← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الدنيا في "المداراة"، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء؛ كما أن لوالدك عليك حقًا، كذلك لولدك عليك حقًا (١). ورواه الطبراني، وغيره مرفوعًا (٢)، والموقوف أصح. وروى ابن أبي الدنيا عن عمران بن عبد الله الخزاعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "والِدَيكَ". قال: ليس لي والدان. قال: "بِرَّ وَلَدَكَ" (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَعِينُوا أَوْلاكمْ عَلى البِرِّ؛ مَنْ شاءَ اسْتَخْرَجَ العُقُوقَ لِوَلَده" (٤).

стр. 1577

وروى البيهقي، وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن أباه أتى به النبي ﷺ ، فقال: إني نَحَلتُ ابنِيَ هذا نِحْلةَ؛ غلامًا كان لي. فقال: "لِكُلِّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذا؟ ". قال: لا. قال: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في البِرِّ سَواءَ؟ ". قال: نعم. قال: "فَلا إِذَن". وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" (١). وفي رواية البخاري قال: "اتَّقُوا الله، وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلادِكُمْ" (٢). وروى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا كان عند النبي ﷺ ، فجاء ابنٌ له، فقبَّله وأجلسه على فخذه، وجاءت بُنَيَّة له، فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : "أَلا سَوَّيتَ بَيْنَهُمْ" (٣)! وروى أبو عمرو النوقاني في "معاشرة الأهلين" عن الشعبي

стр. 1578

رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ والِدًا أَعانَ وَلَدَ عَلى برِّة" (١). وأخرجه أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن علي، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإسناده ضعيف (٢). وقال حجة الإِسلام في "الإحياء": جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، فشكا إليه بعض ولده، فقال له: هل دعوت عليه؟ قال: نعم. قال: أنت أفسدته (٣) وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذهِ البَناتِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ" (٤).

стр. 1579

وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "حَقُّ كَبِيرِ الإِخْوَةِ عَلى صَغِيرِهِمْ كَحَقِّ الوالِدِ عَلى وَلَدهِ" (١). وأخرجه أبو الشيخ في "الثواب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الأكبَرُ مِنَ الإِخْوانِ بِمَنْزِلَةِ الأَبِ" (٢). وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن كليب بن منفعة قال: قال جدي: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "أُمَّكَ وَأباكَ، وَأُخْتَكَ وَأخاكَ، وَمَوْلاكَ الَّذِي يَلِي؛ ذاكَ حَقٌّ واجِبٌّ، وَرَحِمٌ مَوْصُولةٌ" (٣). وروى الترمذي -وحسنه - عن علي رضي الله تعالى عنه: أن

стр. 1580

النبي ﷺ قال: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيه" (١)؛ أي: شقيق أبيه، وأخوه من أصل واحد. وروى الشيخان، والترمذي عن البراء رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْخالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" (٢). ولأبي داود نحوه من حديث علي رضي الله تعالى عنه (٣). وروى البزار -بسند صحيح- عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن جويرية رضي الله تعالى عنها قالت للنبي ﷺ : إني أريد أن أعتق هذا الغلام. قال: "أَعْطِهِ خالَكِ الَّذِي في الأَعْرابِ يَرْعَى عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِكِ" (٤). وقال الله تعالى في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ

стр. 1581

لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٧ - ١٠]. وصفهم بالوفاء بالنذر؛ قال عكرمة: كل نذر في شكر. وقال مجاهد: إذا نذروا في حق [الله]. رواهما عبد بن حميد (١). وخوفِ يوم القيامة، وهو يتضمن الإيمان به، والتصديق بما فيه، وإطعام المساكين واليتيم والأسير في عز منه ولا رياء، والمراد: المشرك، كما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). وروى ابن مردويه، وأبو نعيم عن [أبي] سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]؛ قال: "فَقِيراً"، ﴿وَيَتِيمًا﴾ [الإنسان: ٨]، قال: "لا أَبَ لَهُ"، و ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]؛ قال: "الْمَمْلُوكُ وَالْمَسْجُونُ" (٣). وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]؛ فوصفهم الله بالصبر، وتقدم أثر عكرمة المتقدم، ووصفهم بالشكر، وهذا شطر الإيمان. وروى عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في الآية: الصبر صبران:

стр. 1582

صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله (١). قلت: وله قسم ثالث، وهو الصبر على بلاء الله تعالى. وسبق في أولي الألباب قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. روى أبو الشيخ عن محمَّد بن النصر الحارثي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، قال: على الفقر في الدنيا (٢). وروى هو وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: صبروا عن فضول الدنيا (٣). صرف معنى الصبر إلى القناعة، وهي من أخص أوصاف الأبرار. وتعين وصفهم بالصبر وصفهم بالصوم؛ ففي الحديث: "الصَّوْمُ نِصفُ الصَّبْرِ". رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، والترمذي -وحسنه- عن رجل من بني سليم (٤). وقال تعالى في أصحاب اليمين -وقد علمت أنهم الأبرار-:

