← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٩]. قال أبو بكرة ﵁: هما جميعًا من هذه الأمة. رواه أبو داود الطيالسي، وغيره (١). وأخرجه عبد الرزاق، وغيره عن ابن عباس ﵄ (٢). وإنَّما سمي الأبرار أصحاب اليمين لوقوعهم في اليمين من القبضتين؛ أي: المباركة. روى الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁: أن رسول ﷺ تلا هذه الآية: " ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، فقبض بيديه قبضتين، فقال: هَذهِ في الجَنَّةِ وَلا أُبَالِي، وَهَذ في النَّارِ وَلا أُبَالِي" (٣). وروى هو، والبزار، والطبراني، والآجري في "الشريعة" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ يَومَ خَلَقَ

стр. 1542

آدَمَ ﵇ قَبَضَ مِنْ صُلْبِهِ قَبضَتَيْنِ، فَوَقَعَ كُلُّ طَيِّبٍ في يَمِيْنهِ، وَكُلُّ خَبِيْث بِيَدهِ الأُخْرَى، فَقَالَ: هَؤُلاءِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ وَلا أُبالِي، وَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ النَّارِ وَلا أُبَالِي، ثُمَّ أَعَادهمْ في صُلْبِ آدَمَ، فَهُمْ يَنْسِلُونَ عَلى ذَلِكَ إِلى الآن" (١). وروى الإِمام مالك في "موطئه"، والإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وآخرون عن مسلم ابن يسار الجهني ﵀: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال: "إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِيْنهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يعْمَلُون، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاستَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ"، فقال الرجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال: "إِن الله إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوْتَ عَلى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلى

стр. 1543

عَمَل مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّار، فَيُدْخِلَهُ اللهُ النَارَ" (١). وروي حديث القبضتين عن ابن عباس، وأبي أمامة، وهشام بن حكيم، وابن عمرو، وعبد الله بن أبي قتادة السلمي، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم (٢). والمقربون -وهم السابقون، والصديقون، والمصطفون الأخيار- خواص أصحاب اليمين والأبرار، إلا أنهم استخلصوا منهم، وخصُّوا، فتميزوا عنهم بهذه الأوصاف. وأول البر التوفيق من الله تعالى إليه، وقد قيل في الحكم: التوفيق خير قائد (٣). فإذا استنارت القلوب بتوفيق الله تعالى، واستضاءت بالتصديق به، أبصرت، فأرسلت الجوارح في البر، كما قال أبو بكر محمَّد بن حامد الترمذي رحمه الله تعالى: إذا تمكنت الأنوار في السر، نطقت الجوارح بالبر. رواه السلمي في "طبقاته" (٤).

стр. 1544

وأعظم أخلاق الأبرار حسن الخلق؛ لما رواه مسلم، والترمذي عن النواس بن سَمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: "البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ [في] صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَليْهِ" (١). وروى الإِمام أحمد، وأبو نعيم عن وابصة بن معبد ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، فجعلت أتخطى، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ ، فقلت: دعوني [فدنوتُ (٢) منه، فإنه من أَحَبِّ الناس إلى أن أَدْنُوَ منه. فقال لي: "ادْنُ، يا وَابِصَةُ! " فَدَنَوْتُ حتى مَسَّتْ ركبتي رُكْبَتَهُ. فقال: "يا وَابِصَةُ! أُخْبِرُكَ ما جِئْتَ تسألني عنه؟ " فقلت: أخبرني يا رَسُولَ اللهِ! ، قال: "جِئْتَ تسألني عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ"، قلت: نعم، قال: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثمَّ جَعَلَ يَنْكُتُ بها في صدري، وَيقُولُ: "يا وَابِصَةُ! اسْتَفْتِ قلبَكَ، استفتِ نفسَكَ، الْبِرُّ ما اطْمَأَنَّ إليه الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إليه النَّفْسُ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في الصَّدْرِ، وَتَرَدَّدَ في النَّفسِ، وإن أَفْتَاكَ الناس وَأَفْتَوْكَ] " (٣).

стр. 1545

وروى الترمذي، والحاكم، والطبراني -بسندين جيدين- عن أبي عامر الأشعري -ويقال: المسكوني- رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال: "أَنْ تَعْمَلَ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ" (١). ومعناه: إخلاصُ القلب في سائر الأعمال. وإليه الإشارة بقوله تعالى حكايته عن الأبرار: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. وأعظم أعمال الأبرار: الصلاة. ولذلك قال النبي ﷺ : "صَلاةٌ عَلى إِثْرِ صَلاةٍ لا لَغْوَ بَيْنَهُما كِتابٌ في عِليّينَ". رواه الإِمام أحمد، وأبو داود عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (٢). وكلُّ ما كان مكتوبا في عليّين فهو من أعمال البر لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]. وروى ابن أبي شيبة عن مكحول رحمه الله تعالى بلاغا: أن النبي ﷺ

