لم تزل الأنبياء ﵈ يصابرون كفار أممهم ومنافقيها حتى يتحققوا عدم إيمانهم.
وقد روي: أن يحيى وعيسى ﵉ كانا يسوحان في البرية جميعًا، فإذا دخلا المدن نزل عيسى على شرار الناس رغبة في هدايتهم، ونزل يحيى على خيار الناس رغبة في صحبتهم.
وقد رواه الإمام أحمد في "الزهد" على وجه آخر عن سفيان بن عيينة قال: كان عيسى ويحيى ﵉ يأتيان القرية، فيسأل عيسى عن شرار أهلها، ويسأل يحيى عن خيار أهلها، فقال: لِمَ تنزل على شرار الناس؟ فقال: إنما أنا طبيب أداوي المرضى (١).
وأما من تحركت روحه، وتنبهت خليقته من أهل التخليط إلى الرغبة في التوبة، والإقلاع عن الحَوبة، فدعاه ذلك إلى التفتيش عن الصالحين، والاجتهاد في طلب المتقين، فهذا يتعين عليه إن ظفر بأحد منهم أن يحرص على موافقته ومرافقته، ولا يفرط في صحبته ومجالسته، فعسى أن تسري إليه أخلاقه وأفعاله، وتتفق له أوصافه وأعماله، وعلى الآخر أن يُقبل عليه، ويستوصي به خيراً؛ لأنه من أحباب الله تعالى؛ إذ يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: جالسوا التوابين؛ فإنهم أرق شيء
стр. 177
أفئدة. رواه ابن أبي شيبة، وغيره (١).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: المؤمن شُعْبَة من المؤمن؛ إن به حاجته، إن به علته، إنه يكلمه، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، وهو مرآة أخيه، إن رأى منه ما لا يعجبه سدَّده وقوَّمه ووجَّهه، وخاطبه في السر والعلانية، إن لك من خليلك نصيبًا، إن لك نصيبا من ذِكْرِ من أحببت، فتَنَقَّ الأصحابَ والإخوان والمجالس (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن معاوية بن قرة قال: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بُنَيَّ! جالسِ الصالحين من عباد الله؛ فإنك تصيب من مجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك أن تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم.
يا بُنَيَّ! لا تجالس الأشرار؛ فإنك لا تصيب من مجالستهم خيراً، ولعله في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبةٌ فتصيبك معهم (٣).
وقد أشار لقمان - الذي امتنَّ الله عليه بالحكمة، ونوَّه باسمه في كتابه العزيز - إلى أن تكثير السواد لا بد له من أثر - خير أو شر -، وأقل
стр. 178
ما في ذلك أن تكثير سواد أهل الخير يوجب المساواة معهم في الرحمة، وتكثير سواد أهل الشر يوجب المساواة معهم في العقوبة، ولو لم يكن فيه إلا ذلك لكفى.
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه دعي إلى وليمة، فلما حضر إذا هو بصوت، فرجع، فقيل له: ألا تدخل؟ فقال: أسمع صوتاً، ومن كَثَّرَ سواداً كان من أهله، ومن رضي عملاً كان شريك مَن عمله (١).
وروى البيهقي في "الشُّعَب" عن مكحول قال: إياك ورفيقَ السوء؛ فإن الشر للشر خُلِقَ (٢).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن يحيى بن آدم قال: كان الثوري - يعني: سفيان - يتمثل: [من الكامل]
اُبْلُ الرِّجالَ إِذا أَرَدْتَ إِخاهُمُ ... وَتَوسَّمَنَ أُمُوْرَهُمْ وَتَفَقَّدِ
فَإِذا وَجَدْتَ أَخا الأَمانَةِ وَالتُّقَىْ ... فَبِهِ الْيَدَيْنِ قَرِيْرَ عَيْنٍ فَاشْدُدِ
стр. 179
وَدعِ التَّخَشُّعَ وَالتَّذَلُّلَ تَبْتَغِي ... قُرْبَ امْرِئٍ إِنْ تَدْنُ مِنْهُ يَبْعُدِ (١)(٢)
وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه:
أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيْسِ الصَّالح وَجَلِيْسِ السُّوْءِ؛ كَحامِلِ الْمِسْكِ وَنافِخ الْكِيْرِ؛ فَحامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يَحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتاعَ مِنْهُ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طَيِّبَةً، وَنافخُ الْكِيْرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثَوْبَكَ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريْحاً مُنْتِنَةً" (٣).
قوله ﷺ : "فَحامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يَحْذِيَكَ" - بالحاء المهملة، والذال المعجمة، وأوله مفتوح -: أن يعطيك.
هذا مثل الجليس الصالح؛ فإنه إما أن يعطيك من فوائده، ويهديك إلى مقاصده، وإمَّا أن تأخذ أنت من أخلاقه، وَيسري إليك من طباعه.
ولذلك قال أبو محمد الجُريري رحمه الله تعالى: كمال الرجل في ثلاثة؛ في الغربة والصحبة والفطنة، أما الغربة فلتذليل النفس، وأما
стр. 180
الصحبة فليتخلق بأخلاق الرجال، وأما الفطنة فللتمييز (١).
"وإِمَّا أَنْ تَجِدَ عِنْده رِيْحاً طَيِّبةً" من حكمة تجدها عنده، أو رحمة تنزل عليه وأنت معه.
وقد قلت في المعنى: [من الوافر]
أَلا خَيْرُ الأُمُوْرِ لِكُلِّ عَبْدٍ ... يُحاوِلُ أَنْ يَنالَ نَدَىً عَظِيْماً
جَلِيْسٌ صالحٌ يُحْذِيْهِ عِلْماً ... وَيهْدِيْهِ الصِّراطَ الْمُسْتَقِيْما
وُيكْسِبُهُ الْمَكارِمَ وَالْمَعالِيْ ... فَيَغْدُوْ فِيْ خَلائِقِهِ كَرِيْما
وُيظْفِرُهُ وإِنْ لَمْ يَحْوِ فَضْلاً ... بِرَحْمَةِ رَبِّهِ الْبرِّ الرَّحِيْما
وقوله ﷺ : "وَنافخ الْكِيْرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيابَكَ ... إلى آخره" هذا مثل جليس السوء؛ فإما يتلف عليك دينك، ويدنِّس منك عرضك، وإما أن تجد منه رائحة منتنة من غيبة أو نميمة أو نحو ذلك، أو من سخط ينزل عليه وأنت عنده، أو عذاب يأخذه وأنت معه، فمن يجالس العبد السوء فقد تعرض لذلك كله.