стр. 1583

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٤]؛ يعني: الصوم كما رواه ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله (١) بن رفيع رحمه الله تعالى (٢). وروى ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الأَعْمالِ عِنْدَ اللهِ إِيْمانٌ لا شَك فِيهِ، وَغَزْوٌ لا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجٌّ مَبْرورٌ" (٣). وروى الإِمام مالك، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ كَفارَة لِما بَينَهُما، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيسَ لَهُ ثَواب إلا الْجَنَةُ" (٤). والبخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت:

стр. 1584

يا رسول الله! ترى الجهاد أفضل العمل؛ أفلا نجاهد؟ قال: "لَكِنْ أَفْضَلُ الْجِهادِ حَجٌّ مَبْرورٌ" (١). والإمام أحمد، والطبراني عن ماعز رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إِيْمان باللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهادُ، ثُمَ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سائِرَ الأَعْمالِ كَما بَيْنَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِها" (٢). وعن عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الأَعْمالِ حَج مَبْرورٌ أَوْ عُمرَة مَبْرورَةٌ" (٣). واختلف في بر الحج والعمرة، والأصح الأشهر -كما قال النووي- أنه الذي لا يخالطه شيء من الإثم (٤). قلت: ويؤيده حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذا البَيتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ

стр. 1585

ذُنُوبِهِ كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمه". رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١). وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عَمل أَحَبَّ إِلَيَ مِنْ جِهادٍ في سَبِيلِهِ وَحَجَّةٍ مَبْرورَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ لا رَفَثَ فِيها وَلا فُسوقَ وَلا جِدالَ" (٢). وقيل: الحج المبرور: المقبول. وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة. وهما داخلان في القول الأول. وروى ابن ماجه عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ حج على رحل رَثٍّ [وقطيفة] تساوي أربعة دراهم، وكان يقول: "اللهُمَّ اجْعَلْها حَجَّةً مَبْرُورَةً لا رِياءَ فِيها وَلا سُمْعَة" (٣). وروى الإِمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيسَ لَهُ جَزاءً إِلاَّ الْجَنَّةُ". فقيل: يا رسول الله! ما بر الحج؟

стр. 1586

قال: "إِفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ" (١). وفي رواية بدل: "إفشاء السلام": "طِيبُ الكَلامِ" (٢). وفي رواية: "لِينُ الكَلامِ". قلت: وهذا قدر زائد على خلو [الحج] (٣) من المأثم. ويجمع ما بين هذا وبين ما سبق بأن أول بر الحج خلوه من الإثم، ثم كما استكثر الحاج من الخير والبر كان أبرَّ. وقيل: الحج المبرور: الذي لا يعقبه معصية. وقال المازري: يحتمل أن يراد أن صاحبه أوقعه على سبيل البر؛ أي: الصدق بأن لا يريد به غيره، أو غير وجه الله تعالى. وقد يقال: إن هذا يرجع إلى القول الثالث. وروى ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: من حج هذا البيت لا يريد غيره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (٤). ومعنى قوله: لا يريد غيره؛ أي: غير قصد البيت؛ ليخرج من يحج بقصد التجارة، أو نحوها كالتسلية والنزهة.

стр. 1587

روى البخاري، وأبو داود، والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، ثم يقومون، فيسألون الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (١). فأجمع ما يفسر به البر: التقوى، حتى الاحتراز عن الشبهات بقدر [ .... ] (٢). قال تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وأولو الألباب هم الأبرار والصديقون. وقال النبي ﷺ : "لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتقِينَ حَتَّى يَدَع ما لا بَأسَ بِهِ حَذَراً لِما بِهِ بَأسٌ". رواه البخاري في "تاريخه"، والترمذي -وحسنه- والحاكم وصححه (٣). وروى أبو نعيم عن طاوس رحمه الله تعالى قال: حج الأبرار على الرحال (٤). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن سفيان قال: أول ما اتخذت

стр. 1588

المحامل زمن الحجاج. قال: وقال أبي: شَيَّعْتُ أمي خرجت حاخة، فما رأيت في القادسية محملاً، إنما الناس على الرحال. قال سفيان: كان يقال: حج الأبرار على الرحال (١). وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه دفع مع النبي يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديدًا، وضربًا للإبل, فأشار بسوط إليهم، وقال: "يا أيها النَّاسُ! عَلَيْكم بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِن البِرَّ لَيسَ بِالإِيضاعِ" (٢)؛ أي: بالإسراع. وروى أبو داود عنه قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وعليه السكينة، ورديفه أسامة رضي الله تعالى عنه، فقال: "يَا أيُّها النَّاس عَلَيكُم بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيسَ بِإِيْجافِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ". قال: فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى مني (٣). روى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والأزرقي في "تاريخ مكة" عن عبد الله بن عثمان بن خيثم قال: قدم علينا وهب بن منبه رحمه الله تعالى، فاشتكى، فجئنا نعوده، فإذا عنده من ماء زمزم "فقلنا: لو استعذبت؛ فإن هذا ماء فيه غلظ.

