← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

للجاه، أو للمباهاة والمباراة، أو غير ذلك مما جاءت السنة بخلافه. ولعل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إشارة إلى ما ذكر. والتزوج إذا كان على غير السنة كان لأن يكون سبب العداوة والقسوة من الزوج والولد أقرب من أن يكون سبب المودة والرحمة، ولذلك كان الولد في الغالب في هذه الأزمنة غيظاً كما في حديث حذيفة وغيره: "إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ غيظاً" (١)، فكان كما أخبر ﷺ لارتكاب البدع في الأنكحة، وقلة الاعتناء بأمور السنة في التزوج. * فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثَمانونَ: روى النسائي - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم - وصححاه - من حديث أبي سلمى راعي رسول الله ﷺ ، وعبد الرزاق، والبغوي، والبزار - وحسن إسناده - من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، والطبراني في "الأوسط" - ورجاله رجال الصحيح - من حديث سفينة، والإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵃؛ كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: "بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ

стр. 1332

ما أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزانِ! سُبْحانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَالوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فَيَحْتَسِبُهُ (١) " (٢). وقد تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "يَنْقَطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَوَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٣). فالولد الصالح تقر به عين والده - سواء تقدم والده بالوفاة (٤)، أو تأخر عنه - ومن ثم أثنى الله تعالى على عباد الرحمن القائلين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. قال عكرمة رحمه الله تعالى: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. رواه عبد بن حميد (٥).

стр. 1333

وفي قرن الولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده بالباقيات الصالحات إيماء قوله عندما يصاب به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لأن المؤمن إذا احتسب ولده أو حبيبه أو مفقوده يقولها وهي من الباقيات الصالحات أو من جنسهن؛ بل الصبر والاحتساب بالقلب من الباقيات الصالحات؛ فإن الأولى في تفسيرهن التعميم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] قال: هن ذكر الله: لا الله إلا الله، والله كبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهي الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة. رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم (١). ورويا، وابنُ أبي شيبة عن قتادة رحمه الله تعالى أنه قال في الآية: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات. وروى ابن أبي حاتم عنه أنه سئل عن الباقيات الصالحات؛ قال: كل ما أريد به وجه الله (٢).

стр. 1334

* فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثَمانونَ: قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. وذكرنا أن الولد الصالح إذا مات واحتسبه والده، كان من الباقيات الصالحات. وقد روى ابن أبي حاتم عن عياض بن عقبة رضي الله تعالى عنه: أنه مات له ابن يقال له: يحيى، فلما نزل في قبره قال رجل: والله إنه لسيد الجيش؛ فاحتسبه. فقال: وما يمنعني أن أحتسبه وكان أمس من زينة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات (١)؟ وكذلك المال إذا أخذه من حله وأنفقه في محله يريد بذلك وجه الله تعالى؛ كان من الباقيات الصالحات. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ العَبْدُ: مالِي، مالِي، وَإِنَّما لَهُ مِنْ مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ تَصَدَّقَ فَأَبْقَى، وَما سِوى ذَلِكَ فَهُوَ ذاهِبٌ وَتارِكُهُ لِلنَّاسِ" (٢).

стр. 1335

وروى هو والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]؛ وفي لفظ: وقد أنزلت عليه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، وهو يقول: " [يَقُولُ] ابنُ آدَمَ: مالِي، مالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مالِكَ إِلاَّ ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ؟ " (١). فإذا أعطى الله العبد المال الطيب، ووفقه لإنفاقه في هذه الوجوه الثلاثة، وألهمه حسن النية فيها، فقد جمع له بين خير الدنيا والآخرة. وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. رواه ابن أبي حاتم (٢). ولقد أحسن القائل: [من البسيط] ما أَحْسَنَ [الدِّينَ] وَالدُّنْيا إِذا اجْتَمَعا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلاسَ بِالرَّجُلِ (٣) * فائدَةٌ سادِسَةٌ وَثَمانونَ: روى أبو عبد الله الحسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك

стр. 1336

عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أَصْبَحْنا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْكِبْرِياءُ وَالعَظَمَةُ، وَالْخَلْقُ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهارُ، وَما سَكَنَ فِيهِما لِلَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ هَذا النَّهارِ صَلاحاً، وَأَوْسَطَهُ فَلاحاً، وَآخِرَهُ نَجاحاً، وَأَسْأَلُكَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ" (١). وأخرجه الطبراني في "الصغير"، ولفظه: "أَصْبَحْتُ وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْكِبْرِياءُ وَالعَظَمَةُ ... " إلى آخره (٢). وفيه دليل على استحباب طلب الصلاح في كل صباح. وفي قوله: "اجْعَلْ أَوَّلَ هَذا النَّهارِ صلاحاً، وَأَوْسَطَهُ فَلاحاً، وَآخِرَهُ نَجاحاً" ترتيب لطيف موافق للحكمة؛ فإن الصلاح نقيض الفساد؛ فالمراد طلب التوفيق إلى إصلاح الأعمال في صدر النهار. والفلاح كما في "القاموس": هو الفوز والنجاة، والبقاء في الخير (٣). فالمراد طلب الاستقامة على الخير في أوسط النهار، والفوز والنجاة، ولا يحصلان إلا بدوام الصلاح والاستقامة على الأعمال الصالحة.