стр. 181
وروى مسلم عن زينب بنت جحش ﵂: أنها قالت في حديث: يا رسول الله ﷺ ! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعمْ، إِذا كَثُرَ الْخَبَثُ" (١).
وروى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذاباً أَصابَ الْعَذابُ مَنْ كانَ فِيْهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوْا عَلَىْ أَعْمالِهِمْ" (٢).
ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
وبالجملة فلا يميل أحد إلى أحد، ولا يؤثر مجالسته ومخاللته ومرافقته ومشاكلته، إلا لتنبه روح كل منهما إلى ما تنبهت له روح الآخر، إلا أن تلك المناسبة الكامنة في أنفسهما ربما حال بينها وبين ظهورها إلى الحس والمشاهدة مباعدة في الدار، أو مخالفة طباع كل منهما لطباع الآخر من جهة أخرى، أو نحو ذلك، فلا يؤثر في ظهور تلك المناسبة الكامنة شيء مثل المجالسة وكثرة الاجتماع والصحبة، فإذا كانت المجالسة والصحبة ناشئة عن تلك المناسبة طالت الصحبة، وتأكدت المحبة، وإن (٣) لم تكن مناسبة باطنة، أو كانت لكن عارضتها مناسبة
стр. 182
أخرى لثالث، وغلبت عليها، لم تدم هذه الصحبة، ولا تثبت هذه المحبة.
ولذلك قال بعض الحكماء: عماد المحبة المشاكلة، وكل وِدٍّ مع غير تشاكل فهو سريع التصرم (١).
وقال آخر: الأشكال لا تفترق، والأضداد لا تتفق (٢).
وروى الخطابي في "العزلة" عن ابن الأعرابي قال: العرب تقول: أنت تَئِق، وأنا مَئِق، فكيف نتفق؟ (٣) انتهى.
والتئق - بالتاء المثناة فوق والقاف -: الممتلئ شباباً، ونشاطاً.
والمئق: الشيخ.
وكلاهما على وزن كتف.
أو التئق: السريع إلى الشر.
والمئق: الشديد الغضب.
وقال الإمام أبو طالب المكي: إذا اصطحب اثنان برهة من الزمان، ولم يتشاكلا في الحال، فلا بد وأن يفترقا (٤).
قال حجة الإسلام: وهذا معنى خفي تَفطَّن له بعض الشعراء حتى قال: [من السريع]
стр. 183
وَقائِلٍ كَيْفَ تَفارَقْتُما ... فَقُلْتُ قَوْلاً فِيْهِ إِنْصافُ
لَمْ يَكُ مِنْ شَكْلِيْ فَفارَقْتُهُ ... وَالنَّاسُ أَشْكالٌ وَأُلاَّفُ (١)
قلت: وقد ألممت بهذا المعنى في أبياتنا المتقدمة قبل هذا الفصل.
والبيتان أنشدهما الخطابي في "العزلة" (٢) عن بعض أهل الأدب بعد أن أسند عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما قال: لا يقول رجل في رجل خيراً لا يعلمه إلا يوشك أن يقول فيه شراً لا يعلمه، ولا يصطحب اثنان على غير طاعة الله تعالى إلا يوشك أن يفترقا على غير طاعة الله تعالى (٣).
وروى الدينوري في "مجالسته" عن الشعبي قال: يقال: إن لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض (٤).
وأنشد الخطابي في كتاب "العزلة" لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة رحمه الله تعالى: [من الطويل]
стр. 184
تَبَيَّنْ وَكُنْ مِثْلِي أَوِ ابْتَغِ صاحِباً ... كَمِثْلِكَ إِنِّيْ مُبْتَني صاحِباً مِثْلِيْ
وَلَنْ يَلْبَثَ الأَقْرانُ أَنْ يَتَفَرَّقُوْا ... إِذا لَمْ يُؤَلَّفْ رُوحُ شَكْلٍ إِلَىْ شَكْلِ (١)
ونقل الماوردي في كتاب "أدب الدين والدنيا" عن علي ﵁: أنه قال: الصاحب مُنَاسِب.
قال: وقال بعض الحكماء: اعرف أخاك بأخيه قبلك.
وقال بعض الأدباء: يظن بالمرء ما ظن بقرينه.
وقال ابن مسعود: ما شيء أدل على شيء - ولا الدخان على النار - من الصاحب على الصاحب (٢).
وقال أيضاً: اعتبروا الأرض بأسمائها، والصاحب بالصاحب (٣).
قال ابن حجر العسقلاني في "أماليه" - بعد أن أسند هذا الأثر عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه: رواه مُسدَّد في "مسنده"، قال: وقد وجدته في شعر قديم مات قائله قبل الهجرة (٤).
стр. 185
ثم أسند عن أبي العباس المُبرِّد، قال: بلغني أنه لما خرج خلف ابن خليفة الكوفي لقيه أعرابي فقال: ما تصنع هاهنا؟ قال: أو ما سمعت قول قيس بن الخطيم: [من السريع]
يَا إيُّهَا السَّائِلُ عَمَّا مَضَىْ ... مِنْ حالِ هَذا الزَّمَنِ الذَّاهِبِ
إِنْ كُنْتَ تَبْغِيْ الأَمْرَ عَنْ صِحَّةٍ ... وَشاهِداً يُخْبِرُ عَنْ غَائِب
فَاختَبِرِ الأَرْضَ بِأَسْمائِها ... وَاعْتَبِرِ الصَّاحِبَ بِالصَّاحِبِ (١)
وقال عدي بن زيد: [من الطويل]
عَنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ ... فَكُلُّ قَرِيْنٍ بِالْمُقارَنِ يَقْتَدِيْ
إِذا كُنْتَ فِيْ قَوْمٍ فَصاحِبْ خِيارَهُمْ ... وَلا تَصْحَبِ الأَرْدَىْ فترْدَىْ مَعَ الرَّدِيْ (٢)
стр. 186
قلت: وفي هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا الْمَرْءُ بِخَلِيْلِهِ؛ فَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَنْ يُخالِلُ". وبهذا اللفظ أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١).
