا، وابنُ أبي شيبة عن قتادة رحمه الله تعالى أنه قال في الآية: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات. وروى ابن أبي حاتم عنه أنه سئل عن الباقيات الصالحات؛ قال: كل ما أريد به وجه الله (٢).

стр. 1334

* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثَمانونَ: قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. وذكرنا أن الولد الصالح إذا مات واحتسبه والده، كان من الباقيات الصالحات. وقد روى ابن أبي حاتم عن عياض بن عقبة رضي الله تعالى عنه: أنه مات له ابن يقال له: يحيى، فلما نزل في قبره قال رجل: والله إنه لسيد الجيش؛ فاحتسبه. فقال: وما يمنعني أن أحتسبه وكان أمس من زينة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات (١)؟ وكذلك المال إذا أخذه من حله وأنفقه في محله يريد بذلك وجه الله تعالى؛ كان من الباقيات الصالحات. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ العَبْدُ: مالِي، مالِي، وَإِنَّما لَهُ مِنْ مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ تَصَدَّقَ فَأَبْقَى، وَما سِوى ذَلِكَ فَهُوَ ذاهِبٌ وَتارِكُهُ لِلنَّاسِ" (٢).

стр. 1335

وروى هو والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]؛ وفي لفظ: وقد أنزلت عليه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، وهو يقول: " [يَقُولُ] ابنُ آدَمَ: مالِي، مالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مالِكَ إِلاَّ ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ؟ " (١). فإذا أعطى الله العبد المال الطيب، ووفقه لإنفاقه في هذه الوجوه الثلاثة، وألهمه حسن النية فيها، فقد جمع له بين خير الدنيا والآخرة. وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. رواه ابن أبي حاتم (٢). ولقد أحسن القائل: [من البسيط] ما أَحْسَنَ [الدِّينَ] وَالدُّنْيا إِذا اجْتَمَعا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلاسَ بِالرَّجُلِ (٣) * فائدَةٌ سادِسَةٌ وَثَمانونَ: روى أبو عبد الله الحسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك
следующие страницы →