стр. 1546

قال: "مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَينِ قَبلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ كُتِبَتْ صَلاتُهُ في عِلِّيِّينَ" (١). وروى الطبراني في "الكبير" -بسند قريب- عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "منْ تَوَضَّأَ ثُمَّ أتى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَينِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى يُصَلِّيَ الفَجْرَ، كُتِبتْ صَلاتُهُ يَوْمَئِذِ في صَلاةِ الأَبْرارِ، وَكُتِبَ في وَفْدِ الرَّحْمَنِ" (٢). وفي "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لعائشة: "اهْجُرِي الْمَعاصِيَ؛ فَإِنَّها خَيْرُ الْهِجْرَةِ، وَحافِظِي عَلى الصَّلَواتِ؛ فَإِنَّها خَيْرُ البِرِّ" (٣). وروى سعيد بن منصور في "سننه" عن أبي عمار رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قامَ العَبْدُ في صَلاتِهِ ذُرَّ البِرُّ عَلى رَأْسِهِ حَتَّى يَرْكَعَ، فَإِذا رَكَعَ ذُرَّتْ عَلَيهِ الرَّحْمَةُ حَتَّى يَسْجُدَ، وَالسَّاجِدُ يَسْجُدُ عَلى قَدَمَيْ اللهِ؛ فَلْيَسْأَلْ وَلْيَرْغَبْ". والمراد بالبر هنا: "الإحسان من الله تعالى المجازى به العبد على الصلاة التي هي أفضل البر، والقدم من الصفات الواردة.

стр. 1547

وفيها المذهبان: التصديق مع التسليم (١). والمراد: المبالغة في تقريب العبد إلى الله تعالى بالسجود لقوله ﷺ : "أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبهِ إِذا كانَ ساجِداً" (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: كان الأبرار يتواصون بثلاث: سجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة (٣). وروى الدارقطني في "الأفراد"، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ أَبْوابِ البِرِّ الصَّدَقَةُ" (٤). وهي شاملة لكل نفقة، وإذا كانت مما يحب العبد فهي أفضل. قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]. روى الإمامان؛ مالك وأحمد، والشيخان؛ البخاري، ومسلم، والنسائي، وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو طلحة رضي الله تعالى عنه أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله

стр. 1548

إليه بَيْرُحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله؛ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : "ذاكَ مالٌ رابحٌ، ذاكَ مالٌ رابحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وَإِنيِّ أَرى أَنْ تَجْعَلَها في الأَقْرَبِينَ". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (١). وروى ابن جرير، وابن المنذر، والثعلبي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، فدعا بها عمر، فأعجبته، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله تعالى يقول؛ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فأعتقها عمر (٢).

стр. 1549

وروى البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فذكرت ما [أ] عطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إلى من مرجانة -جارية لي رومية- فقلت: هي حرة لوجه الله تعالى، فلو أني أعود في شيء جعلتُه لله لنكحتها، فأنكحها نافعًا (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قرأ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو يصلي، فأتى على هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وأعتق جارية له وهو يصلي؛ أشار إليها بيده (٢). و[روى] ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشتري الشُكر، فيتصدق به، فنقول له: [لو] اشتريت لهم بثمنه طعامًا كان أنفع لهم من هذا. فيقول: إني أعرف الذي تقولون، ولكني سمعت الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، [وابن عمر يحب السكر] (٣).

стр. 1550

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الربيع بن خُثيم رحمه الله تعالى: أن سائلًا وقف ببابه، فقال: أطعمني سكرًا. فقالوا: ما يصنع هذا بسكر؟ نطعمه خبزاً أنفع له. قال: ويْحَكُم! أطعموه سُكَّرًا؛ فإن الربيع يُحِبُّ السكر (١). وعنه أيضًا: أن سائلاً جاءه في ليلة بردة، فخرج إليه، فرآه كأنه مقرور، فقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فنزع برتشاً له، فأعطاه إياه (٢). والنفقة في الآية شاملة الصدقة على المحتاجين وعلى غيرهم، وعلى الأقارب وعلى غيرهم، وعلى الأرقاء وعلى غيرهم، وعلى الجيران وعلى غيرهم، ثم هي على الأقارب والجيران والمحتاجين أفضل، وفي حديث أنس (٣) إشارة إليه. وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن بشر بن الحارث أنه قال: ليس شيء من أعمال البر أحبَّ إليَّ من السخاء، ولا أبغضَ إليَّ من الضيق وسوء الخلق (٤).

