← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

المهاجرين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. روى ابن المنذر عن الحسن ﵀: أنَّ أبا بكر ﵁ صار يضعف لمسطح بعد ما نزلت هذه الآية [ضعفي] (١) ما كان يعطيه (٢). قلت: وفي قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] إشارة إلى أنَّ الإحسان إلى المسيء، ووصل القاطع خلق من أخلاق الله تعالى؛ ألا ترى أن تقدير الآية: ألا تحبون أن يغفر الله لكم ما أسأتم؟ والمغفرة إحسان من الله تعالى؛ أي: عاملوا عباده الفقراء المهاجرين إذا أساؤوا إليكم بمعاملة الله لكم من إحسانه إليكم وأنتم تسيئون، وإن كانت إساءة العبد إنما تعود إليه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، والله تعالى منزهٌ عن وصول الإساءة إلى جنابه المقدس، وإنما الإشارة بذلك إلى الإنصاف من نفس العبد؛ فإنه إذا أساء وطلب الإحسان مع إساءته، ثم عامل غيره بمقابلة الإساءة بالإساءة، فما تم إنصافه، وإن كان لا سبيل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ

стр. 1612

سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٣٩ - ٤٢]. فالمنتصر بقدر حقه بارّ، والعافي عن حقه صِدِّيْقٌ، والمتجاوز عن مثل ما أسيء إليه ظالم، ولو بشيء قليل؛ لقوله تعالى: ﴿مِثْلُهَا﴾. ثم من كان مسيئاً فالأولى في حقه العفو عن أخيه المؤمن رجاءَ أن يعفى عنه، فإن أخذ حقه ثم طلب العفو عن جنايته فهو في نفسه لم يتسمْ بالإنصاف، وإن كان تحت المشيئة. وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغنا أنَّ موسى ﵇ سأل ربه فقال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أعدلُ؟ قال: من أنصف من نفسه (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ينصف الناس من نفسه يعطى الظفرَ في أمرِه، والذل في الطاعة أقرب إلى البر من التعزز في المعصية (٢). وعن عمار بن ياسر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَسْتكمِلُ العَبْدُ الإِيِمَانَ حَتَّى تَكُونَ فِيْهِ ثَلاثُ خِصَالٍ"، قلتُ: وما هن؟ قال: "الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ، والإِنْصَافُ مَنْ نَفْسِهِ، وَبَذْلُ السَّلامِ". ورواه أبو نعيم من طريق الطبراني، وزاد: "وَبَذْلُ السَّلامِ لِلعَالَمِ".

стр. 1613

وعلَّقهُ البخاري موقوفًا (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن الحسن: أنه نظر إلى القراء وهم على باب ابن هبيرة، فقال: ما أجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء؟ أما والله ما مخالطتكم مخالطة الأبرار، تفرقوا فرق اللهُ بين أرواحكم وأجسادكم، خصفتم نعالكم، وشمرتم ثيابكم، وجززتم رؤوسكم، فضحتم القراء فضحكم اللهُ، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم، فأبعد الله مَنْ أَبْعَد (٢). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن: أنه رأى على باب بعض الأمراء هؤلاء الذين يُقَالُ لهم القراء، فقال: ما يجلسكم على أبواب هؤلاء [ .... ] (٣) لا والله ما هذه مجالس الأبرار. وروى الدينوري، وأبو نعيم عن داود بن أبي هند قال: مكتوب في صحف إبراهيم ﵇: يا دنيا! ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم، وتزينتِ لهم، إني قذفت في قلوبهم بغضكِ والصدود عنكِ، وما خلقت خلقا أهون عليَّ منكِ، كل شأنك صغير، وإلى الفناء

стр. 1614

تصيرين، قضيت عليكِ يوم خلقتكِ أن لا تدومي لأحد، وأن بخل بكِ صاحبكِ وشحَّ بك، طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا من ضميرهم، وعلى الصدق والاستغناء، طوبى لهم، ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إليَّ من قبورهم النور يسعى أمامهم، والملائكة حافُّون بهمُ، حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي (١). وروى ابن عساكر في "تاريخهِ" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: قال المسيح ﵇: إنما تُطلَبُ الدنيا لتُبر؛ فتركك لها أبر (٢). وروى الدينوري عن خلف بن تميم قال: التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق رحمهما الله بمكة، فقال إبراهيم لشقيق: ما بدء أمرك الذي بلَّغك هذإ؟ فقال: سرت في بعض الفلوات، فرأيت طيراً مكسور الجناحين في فَلاَة من الأرض، فقلت: انظروا من أين رُزِقَ هذا؟ فقعدتُ حذاءه، فإذا أنا بطائر قد أقبل في منقاره جرادة، فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين، فقلت لنفسي: يا نفسُ! الذي قيض هذا الطير الصحيح لهذا الطير المكسور الجناحين في فلاة من الأرض هو قادر على أن يرزقني حيث ما كنت، قال: فتركت التكسب، واشتغلتُ بالعبادة، فقال له إبراهيم: يا شقيق! ولم لا تكون الطير الصحيح الذي أطعم العليل حتى

стр. 1615

تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي ﷺ : "أنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى" (١)، ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار، فأخذ بيد إبراهيم فقبَّلها، وقال له: أنت أستاذي يا أبا إسحاق (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى قال: الجوع رأس كل بر فيما بين السماء والأرض، ويورث العقل الدقيق (٣). وروى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن محمَّد بن النضر الحارثي رحمه الله تعالى قال: كان يقال: الجوع يبعث على البر، كما تبعث البِطنة على الأشر (٤). وروى ابن جهضم في "بهجة الأسرار" عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: أفضل ما تعبد الله به سكون القلب إلى روح نزول الرزق، وأفضل أعمال البر الصبرُ على الفقر. والصبر على الفقر والشدائد من أخلاق الأبرار، فإذا تناهى إلى الرضا كان من أخلاق الصديقين.