стр. 1589

قال: ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره، والذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب الله زمزم، لا تنزف ولا تدم، وإنها لفي كتاب الله برءٌ، وشراب الأبرار، وإنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد، فيشرب منها حتى يتضلع، إلا نزعت منه داءً، وأحدثت له شفاءً (١). وروى الأزرقي، وأبو نعيم في "الطب النبوي" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار. قيل له: ما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب. قيل له: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم (٢). وروى الأزرقي عن عكرمة بن خالد قال: بينا أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس؛ إذ نفر يطوفون عليهم ثياب بيض، لم أرَ بياض ثيابهم بشيء قط، فلما فرغوا صلوا قريبًا، فالتفت بعضهم، فقال لأصحابه: اذهبوا بنا نشربْ من شراب الأبرار.

стр. 1590

فقاموا فدخلوا زمزم، فقلت: والله لو دخلت على القوم فسألتهم! فقمت فدخلت، فإذا ليس فيها أحد من البشر (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: ليس البرُّ في حسن اللباس والزي، ولكن البرَّ السكينة والوقار. وروى أبو يعلى عن عمار رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما تَزيَّنَ الأَبْرارُ بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا" (٢). وروى أبو نعيم عنه: أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "يا عَلِيُّ! إِنَّ اللهَ قَدْ زَّيَنَكَ بِزِينَةٍ لَمْ يَتَزَيَّنِ العِبادُ [بِزِينَةٍ]، أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْها، هِيَ زِينة الأَبْرارِ عِندَ اللهِ؛ الزُّهْدِ في الدنْيا، فَجَعَلَكَ لا تَرْزَأُ مِنَ الدُّنْيا شَيئًا، وَلا تَرْزَأُ الدُّنْيا مِنكَ شَيئًا، وَوَهَبَ لَكَ حُبَّ الْمَساكِينِ، فَجَعَلَكَ تَرْضى بِهِمْ أتباعًا وَيرْضَوْنَ بِكَ إِمامًا" (٣). ويروى أن في بعض الكتب [ ... ] (٤).

стр. 1591

وروى الخطيب في "الجامع"، وابن عساكر، وغيرهما عن سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "عَمَلُ الأَبْرارِ مِنَ الرِّجالِ الْخِياطَةُ، وَعَمَلُ الأَبْرارِ مِنَ النساءِ الْمِغْزَلُ" (١). و[ ... ] (٢) الأبرار من شأنهم الأكل من عمل اليد، لكنهم يختارون الخياطة للرجال، والمغزل للنساء لأنهما صنعتان لطيفتان نظيفتان لا يشغلان الصانع عن ذكر الله تعالى، ولا عن التفكر في مصنوعاته. لكن من شأنهم أن لا يعينوا على إثم، فلا يخيطيون ما لا يجوز لبسه للرجال كالحرير الصِّرف، وما أكثرُه حرير، ولا للرجال ولا للنساء كالثوب [ .... ] لأن ذلك كله من باب التعاون على الإثم، وليس ذلك من عمل الأبرار. وكذلك [ .... ] هم لا يقتصرون على هذه الحرفة، وإنما هو من أعمالهم، وإنما شأنهم الأكل من عمل اليد. وفي حديث "البخاري" عن المقدام رضي الله تعالى عنه: "ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعامًا خَيراً مِنْ أَنْ يَأكلَ مِنْ عَمَلِ يَدهِ، وَإِن نبِيَّ الله تَعالَى دَاودَ

стр. 1592

كانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدهِ" (١). والمشهور من عمل داود ﵇ أنه كان زرَّاداً يعمل الدروع. وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠، ١١]. قال ابن شوذب رحمه الله تعالى: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعًا، فيبيعها بستة آلاف درهم؛ ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل [الخبز] حواري. رواه الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢). ويروى أنه ﵇ كان يعمل الخوص أيضًا. قال في "الإحياء": وقد كان غالب أعمال الأخيار من السلف عشر صنائع: الخوز، والتجارة، والحمل، والخياطة، والحذو، والقصارة، وعمل الخفاف، وعمل الحديد، وعمل المغازل، ومعالجة صيد البر والبحر، والوراقة (٣). وهذا باعتبار غالب صنائعهم، وإلا فقد كان من السلف بزَّازون، وخفَّافون، وحاكةٌ، وأبَّارون. روى الإِمام أحمد -بإسناد حسن - عن أبي هريرة رضي الله تعالى

стр. 1593

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيرُ الكَسْبِ كَسبُ العامِلِ إِذا نَصَحَ" (١). وروى هو والبزار عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قيل: يا رسول الله! أي الكسب أطيب؟ قال: "عَمَلُ الرّجُلِ بِيَدهِ"، وَكُل بَيعٍ مَبْرورٍ" (٢). وأخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عمر ﵄. ورواه البزار، والحاكم -وصححه- عن سعيد بن عمير، عن عمه - قال الحاكم: وذكر يحيى بن معين أن عم سعيد البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما - (٣). وَالبَيعُ الْمَبْرورُ] (٤): مِنْ بَرَّ: إذا صدق.