стр. 1551

والكلام الثاني منقطع عن الكلام الأول؛ فليس الضيق وسوء الخلق من أعمال البر في شيء. وتقديره: ولا من أعمال الإثم شيء أبغض إلى من الضيق وسوء الخلق. واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ فقال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، ومسروق، وعمرو بن ميمون، والسدي: البر: الجنة (١). والتقدير على هذا القول: لن تنالوا ثواب البر؛ أي: لن تصلوا إلى الجنة، وتعطَوها حتى تنفقوا مما تحبونه؛ أي: تؤدوا زكاة أموالكم والحقوق التي فيها عليكم من أحبها إليكم. وقال عطية العوفي في البر: الطاعة. وقيل: العمل الصالح. وقال الحسن: البر: أن تكونوا أبرارًا (٢). هذه الأقوال الأربعة متقاربة المعنى. قلت: ولقد بين الله تعالى البر، وليس بعد بيانه بيان؛ فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ

стр. 1552

بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: برُّ من آمنَ بالله، كما يقال: الجود حاتم؛ أي: جود حاتم، والفصاحة قيس. أو التقدير: ولكن ذو بر من آمن بالله، كما في قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]؛ أي: ذوو درجات عند الله. والأول أبلغ وأحسن؛ أي: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] برُّ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ أي: صدق ﴿بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وبهذه الآية يُستدلُّ لما قاله محمَّد بن أحمد بن حمدون الفراء رحمه الله تعالى حين قيل له: مَن الأبرار؟ فقال: هم المتقون (١). وقال قتادة: ذُكر لنا: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن البر، فأنزل الله عليه هذه الآية. رواه ابن جرير، وغيره (٢). وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن أبي ميسرة رحمه الله تعالى قال: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية (٣).

стр. 1553

وفي "مصنف عبد الرزاق" عن أبي ذر ﵁: أنه سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان، فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية (١). وروى ابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- عنه: أنه سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان, فتلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] حتى فرغ منها. ثم سأله فتلاها، وقال: "وَإِذا عَمِلْتَ حَسَنَةً أَحَبَّها قَلْبُكَ، وإِذا عَمِلْتَ سَيئةً أَبْغَضَها قَلْبُك" (٢)؛ يعني: إن ذلك من علم الإيمان. ومن تمام البر أن تحب الحسنة وتسر بها، وتبغض السيئة وتساءَ بها، وتستغفر الله منها. وفيه سعة عظيمة: أن ارتكاب السيئات لا يطعن في الإيمان ولا في البر ما دام العبد يساء بها. قال ﷺ : "إِذا أَسَرَّتكَ حَسَنتكَ، وَساءَتْكَ سَيِّئتُكَ، فَأَنْتَ مُؤْمِن". رواه الإِمام أحمد، وابن حبان، والحاكم -وصححاه- والطبراني في "الكبير"، والضياء المقدسي في "المختارة" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "مَنْ سَرتْهُ حَسَنتهُ وَساءَتْهُ سَيئتهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٣).

стр. 1554

وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ أي: على حب المال. رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى (١). وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]: يعطي وهو صحيح شحيح، يأمل العيش ويخاف الفقر. رواه ابن المبارك في "الزهد"، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمفسرون، وصححه الحاكم موقوفًا ومرفوعًا (٢). ويؤيده ما رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح، تأمَلُ البَقاءَ وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلا تُمْهِلَ حَتَّى إِذا [بَلَغَتِ] الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا، لِفُلانِ كَذا؛ أَلا وَقَدْ كانَ لِفُلانٍ" (٣). قلت: وفي قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ يعني: المال: إشارةٌ إلى أن محبة المال لا تناقض البر، ولا تُخرج العبد عن كونه بارًّا إلا إذا

стр. 1555

[منعه] (١) حب المال عن إنفاقه فيما يجب عليه كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٧ - ٢٠]. قال ابن عباس، وقتادة: أي: شديدًا. رواهما ابن جرير (٢). وقال الحسن في قوله: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]: من طيب، أو خبيث. وفي قوله: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]؛ فاحشًا. رواه ابن أبي حاتم (٣). وعليه يحمل حديث الحسن مرسلاً: "حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ". رواه البيهقي في "الشعب" (٤). ويحتمل أن يكون معناه: أول كل خطيئة، أو: مبدؤها. وروى الطبراني -بإسناد حسن- عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ أُشْرِبَ حُبَّ الدُّنيا الْتاطَ مِنْها بِثَلاثٍ: شَقاءٍ لا يَنْفَدُ عَناؤُهُ، وَحِرْصٍ لا يَبْلُغُ غِناهُ، وَأَمَلٍ لا يَبْلُغُ مُنْتَهاه" (٥). وأما قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]؛ فقال مجاهد:

