← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وشريف من دنيء (١). ووجهه: أن الحليم يمنعه حلمه من السفه ومن مشاكلته، والأحمق الجاهل ليس له عمل يمنعه من قوله فيبقى الحليم في حسرةٍ منه، والشريف يمنعه شرفهُ من التنزل إلى أخلاق أهل الدناءة، ومن مقابلتها بمثلها، ويرى أن مقابلة الدنيء بمثل ما يأتي به مساواة له في الدناءة، والبر يمنعه بره من الفجور، وتقواه من الشقي بالإثم والعدوان. وقد روى ابن أبي الدنيا في "التقوى"، وغيره عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اتَّقَى الله كَلَّ لِسَانهُ، وَلَمْ يَشْفِ غَيْظَه" (٢). * فائِدَةٌ ثالِثةٌ: قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]؛ أي: وتنسون أنفسكم من العمل به. أو المعنى: أتدلون الناس على ما فيه برهم وتنسون أنفسكم من البر؟ روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبزار، وابن أبي داود في

стр. 1647

"البعث"، وابن حبان، وأبو نعيم، والبيهقي، وغيرهم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيْضَ مِنْ ناَرٍ، كُلمَا قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيْلَ ﵇: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، كَانُوْا يَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَينْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُوْنَ الكِتَابَ، أفلا يَعْقِلُوْنَ" (١). * فائِدَةٌ رابِعَةٌ: روى أبو نعيم عن أبي عبد الله البراثي (٢) ﵀: أنه كان يقول: ما بينك وبين ملاقاة السرور، ومجالسة الأبرار في كلِّ لذة وحُبور، إلا أن تفارق نفسك من بين جنبيك، والمولى عنك راضٍ، ثم يبكي ويقول: وأنَّى بالرضا ونحن نعلم ما عندنا من الخطايا والآثام، ثم يبكي (٣). * فائِدَةٌ خامِسَةٌ: روى ابن جهضم عن أبي سعيد الخرّاز ﵀ قال: سَتَرَتْ العافية البَر والفاجر، فإذا جاءت البلوى تبين عندها الرجال (٤).

стр. 1648

قلت: وأكثر الناس في العافية فجار طغاة بغاة. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. ولكن فجورهم وطغيانهم ونعتهم مستور بالعافية عن أنفسهم يحسبون أنهم أبرار، وأنَّ العافية جزاؤهم، وبعض الناس يحسبون أنفسهم إنما خولوا وعوفوا لبرهم، فإذا جاء البلاء كفروا نعمة الله تعالى، وسخطوا فضلهُ، ووقعوا فيما يقعون فيه، فانكشف أمرهم، وتبين زيفهم. ومن أفراد معنى العافية: الغنى؛ فإن اللئيم قد يسترهُ ماله، بل جرت العادة أن ذا المال مكرم عند كثير الناس وإن لم ينالوا من ماله، فإذا افتقر انكشفت عيوبه لهم، ولقد أحسنَ القائل: رُبَّ قَوْمٍ فِيْ خَلائِقِهِمْ ... عرر قد صُيِّرُوا غُرُرَا سَتَرَ الْمالُ الْقَبِيْحَ لَهُمْ ... سَتَرَىْ إِنْ زالَ ما سَتَرَا فاعلم أنَّ أكثر الناس فجار في العافية والبلاء، وفي الرخاء والشدة إلا من [هداه] (١) الله بنور التوفيق، وهم الأبرار، وهذا في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. أي: تواصوا

стр. 1649

بالحق في حال العافية والرَّخاء، لا يميلون عن الحق ولا يظلمون حقاً، وتواصوا بالصبر في حال النبلاء والشدة؛ لأن الصبر ينتهي بهم إلى البر. وما بعد حرف الاستثناء في الآية هو مجموع أوصاف الصالحين والأبرار. وهذه السورة أجمع سورة لأحوال الناس ومصيرهم، وأنفعها موعظة مع كمال الإيجاز ونهاية الإعجاز، ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ وإذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. كما رواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي مدينة الدارمي، وكانت له صحبة ﵁ (١). * فائِدَةٌ سادِسَةٌ: روى البيهقي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "صَلُّوْا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوْا عَلى كُلٌ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَجَاهِدُوْا مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ" (٢). المراد بالفاجر ما دون الكافر من عصاة المؤمنين؛ بدليل حديث