стр. 1594

أو هو البيع المقرون بالبر والإحسان من النصح والإنصاف وغيرهما. وروى الدارمي، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، وغيرهم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده ﵁: أنه خرج مع النبي ﷺ ، فرأى الناس يتبايعون، فقال: "يا مَعْشَرَ التُّجَّارِ"، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنِ اتَّقَى الله، وَبرَّ، وَصَدَقَ" (١). وقال ابن ماجه في رواية: خرجنا مع النبي ﷺ فإذا الناس يتبايعون بكرة، فناداهم: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ" (٢)، فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم، قال ... ، فذكره. وروى الترمذي وصححه، عن قيس بن أبي غرزة قال: خرج علينا رسول ﷺ ونحن نسمى السماسرة، فقال: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإثْمَ يَحْضُرانِ البَيعَ؛ فَشَوِّبُوا بَيْعَكُم بِالصدَقَةِ" (٣).

стр. 1595

وأخرجه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولفظه: كنا نسمى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة، فأتانا رسول الله في ﷺ فسمَّانا باسم هو أحسن منه، فقال: "يَا مَعْشَرَ التُجَّارِ! إِنَّ البَيع يَحْضُرُهُ الحَلِفُ وَاللغْوُ؛ فَشَوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ" (١). أي: امزجوه بالصدقة، لعل برَّ الصدقة يدفع إثم الحلف واللغو. وروى الطبراني، والبيهقي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "يَا مَعْشَرَ التجَّارِ! إِنَّ اللهَ بَاعِثُكُمْ يِوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلا مَنْ صَدَقَ، وَبرَّ، وَأَدَّى الأَمَانة" (٢). ومعنى تأدية الأمانة أن لا يكتم عيبًا يعلمه. وروى ابن الجوزي عن جعفر الحذاء ﵀، قال سعيد بن حرب ﵀، عن يوسف بن أسباط ﵀ قال: ما أقدم عليه أحدًا من هذه الأمة: البر عشرة أجزاء؛ تسعة منها في طلب الحلال، وسائر البر في جزء واحد (٣).

стр. 1596

وروى أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العِبَادَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ؛ تِسْعَة مِنْهَا في الصَّمْتِ، وَالعَاشِرُ كَسْبُ اليَدَيْنِ مِنَ الحَلالِ" (١). قال العراقي: وهو منكر (٢). وأورده في "الإحياء" بلفظ: "العِبَادهَ عَشَرةُ أَجْزَاءٍ؛ فَتِسْعَةٌ مِنْهَا في طَلَبِ الحَلالِ" (٣). وروى إبراهيم الحربي في "غريبه" عن نعيم بن عبد الرحمن - قيل: وهو من الصحابة، والأصح أنه تابعي كما قال ابن أبي حاتم، وابن حبان (٤)، وبقية رجاله ثقات -؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالتِّجَارَةِ؛ فَإِنَّ فِيْهَا تِسْعَةَ أَعشَارِ الرزْقِ" (٥). وروى الديلمي، وابن النجار في "تاريخه" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ! لا تَغْلِبَنَكُمُ المَوَالِي عَلى التَّجَارَةِ؛ فَإِنَّ الرّزْقَ عِشْرُونَ بَابًا؛ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْهَا لِلتَّاجِرِ، وَواحدٌ لِلصَّانِعِ،

стр. 1597

وَمَا أَمْلَقَ تَاجِرٌ صَدُوقٌ، إِلا تَاجِرٌ حَلافٌ مَهِيْنٌ" (١). وهذا لا يلزم منه تفضيل التجارة على الحرفة؛ فقد قال كثير من العلماء: إنَّ الزراعة أفضل من التجارة، وفي الحرفة مهنة، وفي التجارة سلطنة (٢). وروى أبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "اطلُبُوا الرزْقَ فِيْ خَبَايَا الأَرْضِ" (٣)؛ يعني: الزراعة. وأخرجه الدارقطني في "أفراده" والبيهقي بلفظ: "الْتَمِسُوْا" (٤). وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]: إن فيه دليلاً على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس،