стр. 1337

والنجاح هو الظفر بالشيء؛ فالمراد طلب الظفر بثواب الأعمال الصالحة، وثواب الاستيفاء عليها، فالصلاح ابتداء الخير، والفلاح دوامه، والفوز بثوابه، والنجاح به تمام الفلاح وكمال الخير، فلذلك قدم طلب الصلاح على طلب الفلاح لأنه متسبب عنه، وطلب الفلاح على طلب النجاح لأنه تمامه؛ فافهم! * فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثَمانونَ: روى أبو نعيم عن أبي جعفر الخصاف قال: قال لي جابر الرحبي رحمه الله تعالى يوما وأنا أماشيه: مر بنا نتسابق، فمر أنت هكذا حتى أَمُرَّ أنا هكذا. قال: فمررت أنا على الجسر، فلما أبعدت على الجسر التفت فإذا هو يمشي على الماء ينتضح من تحت قدميه مثلما يخرج الغبار من تحت قدم الماشي، فلما التقينا قلت: من لا يحسن مثل هذا؛ أمشى على الجسر وتمشي أنت على الماء؟ قال: فقال لي: وقد رأيتني؟ قلت: نعم. قال: أنت رجل صالح (١). قلت: في ذلك إشارة إلى أن الصالح لا يطلع على كرامته إلا من كان صالحاً، أو من يراد به الصلاح، وإن كان منكراً فإنه يرجع عن الإنكار.

стр. 1338

قال لي رجل من أهل الحرفة يوماً: يا سيدي! أفي هذا الزمان وليٌّ؟ قلت: لا يخلو وقت من الأولياء حتى تقوم الساعة. فما لي لا أرى أحداً منهم؟ قلت: يا هذا! كيف تراهم وأنت لست منهم؟ قال لي: وكيف لي أن أكون منهم؟ قلت له: تصلي الصلوات الخمس، وتؤدي الفرائض التي عليك، وتلازم حرفتك، وتتقي الله فيها وفي سائر أعمالك، وتخلص لله تعالى، فحينئذ تكون من أولياء الله تعالى وتراهم. ونظير ما تقدم ما ذكره الشيخ محي الدين بن العربي في "مسامراته" عن رياح بن عبيد قال: خرج عمر بن عبد العزيز قبل خلافته وشيخ متكئ على يده، قال: فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جافٍ، فلما صلى ودخل لحقته، فقلت: أصلح الله الأمير! من الشيخ الذي كان متوكئاً على يدك؟ فقال: يا رياح! رأيته؟ قلت: نعم. قال: ما أحسبك يا رياح إلا رجلاً صالحاً؛ ذاك أخي الخضر ﵇، أتاني فأعلمني أني سَأَلي أمرَ هذه الأمة، وأني سأعدل فيها (١).

стр. 1339

* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثَمانونَ: روى الدينوري عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: لا يؤخذ العلم من أربعة: سفيه معلن بالسفه، وصاحب هوى، ورجل كذاب في أحاديثه وإن كان لا يتهم في الحديث، ورجل له فضل وعبادة وصلاح لا يعرف ما يحدث (١)؛ أي: لا يعرف ما يحدث به أهو صحيح أو ضعيف. وتقدم نظير ذلك عن يحيى بن سعيد القطان. * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثَمانونَ: روى أبو نعيم عن السري السقطي رحمه الله تعالى قال: المغبون من فنيت أيامه بالتسويف، والمغبوط من تمنى الصالحون مقامه (٢). ووجهه: أن الصالحين عقلاء الناس فلا يتمنون لأنفسهم إلا ما كان خيراً لها وأصلح، فإذا غبطوا عبداً بمقامه دلت غبطتهم على علو ذلك المقام، وعثور صاحبه على المرام.

стр. 1340

بخلاف غير الصالحين؛ فإنهم لا يعرفون ما يتمنون، ولا يحسنون النظر إلى أنفسهم. وقد روى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ ما تتَمَنَّى؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي ما يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَّتِهِ" (١). واعلم أن تمني أهل الدنيا قد لا يكون محمود العاقبة، بل هذا هو الغالب فيه. قال الله تعالى حكاية عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ

стр. 1341

عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٤]. والمتمني لا ينظر في عاقبته؛ إما أن يخذله الله في أمنيته ويلقيه في وبالها، وإما أن يمن الله عليه فيمنعه الأمنية، ويطلعه على حكمة منعه منها كما قال هؤلاء: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص: ٨٢]؛ أي: لولا أن مَنَّ الله علينا فلم يعطنا ما تمنيناه من مكان قارون وماله، لخسف بنا بسبب الأشر والبطر الذي خسف بسببه قارون. وقال رسول الله ﷺ في حديث الثلاثة الذين تكلموا في المهد: "وَكانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضعُ ابْناً لَها مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ يَخْتالُ [فَقالَتْ]: اللَّهُمَّ اجْعَل ابْنِيَ مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها، وَأَقْبَلَ عَلى الرَّاكِبِ، وَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّا بِأَمَةٍ تُعاقَبُ، فَقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِيَ مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها، وَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ لَهُ: لِمَ ذاكَ؟ فَقالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبابِرَةِ، وَهَذهِ الأَمَةُ يَقُولونَ: سَرَقْتِ، زَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ" (١). رواه الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. * فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ تِسْعِينَ فائِدَةً: روى أبو نعيم عن مسعر بن كدام رحمه الله تعالى قال: لا أعلم