стр. 1650

ابن عمر ﵄: "صَلُّوْا عَلَىْ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَخَلْفَ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ الله". رواه الطبراني، وأبو نعيم، والخطيب (١). وإنما صحت الصلاة خلف الفاسق؛ لأن الجماعة رحمة، والعاصي أحوج إليها، وعلى الفاسق؛ لأن الصلاة على الميت دعاء، وهو أحوج إليه، وجاز الجهاد مع الأئمة الفُساق خشية من شق العصا، وإن كان الجهافى مع الأَّمر البر أفضل، والصلاة خلف الإِمام العدل البر أفضل؛ لأن الأئمة شفعاء. * فائِدَةٌ سابِعَةٌ: قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]، أي: برها، وعبر عنه بالتقوى لرعاية رؤوس الآي، مع أنَّ التقوى تؤدي معنى البر كما علمت. ومعنى ألهمها: بيَّن لها، وعَرَّفها. رواه الحاكم وصححه، عن ابن عباس من طريق مجاهد (٢).

стр. 1651

وصحح عنه من طريق سعيد بن جبير: أنَّه قال: ألهمها: ألزمها (١). وأخرجه الديلمي من حديث أنس ﵁ مرفوعًا (٢). ومذهب أهل السنة أن التوفيق: خَلقُ قدرة الطاعة والبر في العبد، والخذلان خلق قدرة المعصية. وروى الطبراني بسند حسن، عن ابن عباس كما قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا هذه الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] وقف، ثم قال: "اللَّهُمَّ آتِ نفسِي تَقْوَاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا وَخَيْرُ مَنْ زَكَاهَا" (٣). وروى ابن أبي شيبة، والنسائي عن زيد بن أرقم أنَّه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا" (٤). * فائِدَةٌ ثامِنةٌ: قال الله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ

стр. 1652

أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٥ - ٦]. قال قتاده في قوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدمًا قدمًا إلا من عصم الله. رواه ابن جرير (١). وقال ابن عباس: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الأمل"، والبيهقي في "الشعب" (٢). وروى ابن جرير عنه أنه قال: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ يعني: الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب (٣). وهذا حال أكثر الناس إلا من عصمه الله تعالى، فيقدم [نية المعصية والعمل السيئ، ويؤخر] (٤) نية البر والعمل الصالح، كما قال تعالى حكايته عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. فطول الأمل للعمل الصالح والاستكثار من البر والخير محمود من صفة الأبرار، وطول الأمل لمتابعة الهوى وتحصيل شهوات الدنيا والاستكثار من الأغراض العاجلة مذموم من صفة الفجار.

стр. 1653

* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ: روى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ صَبَاحٍ فَيَعْلَمُ ملكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبي مُرْسَل مَا يَكُوْنُ في آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيقْسِمُ اللهُ تَعَالى فِيْهِ قُوْتَ كُلِّ دابّةٍ، حَتَّى إِنَّ الرجُلَ ليَجِيْءُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ وَإِن الشيِطَانَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ فَيَقُوْلُ لَهُ: اكْذِبْ بِالْحَقِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأكلُ رِزْقَهُ بِكَذِبٍ وَفُجُوْرٍ، فَذَلِكَ الْخَائِنُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأخُذُهُ بِبِرٍّ وَتَقْوْى، فَذَلِكَ الّذِي عَزَمَ اللهُ عَلى رُشْدِهِ" (١). * فائِدَةٌ عاشِرَةٌ: روى الديلمي في "مسند الفردوس" عن علي، وعن ابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ قال: "لا تَزَالُ هَذه الأمةُ تَحْتَ يَدِ اللهِ وَكَنَفِهِ مَا لَمْ يُعَظِّمْ أَبْرَارُهَا فُجَّارَهَا، وُيدَاهِنْ خِيَارُهَا شِرَارَهَا"، وإسنادهما ضعيف (٢). وروى أبو سعيد بن الأعرابي في "شرف الفقر"، وابن السمعاني في "أماليه" عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَدُ الله وَكَنَفُهُ عَلى هَذه الأُمةِ مَا لَمْ تَعْمَلْ بِثَلاثٍ: مَا لَمْ يُوَقِّرْ أَبْرَارُهَا فُجارَهَا، وَيمِلْ قُرَّاؤُهَا إِلى أُمَرَائِهَا، ويعَظِّمْ خِيَارُهَا شِرَارَهَا،