стр. 1616

كما ذكر المحب الطبري في "الرياض النضرة" ما رواه أبو الحسن علي بن أحمد بن نعيم البصري في "جزئه" الذي ألفهُ في فضل الشيخين عن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يَا أَبا بَكْرِ! هَذَا جِبْرِيْلُ ﵇ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيقُولُ لَكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ في فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ " فبكى أبو بكر، وقال: أسخط على ربي! أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ (١). وروى أبو نعيم، والبيهقي في "الشعب"، والخطيب في "التاريخ" عن السري السقطي رحمه الله تعالى قال: قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق؛ أولئك يقولون: ماذا من الله سبق، وهؤلاء يقولون: بم يختم لنا (٢). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم ﵉؛ لو أنَّ ابن آدم عمل بأعمال البر كلها حتى يبلغ عمله عنان السماء، وحبَّ في الله ليس، وبغضَ في الله ليس، ما أغنى عنه ذلك شيئًا (٣).

стр. 1617

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (الرقة والبكاء) عن أبي عمران الجوني ﵀ قال: لكل أعمال البر جزاء، وفي كلها خير إلا الدمعة تخرج من عين العبد ليس لها قيل ولا وزن حتى تطفا منها بحار من النيران (١). وروى أبو نعيم عن أبي عبد الله الساجي (٢) ﵀ قال: خصال لا يعبد الله بمثلها؛ لا تسأل إلا الله، ولا ترد شيئًا على الله، ولا تبخل بشيء على الله؛ فإنه من عرف الله، فقد بلغ الله. قال: وقال سفيان الثوري ﵀: ليس من علامات الهدى شيء أبين من حبِّ لقاء الله، فإذا أحب العبد لقاء الله فقد تناهى في البر. قال أبو نعيم في معنى قوله: ولا تبخل على الله: يعني: تمسك لله، وتعطي لله (٣). انتهى. وأما قوله: فإنه من عرف الله فقد بلغ الله؛ أي: وصل إليه؛ أراد أنَّ الوصول إلى الله في الدنيا هو الوصول إلى معرفتهِ سبحانه. قلت: ولا شك أن نهاية البر في الدنيا معرفة الله، وفي الآخرة لقاؤه، وهما أطيب شيء في الدارين. وروى ابن جهضم عن أبي الحسن عمرو بن عثمان الصَّدَفي قال:

стр. 1618

أعمال البر كلها على وجهين؛ سر وعلانية، فمن لم يقدر على تصحيح النية فيما يعمل من السر كان فيما يعلن من عمله أبعد، ومن قدر على تصحيح النية في العلانية كان فيما يسر من عمله أقوى، ومن لم يقدر على تصحيح النية في القليل من العمل كان في الكثير منه أبعد. وهذا موافق لما تقدم عن أبي عامر السكوني ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تَمَامُ البِرِّ أَنْ تَعْمَلَ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ" (١). وقال أبو عبد الرحمن السلمي في "الحقائق" في قول تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]: من رضيت ظواهرهم للخلق، وبواطنهم لك. وقال: قال أبو عثمان: الأبرار هم الذين أسقطوا عن أنفسهم أشغال الدنيا، واشتغلوا بما يقربهم إلى مولاهم. قال: وقال سهل ﵁: الأبرار هم المتمسكون بالسنة. قال: وقال بعضهم: هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق (٢). وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت محمد ابن الفضل ﵀ يقول في قوله: إِنَّ اَلأبَرارَ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] قال: في التنعم بذكر مولاهم، ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]: في

стр. 1619

التقلب في الشهوات والغفلات (١). وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٢] في سورة المطففين: قال أبو سعيد الخرّاز ﵀: للأبرار علامات؛ أولها: أن يكون معصومًا عن المخالفات بعصمة الله تعالى، محفوظًا بطاعة الله تعالى، لا يؤذي أحدًا من المخلوقين، ويرحم الضعفاء لضعفهم، ويعرف نعم الله عليه في جميع الأحوال، ويرى نقصانه في جميع الأحوال (٢). قلت: ومن أسماء الله تعالى: البَرُّ -بالفتح -؛ ومعناه: المحسن، والواسع الإحسان، الكثير البر، والصادق، والوَصول، والعَطوف، ويرجع معنى العطف إلى الرحمة، وغايتها إرادة الخير. وسيأتي أن من أسماء الله تعالى ما يَحسُنُ من العبد التخلُّق بهِ، ومنها البَرُّ؛ فمن أحسنَ وأكثر من الإحسان، وصَدَقَ في الكلام، وعطف على الأنام، ورحم الضعفاء فهو من عمل الأبرار. وفي الحديث المسلسل بالأولية عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الرَّاحِمُوْنَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ؛ ارْحَمُوْا مَنْ فِي الأَرْضِ، يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ". وقد رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم في "المستدرك" (٣).

стр. 1620

وروى الإِمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "الشعب" من حديثه، عن النبي ﷺ قال: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغَفَرْ لَكُمْ؛ ويلٌ لأَقْمَاعِ القَوْلِ، ويلٌ للِمُصِرِّيْنَ الَّذِيْنَ يُصِرَّونَ عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (١). وروى الإِمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن أبي هريرة، والشيخان عن جرير ﵄: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرحَمْ" (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن أبي هريرة ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقِي" (٣). وسبب ذلك أن الرحمة لا تنزع إلا من القلب القاسي، وقد قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].