стр. 1598

والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب اللهُ به المثل. ثمَّ ذكر أنَّ الزراعة من فروض الكفايات. قال: ولقي عبد الله بن عبد الملك ابن شهاب الزهريّ، فقال: دلني على مال أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول: [من الطويل] أقوْلُ لِعَبْدِ اللهِ يَوْمَ لَقِيْتُه ... وَقَدْ شَدَّ أَحْلاسَ الْمَطِيّ مُشَرِّقا تتَبَّعْ خَبايا الأَرْضِ وَادع مَلِيْكَها ... لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُجابَ فترْزَقا فَيُؤْيتْكَ مالًا واسِعًا ذا مَثابَةٍ ... إِذا ما مِياهُ الأَرْضِ غابَتْ (١) تَدَفُّقا (٢) واعلم أن طلب المال من حِلِّه ليصرف في محله، لا يناقض البر، كما سبق أنه لا يناقض الصلاح. وقد روى البيهقي في "الشعب" عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في أمر بلا درهم (٣). وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن معاذ بن

стр. 1599

عبد الله بن خبيب، عن أبيه، عن عمه ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا بَأْسَ بِالغِنَى لِمَنِ اتَّقَى الله، وَالصِحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خيرٌ مِنَ الغِنَى، وَطِيْبُ النَّفْسِ مِنَ النعْيِمِ" (١). وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حِلِّه؛ يعطي منه حقه، ويكفُّ بهِ وجهَهُ عن الناسِ (٢). وفي رواية: لا خيرَ فيمن لا يحبُّ هذا المال؛ يصلُ بهِ رحِمَهُ، ويؤدي به أمانته، ويستغني به عن خلقِ ربهِ (٣). وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه ترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار، وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني، وفي رواية: [ترك مئة دينار، وقال] (٤): أصون بها ديني وحسبي (٥). واكتساب المال وجمعه بحسن النية مع الاهتمام لأمر آخرته، من

стр. 1600

أعمال البر، مع الاقتصاد في الطلب، وترك التكاثر؛ لقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] الآية. وقال رسول الله ﷺ : "أجملُوا (١) في طَلَبِ الدُّنيَا؛ فَإِنَّ كُلًّا مُيسَّرٌ لِما خُلِقَ لَه". وفي رواية: "لِما كُتِبَ لَهُ مِنْهَا". رواه ابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن أبي حميد ﵁ (٢). وروى ابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّهَا النَّاسُ! اتّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلوا في الطَّلَبِ؛ فَإِنَّ نفسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوفيَ رِزْقَهَا وإنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا الله وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى إِبرَاهِيْمَ ﵇: يِا خَليْليْ! حَسِّنْ خُلُقَكَ وَلوْ مَعَ الكُفَّارِ، تَدْخُلْ مَدَاخِلَ الأَبْرَارِ، وإن كَلِمَتِي سَبقَتْ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ

стр. 1601

أَنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشْي، وَأَنْ أَسْقِيَهُ مِنْ حَظِيْرَةِ قُدُسِي، وَأَنْ أُدْنِيَهُ مِنْ جِوَارِي" (١). قلت: وقد سبق في الحديث تفسير البِر بحُسنِ الخُلُقِ، وهو شامل للسخاء، والكرم، والحياء، والخوف، والرجاء، والحلم، والصبر، والعفو، والصفح، والاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الغضب، والشهوة، ومخالفة النفس والهوى، والتوكل، والثقة بالله، والاستعانة به، والتفويض إليه والتسليم؛ وكل ذلك من صفات الأبرار. وروى أبو نعيم في (الحلية) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ كُنُوزِ البر كِتْمَانُ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ وَالصَّدَقَةُ (٢) " (٣). وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: ثلاث من كنَّ فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام (٤). وروى الإِمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: من سقى

стр. 1602

مؤمناً على ظمأ، سقاه الله يوم: القيامة من الرحيق المختوم (١). وهذا شراب الأبرار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٢٣ - ٢٥]. وروى أبو نعيم عن عمر بن ذر رحمه الله تعالى قال: من أجمع على الصبر في الأمور فقد حوى الخير، والتمس معاقل البر، وكمال الأجور (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "الورع" عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال لجلسائه: ما الذي نقيم به وجوهنا عند الله يوم القيامة؟ قال بعض القوم: الصلاة، قال عمر: قد يصلي البَرّ والفاجرُ، قالوا: الصيام، قال عمر: قد يصوم البَرُّ والفاجِرُ، قالوا: الحج، قال عمر: قد يحج البَرُّ والفاجر، قال عمر: الذي نقيم به وجوهنا عند الله أداء ما افترض علينا، وتحريم ما حرم علينا، وحسن النية فيما عند الله تعالى (٣). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار قال: قال عيسى ابن مريم ﵉: إن ابن آدم لو عمل بأعمال البر حتى يبلغ عمله عنان السماء وحب في الله ليس، [وبغض في الله ليس] (٤)،