стр. 1654

فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ أَخَذَهُمُ اللهُ بِالذُلِّ، وَابْتَلاهُمْ بِالفَقْرِ، وَسَلَّطَ عَليِهِمْ جَبَابِرَتَهُمْ يَسُوْمُوْنهمْ سُوْءَ العَذَابِ" (١). قلتُ: ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧]. فقد أخبر سبحانه نبيه ﷺ -وهو أبو الأبرار، وخير الأخيار- أنه إنْ مال إلى أهواء الفجار تخلى عنه فلا يقيه، ولا ينصره ولا يواليه، وإنما خاطب بذلك النبي ﷺ وإن كان المراد بمثل ذلك غيره من الأمة؛ لأن ذلك أبلغ في زجر الأمة عن متابعة الفجار، وإنما يقع التعميم في الوعيد بين الأخيار والأشرار إذا وَقَّرَ الأخيار الأشرار، وعظموهم، ومالوا إليهم، لأنهم تساووا حينئذ في الظلم المستتبع للعذاب؛ لأن الميل إلى الظالم وتوقيره محبة لظلمه، ورضى به، والراضي بالظلم ظالم كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄: أنه قال في الآية:

стр. 1655

﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾: لا تميلوا (١). وروى ابن أبي حاتم عنه أنه قال فيها: لا تداهنوا (٢). وقال عكرمة: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا: أن تطيعوهم، أو تودوهم، أو تصطنعوهم. وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم. رواهما أبو الشيخ (٣). وروى ابن جهضم عن حذيفة المرعشي ﵀: أنه قال: إياكم وهدايا الفجار والسفهاء؛ فإنكم إن قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم (٤). * فائِدَة حاديةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي شيبة عن ابن الزبير ﵄ قال: إن الإِمام مثل السوق يأتيه ما كان فيه؛ فإن كان بَرًّا جاءه أهل البِر، وإن كان فاجرًا جاءه أهل الفجور (٥). * فائِدَةٌ ثانِيةَ عَشْرَةَ: روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عثمان السحام أبي سلمة، عن

стр. 1656

شيخ من أهل البصرة كان له فضل، وكان له سن: أنَّ داود ﵇ قال: أي ربِّ! كيف لي أن تحببني في أهل الدنيا البر والفاجر؟ قال: يا داود! تصانع أهل الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتختار إليك دينك (١). يعني: فإنك إذا بلغت ذلك لا يضرك من ضل إذا اهتديت. وفي ضد هذا المعنى: ما رواه أبو نعيم عن أبي طيبة الجرجاني قال: قلت لكرز بن وبرة ﵀: ما الذي يبغضه البر والفاجر؟ قال: العبد يكون من أهل الآخرة ثم يرجع إلى الدنيا (٢). قلت: سبب بغض الأبرار له إعراضهُ عن طلب الآخرة، وحبه الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، وسبب بغض الفجار له أنه زاحمهم -لرجوعه إلى الدنيا- على مطلوبهم. * فائِدَةٌ ثالِثَةَ عَشْرَةَ: روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وابن باكُويه الشيرازي في "الألقاب" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الفَاجِرُ الرَّاجِيْ لِرَحْمَةِ اللهِ أَقْرَبُ مِنْهَا مِنَ العَابِدِ الْمُقْنِطِ" (٣).