* تنبِيْهٌ لَطِيْفٌ:
روى ابن المبارك في كتاب "الزهد"، وفي كتاب "البر والصلة" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ﷺ : "مَا تَوَادَّ مِنْ اثْنَيْنِ فِيْ الإِسْلامِ فَيُفَرَّقَ بَيْنَهُما إِلاَ مِنْ ذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُما" (٢).
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ولفظه: "مَا تَوَادَّ اثْنانِ فِيْ اللهِ فَيُفرَّقَ بَيْنَهُما إِلاَ بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُما" (٣).
قلت: الحكمة في المفارقة بينهما: أن أحدهما إذا أذنب ذهبت المشاكلة بينهما؛ إذ كان يجمعهما الطاعة.
وفي الحديث: إشارة إلى أن العقوبة على مقارفة العصيان قد
стр. 187
تكون بمفارقة الإخوان.
وروى الإمام أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته": أن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى كان له ثلاث أخوات مذكورات بالعبادة والورع - مضغة ومخة وزبدة - وكُبراهنَّ مضغة، وكانت أَسَنَّ من بشر، وماتت قبله، فتوجع عليها توجعا شديداً، وبكى بكاء كثيراً، فقيل له في ذلك، فقال: قرأت في بعض الكتب: أن العبد إذا قصر في خدمة ربه سلبه أنيسه، وهذه كانت أنيستي في الدنيا (١).
وحكى الخطيب البغدادي عن إبراهيم الحربي: أن بشراً رحمه الله تعالى قال هذا يومَ ماتت أخته مخة رضي الله تعالى عنهم (٢).
* تَنْبِيْهٌ آخَرُ:
قد يكون سبب الصحبة بين العبد الصالح وآخر ما يبدو له منه من الطاعة في الظاهر، ويكون في الباطن من الأمر بخلاف ذلك، فهذا لا يضر الصالح.
نعم، متى اطلع منه على حقيقة ذلك تعينت عليه مفارقته.
وقد روى ابن المبارك في "البر والصلة" عن الإمام محمد ابن الحنفية رحمه الله تعالى قال: من أحب رجلاً على عدلٍ ظهر منه - وهو في علم الله من أهل النار - آجره الله كما لو كان من أهل الجنة، ومن
стр. 188
أبغض رجلاً على جَور ظهر منه - وهو في علم الله من أهل الجنة - آجره الله كما لو كان من أهل النار (١).
ومن هنا كان السلف إذا كان للواحد منهم خليل أو صاحب، ورأى منه ما يخالف السنة، هجره وتخلى عنه، وهذا متعين.
وقد روى الحافظ عبد الرزاق، وابن المنذر في "تفسيره" عن سعيد ابن المسيِّب قال: كان أبو بَكْرة رضي الله تعالى عنه أخا زيادٍ لأمه، فلما كان من أمر زياد ما كان - أي: من انتسابه إلى أبي سفيان، وانتفائه من أبيه - حلف أبو بكرة رضي الله تعالى عنه أن لا يكلم زياداً أبداً، فلم يكلمه حتى مات (٢).
وروى الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" عن الزهريّ: أن رجلاً سلَّم على النبي ﷺ ثلاث مرات، ولم يرد عليه، فقيل له: لِم؟ قال: "لأَنَّهُ ذُوْ وَجْهَيْنِ" (٣).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود ﵁: أنه رأى رجلاً يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة! والله لا أكلمك أبداً (٤).
стр. 189
وروى الترمذي وصححه، عن نافع: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما جاءه رجل، فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال: إنه بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَكوْن فِيْ هَذِهِ الأمَّةِ - أَوْ: فِيْ أمتِيْ - خَسْفٌ وَمَسْخٌ أَوْ قَذْفٌ فِيْ أَهْلِ الْقَدَرِ" (١).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول للمغيرة بن حبيب ما لا أحصي - وكان خَتَنَه -: يا مغيرة! كل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه في دينك فانبذ عنه صحبتك (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] أي: بأن أهل الكتاب ليسوا على شيء لا قبل بعثته ﷺ لإحداثهم وتغييرهم، ولا بعد بعثته لعدم إيمانهم به.
وفيه إشارة إلى عذر من لم يعلم حتى يعلم، فالإنسان مع معارفه
стр. 190
- من بَلَدِي أو عَصري أو جار أو صديق أو قريب - معذور إذا أحسن الظن بهم وعاشرهم حتى يعلم بأحوالهم، فإذا علم من حال أحد منهم ما يخالف الدين والسنة تعين عليه مفارقته، وإلا كان ظالماً.
وإنما رتَّب الله تعالى الظلم في الآية على اتباع أهوائهم؛ لأنهم قد ثبت ظلمهم، ومتابعة الهوى دليل المحبة، والمرء مع من أحب، ومحبة أهل المعصية معصية، كما أن بغضهم طاعة، وكما أن الحب في الله خلق كريم من أخلاق الصالحين، فكذلك البغض في الله.
وقد روى الإمام أحمد عن البراء، والحافظ أبو بكر الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن ابن مسعود قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "أَوْثَقُ عُرىْ الإِسْلامِ الْحُبُّ فِيْ اللهِ، وَالْبُغْضُ فِيْ اللهِ" (١).
وروى أبو حفص بن شاهين، وأبو منصور الديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَقَرَّبُوْا إِلَىْ اللهِ بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِيْ، وَالْقَوْهُمْ بِوُجُوْهٍ مُكْفَهِرَّة، وَالْتَمِسُوْا رِضَىْ اللهِ بِسَخَطِهِمْ، وَتَقَرَّبُوْا إِلَىْ اللهِ بِالتَّباعُدِ مِنْهُمْ" (٢).
стр. 191
والوجوه الْمُكْفَهِرَّة: العابسة، المقطبة، الغليظة.
واعلم أن الذي يُبْغَضُ في الله تعالى هو المخالف لأمره، فإن كان كافراً محارباً قُوتِل حتى يسلم، أو يُقْتَل، أو يُسْتَرَقَّ، وهذا غاية النَّكال والإهانة والإذلال.
أو ذمياً فيستحق الإعراض عنه، وترك المفاتحة بالسلام والمصافحة، ثم لا يؤذى، ولكن الأَوْلى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، فأما الانبساط معه، والاسترسال إليه فشديد الكراهية، وقد ينتهي إلى التحريم، ومودته حرام.