стр. 1556

وهم يشتهونه. رواه البيهقي في "شعبه"، وغيرها، وفهم ذلك غيره من المفسرين (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن أم الأسود سُرِّيةِ الربيع بن خُثيم قالت: كان الربيع يعجبه السكر يأكله، فإذا جاءه السائل ناوله، فقلت: ما يصنع بالسكر؟ الخبز خير منه. فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] (٢). وعنده أنه يجوز أن يكون الضمير في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] عائدًا إلى اسم الله تعالى لتقدمه في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]؛ أي: يطعمون الطعام لأجل محبة الله تعالى ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨، ٩]. قال مجاهد: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب فيه راغب. رواه البيهقي، وغيره (٣). وروى إسحاق الختلي في كتاب "الديباج" عن ثور بن يزيد قال: مكتوب في بعض الكتب: القلب المحب لله يحب النَّصَب لله (٤)؛ فلا

стр. 1557

تظن يا ابن آدم أن قدرك رفعه البر بغير مشقة. وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" عن داود الطائي رحمه الله تعالى قال: البر همة التقي (١)؛ ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله (٢). وقال ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]: لن تصلوا إلى القربة وأنتم متعلقون بحظوظ أنفسكم (٣). ويجمع بينه وبين كلام الطائي بأنه في حال تعلق قلبه بالحظوظ لا بر له، غير أن لقلبه تعلقًا بربه في أصل الفطرة، فهذا لاحظته عين العناية تحركت دواعي الإيمان من قلبه فردته إلى أصل فطرته، كفرت ذنوبه فظهرت حظوظه، فإن غلب عليه ذلك فهو بَرٌّ، وإن استقام عليه فهو صِدِّيق. وأقول: إنما كان نيل البر بإخراج بعض الباب وإنفاقها لأن الإيمان عبارة عن التصديق بالله، وبربوبيته وألوهيته، ولا يتم ذلك إلا بمحبته بدليل أن العبد لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما في الحديث الصحيح (٤)؛ فالمؤمن يدعي المحبة بإيمانه لأنها من لوازم

стр. 1558

الإيمان, فلا يبر في دعواه إلا بإخراج بعض محابه من قلبه لأجل الله تعالى. وعليه: فالبر في الآية بمعنى الصديق، كما يقال: بَرٌّ في يمينه؛ أي: ذا صدق. ويظهر حينئذ حبه تسمية كل طاعة بر لأنها تظهر بر صاحبها؛ أي: صدقه في دعواه الإيمان والمحبة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الرقة والبكاء" عن مضر رحمه الله تعالى قال: اجتمعنا ليلة على الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فقال رجل من المار: [من الكامل] ما لِلْمُحِبِّ سِوى إِرادَةِ حِبِّهِ ... إِنَّ الْمُحِبَّ بِكُلِّ خَيْرٍ يَضْرَعُ (١) قال: فبكى مسلم حتى خشيت أن يموت. وقوله: سوى إرادة حِبِّه؛ أي: ما لَهُ سوى مراد حِبِّه وإن خالف مراد نفسه كما قيل: [من الوافر] أُرِيدُ وِصالَهُ وُيرِيدُ هَجْرِي ... فَأَتْرُكُ ما يُرِيدُ لِما يُرِيدُ (٢)

стр. 1559

فهو أبدًا متضرع إلى الله، متوسل إليه بكل عمل صالح طلبًا لرضى مولاه كما قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. فالأبرار هم المريدون لوجه الله تعالى، ولَمَّا أرادوا وجهه دون غيره عوضهم عما [أ] عرضوا عنه في الدنيا لوجهه بما عنده في الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. [ ... ] (١) بعباده قوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وأتى بـ: (من) التبعيضية؛ أي: بعض ما تحبون. ولو قال: حتى تنفقوا ما تحبون، لكان الأمر في غاية الشدة، فما أنفقوه أنفقوه لأمره، وما أمسكوه أمسكوه للقيام بأمره؛ فإنهم وما يملكون ويحبون لله تعالى، وتصرفهم فيما بأيديهم للخلافة عنه كما قال ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. والمحققون من العارفين يقولون: كل محبوب لنا هو المراد إنفاقه منا؛ فمنهم من خرج عن كل محبوباته، واقتصر على حاجته والضرورة، كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين تصدق بكل ماله لله تعالى، وكذلك فعل كثير من المهاجرين كأهل الصُّفة رضي الله تعالى عنهم. ومنهم من عمد إلى أحب أمواله إليه، فخرج عنه لله تعالى كما فعل