стр. 1621

وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةُ القَلْبِ، وَإِنَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الله القَلْبُ القَاسِي" (١). وفيه إشارة إلى أنَّ سبب القسوة كثرة الخوض في فضول الكلام، وأن ذكر الله سبب لحصول الرحمة في القلب. وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الجلد ﵀: أنَّ عيسى ﵇ أوصى الحواريين: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وإن القاسي قلبه بعيد عن الله ولكنه لا يعلم (٢). ومن أسباب القسوة: ما رواه أبو بكر بن مردويه عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "تُوْرِثُ القَسْوَةُ في القَلْبِ ثَلاثَ خِصَالٍ: حُبَّ الطَّعَامِ، وَحُبَّ النَّوْمِ، وَحُبَّ الرَّاحةِ" (٣). قلتُ: ومن أسباب القسوة: طول العهد بالعيش، وإمهال العبد في الطيش، وذلك من مكر الله ؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].

стр. 1622

وكل شيء يوجب القسوة، أو يكون ناشئاً عنها، فليس من أخلاق الأبرار، ولا من أعمالهم. وأما ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو نعيم بإسناد صحيح، عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن في زمن أبي بكر الصديق ﵁ فسمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، قال أبو بكر الصديق: هكذا كنا، ثم قست القلوب (١). فقال أبو نعيم: معنى قوله: قست القلوب: قويت، واطمئنت لمعرفة الله تعالى (٢). وأصل القسوة الصلابة، ثم استعيرت لفساد القلب وبعده عن الخير. أو هو من: قسا الدرهم: إذا ذاق، فهو قسي. فالقساوة في كلام أبي بكر ﵁ بمعنى صلابة القلب للخير لا عن الخير، فالقساوة المذمومة صلابته عن الخير، قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. قال ابن عباس: أي: إن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون

стр. 1623

إليه من الخير. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). فالأبرار قلوبهم لينة لخلقِ الله، وصدورهم منشرحة لذكر الله تعالى، كما في الحديث: "المُؤْمِنُونَ هَينُوْنَ لَينُوْنَ كَالجَمَلِ الأَنِفِ؛ إنْ قِيْدَ انْقَادَ، وإنْ أُنِيخَ عَلى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ". رواه ابن المبارك عن مكحول مرسلاً، ووصله البيهقي عن ابن عمر ﵄ (٢). وقد اشتمل هذا الفصل على أكثر من سبعين خصلة هي من صفات الأبرار، فعليك بالاتصاف بها لتكون من الأخيار، ولا تطمح في التشبه بهم وأنتَ متصف بصفات الفجار، متخلق بأخلاق الأشرار. قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]؛ أي: لا يكون ذلك أصلاً؛ إذ لو تساووا لبَطلَ الوعد والوعيد، ولم يكن لإيراد الكتب وإرسال الرسل فائدة. وروى أبو يعلى عن أبي ذر ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ، كَذَلِكَ لا يَنَالُ الفُجَّارُ مَنَازِلَ الأَبْرَارِ" (٣).

стр. 1624

ورواه أبو نعيم عن يزيد بن مرثد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ، كَذَلِكَ لا يُنْزَلُ الفُجَّارُ مَنَازِلَ الأَبْرَارِ؛ فَاسْلُكُوْا أَيَّ طَريقٍ شِئْتُم، فَأَيُّ طَرِيْقٍ سَلَكْتُمْ وَرَدْتُمْ عَلَى أَصْلِهِ" (١). أي: من طريق الخير وطريق الشر؛ فإن الطريقين مبينان في هذه الشريعة المطهرة ليهلكَ من هلك عن بينة فتظهر الحجة عليه، ويحيا من حيَّ عن بينة، فتظهر الحجة في الإحسان إليه، ولله الحجة البالغة. قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. قال ابن مسعود ﵁: سبيل الخير، وسبيل الشر. رواه المفسرون، والطبراني، وصححه الحاكم (٢). وقال مجاهد: عرَّفناه سبيل الخير والشر. رواه ابن المنذر، وغيره (٣). وروى هو، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾؛ قال: الهدى والضلالة (٤).

стр. 1625

وروى مثله سعيد بن منصور عن محمَّد بن كعب، وابن جرير عن عكرمة، والضحاك (١). وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ؛ نَجْدُ خَيْرٍ، وَنَجْدُ شَرٍّ؛ فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِليْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ؟ " (٢). وروى ابن مردويه عن أبي هريرة نحوه، إلا أنه قال: "فَلا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ" (٣). فَنَجْدُ الْخَيْرِ هُوَ طَرِيْقُ الأَبْرارِ وَالأَخْيارِ، وَنَجْدُ الشَّر هُوَ طَرِيْقُ الْفُجَّارِ وَالأَشْرارِ. فأي طريق سلكهُ العبد أتى منه إلى منازل أهله، وكان معهم كما في حديث يزيد بن مرثد. ثمَّ إنَّ من تمام سلوك الأبرار أن يتبرأ السالك عليه من الحول والقوة؛ فإن عمل البر سلوك في طلب، والتبري من الحول والقوة وصول إلى

стр. 1626

[الله] (١) وعثور على الكنز المطلوب. وروى الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي عن قيس بن سعد بن عبادة ﵄: أن أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه، قال: فخرج عليَّ النبي ﷺ وقد صليت ركعتين واضطجعت، فضربني برجله، وقال: "أَلا أَدُلّكَ عَلى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟ " قلت: بلى، قال: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والنسائي نحوه عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بَاللهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوْزِ الجَنَّةِ" (٣). وعن أبي ذر ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "أَلا أَدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بَاللهِ" (٤).