стр. 1657

إنما لم يقابل الفاجر بالبر بل بالعابد؛ لأنه لا برَّ له مع القنوط من رحمه الله تعالى أصلًا. * فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ: روى أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" عن كثير بن عطية، عن رجل لم يسمَّ، عن النبي ﷺ : أنه كان يقول: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفَاجِر عِنْدِي يَدًا، فَيُحِبهُ قَلْبِيْ". وأخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث معاذ ﵁، وأبو موسى المديني في كتاب "تضييع العمر والأيام" من طريق آل البيت مرسلاً، وطرقه كلها ضعيفة (١). وفيه ترتبت المحبة على الإحسان، كما في حديث ابن مسعود مرفوعًا، وموقوفاً: "جُبِلَتِ القُلُوْبُ عَلى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِليْهَا، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِليِهَا". رواه جماعة منهم ابن عدي في "الكامل"، والبيهقي، وقال: إن الموقوف معروف (٢). ويشير إلى معناه: حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "أَحِبُّوْا اللهَ لِمَا يَغْذُوْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبوْني لِحُبِّ اللهِ إِيَّايَ".

стр. 1658

حسنه الترمذي (١). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن الحارث قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: أحبني، وأحب عبادي، وحببني إلى عبادي، قال داود: يا رب! هذا أحبك، وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم؛ فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن (٢). وقوله: "وأحب عبادي": الإضافة فيه تخصيصية؛ أي: عبادي المختصين بي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]. فأما محبة العصاة منهم والفجار من حيث المعصية فمنهي عنها. وفي قوله ﷺ : "لا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَليَّ يَدًا" يخرج البَرَّ؛ فإن يده محبوبة وإحسانه مقبول، وإذا دعا إحسانه المحسن إليه إلى حبه، فحبه من أفضل الأعمال بخلاف الفاسق. ومن هنا نهى رسول الله ﷺ عن إجابة طعام الفاسقين. رواه

стр. 1659

الطبراني، والبيهقي عن عمران بن حصين ﵄ (١). * فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ: روى البغوي في "معجم الصحابة"، والبزار، والطبراني، وابن السَّكَن في "صحاحه"، وابن منده، وصححه ابن حجر، وغيره، عن أبي طويل شطب الممدود (٢) ﵁: أنه أتى النبي ﷺ قال: أرأيت رجلًا عمل الذُّنوبَ كُلّها فلم يترك مِنها شيئًا، وهو مع ذلك لم يَتركْ حاجةً ولا داجةً إلا أتاها فهل لذلك من توبة؟ قال: "أليْسَ قَدْ أَسْلَمْتَ؟ " قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله، قال: "نَعَمْ، تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السيِئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ حَسَنَاتٍ كُلَّهُنَّ"، قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: "نعمْ"، قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى (٣). هذا الحديث: فيه دليل على أن البر لا يضر صاحبه ما تقدمه من

стр. 1660

الفجور، وأنه يُكفر الفجور، ويؤيده ما سبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وفيه دليل أن التوبة أول أبواب البر، كما يشير إليه قوله: "وتترك السيئات"؛ فإن التوبة إنما تتحقق بترك المعصية. * فائِدَةٌ سادِسَةَ عَشْرَةَ: البر يقابل الفجور، وهو كما في "القاموس": الانبعاث في المعاصي، ويقال: فجرَ: إذا فَسقَ، وكذب، وعصى، وخالف (١). وفي حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِالصّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَجُلُ يَصْدُقُ وَيتحَرَّى الصدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِديْقًا، وإيَّاكُمْ والكَذبَ؛ فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلى الفُجُوْرِ، وإنَّ الفُجُوْرَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيتحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا" (٢). رواه الإِمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والترمذي. وروى الطبراني في "الكبير" عن معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِالصدْقِ؛ فَإِنهُ يَهْدِي إِلى البِر وَهُمَا في الجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ؛