стр. 1560

عمر، وابنه، وأبو طلحة فيما نقلناه عنهم آنفًا. ومنهم من فهم أن المراد بالبعض المراد إنفاقه من المحبوبات هو نفس العبد المنفق، ومعنى إنفاقها: بذلها في طاعة الله تعالى في كل أحوالها وأوقاتها، وإذا خرجت عن نفسك [ .... ] (١) ما كان لها صار تبعًا لها لأن العبد وماله لسيده. ولذلك قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: بذل الْمُهَج يصل العبد إلى بر حبيبه وقُرب مولاه، ثم قرأ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (٢). وقال أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه: لن تنالوا محبة الله حتى تسخوا بأنفسكم لله (٣). وقال يحيى العلوي رحمه الله تعالى: أحب الأشياء إليك روحك؛ فاجعل حياتك نفقة عليك لكي تنال برَّ الله لك (٤). نقل هذه النصوص السلمي في "حقائقه". وقد قلت: قمت من الأبوابِ أَقْصِدُ سادَتي ... وَجِئْتُ إِلَيْهِمْ وافِيًا بِأمانتَي

стр. 1561

[ ............... ] وَقالَ ... وحَالٍ وقالٍ وَافتِقارٍ وفاقَتِي وَمِنْ بَعْدِها وافَيْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ ... بِرُوحِي كَما شاؤُوا عَلى كُلِّ حالَةِ فَإِنْ يَقْبَلُوا مِنِّي فَمِنْ بَعْضِ فَضْلِهِمْ ... وَإِلا فَما قَدْرِي وَقَدْرُ بِضاعَتِي عَلى أنَّها في الأَصْلِ مِنْ فَيْضِ جُودِهِمْ ... بِها أَنْعَمُوا مِنْ قَبْلُ قَبْلَ البِدايَةِ فَلا أَعِزُّ وَإِن عادَتْ إِلَيْهِمُ وَإِنْ رَضُوا ... إِلَيْهِمْ مَصِيرًا مِنْ عِنْدِ النِّهايَةِ رُدَّتْ أَماناتٌ لِلْكِرامِ [ .... ] ... قِيامًا بِطاعاتٍ لَهُمْ وَعِبادتي وَجائِزتي مِنْهُمْ رِضاهُمُ وَحَيْثُما ... رَضوني فَيا فَوْزِي بِهِمْ وَسعادَتِي إِلَهِي أَعِذْنِي مِنْ سِواكَ فَإنَّنَي ... أَرَدْتُكَ قُلْتُ يا رَبِّ فَحَقَقْ إِرادتي وروى الطبراني في "الأوسط" -بسند صحيح - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُكُمْ راعٍ، وَكُلُكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَعِدُّوا

стр. 1562

لِلْمَسائِلِ جَواباً". قالوا: وما جوابها؟ قال: "أَعْمالُ البِرِّ" (١). وصدق ﷺ ؛ فإن الأعمال التي يجاب بها الجواب الذي يخلص المجيب من العهدة في كل حال يسأل عنه من الأحوال المشار إليها بقوله ﷺ : "لا تَزُولُ قَدما عَبْدٍ حَتَّى [يُسْأَلَ] عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمرِهِ فِيما أَفْناهُ، وَعَنْ عَمَلِهِ فِيما فَعَلَ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيما أَبْلاهُ". رواه الترمذي -وصححه- عن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه (٢). وروى البزار، والطبراني -بإسناد صحيح - عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزولُ قَدما عَبْدٍ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصالٍ: عَنْ عُمرِهِ فِيما أَفْناهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيما أَبْلاهُ, وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أنفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ فِيهِ" (٣). وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ

стр. 1563

قال: "لا تَزُولُ قَدما عَبْدِ مِنْ عَبِيدِ رِّبهِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمرِهِ فِيما أفْناهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيما أَبْلاهُ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَماذا عَمِلَ فِيما عَلِمَ" (١). عدَّها في حديث ابن مسعود خمساً لأنه جعل في المال مسألتين، وجعلها خصلة واحدة في حديث أبي برزة، ومعاذ باعتبار أن المسؤول عنه المال، وهو واحد، والمسؤول عنه في الخصال كلها؛ أي: فيما أفنى عمره وأبلى شبابه من الأعمال، ومن كسبه المال وإنفاقه، وهما من الأعمال، ولذلك سُئل عن العلم: هل عمل به أو لا؟ وقوله في حديث أبي برزة: "فِيما فَعَلَ" معناه: هل فعل ما فعل بعلم أو بجهل؟ فلا ينفعه في كل ذلك إلا أن يجيب بأعمال البر، ولا تكون أعمال برِ إلا بالإخلاص والصدق فيها. وقد سبق في الآية المشار إليها سابقا من أعمال البر أمهاتها. - ومنها: تلاوة القرآن - وهي من جملة الصلاة الْمُثْنَى بإقامتها على الأبرار في الآية المتقدمة - وكتابته. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].