стр. 1627

وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنه كنز من كنوز الجنة (١). وعن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى كَنْزٍ مِنْ كُنُوْزِ الْجَنَّةِ؟ تُكْثِرُوْنَ مِنْ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ" (٢). وإنما أمر بالإكثار من هذه الكلمة ليتمكن معناها في القلب، وهو البراءة من حول العبد وقوته، وهو سر الكلمة، فلا بِرَّ للعبد وهو يرى لنفسه حولاً أو قوة أو عملًا، بل من شأن البَرِّ الإزراء على نفسه والاتهام لها، فلا يرى نفسه أهلاً أن يكون من الأبرار، ألا ترى إلى قول أولي الألباب: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] لما في المعية من الإشعار بالمباينة. بل وصف الله تعالى السابقين من الأبرار بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. روى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في كتاب "الخائفين"، والحاكم وصححه، والبيهقي، والمفسرون عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا

стр. 1628

وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: "لا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُوْمُ وَيتَصَدَّقُ وُيصَلّي، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُ أَنْ لا يُقبَلَ مِنْهُ" (١). والحكمة في ذلك أنهم لا يرون أنفسهم أهلاً للقرب، ولا أعمالهم أهلاً للقَبول، ويرون أنفسهم مقصرين في حق الله تعالى. وقال الحسن: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر، ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله. رواه الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وغيره (٢). وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري ﵀: أنَّ عمر بن عبد العزيز ﵁ ضرب بيدهِ على بطنه، فقال: بطني بطيء عن عبادة ربه، متلوث بالذنوب والخطايا، يتمنى على الله منازل الأبرار بخلاف أعمالهم (٣). * تَتِمَّةٌ: روى ابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ يَسِيْرَ الرِّيَاءِ

стр. 1629

شِرْكٌ، وإنَّ مَنْ عَادَى وَلِيًّا للهِ فَقَدْ بَارَزَ الله بِالمُحَارَبَةِ، وَإِنَ اللهَ تَعَالى يُحبُّ الأَبْرَارَ الأتقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ، الَذِيْنَ إِذَا غَابُوْا لَمْ يُفْتَقَدُوْا، وإذَا حَضَرُوْا لَمْ يُدْعَوْا, ولَمْ يُعْرَفُوْا، مَصَابِيْحَ الهُدَى، يَخْرُجُوْنَ مِنْ كُل غَبْرَاءَ مُظْلِمَة" (١). وهذا الحديث فيه فوائد جليلة: - منها: أنَّ الأبرار أحباب الله تعالى، وهي محبة خاصة أخص من محبة المؤمنين المشروطة بالاتباع في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وإنما شرطت محبة الله بالاتباع لا بالمحبة؛ لأن المحبة لا تتحقق إلا به، ولذلك قيل (٢): المحبة هي موافقة الحبيب. وفي نفس الأمر لا تترتب محبة الله تعالى للعبد إلا على محبة العبد لله، فالأبرار ما كانوالله أحبابا حتى كانوا لهُ محبين، وإن كانت محبة الله سابقة على محبتهم إياه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. ومنه قول أبي يزيد ﵁: إنه غلط في بدايته في أمور؛ منها: أنه كان يحسب أنه يحب الله، فإذا محبة الله متقدمة على محبته، فإنا نقول: يحب الله تعالى العبد فيوفقه لحبه، فيحبه العبد، فيحبه الله تعالى محبة خاصة هي جزاء محبته، فالبار من العباد من وفق لمحبة الله تعالى فأحبه،

стр. 1630

وأطاعه، فأحبه الله تعالى على طاعته، وإلا لم يكن باراً، ولا بَرًّا، فالمحبة أول البر. وقد روى ابن أبي الدنيا: أنَّ رجلًا قال لبَعض العارفين: أوصني، فقال: اقتن فعل الخيرات، وتوصل إلى الله بالحسنات؛ فإني لم أر شيئًا قط أرضى للسيد مما يحب، فبادر محبته يسرع في محبتك، ثم بكى، فقال له: زدني رحمك الله! قال: الصبر على محبة الله تعالى، وإرادته رأس كل بر -أو قال -: كل خير (١). وروى أبو نعيم عن عمر بن ذر ﵀ قال: من أجمع على الصبر في الأمور، فقد حوى الخير والتمس معاقل البر وكمال الأجور (٢). وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا- عن مضر العابد قال: اجتمعنا ليلة على الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فقال رجل من الأزد: ما إِنْ جَهِدْتُ سِوَىْ إِرادةِ حُبِّهِ ... إِنَّ الْمُحِبَّ بِكُلِّ بِرٍّ يَضْرَعُ قال: فبكى مسلم حتى خشيت -والله- أن يموت (٣). ومن فوائد الحديث: أنَّ الأبرار هم الأتقياء؛ لأن الأتقياء في الحديث صفة مفسرة مبينة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا

стр. 1631

رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، فقابل المتقين بالفجار الذين هم بخلاف الأبرار. وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن المغيرة قال: كان عبد الرحمن بن أبي نعم يفطر في رمضان مرتين، وكنا إذا قلنا لعبد الرحمن بن أبي نعم: كيف أنت يا أبا الحكم؟ يقول: إن نكن أبراراً فكرام أتقياء، وإن نكن فجاراً فلئام أشقياء (١). وقد تبين بذلك أن طلب اللحاق بالأبرار لا يكون بمجرد التمني مجديًا ما لم يتشبه العبد بهم في التقوى والعمل الصالح؛ ألا ترى أن الله أثنى على الطالبين للوفاة مع الأبرار في الآية السابقة بالذكر والفكر والدعاء، ثم قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. ثم بين أن الأبرار هم المتقون بقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. وروى أبو نعيم عن ثور بن يزيد قال: قرأت في التوراة: إنَّ الزُّناة والسُّراق إذا سمعوا بثواب الله للأبرار، طمعوا أن يكونوا معهم بلا نَصَب