стр. 1342

حلالاً لا أشك فيه إلا أن يرد رجل الفرات فيشرب [بكفه]، أو أخ صالح يهدي إليك هدية (١). وإنما قيد الهدية بصلاح المهدي لأنه يتحرى الحلال ويحذر الحرام؛ لأن الهدية إلى الأخ إنما هي في الحقيقة إلى الله تعالى لأنه إنما فعلها لإرادة وجه الله (٢) تعالى، ولا يقبل الله إلا الطيب، ولأن الصالح إذا أهدى هدية من حلال أحسن نيته وأخلص، وبذلك يصفو حلها للمهدى إليه، وإنما نهى ﷺ عن طعام المتباريين (٣) لأنهما يبذلانه لغير وجه الله تعالى، فلا يخلص حله. وفي الهدية معنى آخر، وهو أن الباعث عليها أحد أمرين؛ إما المحبة، وإما لغرض يتوصل إليه من المهدى إليه. دليل الأول قوله ﷺ : "تَهادُوا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضعِّفُ الْحُبَّ" (٤)؛ فإن إضعاف الحب يدل على وجوده بين المتهاديين. ودليل الثاني قوله ﷺ : "نِعْمَ الشَّيْءُ الْهَدِيَّةُ أَمامَ الْحاجَةِ". رواه

стр. 1343

الطبراني في "الكبير" عن الحسن بن علي ﵄ (١). ثم تلك الحاجة وذلك الغرض المطلوب من المهدى إليه؛ إما أن يكون ممدوحاً شرعاً، أو مذموماً. فالأول كالهدية إلى الصالح ليدعو لك، وإلى العالم ليعلمك، وإلى الولي ليزوجك وأنت كفؤ، فالإهداء في ذلك مستحب، والمهدى إليه إن اطلع على مراد المهدي في ذلك فينبغي أن لا يقبل الهدية في مقابلة العمل الصالح ليخلص له أجره، ومتى علم أو ظن أن الباعث للمهدي على الهدية مجرد المحبة والتودد، فقبول الهدية سنة، وكذلك المكافأة عليها. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها. رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي (٢). وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : "تَهادُوا تَحابُّوا" (٣)؛ فإن التفاعل يقتضي المشاركة في الفعل.

стр. 1344

وإن أهدى أحد الأخوين وكافأه الآخر بهدية فقد تم التحاب، فإن لم يكافئه وهو قادر على المكافاة بأن لم يهد إليه بالكلية، أو أهدى إليه دون هديته، لم يتم التحاب لأنه أحب لنفسه أكثر مما يحب لأخيه. ومن ثم قال وهب بن منبه: ترك المكافأة من التطفيف. رواه عبد الرزاق، ومن طريقه الإمام أحمد في "الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم (١). فإن لم يقدر على المكافأة بالهدية والإحسان فليكافئه بالدعاء والثناء. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْروفٌ فَقالَ لِفاعِلِهِ: جَزاكَ اللهُ خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّناءِ". رواه الترمذي - وحسنه - والنسائي، وابن حبان، وغيرهم عن أسامة بن زيد (٢). وقد يكون الغرض في الهدية تصفية ما بينه وبين المهدى إليه، وإذهاب ما في صدره من العداوة، وهو غرض محبوب أيضا لقوله ﷺ : "تَهادُوا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الْحُبَّ وَتَذْهبُ بِغوائِلِ الصُّدورِ". رواه الطبراني في "الكبير" عن أم حكيم بنت وداع رضي الله تعالى عنها (٣).

стр. 1345

وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَهادُوا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ (١) الصَّدْرِ، وَلا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَيِها وَلَوْ كانَ شِقَّ فِرْسِنِ شاةٍ" (٢). وقد يكون الغرض في الهدية اتقاء شر المهدى إليه، فمهديها مأجور وآخذها يأخذها رشوة. وفي الحديث: "ما وَقَى بِهِ الْمُؤْمِنُ عِرْضَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ ". رواه الإمام مالك عن جابر رضي الله تعالى عنه (٣). وأما الثاني: فكالهدية إلى الظالم ليحكم له بغير الحق، أو ليضر بمسلم، والهدية إلى من يولي المهدي ولاية، أو إلى امرأة أو غلام ليتوصل منهما إلى الفاحشة، أو إلى من يوصله إلى معصية، أو إلى من يقتل معصوماً، أو إلى من يحتمي به من حق شرعي، أو من عقوبة شرعية، أو ليفجر تحت جاهه وظله؛ فهذه الهدايا كلها رشوة، وهي من

стр. 1346

أشد الحرام، وقبولها أفحش. فإن أهدى إلى حاكم ليتوصل إلى حق، فالإهداء جائز، وقبول الهدية حرام. واعلم أن العبد الصالح لا يقبل الهدية من ذي غرض فاسد، ولا يقبل هدية قط على علم ولا هدى، ولا حكم ولا فتوى، ولا على شيء من أعمال الآخرة أصلًا خيفة من الاسترسال في ذلك، والوقوع آخراً في الشبهة، بل وفي الحرام، واحتجاب نور الحق بظلمة الهدية. وقد قال وهب: إذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكُوَّة. رواه أبو نعيم (١). وروى الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْهَدِيَّةُ تُعْوِرُ عَيْنَ الْحَكِيمِ" (٢). وقال حذيفة المرعشي: إياكم وهدايا الفتيان والسفهاء؛ فإنكم إذا قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم. رواه ابن جهضم (٣). وروى الطبراني في "الكبير" عن عصمة بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْهَدِيَّةُ تَذْهَبُ بِالسَّمْعِ وَالقَلْبِ" (٤).