стр. 1564

قال قتادة: هم القراء. رواه ابن المنذر. وروى هو وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]؛ قال: بالنبطية؛ القراء (١). ورويا عنه أنه قال: سفرة: كَتَبة (٢). وروى عبد الرزاق مثله عن قتادة (٣). ورواه الخطيب في "تاريخه" عن عطاء بن أبي رباح (٤). وروى الإِمام أحمد، والستة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الْماهِرُ بِالقُرْاَنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ" (٥). وروى الطبراني في "الصغير" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛ يُحِلُّ حَلالَهُ، وُيحَرِّمُ حَرامَهُ، حَرَّمَ اللهُ لَحْمَهُ وَدَمَهُ على النَّارِ، وَجَعَلَهُ رَفِيقَ السَّفَرَةِ الكِرامِ

стр. 1565

البَرَرَةِ؛ حَتَّى إِذا كانَ يَومُ القِيامَةِ كانَ القُرآنُ حُجةً لَهُ" (١). وفي "الأوسط" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي ﷺ : متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما سيدا أعمال أهل البر؟ قال: "إِذا أَصابَكُمْ ما أَصابَ بني إِسْرائِيلَ". قلت: يا رسول الله! وما أصاب بني إسرائيل؟ قال: "إِذا داهَنَ خِيارُكُمْ فُجَّارَكُمْ، وَصارَ الفِقْهُ في شِرارِكُمْ، وَصارَ الْمُلْكُ في صِغارِكُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَلْبَسُكُمْ (٢) فِتْنةٌ تَكُرُّونَ وُيكَرُّ عَلَيْكُمْ" (٣). وعنه ﷺ أنه إذا أصاب هذه الأمة هذا الأمر سقط عنهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب ما يترتب عليه من الضرر حينئذ، ولا يبقى منه مطلوبًا حينئذ إلا إنكار القلب؛ فإنه لا يسقط عن العبد أصلًا؛ إذ لا ضرر عليه فيه. وروى ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: من

стр. 1566

صِدق الإيمان وبرِّه: إسباغ الوضوء في المكاره، ومن صدق الإيمان وبره: أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية فيدعها؛ لا يدعها إلا لله (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن محمَّد بن يزيد قال: قرأت في بعض الكتب: قيل للذين يتظامؤون ويتجوعون للبر: أولئك الذين يأوون في حظيرة القدس عندي (٢). وروى الإِمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَ البِر الصِّيامُ في السَّفَرِ" (٣). وروى أبو نعيم عن عروة بن رويم رحمه الله تعالى قال: من ركع ركعتي الفجر، ثم صلى صلاة الصبح في جماعة، كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار، وكتب يومئذ في وقد المتقين (٤). وروى ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ في قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ فِيما لا يَصْلُحُ، فَبِرُّهُ [أَنْ] لا يتمَّ عَلى ذَلِكَ" (٥).

стр. 1567

وروى الإمامان؛ مالك، وأحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِينِ، فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها، فَلْيَأتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفرْ عَنْ يَمِينِه" (١). وروى الأصبهاني، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: البر شيء هين؛ وجه طليق، وكلام لين (٢). وزاد بعض الأدباء قبل هذا الكلام "بَنيَّ" مضعَّف "بُنيَّ"، فصار بيتًا منظوما من بحر الرجز. وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصَلاةُ عَلى وَقْتِها". قلت: ثم أي؟ قال: "بِرُّ الوالِدَينِ". قلت: ثم أي؟

стр. 1568

قال: "الْجِهادُ في سَبِيلِ الله" (١). قدَّم برَّ الوالدين على الجهاد، ومحله إذا كانا مسلمين. ورويا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: "أَحَيٌّ والِداكَ؟ ". قال: نعم. قال: "فَفِيهِما [فَجاهِدْ] " (٢). يا مَنْ لَهُ والِدَةٌ وَوالِدْ ... مَتَى تُجاهِدْ فِيهِما تُجاهِدْ فَإِنَّ مَنْ يَبَرَّ والِدَيهِ أَوْ ... مَنْ كانَ مِنْهُما كَمَنْ يُجاهِدْ رَوى البُخارِي وَمُسْلِمٌ ... عَنِ النَّبِيِّ هَذا وَنِعْمَ الشَّاهِدْ وروى الإِمام أحمد -بسند حسن- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ في عُمرِهِ، وُيزادَ لَهُ في رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٣). وروى أبو يعلى، والطبراني، والحاكم -وصححه- عن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ بَرَّ وَالِدَيهِ طُوبَى