стр. 1632

ولا تعب ولا مشقة [على أبدانهم، ولا مخالفة لأهوائهم] (١)، وهذا ما لا يكون (٢). وروى أبو القاسم إسحاق الختلي في "الديباج" عن ثور بن يزيد -أيضًا- قال: مكتوب في بعض الكتب: القلب المحب لله يحبُّ النَّصَب لله، فلا تظن يا ابن آدم أنك مدرك رفعة البر بغير مشقة (٣). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن شوذب قال: شهدت الحسن وأتاه فرقد رحمهما الله تعالى، فأخذ الحسن بكسائه فمدَّه إليه، فقال: يا فريقد! يا ابن أم فرقد! إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقع في القلب، وصدَّقهُ العمل (٤). وروى أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليْسَ البِرُّ في حُسْنِ اللّبَاسِ وَالزِّيِّ، وَلَكِنَّ البِرَّ السَّكِيْنَةُ وَالوَقَارُ". ومن فوائد الحديث المذكور: أنَّ من صفات الأبرار إِيثار الخفاء والخمول على الشهرة والنباهة، حتى لا يعرفهم الناس، ولا يهتمون بشأنهم، وهذا علامة الولاية والقرب، والاعتناء بهم من الله

стр. 1633

تعالى، كما قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِيْ طِمْرَيْنِ، تنبُوْ عَنْهُ أَعْيُنُ الناسِ؛ لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لأَبَرَّهُ". رواه الحاكم وصححه، وأبو نعيم من حديث أبي هريرة ﵁ (١). وهو في "صحيح مسلم"، ولفظه: "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، مَدْفُوْعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لأَبَره" (٢). ورواه البزار من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: "ذِيْ طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى الله لأَبَرَّهُ" (٣). وأنشد ابن رجب في كتابا اختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى": [من مجزوء الرمل] رُبَّ ذِيْ طِمْرَيْنِ نَضْوٍ ... يَأمَنُ الْعالَمُ شَرَّهْ لا يُرى إلا غنيًا ... وَهْوُ لا يَمْلِكُ ذَرَّهْ ثُمَّ لَوْ أَقْسَمَ فِيْ شَيْءٍ .... عَلَىْ اللهِ أَبَرَّهْ (٤)

стр. 1634

وقال الشيخ العارف بالله سيدي علوان الحموي ﵁ في المعنى: [من مجزوء الرمل] رُبَّ ذِيْ طِمْرَيْنِ أَشْعَثَ ... يَعْتَرِيْهِ وَصْفُ غَيرَهْ تَرَكَ الدُّنيا اخْتِياراً ... فَهُوَ لا يَمْلِكُ ذَرَّه خامِلِ الذّكْرِ حَقِيْرٍ ... مَهْما يَجْهَلُ قَدْرَه إِنْ دَنَا يَوْماً عَلَيْنا ... فَهُوَ مَدْفُوع بِمَرَّة وَلَهُ جاهٌ وَقَدْرٌ ... عِنْدَ مَوْلاهُ وَشهْرَة فَهُوْ لَوْ آلَىْ عَلَىْ اللـ ... ـه فِيْ يَمِيْنٍ لأَبَرَّه وقد قلت في سنة ثمان وتسعين وتسع مئة قصيدة بائية في مدح الأولياء، والتحذير من الإنكار عليهم، والترغيب في حبهم مع الإشارة إلى خفائهم، والتلميح بالحديث المذكور، والاقتباس للحديث المتقدم "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١)، وقد أحببت إثباتها هنا وهي: [من المجتث] كَمْ مِنْ وَلِي خَفِيٍّ ... إِلَيْهِ لا يُتَنبَّهْ تَراهُ يَبْدُوْ حَقِيْراً ... بِشَأْنِهِ لَيْسَ يُؤْبَه مَعْ أَنَّهُ ذُوْ مَقامٍ ... تُجِلُّهُ أَنْ يُشَبَّهْ أَحَبَّهُ اللهُ لَمَّا ... أَصْغَىْ إِلَىْ الله حُبَّه

стр. 1635

فَلا تَكُنْ مُنْكراً ... أَحْوالَهُ فتشَبَّهْ فَإنَّما هُوَ سِرٌّ ... أَوْلاهُ رَبيْ مُحِبَّه إِنْ لَمْ تَنَلْ مِنْهُ حَظًّا ... فَلِمْ تُنازِعُ حِزْبَه أقلُّهُمْ لَيْسَ تَقْوَىْ ... بِأَنْ تُقابِلَ حَرْبَهْ أَنَّىْ تُحارِبُ جَيْشاً ... كانَ الْمُهَيْمِنُ حَسْبَهْ وَالله لَيْسَ يُهْزَمُ ... مع الضاد لك حسبه فارْجَعْ إِلَىْ الْحَقِّ طَوْعاً ... فَالْحَق ما فِيْه لَعِبَهْ وإنْ تَسَلْهُ تُسَلَّمْ ... وَاللهُ يَكْفِيْكَ خَطْبَهْ وإنْ تَرِدْ بعد ..... (١) ... مِنْ مَنْهَلِ الْقَوْمِ شَرْبَهْ ولم يكن ........ (٢) ... شهم منهم وبينك نسبة فَاخْلُصْ إِلَيْهِمْ وَأَخْلِص ... لَهُمْ فُؤادَ الْمَحَبَّةْ فَإِنَّها لَكَ قُرْبَةْ ... إِلَيْهِمُ أيُّ قُرْبَه عَساكَ تُحْشَرُ مَعْهُم ... فَإِنَّهمْ خَيْرُ حَلْبَةْ وَحُبُّهُمْ فِيْهِ بِرٌّ ... وَفِيْهِ خَيْرٌ وَحِسْبَهْ وفي الحديث [الذي] رويناه "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" [فوائد]، ومن