стр. 1347

وروى عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ شَفَعَ شَفاعَةً لأَحَدٍ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْها، [فَقَبِلَها]، فَقَدْ أَتى بابا عَظِيمًا مِنْ أَبوابِ الكَبائِرِ" (١). ومن المحققين من العلماء الصالحين من حسم عنه مادة قبول الهدية التي تبعث مهديها على إهدائها إليه اعتقاده الخير والصلاح فيه خيفة أن يكون ذلك تطلعًا على عوض دنيوي على عمل أخروي. كما روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الورع" عن خالد بن أبي الصلت قال: قلت لمحمد بن سيرين: ما منعك أن تقبل من ابن هبيرة؟ قال: فقال لي: يا أبا عبد الله! أو: يا هذا! إنما أعطاني على خير كان يظنه بي، فلئن كنت كما ظن فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن فبالحري أنه لا يجوز لي أن أقبل (٢). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن رجاء بن أبي سلمة قال: بلغني أن ابن محيريز دخل على رجل من البزازين يشتري منه شيئًا، فقال له رجل: أتعرف هذا؟ هذا ابن محيريز. فقام، فقال: إنما جئنا نشتري بدراهمنا، ليس بديننا (٣).

стр. 1348

وروى ابنه في "زوائده" عن أبي زرعة: أنه بلغه أن ابن محيريز دخل على تاجر يشتري ثوبًا، فقال رجل كان معه للتاجر: هذا ابن محيريز. فقال: أف! إنما دخلنا نشتري بنفقتنا, ولم نشتر بديننا. فخرج ولم يشتر شيئًا (١). فانظر كيف لم يرض ابن محيريز بأن سامحه التاجر بشيء ما بسبب دينه وصلاحه، كما لم يرض ابن سيرين أن يقبل ما يعطاه بسبب ما يظن فيه من الخير حسماً لمادة النفوس عن الأطماع، وصيانةً للنفوس عن التعوض عن شيء من الدين بشيء من الدنيا، فكذلك ينبغي للصالح أن لا يترخص في شيء من ذلك وإن احتاج إليه من استطاع؛ فإن في الله عوضًا من كل فائت. وروى أبو الحسن بن جهضم عن محمَّد بن أبي الورد قال: كتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط: بلغني أنك بعت دينك بحبتين؛ وقفت على صاحب لبن، فقلتَ: بكم هذا؟ فقال: بسدس. فقلتَ: بثُمن؟ فقال: هو لك، وكان يعرفك (٢)!

стр. 1349

وقد روى الإِمام أحمد عن قتادة، وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقلنا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: "إنَّكَ لَمْ تَدَعْ شَيئًا لله إلا أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ ما هُوَ خَيْرٌ [لَكَ] مِنْهُ" (١). وفي لفظ: "إِنكَ لَنْ تَدَعَ شَيئًا اتِّقاءَ اللهِ إلا أَعْطاكَ اللهُ خَيرًا مِنْهُ" (٢). قال السخاوي: ورجاله رجال الصحيح (٣). وروى البخاري في "تاريخه"، وأبو داود، والبغوي، وغيرهم عن ذي الزوائد الجهني رضي الله تعالى عنه -قال البغوي: لا أعلم له غيره - أن النبي ﷺ قال: "خُذوا العَطاءَ ما دامَ عطاء، فَإِذا تَجَاجَفَتْ قُرَيْشٌ بَينها الْمُلكَ، وَصارَ العَطاءُ رِشًا عَنْ في دينكُمْ، فَدَعُوه" (٤). والمراد بالعطاء ما يعطيه الإِمام الرجلَ مما يستحقه من بيت المال. فإذا كان ﷺ أمر بترك الحق من بيت المال إذا لم يعطه الإِمام إلا رشوة على الدين كأن يطلب منك المساعدة على غرض مذموم؛ فما ظنك بالهدية والرشوة؟

стр. 1350

وفي حديث آخر: "خُذوا العَطاءَ ما كانَ عَطاءً، فَإِذا كانَ إِنَّما هُوَ رِشًى فَاتْرُكوهُ، وَلا أَراكُمْ تَفْعَلُونَ؛ يَحْمِلُكُمْ عَلى ذَلِكَ الفَقْرُ وَالْحاجَةُ" (١). وليس في هذا الحديث بيان الرخصة للفقر والحاجة، وإنما تؤخذ الرخصة من دليل آخر. ولقد عَدَّ الرخصةَ في ذلك نزولاً عن الرتبة وانحطاطاً في الدرجة غيرُ واحد. وقال أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار": سمعت أبا عبد الله محمَّد بن خفيف يقول: لما دخلت بغداد قصدت رُويمًا وكان قد تولى القضاء، فلما دخلت عليه رحَّب بِي وأدناني، وقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من فارس. فقال: لمن صحبت؟ قلت: جعفر الحذاء. فقال: ماذا يقول الصوفية فيَّ؟