وإن كان عاصياً؛ فإن كان مبتدعاً يُكفَّر ببدعته، فأمره أشد من الذمي، فإن لم يكفر بها تعين هجره، ووجب بغضه، والتحذر منه، والإنكار عليه أشد من الكافر؛ لأن الكافر يُحْذَر، ويُتَحَامى عنه، فلا يتعدى شره، بخلاف هذا؛ لأنه يَدَّعي الإسلام.
وإن كان غير مبتدع؛ فإن كانت معصيته مما يستضر به الناس؛ كالظلم والغيبة والنميمة وشهادة الزور والزنا واللواط والعقوق والقطيعة والسحر والدياثة والسعاية والمكر والخديعة، فالإنكار عليه واجب أيضاً، والإعراض عنه مستحب.
وإن كان معصية ظلم نفسه؛ كالشرب وترك الصلاة ولبس الحرير وسماع الآلات وضربها، فيجب الإنكار عليه عند مشاهدته على المعصية، ونصحه، ويستحب توبيخه وهجره زجراً له عن معصيته، فإن أصر على المعصية - وإن كانت صغيرة - وجب عليه بغضه، ولا يدعو
стр. 192
عليه، بل [يدعو] له بالهداية والتوبة، لا بطول البقاء ونحوه.
ولا يجوز لعنه، بل لا يجوز لعن المعيَّن - وإن كان كافراً - لاحتمال حصول حسن الخاتمة له.
ولا فائدة في محبة الْمُصِرِّ، وقد قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
* تَتِمَّةٌ لِمَا سَبَقَ، وَتَوْضِيْحٌ لَهُ:
تقدم لنا ثلاثة أحاديث:
- "مَنْ سَوَّدَ مَعَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (١).
- و"مَنْ أَحَبَّ قَوْما كانَ مَعَهُمْ" (٢).
- و"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٣).
فأما قوله ﷺ : "منْ سَوَّدَ مَعَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ":
فهذا مشروط بأن يكون تسويده معهم باختياره لسوادهم، ومحبته
стр. 193
لهم، وإيثاره لطريقتهم كالصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﷺ .
فأما لو كان تسويده معهم عجزاً، أو تَقِيَّة، أو توصلاً إلى الدنيا وطلباً للغنائم، أو تهكماً واستهزاء، أو تجسسا عليهم وكشفاً لأحوالهم، أو مُكرهاً= فهذا لا يكون منهم؛ كالمنافقين مع النبي ﷺ ، كانوا يسودون معه لمعنى من المعاني، فإذا رأوا غنيمة ثبتوا معه، وإذا رأوا هزيمة فرُّوا عنه، وتركوه، فهؤلاء ليسوا من النبي ﷺ ، وليس هو منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]؛ أي: يخافون، فيُظهرون الإسلام والاتباع تَقِيَّةً منكم.
وكذلك - أيضاً - تسويد المستضعفين من المسلمين مع الكفار لا يضرهم، ولا يصيِّرهم منهم، إلا إذا أمكنتهم الهجرة عنهم، فإن تمكنوا من الهجرة، ولم يهاجروا كانوا معهم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
وإنما استثناهم الله تعالى مع إقامتهم في أرض المشركين وكينونتهم معهم؛ لأنهم كانوا مع ذلك يكرهون ما هم عليه من الكفر
стр. 194
والضلال، ويعجزون عن الهجرة عنهم، ولذلك كان رسول الله ﷺ يدعو لهم.
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قَنَتَ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِيْ رَبِيْعَةَ، اللَّهُمَ أَنْجِ الْوَليْدَ بْنَ الْمُغِيْرَةِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ ابْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَىْ مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِيْنَ كَسِنِيِّ يُوْسُفَ (١).
فانظر كيف كان رسول الله ﷺ يدعو لهم بالنجاة بسبب إيمانهم المستلزم لكراهيتهم لأفعال المشركين وأخلاقهم وأحوالهم، مع إقامتهم فيهم، وتسويدهم معهم، فتبين بذلك أن مجرد التسويد مع القوم لا يلحق بهم في كل ما هم فيه، وأن العمدة على محبة القلب وكراهيته، فإذا انضم مع المحبة التسويد مع القوم والتشبه بهم كان ذلك آكدَ في الإلحاق، وكذلك لو انضم إلى الكراهية النفرة عن التسويد معهم، ومحبة الهجرة عنهم، والمخالفة لهم في الأفعال والأحوال، كان ذلك آكد في عدم الإلحاق.
وقد روى أبو داود في "سننه" عن العُرس بن عَمير - بضم العين المهملة في الأول، وفتحها في الثاني - الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا عُمِلَتِ الْخَطِيْئةُ فِيْ الأَرْضِ كانَ مَنْ شَهِدها فَكَرِهَهَا،
стр. 195
كَمَنْ غابَ عَنْهَا، وَمَنْ غابَ عَنْها فَرَضِيَها، كانَ كَمَنْ شَهِدَها" (١).
وروى البيهقي في "سننه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا، فَكَأَنَّما غابَ عَنْها، وَمَنْ غابَ عَنْها فَرَضِيَها، فَكَأَنَّهُ حَضَرَها" (٢).
نعم، إذا تجرد التسويد معهم عن المحبة والكراهية جميعاً، فقد يشاركهم فيما ينوبهم من رحمة أو نقمة - كما سبق في كلام لقمان - كمن يسود معهم عبثاً، أو للتفرج والتلهي بهم، كمن يقف على من يضرب بالآلة، أو بشعبات، أو يرقص القرود، أو على حلقة يعزر فيها من لا يستحق التعزير، أو على حلقة المتصارعين، أو المتداقفين، أو مع من يشهد من يمشي على الحبل، بل التسويد مع هؤلاء لهذه المعاني يلحق بهم بلا شك.
وأما قوله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ قَوْماً جَعَلَهُ اللهُ مَعَهُمْ" (٣):
فيه إلحاق من لم يشهد القوم، ولم يسود معهم بهم لمجرد محبته إياهم - كما تقدم -؛ أي: ما لم يخالفهم، أو يتشبه بغيرهم، كما روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقول: إني
стр. 196
ألفيت أصحابي على أمر، وإني إن خالفتهم خشيت أن لا ألحق بهم (١).