стр. 1636

فوائد هذا الحديث: أنَّ من أحوال الأبرار إيثار العزلة والوحدة؛ فإنَّ الخفاء أبلغ ما يكون بها. روى ابن أبي الدنيا عن الفيض بن إسحاق قال: ذكر عند حذيفة المرعشي الوحدة وما يكره منها، فقال: إنما يكره ذلك للجاهل، فأمَّا عالم يعرف ما يأتي فلا. وقال: ما أعلم من أعمال البر أفضل من لزومك بيتك، ولو كانت لك حيلة لهذه الفرائض لكان ينبغي لك أن تحتال لها (١). وسبق أن ابن أبي الدنيا روى عن مالك بن دينار قال: كان الأبرار يتواصون بثلاث: سجن اللسان، والاستغفار، والعزلة (٢). والمراد الاعتزال عن عموم الخلق اشتغالاً بالله تعالى إلا قدر الضرورة، وكلما خاف من أحد فتنة في دينه تعين الفرار منه، ومن ثم ورد التحذير من الدخول على الأمراء؛ لأن فتنتهم أشد، خصوصًا في هذه الأعصار. وقد روى أبو نعيم عن فضيل بن جعفر: أنَّ الحسن خرج من عند ابن هبيرة، فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم بمجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، فرطحتم نعالكم، وشمرتم

стр. 1637

ثيابكم، وجززتم شعوركم، فضحتم القراء فضحكم الله، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم، فأبعد الله من أبعد (١). - ومنها: الخفاء، وإسرار الأعمال الصالحة، وخصوصاً الذكر: قال رسول الله ﷺ : "خيْرُ الذكْرِ الخَفِيُّ، وَخَيْرُ الرزْقِ مَا يَكْفِيْ". رواه الإِمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "الشعب" من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ (٢). وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي عن عقبه بن عامر ﵁، والحاكم وصححه، عن معاذ ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "الْجَاهِرُ بِالقُرْآنِ كَالجِاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ" (٣). وروى الإِمام أحمد، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلّ إِلى فَقِيْر في سِرِّ" (٤).

стр. 1638

وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وقال ابن عباس ﵁: إنَّ الله جعل صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١). وقال قتادة: كل معنى من الصدقات مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. رواه ابن جرير (٢). فالأعمال إنما تكون برًا بالصدق فيها؛ فإن كانت سراً كانت أبر. ومن فوائد الحديث السابق أيضًا: أنَّ الأبرار من شأنهم إعراض الناس عنهم، واحتقارهم حتى لا يدعوهم إذا حضروا, ولا يعتنوا بهم، ولا يتفقدوهم إذا غابوا، وهو وصف غالب عليهم، وقد يكونون بخلاف ذلك. وقد وصف رسول الله ﷺ الفقراء الذين يسبقون إلى الجنة بذلك، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1639

"يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِيْ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِيْنَ خَرِيْفًا"، فقيل له: صفهم لنا، قال: "الدَّنِسَةُ ثَيَابُهُمْ، الشَّعِثَةُ رُؤُوْسُهُمْ، الذِيْنَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ عَلى السُّدَّاتِ، وَلا يَنْكِحُوْنَ المُتَنَعِّمَاتِ، تُوْكَلُ بِهِمْ مَشَارِقُ الأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، يُعْطُوْنَ كُل الذِيْ عَلَيْهِمْ، وَلا يُعْطَوْنَ الَذِيْ لَهُمْ". رواه الطبراني في "معجمه الكبير"، و"الأوسط" (١). قال المنذري: ورواته ثقات (٢). ومن فوائد الحديث: أنَّ من صفة الأبرار إيضاح سبيل الهدى بالتربية والتعليم، وحسن الرعاية، خصوصاً في أيام الفتن والاختلاط والمحن، كما أن المصابيح توضح الطرق للسائرين في جنح الليالي المظلمة، كما يؤخذ من قوله: "مصابيح الهدى". فإن قلت: كيف يكونون مصابيح الهدى وهم أخفياء لا يكاد الناس يعرفونهم، ولا يلتفتون إليهم؟ قلت: إنَّما يعرفهم السائرون إلى الله، المريدون لوجهه، الصادقون في إرادتهم له وسيرهم إليه، كما أنَّ النجوم هي مصابيح السماء لا يلتفت إليها أكثر الناس، ولا يراعونها لعدم احتياجهم إليها، بخلاف السائرين في جنح الليالي؛ فإنهم يتقصدونها شروقًا وغروباً، ويتعرفونها، ويتفقدونها، ويراعونها، ويراقبونها لشدة اشتياقهم إليها، فالنجوم في

стр. 1640

حق هؤلاء ليست خفية عنهم، بخلافها في حق غيرهم ممن هو غافل عنها لعدم احتياجه إليها. وقد تبين لك بذلك أن الأولياء ليسوا بأخفياء في أنفسهم، ولا محجوبين، وإنما الناس هم المحجوبون عنهم بغفلتهم، وعدم تقصدهم، وأما من طلب الله وصدق في طلبه، وقصدهم في الدلالة عليه، وصدق في قصده إياهم، فإنهم لا يختفون عنه ولا يحجب هو عنهم. ولما طلب سليمان بن عبد الملك أبا حازم سلمة بن دينار فكلمه، ودعاه إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى أثر كلامه في سليمان، وكان الزهريّ حاضرًا، قال الزهريّ: إنَّه لجاري ثلاثين سنة وما كلمته قط، وفي رواية: وما علمت أنه يحسن مثل هذا، قال له أبو حازم: إنكَ نسيت الله فنسيتني، ولو أحببتَ الله لأحببتني، قال الزهريّ: أتشتمني؟ قال أبو حازم: بل أنتَ شتمت نفسك؛ أما علمت أنَّ للجار على جاره حقًا؟ والقصة رواها أبو نعيم، وابن الجوزي، وغيرهما (١). فأشار أبو حازم إلى أنَّ أهل ولاية الله تعالى المشتغلين به لا يعرفهم إلا من أحبَّ الله تعالى؛ لأنَّ من أحبَّهُ أحبَّ أولياءَه، وطلبهم فوجدهم،