стр. 1351

قلت: لا شيء. قال: بل يقولون: إنه رجع إلى الدنيا. فبينا هو يحدثني إذ جاء طفل صغير فقعد في حِجْره، فقال رويم: لو كنت أرى فيهم من يكفيني مؤنة هذا الطفل ما تعلقت بهذا الأمر ولا بشيء من أسباب الدنيا, ولكن شُغلَ قلبي بهذا أوقعني فيما أنا فيه (١). * فائِدَةٌ حادِيَةٌ وتسعونَ: روى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن رويم بن أحمد رحمه الله تعالى قال: لا تزال الصوفية بخير ما تنافروا، فإذا اصطلحوا هلكوا (٢). ومعناه أن الصوفية المجتمعين في رباط واحد ونحوه، أو عند شيخ واحد وهم إخوان لا يزالون بخير ما تنافروا بإنكار بعضهم، لا يرى بعضهم على أخيه شيئًا يقصر به، أو يقعد به عن بلوغ المراتب العلية إلا أنكره عليه، ونقر عليه فيه، والآخر كذلك يفعل معه، فإذا اصطلحوا فتقرب بعضهم إلى بعض بترك الإنكار عليه هلكوا. وهذا كما كانوا يقولون: اصطلحا فافتضحا. ونظيره ما رواه أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إذا

стр. 1352

أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رجل سوء. قالوا لسفيان: كيف ذاك؟ قال: يراهم يعملون بالمعاصي فلا يغير عليهم، ويلقاهم بوجه طليق (١). وعنه أيضًا أنه قال: إذا كان الناسكُ جيرانُه عنه راضونَ فهو مداهن (٢). * فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وتسعونَ: ذكر أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن المقرئ الأصبهاني في "معجمه" عن منصور - هو الفقيه - قال: رأيت في المنام -وكنت جنديا- كأن قائلًا يقول: [من الكامل] فَدَعِ الْمِراءَ لِمُفْسِدٍ أَوْ مُصْلِحِ ... مَنْ ذاقَ طَعْمَ طَعامِهِمْ لَمْ يُفْلِحِ قال: فتركت الديوان (٣). وقال أبو الحسن بن جهضم: سمعت محمَّد بن بسام المؤذن يقول: سمعت منصور الفقيه؛ وذكر قصته وحضوره عند ابن طولون.

стр. 1353

قال: فجلسنا ننتظر حضور الطعام وحضور الأمير، فلحقتني نعسة لطول الجلوس، فرأيت في المنام كان قائلًا يقول: [من الكامل] فَدَعِ الْمِراءَ لِمُفْسِدٍ أَوْ مُصْلِحِ ... مَنْ ذاقَ طَعْمَ طَعامِهِمْ لَمْ يُفْلِحِ والمعنى: دع المماراة مع من يريد لك الإصلاح، ومن يريد الإفساد إذا نادياك في أن طعام الأمراء لا يضرك فإنه يضرك، ومن ذاق طعامهم لم يفلح، فكيف بمن يلازم على أكله ويتردد إليه؟ وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ لسلمان: "إِن طَعامَ أُمَرائِي بَعْدِي مِثْلُ طَعامِ الدَّجَّالِ؛ إِذا أكلَهُ الرَّجُلُ انْقَلَبَ قَلْبُهُ" (١). وعنه قال: إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة أو السرج أو اللجام؛ فيتغير قلبه لهم (٢). * فائِدٌ ثالِثةٌ وتسعونَ: قال ابن جهضم: حدثني محمَّد بن الحسين قال: بلغني أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما: [من البسيط]

стр. 1354

يا مَنْ تَشَرَّفَ بِالدُّنْيا وَزِينَتِها ... لَيْسَ التَّشَرُّفُ رَفْعَ اللَّبْنِ بِالطِّينِ إِذا رَأَيْتَ شَريفَ النَّاسِ كُلِّهِمُ ... فَانْظُرْ إِلَى مَلِكٍ في زِيِّ مِسْكِينِ ذاكَ الَّذِي عَظُمَتْ في النَّاسِ رَأْفتهُ ... وَذاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيا وَلِلدِّينِ ما أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيا إِذا اجْتَمعا ... وَأَكْرَمَ العِزَّ وَالإِسْلامَ في لِينِ (١) في قوله: وذاك يصلح للدنيا وللدين؛ أي: يصلح لدنيا رعيته ولدينهم، وإلا فإنه صلح في نفسه لأنه ملك الأمة باستخلافه، فلم يستفزه الملك عن زي المساكين واستكانتهم، فقد اصطفاه الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة لأن مشرب قلبه من مشرب قلب إبراهيم ﵇، وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]. فأبو بكر رضي الله تعالى عنه لما رغب في ملة إبراهيم فكان أول

стр. 1355

المسلمين اصطفاه الله في الدنيا واختاره للخلافة عليهم؛ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]. * فائِدَةٌ رابِعَةٌ وتسعونَ: روى ابن جهضم عن أبي علي الروذباري قال: إذا وجدت العارف متراخيًا عن الأوراد التي كانت له في البدايات فليس يصلح للقدوة؛ يعني: من حيث إن من يراه ممن يحتاج إلى الاقتداء به يقلده في التراخي والتجوز، وما أسرع النفس إلى تقليد من يوافق حاله هواها. وإن كان مقام العارف لا ينقص بالتقاعد عن الأوراد، والأعمال الظاهرة إذا أدى الفرائض منها والمؤكدات من التطوعات لقوله ﷺ : "إِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَق إِذا اخْتَلَفَ النَّاسُ؛ وإنْ كانَ مُقَصرًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَ يَزْحَفُ عَلى اسْتِهِ زَحفًا". رواه الطبراني، وغيره (١). وقلت في معنى الحديث: [من الخفيف] أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... إِذا ما رَأَيْتَ في النَّاسِ خُلْفا