وفي الحديث بشارة عظيمة لسائر الأمة، وتقريع شديد لكل من أحب أحداً من طوائف الشرك والنفاق والابتداع - كان لم يسود معهم، ويلْقَهم -.
وشَتَّانَ بين من يحب عبد الله بن أبي ابن سلول - رأس المنافقين - وأصحابه، أو يحب بشر المريسي (٢) وأصحابه، أو واصل بن عطاء وأصحابه، أو نحو هؤلاء الضُّلاَّل، وبين من يحب النبي ﷺ ، وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم ويحب الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأبا الحسن الأشعري وأصحابه، وسائر أهل السنة من أهل الحديث وغيرهم رحمهم الله تعالى.
ومن فاته مشاهدة النبي ﷺ ولقيه، والتسويد معه من المؤمنين لم يحرمه الله تعالى حظه منه، فإنه ألحقه به وبأصحابه الذين سودوا معه بالمحبة المشروطة بها الإيمان به وبما جاء به، ومحبة أهل بيته وأصحابه
стр. 197
رضي الله تعالى عنهم.
ثم لما كانت المحبة التي تترتب على السماع والإخبار، كما قيل:
والأذن تعشق قبل العين أحياناً (١)
أبلغَ وأعجب من المحبة التي تترتب على الصحبة واللقي ومشاهدة الذات، وملاحظة الصفات لخفاء سبب الأولى، وظهور سبب الثانية، فكانت الأولى أعظم ثواباً، وأبلغ أجراً، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "طُوْبَىْ لِمَنْ رآنِيْ وَآمَنَ بِيْ مَرَّةً، وَطُوْبَىْ لِمَنْ لَمْ يَرَنيْ وآمَنَ بِيْ سَبع مَرَّاتٍ". رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
وهو والبخاري في "تاريخه"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما (٢).
وروى الإمام إسحاق بن راهويه، والحافظ سعيد بن منصور
стр. 198
- بإسناد صحيح كما قال الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني (١) - عن ابن مسعود ﵁ قال: كان أمر محمد ﷺ بَيِّناً لمن رآه، والذي لا إله إلا هو، ما آمن مؤمن أفضل من إيمانٍ بغيب (٢).
قلت: ولا يلزم من ذلك تفضيل غير الصحابة عليهم، بل إنما أراد ﷺ بأن تضعيف أجور الذين آمنوا به غيباً ليلحقهم بالمشاهدين له، ولآياته، ومعجزاته.
ثم بيَّن فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أحاديث أخر فقال ﷺ : "خَيْرُ الْقُرُوْنِ قَرْنِيْ ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنهمْ". الحديث رواه الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٣).
ومن لطائف الفهم في قوله ﷺ : "طُوْبَىْ لِمَنْ رآنِيْ وَآمَنَ بِيْ مَرَّةً، وَطُوْبَىْ لِمَنْ لَمْ يَرَنيْ وَآمَنَ بِيْ سَبع مَرَّاتٍ": أنه لا شك في سبق الصحابة لأنهم السابقون الأولون، لكنهم تعجلوا من ثوابهم ونعيمهم لُقِيَّه ﷺ والتملي من جمال طلعته الشريفة، والارتضاع من
стр. 199
ثدي تربيته ﷺ ، فكرر النبي ﷺ طوبى لمن آمن به ولم يَرَه سبعاً؛ ليكون ذلك جبراً لما فاتهم من الثواب المعجل المشار إليه، وترويحاً لقلوبهم عما تضرَّم فيها من نيران الشوق إلى جماله ﷺ ، كما أشار ﷺ إلى ذلك بقوله: "إِنَّ نَاسا مِنْ أُمَّتِيْ يَأْتُوْنَ بَعْدِيَ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوِ اشْترَىْ رُؤيتِيْ بِأَهْلِهِ وَمالِهِ". رواه الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ (١).
وأما قوله ﷺ : "منْ تَشَبَّهَ بِقَوْيم فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢): فاعلم أن من أحبَّ قوماً، وتحقق بمحبتهم كان معهم على كل حال - كما علمت مما تقدم -، إلا أنه كلما كان أكثر لهم حباً كان أكثر إليهم قرباً، ولا تظهر آثار المحبة إلا بالتشبه بهم والتسويد معهم على الوجه الذي قررناه سابقاً ولاحقاً، فكلما كان العبد أكثر رغبة في التشبه بهم والكينونة معهم، كان أقربَ إليهم لأنه أَحَبُّ لهم.
وكل من أحب قوماً فهو معهم إلا أنه يكون في القرب منهم على قدر تشبهه بهم، والكينونة معهم، فأما لو تشبه بغيرهم، أو سود مع غيرهم رغبة في أحوال من تشبه بهم، أو سود معهم، فإنه لا يكون معهم بمجرد دعواه أنه يحبهم؛ فإن دعواه محبتهم كَذَّبَهُ فيها كونُه مع غيرهم، وتشبهه بمن سواهم، كما تقدم.
стр. 200
لا جرم لأجل ذلك قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنا" (١).
وسيأتي هذا الحديث في محله.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: إني ألفيت أصحابي على أمر، وإني إن خالفتهم خشيت أن لا ألحق بهم. رواه ابن أبي شيبة (٢).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لو أن رجلاً قام بين الركن والمقام يعبد الله سبعين سنة، لبعثه الله تعالى يوم القيامة مع من يحب (٣).
ثم إن من أراد أن يتشبه بقوم لمحبته إياهم؛ فإما أن يراهم ويخالطهم، أو لا؛ فإن رآهم وخالطهم كان أقرب إلى سريان طباعهم إليه ممن لم يرهم ولم يخالطهم، فله لذلك مزية ظاهرة على غيره، وقد اتفقت هذه الفضائل للصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ رؤية النبي ﷺ ولقيه ومخالطته والتسويد معه وصحبته والاقتداء به، فبذلك كانوا أفضل من غيرهم من أهل دائرة المحبة، وسكان دوحة الإيمان مع ما حصل لهم من فضيلة السبق.