стр. 1603

ما أغنى ذلك عنه شيئًا (١). وروى أبو نعيم عن الحارث بن أسد المحابسي ﵀ قال: حدثني الحسن بن أحمد الشامي قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يقول: قرأت في التوراة: إن الأبرار الذين يؤمنون، والذين في سبيل خالقهم يمشون، وعلى طاعته يمضون؛ أولئك في وجه الجبار ينظرون (٢). وعن السَّرَي السَّقَطي قال: ثلاث من أخلاق الأبرار: القيام بالفرائض، واجتناب المحارم، وترك الغفلة. قال: وثلاث من أخلاق الأبرار يبلغنَ بالعبد رضوان الله: كثرة الاستغفار، وخفض الجناح، وكثرة الصدقات. قال: وثلاث من أبواب سخط الله: اللعب، والمرح، والغيبة. قال: والعاشر [من هذه الثلاث] (٣) عمود الدين، وذروته، وسنامُه: حسن الظن بالله (٤). وإنما صح أن يكون هذا عاشرًا باعتبار أنه أشار بالثلاثة التي هي من أبواب السخط إلى أضداد تركها؛ أعني السكوت، والإمساك عن اللعب، وعن المرح وعن الغيبة، وهذه أمهات الباطل، ومن أكثر باطلًا على حق

стр. 1604

فليس ببار ولا مبرور، بل هو خاسر، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٧]. وروى أبو نعيم عن عبد العزيز بن أبي خالد قال: مرَّ سفيان الثوري ﵀ بالغاضري، وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله يوما يخسرُ فيه المبطلون؟ فما زالت تُعرَفُ في وجهِ الغاضري حتى لقي الله (١). وروى البيهقي في "شعبه" عن ابن عمر ﵄: أنه مرَّ على قوم وعليه بردةٌ حسناء، فقال رجل من القوم: إن أنا سلبته بردته فما لي عندكم؟ فجعلوا له شيئًا، فأتاه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! بردتك هذه لي، فقال: إني اشتريتها أمس، قال: قد أعلمتك وأنت في حرج من لبسها، فخلعها ليدفعها إليه، فضحك القوم، فقال: ما لكم؟ فقالوا له: هذا رجل بطال، فالتفت إليه، فقال له: يا أخي! أما علمت أن الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحاً أو مساءً، ليلاً أو نهارًا، ثم القبر وهول المطلع، ومنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة يوم يخسر المبطلون؟ فأبكاهم، ومضى (٢). وروى الإِمام أبو الفتوح محمَّد بن محمَّد بن علي الطائي في "أربعينه" عن أبي بكر الآجري رحمه الله تعالى قال: كان ابن المبارك كثيرًا ينشد بهذه الأبيات: [من الخفيف]

стр. 1605

اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَىْ الله ... إِذا كُنْتَ فارِغا وَمُسْتَرِيْحا وإذا ما هَمَمْتَ بِالنُّطْقِ بِالْبا ... طِلِ فَاجْعَلْ مَكانَهُ تَسْبِيْحاً فَاغْتِنامُ السُّكُوْتِ أَفْضَلُ مِنْ خَوْ ... ضٍ وَإِنْ كُنْتَ بِالْكَلامِ فَصِيْحاً (١) وروى أبو نعيم عن حبيب الفارسي رحمه الله تعالى قال: لأن أكون في صحراء ليس علي إلا ظلة وأنا بارٌ بربِّي، أحبُّ إلى من جنتكم هذه (٢). والمراد بالبر أن يكون محسنا فيما بينه وبين الله تعالى، وهو الإحسان الذي بيَّنه النبي ﷺ في حديث الصحيحين: "أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنهُ يَرَاك" (٣)؛ والمعنى أن تعبدهُ وأنت شاهده بقلبك، وهو عبارة عن حضور القلب مع الله تعالى، "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ أي: فإن لم تعبده على المشاهدة، فعلى المراقبة، بأن تعلم أنَّه رقيب

стр. 1606

عليك، مُطَّلع على سرك وعلانيتك، وهذه الصفة لا بد منها حتى يكون العبد باراً بربه . وروى أبو نعيم عن عمران بن مسلم -وهو المعروف بالقصير- قال: كان جعفر بن زيد رحمه الله تعالى يقول في كلامه: ما أحلى ذكرَك في أفواه الأبرار، وأعظمك في قلوب المؤمنين (١). فيه إشارة أن لذكر الله تعالى من أفواه الأبرار -أعني: الصادقين- مزية لم تكن لذكره من أفواه غيرهم؛ لأن كل كلام يبرز من فم متكلم يبرز وكسوة قلب ذلك المتكلم عليه، فإذا كان الكلام ذكرًا لم يكن أحسن منه، ولا أعلى. وفي الحديث الصحيح: "مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِيْ يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَريحُهَا طَيِّبَهٌ" (٢). وروى أبو نعيم عن إبراهيم بن شيبان رحمه الله تعالى قال: من أراد أن يكون معدودًا في الأحرار، مذكوراً عند الأبرار، فليخلص عبادة ربه؛ فإن المحقق في العيون مُسَلَّم من الأغيار (٣). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخلاص والنية" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: إنَّ الأبرار تغلي قلوبهم بأعمال البر؛ فانظروا