стр. 1641

والزهري مع ما كان عليهِ من العلم، شغله حاله عن معرفة مقام أبي حازم، وهو جاره ثلاثين سنة، وما كان كلام أبي حازم له إلا من باب النصيحة، وإرشاداً لهُ إلى ما هو مطلوب منه من الإحسان إلى الجار وتفقد أحواله؛ إذ في تفقد أحوال الجار وإكرامه والإحسان إليه التوصل إلى معرفة مقامه والتبرك به والانتفاع بما هو عليه من الحكمة والولاية إن كان من أهلها؛ فافهم! ومن فوائد الحديث المشار إليه: أنَّ الله تعالى يكرم الأبرار الذين هذه صفاتهم بإنقاذهم من الفتن الغبراوات المظلمات، وهذا من أسعد السعادات، وأفضل الفوائد، وفي حديث المقداد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ السَّعِيْدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ؛ فَواهاً". رواه أبو داود (١)، وغيره. ومعنى قوله: "فواها"؛ أي: فوا عجباً لهما. وروى الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن ابن عمر ﵁ قال: إن لله ضنائن من عباده يغذيهم في رحمة، ويحييهم في عافية، إذا توفاهم توفاهم إلى جنته، أولئك الذين تمرُّ عليهم الفتن كَقِطع الليل المظلم، وهم منها في عافية (٢).

стр. 1642

وقد تقدم نظير ذلك: أنَّ الصالحين لا تقوم عليهم الساعة، ولا يقاسون أهوالها, ولا يفتنون في قبورهم، ويدافع عنهم برَّهم، وأعمالهم الصالحة. وقلت: [من الخفيف] كُنْ حِبِّيَ بَرًّا لَعَلَّكَ تَنْجُوْ ... مِنْ عَذابٍ وَفِتْنَةٍ غَبْراءِ تَنْجَلِيْ عَنْكَ بِالصَّلاحِ وَبِالْيُسْرِ ... دَياجِيْ حَنادِسِ الظَّلْماءِ وَلَدَىْ الْقَبْرِ وَالْقِيامَةِ تُلْفِيْ ... عَمَلَ الْبِرِّ أَنْفَعَ النُّصَراءِ يا لَهُ مِنْ مُؤانِسٍ وَصَدِيْقٍ ... وافِيًا عِنْدَ غَيْبَة الأَصْدِقاءِ * تنبِيْهٌ أَوَّلٌ: الحديث -وهو قوله ﷺ : "إِنَّ يَسِيْرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ" (١) - يشير إلى أن من صفات الأبرار التنزه عن الرياء؛ إذ لا برَّ مع الشرك، والتحلي بحلية الإخلاص، وهذا عماد كل بِرٍّ، وبه ثبات كل خير، وبالإخلاص يحصل لهم الخلاص من الفتن، كما قال رسول الله ﷺ : "طُوْبَى لِلْمُخْلِصِيْنَ، أُوْلَئِكَ مَصَابِيْحُ الهُدَى، تنجَلِيْ عَنْهُمْ كُلُّ فِتْنَةٍ ظَلْمَاءَ". رواه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص"، والبيهقي في "الشعب" عن ثوبان ﵁ (٢).

стр. 1643

فوصف ﷺ المخلصين بما وصف به الأبرار، فقال: "أُولَئِكَ مَصَابِيْحُ الهُدَى ... " إلى آخره، فالإخلاص نور تلك المصابيح، وبه تنجلي الظلماء عنهم، وتتضح لهم طرق الهدى؛ فافهم! * تنبِيْهٌ ثانٍ: سبقَ تفسير البر في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا﴾ [آل عمران: ٩٢] أنه الجنَّة؛ كما رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﵁ (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ ﷺ قال: "لِكُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ البِر بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وإنَ بَابَ الصّيَامِ يُدْعَى الرَّيَان" (٢). ظاهر هذا الحديث: أن للجنة أبواباً كثيرة بعدد أنواع البر، والمشهور أنها ثمانية. يحتمل أنَّ الثمانية هي الأبواب الكبيرة العظيمة ولها أبواب دون ذلك، ويحتمل أن يكون لكل بِرٍّ باب، لكنهُ قد يتوافق أنواع من البر في باب واحد من الثمانية. [فائدة] (٣): دعاء الأبرار مستجاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ

стр. 1644

لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. ولذلك قال النبي ﷺ في الدعاء لمن أضافوه: "أَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ" (١)؛ لأنهم إذا أكلوا دعوا لصاحبه؛ لأنَّ من السّنة الدعاء للمضيف وللمحسن، ودعاؤهم ترجى إجابتهُ. وروي عن زيد بن أسلم قال: خرج عمر ﵁ ذات ليلة يحرس، فرأى مصباحاً في بيت؛ إذا عجوز تنفش صوفًا وتقول: [من الرجز] عَلَىْ مُحَمَّدٍ صَلاةُ الأَبْرارْ ... صَلَّىْ عَلَيْهِ الطيبوْنَ الأَخْيارْ قَدْ كُنْتُ قَوَّاماً بِذا بِالأَسْحارْ ... يا لَيْتَ شِعْرِيْ وَالْمَنايا أَطْوارْ هَلْ تَجْمَعَنيْ وَحَبِيْبِيَ الدَّارْ ... تعني: النبي ﷺ ، فجلس عمر ﵁ يبكي. وفي رواية أنه قال لها: لا تنسي عمر، فقالت: وَعُمَرُ فَاغفِرْ لَهُ يا غَفَّارُ (٢)

стр. 1645

وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن أبي ذر ﵁ قال: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح (١). وروى أبو نعيم عن سفيان ﵀: أنه قيل له في خلافة أبي جعفر -وهو يتخوف منه-: يا أبا عبد الله! لو دعوت بدعوات، فقال: ترك الذنوب هو الدعاء (٢). وقد علمت أن البر لا يتم [إلا] بتركك الذنوب، وقلت: [من مجزوء الكامل] مَهْما أَرَدْتَ إِجابَةً ... فِيْ حاجَةٍ أَنْ تُسْرِعا فَدَعِ الذُنُوْبَ فَإِنَّما ... تَرْكُ الذُّنُوْبَ هُوَ الدُّعا * فائِدَةٌ أُخْرَىْ: روى البيهقي عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: أنه قال: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وشريف من دنيء، وبرٌّ من فاجر (٣). وأخرجه أبو نعيم من قول سليمان بن موسى الأشدق ﵀: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من جاهل، وبر من فاجر،