وقد قيل: [من الطويل]
стр. 201
وَلَوْ قَبْلَ مَبْكاها بَكَيْتُ صَبابَةً ... شَفَيْتُ غَلِيْلَ النَّفْسِ قَبْلَ التَّنَدُّمِ
وَلَكِنْ بَكَتْ قَبْلِيْ فَهَيَّجَ لِي الْبُكا ... بُكاها فَقُلْتُ الْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّم (١)
وأما من جاء بعد الصحابة من أهل الإيمان ففاتهم فضيلة اللُّقِيِّ والتسويد، ولم يفتهم فضيلة المحبة والاقتداء، ولذلك سماهم رسول الله ﷺ : "إخوانه" (٢)؛ لأن الأخ هو المشاكل في الصفة أو في الخلق أو نحو ذلك، بخلاف الصاحب؛ فإنه المخالط في العشرة.
ثم قد يكون الصاحب أخاً كما قال رسول الله ﷺ . "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيْلاً غَيْرَ رَبِّيْ لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ خَلِيْلاً، وَلَكِنَّ أَبا بَكْرٍ أَخِيْ وَصاحِبِيْ، وَلَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صاحِبَكُمْ خَلِيْلاً". رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٣).
стр. 202
وقال ﷺ لعلي رضي الله تعالى عنه: "أَلا تَرْضَىْ أَنْ تَكُوْنَ مِنِّيَ بِمَنْزِلَةِ هارُوْنَ مِنْ مُوْسَى إِلاَّ أَنَّهُ لا نبِي بَعْدِيْ". رواه الشيخان - أيضا - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (١).
وإنما لم يحدث جميع أصحابه بالأخوة التي بينه وبينهم بمقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ لإظهار مزية من حدث بأخوتهم منهم، ولئلا يفتضح أهل النفاق، وأهل القصور عن درجة الأخوة، ولئلا يتكلموا على ما يحدثهم به من ثبوت الأخوة لهم، أو يحصل لهم زهو بذلك وإعجاب، وهذا مأمون فيمن يأتي من بعدهم من إخوانه ﷺ لأنه لم يذكرهم بأعيانهم، وإنما ذكر قوماً يأتون من بعده يؤمنون به إيماناً كاملاً يصيِّرهم إخوانه ﷺ ، فكل مؤمن يرجو هذه المزية، ويسعى على تحصيلها له.
ولما فات هؤلاء فضيلة التسويد معه، والمجالسة له، جَبَر ما فاتهم بتشوقه إليهم مع تسميتهم إخوانه، والثناء على إيمانهم، وتفضيل إيمانهم، وإعجابه به، كما روى الإمام أحمد، والطبراني، وأبو يعلى - ورجال إسنادهما ثقات إلا أبا عائذ فضعفه ابن عدي (٢)، ووثقه ابن حبان (٣) - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وَدِدْتُ
стр. 203
أنِّي لَقِيْتُ إِخْوانِي، الَّذِيْنَ آمَنُوْا بِيْ وَلَمْ يَرَوْنيْ" (١).
ولفظ أبي يعلى: "مَتَىْ ألقَىْ إِخْوانِيَ؟ " قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: "بَلَىْ، أَنْتُمْ أَصْحابِيْ، وإِخْوانِيَ الَّذِيْنَ آمَنُوْا بِيْ وَلَمْ يَرَورنيْ" (٢).
وروى أبو يعلى، والبزار، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ ، فقال: "أَنْبِئُوْنِيْ بِأَفْضَلِ أَهْلِ الإِيْمانِ إِيْماناً"، قالوا: يا رسول الله! الملائكة ﵈، قال: "هُمْ كَذَلِكَ، وَيحِقُّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَما يَمْنَعُهُمْ وَقَدْ أَنْزَلَهُمُ اللهُ تَعَالَىْ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِيْ أَنْزَلَهُمْ بِهَا! " قالوا: يا رسول الله! فالشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء؟ قال: "هُمْ كَذَلِكَ، وَيَحِقُّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَما يَمْنَعُهُمْ وَقَدْ أَكْرَمَهُمُ اللهُ تَعَالَىْ بِالشَّهادةِ مَعَ الأَنْبِياءِ! بَلْ غَيْرُهُمْ"، قالوا: يا رسول الله! ومن هم؟ قال: "أَقْوامٌ فِيْ أَصْلابِ الرِّجالِ يَأْتُوْنَ بَعْدِيْ يُؤْمِنُوْنَ بِيْ، وَلَمْ يَرَوْنيْ، وُيصَدِّقُوْنيْ، وَلَمْ يَرَوْنيْ، يَجِدُوْنَ الْوَرَقَ الْمُعَلَّقَ فَيَعْمَلُوْنَ بِما فِيْهِ، فَهَؤُلاءِ أَفْضَلُ أَهْلِ الإِيْمانِ إِيْمَاناً" (٣).
стр. 204
ومعنى كونهم أفضل أهل الإيمان إيمانا: أبلغ، وأعجب - كما تقدم -.
وكما في حديث آخر ممن رواه الحسن بن عرفة، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وأقرَّه ابن حجر العسقلاني في "أماليه" (١)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيْماناً؟ " قالوا: الملائكة ﵈، قال: "وَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ! " قالوا: فالأنبياء ﵈؟ قال: "وَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُوْنَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ! " قالوا: فنحن؟ قال: "وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُوْنَ وَأنا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ! أَلا إِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِيْماناً قَوْمٌ يَأْتُوْنَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدُوْنَ صُحُفاً فِيْها كِتابٌ يُؤْمِنُوْنَ بِما فِيْهِ" (٢).
وروى البزار نحوه من حديث أنس ﵁ (٣)، ورجاله ثقات إلا سعيد
стр. 205
ابن بشير (١)؛ فوثق، وضعف، لكن له شواهد عواضد، والله أعلم.
* تنْبِيْهٌ:
من لم ير النبي ﷺ فقد عزاه الله تعالى برؤية من سلك طريقه من الصحابة، أو ممن تبعهم، أو تبع من تبعهم إلى يوم القيامة، وفي ذلك تسلية له عن ما فاته من رؤية النبي ﷺ ، وإنما تكون هذه التسلية لمن طلب الأخيار، وهم أهل العلم والدين؛ فإنهم أبدال عن الأنبياء ﵈، وورثة عنهم.