стр. 1607

ما همومكم رحمكم الله! (١). وعن يزيد الرقاشي ﵀ قال: للأبرار همم تبلغهم أعمال البر، وكفاك بهمة دعتكَ إلى خير خيرًا (٢). وعن نعيم بن صبيح السعدي -وكان يعدُّ من حكماء بني تميم- قال: همم الأبرار متصلة بمحبة الرحمن، وقلوبهم تنظر إلى مواضع العز من الآخرة بنور أبصارهم، فأهواؤهم بها متعلقة، وأنفسهم إليها منطلقة، وأعينهم نحوها طامحة، قد جلا رجاؤهم إياها عنهم كلَّ كربة، وهوَّن عليهم كلَّ شدة، مسجونون في طرق الدنيا بين أهلها، مغمومون لطول البقاء فيها عند محبة أهل الدنيا لطول العمر فيها، تخبرهم دواعي الخير من أنفسهم أنْ لا راحة لهم دون الخروج منها، والكينونة عند مسرة أهلها فيها، فأنفسهم أشد اشتياقا إلى مفارقة الدنيا من الظمآن إلى الشراب عند انقطاع الرَّجاء، سكنت مشارق الجنة قلوبهم، ومخاوف النار أجوافهم، فأهملوا لذلك العيون، وغضوا عن الدنيا لذلك الجفون، وَسَمَوْا بالقربة إلى معالي العز. وروى الدينوري في "المجالسة"، وابن أبي حاتم عن الحسن: أنه سئل عن الأبرار: من هم؟ قال: هم الذي لا يؤذون الذَّرَّ (٣).

стр. 1608

والمراد بالذَّرِّ: النمل الصغير. والمعنى: إن أذاهم مأمون لا يتوقع منهم أنهم يؤذون شيئًا حتى الذَّرَّ. ويوافق هذا ما رواه الأصبهاني في "الترغيب" عن أبي قرة ﵀ قال: دخلنا على فضيل بن عياض بمكة، فقال لي: من أين أنتم؟ قلنا: إننا من أهل خراسان، فقال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنَّ العبد لو أحسن الإحسان كلهُ، وكانت له دجاجة فأساء إليها، لم يكتب من المحسنين (١). وفي حديث النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". رواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شداد بن أوس ﵁ (٢). بل روى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إنَّما الإحسان أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك (٣). وصدق ﵇؛ لأن هذا مكافأة، وحقيقة الإحسان التفضل.

стр. 1609

وروى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله ابن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ . قال: "لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَ الوَاصِلَ الّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُه (١) وَصَلهَا" (٢). والذي أراه: أن من وصل من الإحسان إلى هذه المرتبة، فقد تجاوز إلى مقام الصديقين الأخيار. روى الحافظ عبد الرزاق، والبيهقي من طريقه عن معمر عن ابن أبي إسحاق الهمداني، عن ابن أبي حسين قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أَدلُّكُمْ عَلى خَيْرِ أَخْلاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك" (٣). قال البيهقي: هذا مرسل حسن. ورواه البيهقي موصولًا من حديث علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أَلا أَدُلُّكَ عَلى خَيْرِ أَخْلاقِ الأَوَّليْنَ وَالآخِرِيْنَ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: "تُعْطِيْ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ،

стр. 1610

وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ" (١). ومن حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ أَخْلاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفو عَمَّنْ ظَلَمَكَ" (٢). وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن معاذ بن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ الفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ" (٣). وروى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لَنْ يَنَالَ عَبدٌ صَرْيحَ الإِيْمَانِ حَتى يَصِلَ منْ قَطَعَهُ، وَيَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَغْفِرَ لِمَنْ شَتَمَهُ، وَيُحْسِنَ إِلى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ" (٤). ومعنى قوله: "صريح الإيمان": خالصهُ وأفضلهُ، وهي رتبةٌ الصديقية كما علمت، وهي حال أبي بكر ﵁ حين حلف أن لا ينفق على مِسْطَح بعد أن تكلم في حديث الإفك، وكان ابن خالتهِ، وكان من فقراء

стр. 1611

المهاجرين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. روى ابن المنذر عن الحسن ﵀: أنَّ أبا بكر ﵁ صار يضعف لمسطح بعد ما نزلت هذه الآية [ضعفي] (١) ما كان يعطيه (٢). قلت: وفي قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] إشارة إلى أنَّ الإحسان إلى المسيء، ووصل القاطع خلق من أخلاق الله تعالى؛ ألا ترى أن تقدير الآية: ألا تحبون أن يغفر الله لكم ما أسأتم؟ والمغفرة إحسان من الله تعالى؛ أي: عاملوا عباده الفقراء المهاجرين إذا أساؤوا إليكم بمعاملة الله لكم من إحسانه إليكم وأنتم تسيئون، وإن كانت إساءة العبد إنما تعود إليه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، والله تعالى منزهٌ عن وصول الإساءة إلى جنابه المقدس، وإنما الإشارة بذلك إلى الإنصاف من نفس العبد؛ فإنه إذا أساء وطلب الإحسان مع إساءته، ثم عامل غيره بمقابلة الإساءة بالإساءة، فما تم إنصافه، وإن كان لا سبيل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ

стр. 1612

سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤٢]. فالمنتصر بقدر حقه بارّ، والعافي عن حقه صِدِّيْقٌ، والمتجاوز عن مثل ما أسيء إليه ظالم، ولو بشيء قليل؛ لقوله تعالى: ﴿مِثْلُهَا﴾. ثم من كان مسيئاً فالأولى في حقه العفو عن أخيه المؤمن رجاءَ أن يعفى عنه، فإن أخذ حقه ثم طلب العفو عن جنايته فهو في نفسه لم يتسمْ بالإنصاف، وإن كان تحت المشيئة. وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغنا أنَّ موسى ﵇ سأل ربه فقال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أعدلُ؟ قال: من أنصف من نفسه (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ينصف الناس من نفسه يعطى الظفرَ في أمرِه، والذل في الطاعة أقرب إلى البر من التعزز في المعصية (٢). وعن عمار بن ياسر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَسْتكمِلُ العَبْدُ الإِيِمَانَ حَتَّى تَكُونَ فِيْهِ ثَلاثُ خِصَالٍ"، قلتُ: وما هن؟ قال: "الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ، والإِنْصَافُ مَنْ نَفْسِهِ، وَبَذْلُ السَّلامِ". ورواه أبو نعيم من طريق الطبراني، وزاد: "وَبَذْلُ السَّلامِ لِلعَالَمِ".

стр. 1613

وعلَّقهُ البخاري موقوفًا (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن الحسن: أنه نظر إلى القراء وهم على باب ابن هبيرة، فقال: ما أجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء؟ أما والله ما مخالطتكم مخالطة الأبرار، تفرقوا فرق اللهُ بين أرواحكم وأجسادكم، خصفتم نعالكم، وشمرتم ثيابكم، وجززتم رؤوسكم، فضحتم القراء فضحكم اللهُ، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم، فأبعد الله مَنْ أَبْعَد (٢). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن: أنه رأى على باب بعض الأمراء هؤلاء الذين يُقَالُ لهم القراء، فقال: ما يجلسكم على أبواب هؤلاء [ .... ] (٣) لا والله ما هذه مجالس الأبرار. وروى الدينوري، وأبو نعيم عن داود بن أبي هند قال: مكتوب في صحف إبراهيم ﵇: يا دنيا! ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم، وتزينتِ لهم، إني قذفت في قلوبهم بغضكِ والصدود عنكِ، وما خلقت خلقا أهون عليَّ منكِ، كل شأنك صغير، وإلى الفناء

стр. 1614

تصيرين، قضيت عليكِ يوم خلقتكِ أن لا تدومي لأحد، وأن بخل بكِ صاحبكِ وشحَّ بك، طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا من ضميرهم، وعلى الصدق والاستغناء، طوبى لهم، ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إليَّ من قبورهم النور يسعى أمامهم، والملائكة حافُّون بهمُ، حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي (١). وروى ابن عساكر في "تاريخهِ" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: قال المسيح ﵇: إنما تُطلَبُ الدنيا لتُبر؛ فتركك لها أبر (٢). وروى الدينوري عن خلف بن تميم قال: التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق رحمهما الله بمكة، فقال إبراهيم لشقيق: ما بدء أمرك الذي بلَّغك هذإ؟ فقال: سرت في بعض الفلوات، فرأيت طيراً مكسور الجناحين في فَلاَة من الأرض، فقلت: انظروا من أين رُزِقَ هذا؟ فقعدتُ حذاءه، فإذا أنا بطائر قد أقبل في منقاره جرادة، فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين، فقلت لنفسي: يا نفسُ! الذي قيض هذا الطير الصحيح لهذا الطير المكسور الجناحين في فلاة من الأرض هو قادر على أن يرزقني حيث ما كنت، قال: فتركت التكسب، واشتغلتُ بالعبادة، فقال له إبراهيم: يا شقيق! ولم لا تكون الطير الصحيح الذي أطعم العليل حتى

стр. 1615

تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي ﷺ : "أنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى" (١)، ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار، فأخذ بيد إبراهيم فقبَّلها، وقال له: أنت أستاذي يا أبا إسحاق (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى قال: الجوع رأس كل بر فيما بين السماء والأرض، ويورث العقل الدقيق (٣). وروى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن محمَّد بن النضر الحارثي رحمه الله تعالى قال: كان يقال: الجوع يبعث على البر، كما تبعث البِطنة على الأشر (٤). وروى ابن جهضم في "بهجة الأسرار" عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: أفضل ما تعبد الله به سكون القلب إلى روح نزول الرزق، وأفضل أعمال البر الصبرُ على الفقر. والصبر على الفقر والشدائد من أخلاق الأبرار، فإذا تناهى إلى الرضا كان من أخلاق الصديقين.
следующие страницы →