стр. 1569

لَهُ، زادَ اللهُ في عُمره" (١). ومعنى الزيادة في العمر وفي الرزق: أن يكون فيهما بركة بأن يصرف العمر في الطاعة، ويستعان بالرزق عليها؛ فإنَّ من صرف معظم عمره في المعصية أو في البطالة، واستعان برزقه على غير الطاعة، ظهر النقصان في عمره ورزقه. وروى الترمذي -وحسنه- عن سلمان رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَرُدُّ القَضاءَ إلا الدُّعاءُ، وَلا يَزِيدُ في العُمرِ إِلاَّ البِرُّ" (٢). ويحتمل أن يريد بالبر برَّ الوالدين، فتكون الألف واللام للعهد، ويؤيده حديث معاذ بن أنس. وُيحتمل أن يريد به مطلق البر، وهو"الإحسان مطلقًا، ويؤيده إذا فسرنا الزيادة في العمر بالطاعة، وهي: البرُّ بعينه، فالعمر المصروف في الطاعة أزيدُ من قدره المصروف معظمه، أو بعضه في المعصية أو في الطاعة. وفيه تأويل آخر: أن يكون سبق في قضاء الله تعالى أن هذا العبد إن

стр. 1570

برَّ كان عمره كذا، وإلا كان كذا دون ذلك، وكذلك يكون القضاء مشروطاً بترك الدعاء. وسبق في القضاء أنه إن دعا رُدَّ عنه القضاء. وروى الطبراني -بإسناد حسن- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "بِرُّوا آباءكمْ تَبَرَّكُمْ أَبْناؤُكُمْ، وَعفُّوا تَعِفَّ نِساؤُكُمْ" (١). وروى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ [قال]: "عفُّوا عَنْ نِساءِ النَّاسِ تَعفَّ نِساؤُكُمْ، وَبِرُّوا آباءكمْ تَبَرَّكُمْ أَبناؤُكم" (٢). وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ وَلَدٍ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ إِلاَّ كتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً". قالوا: وإن نظر كل يوم مئة نظرة؟

стр. 1571

قال: "نعَمْ؛ اللهُ أكبَرُ وَأَطْيَبُ" (١). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا نظرَ الوالِدُ إِلَى وَلَدهِ فَسُرَّ بِهِ، كانَ لِلْوَلَدِ عِتْقُ نسمَةٍ". قيل: يا رسول الله! وإن نظر ستين وثلاثمئة نظرة؟ قال: "اللهُ أكبَرُ مِنْ ذَلِكَ". أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢). وروى البيهقي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنَوْمُكَ عَلى السَّرِيرِ بِرًّا بِوالِدَيكِ، فَيَضْحَكانِ، وَيَضْحَكانِ لَكَ، أفضَلُ مِنْ جِهادِكَ في سَبِيلِ الله بِالسَّيْفِ" (٣). وروى هو والحاكم -وصححه- عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أذنبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ : "ألكَ والِدانِ؟ ". قال: لا. قال: "أَلَكَ خالةٌ؟ ".

стр. 1572

قال: نعم. قال: "فَبِرَّها إِذَن" (١). وروى مسلم عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار، فقلنا: له: أصلحك الله! إنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير. فقال ابن عمر: إن هذا [أبا] هذا كان ودًّا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أَهْلِ وِدِّ أَبِيهِ" (٢). وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي بردة قال: قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: تدري لم أتيتك؟ قلت: لا. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَباهُ في قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إِخْوانَ أَبِيهِ [بعده] "؛ وإنه كان بين أبي عمَر وبين أبيك إخاءٌ،

стр. 1573

فأحببت أن أصل ذلك (١). وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: والذي بعث محمدًا ﷺ أُنزل في كتاب الله: لا تقطع من كان يصل أباك؛ فيطفئ بذلك نورك (٢). وروى الحكيم الترمذي، وابن أبي الدنيا، والبيهقي عن محمَّد بن النعمان -معضلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "كُل مَنْ زارَ قَبْرَ أَبَوَيهِ أَوْ أَحَدِهِما في كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ، وَكُتِبَ بَرًّا" (٣). وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٤). وروى ابن قانع في "معجمه" عن أبي سيد مالك بن زرارة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "اسْتِغْفارُ الوَلَدِ لأَبِيهِ بَعْدَ مَوْتهِ مِنَ البِرِّ" (٥). قلت: وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي

стр. 1574

صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. وفي قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي﴾ [الإسراء: ٢٤] إشارةٌ إلى أن البر والإحسان إلى الوالدين شكرًا لتربيتهما إياه، ولا شك أن من البرّ شكر الصنيعة. روى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن المهاجرين قالوا: يا رسول [الله]! ذهب الأنصار بالأجر كله. قال: "لا؛ ما دَعَوْتُمْ لَهُمْ، [وَ] أثنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" (١)؛ أي: فأنتم كذلك تشاركونهم في الأجر. فالأبوان كانا يحسنان إلى الولد ويرحمانه، ويسألان الله له الخير والرحمة، فأمره الله بالإحسان إليهما والدعاء بالرحمة لهما جزاءً. وكذلك كل محسن، فجزاؤه الإحسان والبر. وروى أبو داود، وابن ماجه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! هل يبقى من أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: "نَعَمْ؛ الصَّلاةُ عَلَيْهِما، وَالاسْتِغْفارُ لَهُما، وإيفاءُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِما، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوْصَلُ إِلاَّ بِهِما، وَإِكْرامُ صَدِيقِهِما" (٢). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، وزاد في آخره: قال الرجل:

стр. 1575

ما أكثر هذا وأطيبه! قال: "فَاعْمَلْ بِهِ" (١). وروى البيهقي، والأصبهاني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ لَيَمُوتُ والِداه أَوْ أَحَدُهُما وَإِنَّه لَهُما لَعَاقٌّ، فَلا يَزالُ يَدْعو لَهُما وَيَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتَّى يَكْتُبَهُ اللهُ بارًّا" (٢). والبيهقي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما، ثم قضى دينا كان عليهما، أو استغفر لهما, ولم يستسب لهما، كتب بارًا، ومن بر والديه في حياتهما، ثم لم يقض دينًا إذا كان عليهما, ولم يستغفر لهما، واستسب لهما، كان عاقًا (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَجَّ عَنْ والِدَيهِ، أَوْ قَضى عَنْهُما مَغْرَمًا، بَعَثَهُ اللهُ أُمَّةً يَومَ القِيامَةِ مِنَ الأَبْرارِ" (٤). وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وعبد بن حميد، وابن أبي

стр. 1576

الدنيا في "المداراة"، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء؛ كما أن لوالدك عليك حقًا، كذلك لولدك عليك حقًا (١). ورواه الطبراني، وغيره مرفوعًا (٢)، والموقوف أصح. وروى ابن أبي الدنيا عن عمران بن عبد الله الخزاعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "والِدَيكَ". قال: ليس لي والدان. قال: "بِرَّ وَلَدَكَ" (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَعِينُوا أَوْلاكمْ عَلى البِرِّ؛ مَنْ شاءَ اسْتَخْرَجَ العُقُوقَ لِوَلَده" (٤).

стр. 1577

وروى البيهقي، وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن أباه أتى به النبي ﷺ ، فقال: إني نَحَلتُ ابنِيَ هذا نِحْلةَ؛ غلامًا كان لي. فقال: "لِكُلِّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذا؟ ". قال: لا. قال: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في البِرِّ سَواءَ؟ ". قال: نعم. قال: "فَلا إِذَن". وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" (١). وفي رواية البخاري قال: "اتَّقُوا الله، وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلادِكُمْ" (٢). وروى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا كان عند النبي ﷺ ، فجاء ابنٌ له، فقبَّله وأجلسه على فخذه، وجاءت بُنَيَّة له، فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : "أَلا سَوَّيتَ بَيْنَهُمْ" (٣)! وروى أبو عمرو النوقاني في "معاشرة الأهلين" عن الشعبي

стр. 1578

رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ والِدًا أَعانَ وَلَدَ عَلى برِّة" (١). وأخرجه أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن علي، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإسناده ضعيف (٢). وقال حجة الإِسلام في "الإحياء": جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، فشكا إليه بعض ولده، فقال له: هل دعوت عليه؟ قال: نعم. قال: أنت أفسدته (٣) وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذهِ البَناتِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ" (٤).

стр. 1579

وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "حَقُّ كَبِيرِ الإِخْوَةِ عَلى صَغِيرِهِمْ كَحَقِّ الوالِدِ عَلى وَلَدهِ" (١). وأخرجه أبو الشيخ في "الثواب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الأكبَرُ مِنَ الإِخْوانِ بِمَنْزِلَةِ الأَبِ" (٢). وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن كليب بن منفعة قال: قال جدي: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "أُمَّكَ وَأباكَ، وَأُخْتَكَ وَأخاكَ، وَمَوْلاكَ الَّذِي يَلِي؛ ذاكَ حَقٌّ واجِبٌّ، وَرَحِمٌ مَوْصُولةٌ" (٣). وروى الترمذي -وحسنه - عن علي رضي الله تعالى عنه: أن

стр. 1580

النبي ﷺ قال: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيه" (١)؛ أي: شقيق أبيه، وأخوه من أصل واحد. وروى الشيخان، والترمذي عن البراء رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْخالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" (٢). ولأبي داود نحوه من حديث علي رضي الله تعالى عنه (٣). وروى البزار -بسند صحيح- عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن جويرية رضي الله تعالى عنها قالت للنبي ﷺ : إني أريد أن أعتق هذا الغلام. قال: "أَعْطِهِ خالَكِ الَّذِي في الأَعْرابِ يَرْعَى عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِكِ" (٤). وقال الله تعالى في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ
следующие страницы →