وقد روى الطبراني في "الكبير"، والحاكم في "المستدرك" عن عبد الله بن بُسر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "طُوْبَىْ لِمَنْ رَآنِيْ وَآَمَنَ بِيْ، وَطُوْبَىْ لِمَنْ رَأَىْ مَنْ رَآَنِيْ، وَلِمَنْ رَأَىْ مَنْ رَأَىْ مَنْ رَآنِيْ وَآمَنَ بِيْ، طُوْبَىْ، وُحُسْنُ مآبٍ" (٢).
وهذا الحديث فيه فضل الصحابة والتابعين وتابعيهم.
стр. 206
وعندي: إن من جاء بعد هؤلاء، وكان على طريقتهم، ومحبتهم أُلحق بهم، وهكذا إلى آخر الدهر؛ لدخولهم في قوله ﷺ في حديث أنس السابق: "وَطُوْبَىْ لِمَنْ لَمْ يَرنيْ وَآمَنَ بِيْ سَبْعَ مَرَّاتٍ" (١)؛ فقد وعدهم ﷺ بطوبى كما وعمد أولئك.
وقوله ﷺ : "طُوبَى لِمَنْ رَآَنِيْ وَآمَنَ بِيْ وَلِمَنْ رَأَىْ مَنْ رَآنِيْ" (٢) إلى آخره، عموم شامل لمن رآه، أو رأى من رآه في المنام، ولكن محل هذا من كان على طريقهم من المؤمنين، فأما من رأى النبي ﷺ ، أو أحداً من أصحابه رضي الله تعالى عنهم في المنام من الفسقة والظلمة، فلا تنفعه رؤياه، بل قد تدل على انتقام منه، واستدراج، والعياذ بالله.
بَابُ بَيَان الحِكَمِ الظَّاهِرَة فِي تَأخِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ
١ - التي منها: إرادة التشبه بالصالحين من الأمم السابقة، والتجنب عن قبائح الطالحين منهم .
روى الشيخان في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نَحْنُ الآخِرُوْنَ السَّابِقُوْنَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوْتُوْا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِنا، وَأُوْتيْناهُ مِنْ بَعْدِهِمْ"، الحديث (١).
اعلم أن تأخير هذه الأمة عن سائر الأمم إنما هو لحكم كثيرة يظهر بها أن تأخيرهم عين تقديمهم، وتفضيلهم، وأن الله تعالى لم يُرد بتأخيرهم في الزمان إلا تزكيتهم، وتكريمهم.
قال بعض العلماء: أخَّر الله تعالى هذه الأمة إلى آخر الزمان؛ لئلا يطول مكثهم تحت الأرض، فكرَّمهم الله تعالى بأنهم أقل الأمم مكثاً تحت الأرض.
قلت: هذا من الحِكَم التي أشرنا إليها.
وقريب من هذا المعنى: أن الله تعالى جعل هذه الأمة أقصر الناس
стр. 209
أعماراً، كما قال رسول الله ﷺ : "أَعْمَارُ أُمَّتِيْ مِنَ السِّتّيْنَ إِلَى السَّبْعِيْنَ، وَأقلُّهُمْ مَنْ يَجُوْزُ ذَلِكَ". رواه الترمذي وحسنه، عن أبي هريرة، وأبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنهم (١).
وروى الطبراني في "معجمه الكبير" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "أقل أُمَّتِيْ الَّذِيْنَ يَبْلُغُوْنَ السَّبْعِيْنَ" (٢).
والحكمة في قصر أعمارهم: أن الله تعالى أراد بذلك تقصير مدة التكليف عليهم ليخف عليهم حمل المشاق، ومعاناة غروب الدنيا، وخطوبها، وقد اقتضى أمرُ الله تعالى أن تكون الدنيا سجن المؤمن، كما روى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، فَإِذا فارَقَ الدُّنْيا فارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ" (٣)؛ أي: ولقي الراحة، والدَّعَة، والخصب، والسعة، وظفر بالتحفة، والبهجة، والمسرة،
стр. 210
والمبرة، كما قال ﷺ : "تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ" (١)، لما يرى من كرامة الله تعالى وثوابه.
وقال سفيان: كان يقال: الموت راحة العابدين.
رواهما ابن أبي الدنيا في كتاب "ذكر الموت".
فأراد الله تعالى أن يجعل الراحة لهذه الأمة من الدنيا وأكدارِها، بقصر آجالها وأعمارها.
ثم إنه الله تعالى ضاعف لهم الأعمال والأجور، واختصهم بخصائص تلحقهم في الزمن اليسير بمن سلف من أهل الجَدِّ والتشمير مع أعمارهم الطويلة، وآجالهم البعيدة، بل ورَقَّاهم الله تعالى عليهم، وجعلهم سابقين لهم، ولو حسبت ما يكتب لواحد من هذه الأمة في صلاة واحدة في المسجد الحرام من الحسنات لبلغت أرجح من عمر نوح عليه الصلاة السلام.
وليلة واحدة من ليالي هذه الأمة في كل سنة - وهي ليلة القدر - خير من ألف شهر من شهور الأمم الخالية من ليلة القدر.
وصيام يوم واحد من أيام هذه الأمة من نوافل صيامها - وهو صيام
стр. 211
يوم عرفة لغير الحاج - يكفر ذنوب سنة قبله، وسنة بعده، بل ورد أنه يكفر ذنوب ألف يوم، وورد أن العمل الصالح فيه بألفٍ في غيره كسائر أيام رمضان.
وصيام اليوم الذي قبل هذا اليوم - وهو يوم التروية - يكفر ذنوب عام.
وكذلك صيام يوم آخر من أيام هذه الأمة، وهو يوم عاشوراء.
وهذا كله في نوافل الصوم، فما ظنك برمضان، وما فيه من كثرة العتقاء من النار! ففي كل يوم منه مئة ألف عتيق، ويعتق في كل يوم جمعة منه وليلتها قدر ما أعتق في الأسبوع، وفي آخر يوم من رمضان قدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره.
والصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
والتسبيحة الواحدة كبدنة تُهدى إلى البيت العتيق، والتحميدة كفرس مسرجة في سبيل الله، والتكبيرة كالبعير في سبيل الله؛ مع مضاعفة ثواب التسبيح، وسائر الأعمال في يوم الجمعة، وفي الأشهر الحرم.