стр. 1356

ذاكَ ما ضَرَّهُ وَلا نالَ مِنْه ... نَقْصُ أَعْمالِهِ وَلَوْ سارَ زَحْفا وقال ابن عطاء الله الإسكندري في "حِكَمه": إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قل عملك؛ فإنه ما فتحها [لك] إلا وهو يريد بأن يتعرف إليك؛ [ألم تعلم] أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك (١)؟ وقال الجد رضي الله تعالى عنه في "نظم الدرر اللوامع": [من الرجز] وَصاحِبُ العِرْفانِ لا يُبالِي ... إِذا ابْتُلِيْ بِقِلَّةِ الأَعْمالِ وما أحسنَ قولَه: إذا ابتلي، فعد قلة الأعمال بلاءً من العارف، والبلاء ليس له إلا الصبر، وصبر العارف على هذا البلاء هو أن يحمل نفسه على فضائل الأعمال وما كان يعتاده من الأوراد، ويصبر على ذلك، وحينئذ يصلح للقدوة كما في كلام الروذباري رحمه الله تعالى. والدليل عليه من كتاب الله تعالى قوله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].

стр. 1357

قال قتادة في قوله: ﴿أَئِمَّةً﴾ [السجدة: ٢٤]: رؤساء يقتدي بهم سوى الأنبياء (١). ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]؛ قال: على ترك الدنيا. رواه ابن أبي حاتم (٢). والأحسن التعميم في الصبر؛ أي: لما صبروا على البلاء - ومنه ترك الدنيا - وعلى الطاعات وعن المعاصي، عوضناهم بأن جعلناهم أئمة. وروى الحاكم عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه أنه تلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] فقال: حدثني الزهريّ: أن عطاء بن يزيد حدثه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ما رُزِقَ عَبْدٌ خَيراً لَهُ وَلا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" (٣). وروى أبو نعيم عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: أيما عبد قام بشيء مما أمره الله به من أمر دينه، فعمل به وتمسك به، واجتنب ما نهى الله عنه عند فساد الأمور، وعند تشويش الزمان واختلاف الناس في الرأي والتفريق، إلا جعله الله تعالى إماما يقتدى به، هادياً مهدياً قد أقام الدين في زمانه، وأقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو

стр. 1358

الغريب في زمانه الذي قال رسول الله ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا (١) " (٢). * فائِدَةٌ خامِسَةٌ وتسعونَ: روى أبو نعيم عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه تلا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]، وقال: النفس المؤمنة اطمأنت إلى الله تعالى واطمأن إليها، وأحبت لقاء الله وأحب الله لقاءها، ورضيت عن الله ورضي الله عنها، فأمر بقبض روحها، فغفر لها، وأدخلها الجنة، وجعلها من عباده الصالحين (٣). قلت: فيه إشارة إلى أن العبد قد لا يكون من الصالحين فيما يظهر من حاله، فإذا اطمأن إلى الله عند الموت، ورضي عنه، وأحب لقاءه، كتب بهذه الأخلاق من الصالحين. وكذلك كل عمل صالح أتى به قبل غرغرته بالروح خصوصاً كلمة الشهادة لقوله ﷺ : "مَنْ كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٤). والحكمة في ذلك أن هذه حسنة لا سيئة بعدها أصلًا، فكفرت ما سبق.

стр. 1359

وقد قال قاسم الجوعي رحمه الله تعالى: من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضى وما بقي، ومن أفسد فيما بقي من عمره أخذ بما مضى وما بقي. رواه ابن جهضم (١). بل في معناه ما رواه ابن عساكر عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحْسَنَ فِيما بَقِيَ غُفِرَ لَهُ ما مَضَى، وَمَنْ أَساءَ فِيما بَقِيَ أُخِذَ بِما مَضَى وَما بَقِيَ" (٢). ولعل المراد بقوله: "وَمَنْ أسَاء الإساءة المحبطة للأعمال كالكفر، والنفاق، والرياء، والقتل، ثم يُصِرُّ على ذلك إلى الموت. وروى أبو داود عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقاً صالِحاً ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا، فَإِذا أَصابَ دماً حَرامًا بَلَّحَ" (٣). وقوله "معنقا"؛ أي: مسرعًا في الخير. وقوله: "صالحًا"؛ أي: يرجى له الخير وفيه قابلية. وقوله: "بَلَّح"؛ أي: أعيا؛ والمعنى: انقطع به.