стр. 1646

وشريف من دنيء (١). ووجهه: أن الحليم يمنعه حلمه من السفه ومن مشاكلته، والأحمق الجاهل ليس له عمل يمنعه من قوله فيبقى الحليم في حسرةٍ منه، والشريف يمنعه شرفهُ من التنزل إلى أخلاق أهل الدناءة، ومن مقابلتها بمثلها، ويرى أن مقابلة الدنيء بمثل ما يأتي به مساواة له في الدناءة، والبر يمنعه بره من الفجور، وتقواه من الشقي بالإثم والعدوان. وقد روى ابن أبي الدنيا في "التقوى"، وغيره عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اتَّقَى الله كَلَّ لِسَانهُ، وَلَمْ يَشْفِ غَيْظَه" (٢). * فائِدَةٌ ثالِثةٌ: قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]؛ أي: وتنسون أنفسكم من العمل به. أو المعنى: أتدلون الناس على ما فيه برهم وتنسون أنفسكم من البر؟ روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبزار، وابن أبي داود في

стр. 1647

"البعث"، وابن حبان، وأبو نعيم، والبيهقي، وغيرهم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيْضَ مِنْ ناَرٍ، كُلمَا قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيْلَ ﵇: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، كَانُوْا يَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَينْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُوْنَ الكِتَابَ، أفلا يَعْقِلُوْنَ" (١). * فائِدَةٌ رابِعَةٌ: روى أبو نعيم عن أبي عبد الله البراثي (٢) ﵀: أنه كان يقول: ما بينك وبين ملاقاة السرور، ومجالسة الأبرار في كلِّ لذة وحُبور، إلا أن تفارق نفسك من بين جنبيك، والمولى عنك راضٍ، ثم يبكي ويقول: وأنَّى بالرضا ونحن نعلم ما عندنا من الخطايا والآثام، ثم يبكي (٣). * فائِدَةٌ خامِسَةٌ: روى ابن جهضم عن أبي سعيد الخرّاز ﵀ قال: سَتَرَتْ العافية البَر والفاجر، فإذا جاءت البلوى تبين عندها الرجال (٤).

стр. 1648

قلت: وأكثر الناس في العافية فجار طغاة بغاة. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. ولكن فجورهم وطغيانهم ونعتهم مستور بالعافية عن أنفسهم يحسبون أنهم أبرار، وأنَّ العافية جزاؤهم، وبعض الناس يحسبون أنفسهم إنما خولوا وعوفوا لبرهم، فإذا جاء البلاء كفروا نعمة الله تعالى، وسخطوا فضلهُ، ووقعوا فيما يقعون فيه، فانكشف أمرهم، وتبين زيفهم. ومن أفراد معنى العافية: الغنى؛ فإن اللئيم قد يسترهُ ماله، بل جرت العادة أن ذا المال مكرم عند كثير الناس وإن لم ينالوا من ماله، فإذا افتقر انكشفت عيوبه لهم، ولقد أحسنَ القائل: رُبَّ قَوْمٍ فِيْ خَلائِقِهِمْ ... عرر قد صُيِّرُوا غُرُرَا سَتَرَ الْمالُ الْقَبِيْحَ لَهُمْ ... سَتَرَىْ إِنْ زالَ ما سَتَرَا فاعلم أنَّ أكثر الناس فجار في العافية والبلاء، وفي الرخاء والشدة إلا من [هداه] (١) الله بنور التوفيق، وهم الأبرار، وهذا في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. أي: تواصوا

стр. 1649

بالحق في حال العافية والرَّخاء، لا يميلون عن الحق ولا يظلمون حقاً، وتواصوا بالصبر في حال النبلاء والشدة؛ لأن الصبر ينتهي بهم إلى البر. وما بعد حرف الاستثناء في الآية هو مجموع أوصاف الصالحين والأبرار. وهذه السورة أجمع سورة لأحوال الناس ومصيرهم، وأنفعها موعظة مع كمال الإيجاز ونهاية الإعجاز، ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ وإذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. كما رواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي مدينة الدارمي، وكانت له صحبة ﵁ (١). * فائِدَةٌ سادِسَةٌ: روى البيهقي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "صَلُّوْا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوْا عَلى كُلٌ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَجَاهِدُوْا مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ" (٢). المراد بالفاجر ما دون الكافر من عصاة المؤمنين؛ بدليل حديث

стр. 1650

ابن عمر ﵄: "صَلُّوْا عَلَىْ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَخَلْفَ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ الله". رواه الطبراني، وأبو نعيم، والخطيب (١). وإنما صحت الصلاة خلف الفاسق؛ لأن الجماعة رحمة، والعاصي أحوج إليها، وعلى الفاسق؛ لأن الصلاة على الميت دعاء، وهو أحوج إليه، وجاز الجهاد مع الأئمة الفُساق خشية من شق العصا، وإن كان الجهافى مع الأَّمر البر أفضل، والصلاة خلف الإِمام العدل البر أفضل؛ لأن الأئمة شفعاء. * فائِدَةٌ سابِعَةٌ: قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]، أي: برها، وعبر عنه بالتقوى لرعاية رؤوس الآي، مع أنَّ التقوى تؤدي معنى البر كما علمت. ومعنى ألهمها: بيَّن لها، وعَرَّفها. رواه الحاكم وصححه، عن ابن عباس من طريق مجاهد (٢).
следующие страницы →