وكل حسنات هذه الأمة في أي وقت مضاعفة إلى عشر أمثالها، أو إلى سبعين ضعفاً، أو سبع مئة، أو ألوف كثيرة، ومعاصيها لا تكتب إلا بعد ست ساعات، أو سبع؛ فإن استغفر ذلك العاصي، أو تاب، أو أحسن بعدها، لم تكتب تلك السيئة، وإلا كتبت سيئة واحدة، ثم هي ممحوة
стр. 212
بالتوبة، أو الاستغفار، أو بعمل صالح آخر، أو بمرض، أو بلاء - ولو قليلاً - أو سكرات الموت، وشدة النَّزع، أو بضمة القبر، أو بهول القيامة، أو يعفو الله، ويتجاوز.
فانظر فيما أمد الله به هذه الأمة من الخير، وما ضاعف لها من الأجور، وما كفَّر عنها من الأوزار مع قصر أعمارها، وقرب آجالها!
وفي "الصحيحين" عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا بَقاؤُكُمْ فِيْمَنْ سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صلاةِ الْعَصْرِ إِلَىْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ؛ أتىْ أَهْلُ التَّوْراةِ فَعَمِلُوْا بِها حَتَّىْ إِذا انتصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوْا، فَأُعْطُوْا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أتىْ أَهْلُ الإِنْجِيْلِ فَعَمِلُوْا إِلَىْ صلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوْا، فَأُعْطُوْا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أُوْتيْنا الْقُرآنَ فَعَمِلْنا إِلَىْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيْنا قِيْراطَيْنِ قِيْراطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتابِ: أَيْ رَبَّنَا! أَعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيْراطَيْنِ قِيْرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيْراطاً قِيْراطًا، وَنَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً! قالَ اللهُ تَعَالَىْ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قالُوْا لا، قالَ: هُوَ فَضْلِيْ أُوْتيْهِ مَنْ أَشاءُ" (١).
٢ - ومن الحكم الحاصلة بتأخير هذه الأمة - أيضاً -: أن الأنبياء، والعارفين من الأمم السالفة أخبروا أممهم وأتباعهم ببعثة النبي ﷺ -،
стр. 213
وبفضله، وفضل أمته قبل وجودهم، حتى تمنى طائفة من الأنبياء والفضلاء أن لو بقوا حتى يكونوا من أمته، ففي ذلك بمقامه ﷺ ومقام أمته ما لا يخفى، وفيه شهادتنا بصدق الأنبياء المخبرين بوجودنا ووجود نبينا ﷺ ؛ فإنهم لما أخبروا بوجوده ووجود أمته، ثم وجدوا، كان وجودهم مصداقاً لإخبار المخبرين لهم، وشاهداً على صدقهم، ولذلك كانت هذه الأمة شهداء الأنبياء ﵈ على أممهم، كما سيأتي.
٣ - ومن الحكم، واللطائف في تأخير هذه الأمة - أيضاً -: أن الله تعالى سترهم، ولم يفضحهم كما فضح عليهم من تقدمهم من الأمم ، وكشف عليهم أحوالهم كقوم نوح، وسخريتهم بنبيهم، وقوم إبراهيم، وأذيتهم له، وقوم موسى، وتشهيهم عليه، وقوم عيسى، ورميهم له ولأُمِّه - هذا حال غاليهم، ومفرطيهم -، وكقولهم فيه: (إنه الله)، أو: (شريك)، أو: (ابن) - هذا حال غاليهم، ومفرطيهم - وكقوم هود وطغيانهم وتمردهم، وقوم صالح وعقرهم للناقة، وقوم لوط وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها، وعزمهم على رجم لوط، وتبييت (١) قتله، وقوم شعيب وأخذهم للمُكُوس، وقرض الدراهم، وغير هؤلاء مع ما بلغنا من نَكالهم، ووبالهم، وما عذبوا به من خسف، أو مسخ، أو قذف، أو غرق، أو حرق، أو غير ذلك ممَّا صان الله تعالى عنه هذه الأمة ببركة نبيها ﷺ .
стр. 214
وقد روى الدارمي وغيره في حديث عن عمرو بن قيس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَجارَ أُمَّتَهُ مِنْ ثلاثٍ: لا يَعُمُّهُمْ بِسَنةٍ، وَلا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌ، وَلا يَجْمَعُهُمْ عَلَىْ ضَلالَةٍ" (١).
وروى الخطيب البغدادي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا أُسْرِيَ بِيْ، قَرَّبَنِيْ رَبِّيْ حَتَّىْ كانَ بَيْنيْ وَبيْنَهُ كقابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، بَلْ أَدْنى، وَعَلَّمَنِيْ السِّماتِ؛ قالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبّيكَ يا رَبِّ، قالَ: هَلْ غمَّكَ (٢) أَنِّي جَعَلْتُكَ آخِرَ النَّبِيِّيْنَ؟ قُلْتُ: يَا رَبِّ! لا، قَالَ: فَهَلْ غمَّ (٣) أُمَّتَكَ أَنِّي جَعَلْتُهُمْ آخِرَ الأُمَم؟ قُلْتُ: لا يا ربِّ، قال: [أَبْلِغْ أُمَّتَكَ عنِّي السَّلامَ] (٤)، وأخبرهم أني جعلتُهم آخِرَ الأُممِ؛ لأَفْضَحَ الأُمَمَ عِنْدَهُمْ، وَلا أَفْضَحَهُمْ عِنْدَ الأُمَمْ" (٥).
٤ - ومن الحكم المذكورة: أن الله تعالى لما سبق في علمه أنه يورث هذه الأمة الأرض بعد سائر الأمم ، كان في تأخيرهم تنفيذ هذا القضاء المبرم السابق لهم بالوراثة؛ فإن الوارث لا بد أن يتأخر عن
стр. 215
الموروث زماناً، وإلا لم يتحقق إرثه منه، ولذلك لم يُوَرِّثِ الغرقى، والمهدوم عليهم، والمقتولين في المعركة إذا انكشف الأمر عنهم أمواتاً، ولم نعلم السابق منهم بعضهم من بعض.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبرنا الله تعالى في التوراة والزبور، وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض، أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض (١).
وقرأ أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه الآية، فقال: نحن الصالحون (٢).
رواهما ابن أبي حاتم في "تفسيره".
بل نقول: إن الله تعالى أورث هذه الأمة ما هو أعظم من وراثة الأرض، وهو علم الكتاب الأول.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم أمة محمد ﷺ ؛ ورثهم