стр. 1360

ومعنى الحديث: أن العبد يرجى له الخير والنجاة ما لم يقتل النفس التي حرم الله قتلها (١) إلا بالحق، فيكون إلى فساد حاله أقرب منه إلى صلاح شأنه. وفي معناه قوله ﷺ : "لا يَزالُ العَبْدُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينهِ ما لَمْ يُصِبْ دماً حَرامًا". رواه الإِمام أحمد، والبخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢). وروى الديلمي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزالُ قَلبُ العَبْدِ يَقْبَلُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ حَتَّى يَسْفِكَ الدَّمَ الْحَرامَ، فَإِذا سَفَكَهُ نُكِسَ قَلْبُهُ، فَعادَ كَأَنَّهُ كِيرٌ مُجْخٍ أَسْوَدُ مِنَ الرَّيْبِ، لا يَعْرِفُ مَعْروفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكرًا" (٣). وروى سعيد بن منصور، والبيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم، فإذا غمست يده في الدم الحرام نزع حياؤه (٤). وروى البيهقي عن محمَّد بن عجلان قال: كنت بالإسكندرية، فحضرت رجلًا الوفاةُ، لم نر من خلق الله أحدًا كان أخشى لله منه، فكنا

стр. 1361

نلقنه، فيقبل كل ما لقَّناه من سبحان الله، والحمد لله، فإذا جاءت: لا الله إلا الله أبى، فقلنا له: ما رأينا من خلق الله أحدًا كان أخشى لله منك، فنلقنك فتلقن، حتى إذا جاءت: لا الله إلا الله أبيت؟ قال: إنه حيل بيني وبينها؟ قتلت نفسًا في شبيبتي (١). وروى عبد الرزاق، والبيهقي عن جندب البجلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أَنْ لا يَحُولَ بَينَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهْرِقَهُ؛ كُلَّما تَعَرَّضَ لِبابٍ مِنْ أَبوابِ الْجَنَّةِ حالَ بَينَهُ وَبَينَهُ" (٢). وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "خمس لَيسَ لَهُنَّ كَفارةٌ: الشِّرْكُ باللهِ، وَقَتْلُ النفسِ بِغَيْرٍ حَقٍّ، وَبهتُ مُؤْمِنٍ، وَالفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَيمِينٌ صابِرَة يَقْتَطِعُ بِها مالًا بِغَيرِ حَق" (٣). والإساءة المحبطة للأعمال ارتكاب كبيرة والإصرار عليها إلى الممات، وبذلك يخرج العبد من عداد الصالحين في الدنيا والآخرة. ومن اللطائف: ما رواه أبو نعيم عن أبي أحمد يحيى بن الحسين

стр. 1362

القلانسي قال: رأيت ربي في النوم، قلت: يا رب! اغفر لي ما مضى. قال: إن أردت أن أغفر لك ما مضى فأصلح لي ما بقي. قال: فقلت: يا رب! فأعني عليه (١). * فائِدَةٌ سادِسَةٌ وتسعونَ: قال الله ﵎: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. قال مجاهد: عند قيام الساعة وذهاب صالح أمة محمَّد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناةً (٢). وقال أيضًا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩]؛ قال: من هذه الأمة؛ يتراكبون في الطرق كما تتراكب الأنعام، لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله. رواه عبد بن حميد (٣). والمراد أن الغالب في آخر الزمان على أهله هذا، وأن الصالحين يذهبون الأول فالأول كما تقدم، فيقلون، ثم ينفَدُون بالكلية. قال وهب بن منبه: قال دانيال ﵇: يا لهف نفسي على زمن يُلتمَس فيه الصالحون ولا تجد منهم أحدًا إلا كالسنبلة في أثر

стр. 1363

الحاصد وكالخصلة في أثر القاطف، يوشك نوائح أولئك وبواكيهم أن تبكيهم. رواه أبو نعيم (١). ثم إن الله تعالى لم يسدَّ على أولئك الخلف أبواب التوبة والصلاح، بل جعله لهم مفتوحا، فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]. ففي الآية دليل على أن أولئك الخلف لا يخلون من صالح، فإذا رجع أحدهم إلى الصلاح صلح وأفلح. وقد روى الطبراني في "الكبير" عن عمار ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ؛ يَجْعَلُ اللهُ في أَوَّلِهِ خَيرًا وَفِي آخِره خَيراً" (٢). ورواه الإِمام أحمد، ولفظه: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ؛ لا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ خير (٣) " (٤). وبهذا اللفظ أخرجه الإِمام أحمد، والترمذي -وحسنه- عن أنس، وأبو يعلى عن علي، والطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم (٥).

стр. 1364

وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ أُمَّتِي كَحَدِيقَةٍ قامَ عَلَيْها صاحِبُها، فَاحْتَدَرَ رِواكِيها، وَهَيَّأَ مَساكِنَها، وَحَلَق سَعَفَها، فَأَطْعَمَ عامًا فَوْجًا وَعاماً فَوْجاً، فَلَعَلَّ آخِرَهُما طُعْمًا أَجْوَدهُما قِنوانًا، وَأَطْوَلُهما شِمراخًا، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَيَجِدَنَّ عِيسى بْنَ مْرَيَمَ ﵉ [فِي أُمَّتِي] خَلَفًا مِنْ حَوارِيهِ" (١). وفي المعنى قلت: [من الرمل] لَمْ يَسُدَّ اللهُ بابَ الْخَيْرِ عَنْ ... طالِبِيهِ الصَّالِحِينَ في زَمَنْ كُلُّ وَقْتٍ صَالحٌ لِلْخَيْر مَنْ ... يَبْتَغِي فِيهِ صَلاحًا فَحَسَنْ * فائِدَةٌ سابِعَةٌ وتسعونَ: روى أبو نعيم عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: العاقل الكامل من صلح مع الفاجر الجاهل (٢). هذا يحتمل وجهين:

стр. 1365

الأول: أن العاقل الكامل العقل هو الذي يصلح ويستقيم مع الفاجر الجاهل في حال السلم بالمداراة من غير إثم، وفي حال الحرب إما بالإعراض عنه، وإما يحسن الخديعة ولطف الحيلة، والانتصار منه من غير عدوان ولا تهور. الوجه الثاني: أن العاقل الكامل العقل هو الذي يصلح في زمان كثرة الفجار والجاهلين، ولا يتابعهم، ولا يكون معهم فيما هم فيه. * فائِدَةٌ ثامِنةٌ وتسعونَ: روى أبو نعيم عن سالم بن نوح قال: مر عوف يوم جمعة، فسأله يونس فقال: كيف أنت؟ كيف حالك؟ فقال عوف: قيل لأبي السوار العدوي رحمه الله تعالى: أكل حالك صالح؟ فقال: ليت عُشْره يصلح (١). وهذا إشارة من أبي السوار إلى أن العُشر إذا صلح كفَّر ما بقي من الأعشار التسعة؛ لأن الحسنة بعشر حسنات، وكل حسنة تكفر سيئة. وقد سبق قول النبي ﷺ : "إِنَّ الْخَصْلَةَ الصَّالِحَةَ تَكونُ في الرَّجُلِ فَيُصْلحُ اللهُ لَهُ بِها عَمَلَهُ" (٢). وقد عد بعض العارفين حب الصالحين حسنة مصلحة للعبد.

стр. 1366

وفي المعنى قيل: [من الوافر] أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنالَ بِهِمْ شَفاعَة وروى أبو الحسن بن جهضم عن محمَّد بن [حسان] (١) قال: سمعت الفضيل بن عياض وجلس إليه سفيان بن عيينة، فتكلم الفضيل بكلام، فقال فيما تكلم: كنتم معشرَ العلماء سُرُجَ البلاد يستضاء بكم، فصرتم ظلمة، وكنتم نجومًا يهتدى بكم، فصرتم حيرة، لم لا يستحي أحدكم يأخذ من مال هؤلاء وقد علم من أين هو، حتى بسند ظهره ويقول: حدثني فلان عن فلان، وحدثنا فلان عن فلان. فرفع سفيان رأسه وكان مطأطئه، فقال: هاه! هاه! والله لئِن كنا لسنا صالحين فإنا نحب الصالحين. قال: فأسكت الفضيل، وطلب إليه سفيان فحدثنا بثلاثين حديثا (٢). وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي أنه كان يقول: لو خيرت أن أعمر مئة سنة في طاعة الله، أو أن أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه، لاخترت أن أقبض في يومي هذا أو ساعتي هذه شوقًا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى

стр. 1367

الصالحين من عباد الله (١). وهذا منتزع من قول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وكأن ابن أبي زكريا وثق من حبه لله تعالى ولرسوله وللصالحين ما لم يشق من طاعة مئة سنة؛ لأن الطاعة يدخلها الرياء والفساد بخلاف حب من ذكر؛ فإنه من أفضل الحسنات، ولا يدخله ما يفسده. ولذلك قال رسول الله ﷺ لمن سأل عن الساعة فقال له: "ما أَعْدَدْتَ لَها؟ ". قال: ما أعددت لها كبير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له: "إِنكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". رواه الشيخان، وغيرهما، وتقدم (٢). * فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وتسعونَ: قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، وأبو الشيخ، وابن منده

стр. 1368

في كتاب "سؤال القبر" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣، ٦٤]. فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] فَهِيَ الرُّؤْيا الْحَسَنَةُ تُرَى لِلْمُؤْمِنِ فُيَبَشَّرَ بِها. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فَإِنَّها بِشارَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ وَلِمَنْ حَمَلَكَ إِلَى قَبْرِكَ" (١). وأراد بالمؤمن الكامل في الإيمان, وهو العبد الصالح؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] صفة الصالحين. وقد روى الإِمام أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن ماجه عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الرُّؤْيا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةِ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (٢). وروى ابن جرير، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ قال: "هوَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَراها العَبْدُ

стр. 1369

الصَّالحُ أَوْ تُرى لَهُ، وَفِي الآخِرَةِ الْجَنَةُ" (١). أي: البشرى بالجنة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى في الآية: يبشر بها عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث؛ فإنه لقي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم (٢). وقال أيضًا: يؤتى المؤمن عند الموت فيقال: لا تخف مما أنت قادم عليه، فيذهب خوفه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، وأبشر بالجنة، فيموت قد أقرَّ الله عينه. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٣). وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه. رواه أبو نعيم (٤). وفي "صحيح مسلم"، وغيره عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس

стр. 1370

عليه؟ وفي رواية: ويحبه الناس عليه؟ قال: "تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى الْمُؤْمِنِ" (١). فثناء الناس عليه دليل على صلاحه، وقبوله عند الله تعالى حتى جعل إطلاق ألسنتهم بالثناء عليه بشارة له بذلك، وكذلك حب الناس له كما تقدم. * فائِدَةٌ بِها تَتِمُّ مِئةُ فائِدَةٍ: وهي آخر الفوائد: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أرض الجنة يرثها الذين يصلون الصلوات الخمس في الجماعات. ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]؛ أي: بشارة لقوم عابدين. قال: الذين يصلون الصلوات في الجماعات. رواه البيهقي في "الشعب" (٢). وروى عنه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أنه قال في الآية: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون
следующие страницы →