стр. 1661

فَإِنَهُ يَهْدِي إِلى الفُجُوْرِ وَهُمَا في النَّارِ" (١). وروى الإمامان مالك، وأحمد، والبخاري في "الأدب"، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وغيرهما، عن أبي بكر الصديق ﵁: أن النبي ﷺ قال: "عَليِكُمْ بِالصدْقِ؛ فَإنهُ مَعَ البر وَهُمَا في الجَنَّةِ، وَإياكُمْ وَالكَذِبَ؛ فَإِنَهُ مَعَ الفُجُوْرِ وَهُمَا في النَّارِ" (٢). * فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ: روى أبو داود، والترمذي، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ غِرُّ كَرِيْمٌ، وَالفَاجِرُ خَبٌّ لئِيْم" (٣). الخب -بفتح الخاء المعجمة، والكسر-: الْخَداع. قابل المؤمن بالفاجر، وهو موافق لقول المحققين: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ونيةٌ. وأراد بالمؤمن الطائع المنبعث في الطاعة، وبالفاجر العاصي

стр. 1662

المنبعث في المعصية. وفيه دليل على أن الخديعة ليست من أخلاق الأبرار، ولا اللؤم من صفاتهم. * فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ: روى الإِمام أحمد، وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنَ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه، فقال به هكذا، فذبه عنه (١). وأراد أن المؤمن يهتم لذنبه، ويخاف العقوبة؛ لأنه مصدق بالوعيد، والفاجر يتمرن على الذنب ويرين الذنب على قلبه، فيضعف تصديقه بالوعيد، فلا يهتم للذنب، ولا يخاف العقوبة، فلا يبادر إلى التوبة ولا يعتني بأمرها، بخلاف المؤمن البر. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "محاسبة النفس" عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]؛ قال: إنَّ المؤمن لا نراه إلا يلوم نفسه؛ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بالكلمة؟ ما أردت بحديثي؟ نفسي؟ ولا أراه إلا معاتبها، وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه (٢). ومعنى قوله: قُدُما -بضم القاف والدال المهملة، وبإسكانها-؛ أي: شجاعاً في المعصية، له جرأة عليها.

стр. 1663

* فائِمَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ: روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مرة ﵀: أنَّ رجلًا قال لأبي الدرداء ﵁: أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلاً يكفيك، خير من كثير يلهيك، واعلم أنَّ البر لا يبلى، والإثم لا ينسى (١). وإنما كان البر لا يبلى؛ لأنه صار عند الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. * فائِدَةٌ مُتَمِّمَةُ الْعِشْرِيْنَ: روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ قال: ما من نفسٍ برَّةٍ، ولا فاجرةٍ إلا وأنَّ الموت خيرٌ لها من الحياة؛ لئن كان براً لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، ولئن كان فاجراً لقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] (٢). قلت: ولعل محل هذا فيما لو خشي البر على نفسه بالحياة، أو خشي عليه تغير الحال، أو خِيفَ على الفاجر الاسترسال في الفجور فيعظم عقابه، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ

стр. 1664

وَحَسُنَ عَمَلُهُ". رواه الترمذي من حديث عبد الله بن بُسر ﵁، وحسنه (١). وصحح من حديث أبي بكرة ﵁: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ"، قال: فأي الناس شر؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (٢). ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "لا يتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وإمَّا مُسِيْئًا فَلَعَلَهُ يَسْتَعْتِبُ". رواه الشيخان (٣). وروى الترمذي، والبيهقي في "الزهد" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوْتُ إِلا نَدِمَ"، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: "إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لا يَكُوْنَ ازْدَادَ، وإنْ كَانَ مُسِيْئًا نَدِمَ أَنْ لا يَكُوْنَ نَزَعَ" (٤). والقول الحق في هذا المقام: إنَّ من وفقه الله للبر حتى استوفى أجله الذي أجل له وهو على بره، فحياته خير ومماته خير، ومن خذله الله عن البر ويسره للفجور حتى مات فاجراً، فلا خير فيه ولا خير له. وندامة الأول -إن صح الحديث- ليست من قبيل ما سبق له في

стр. 1665

القضاء، بل من حيث نسبةُ نفسهِ إلى التقصير واعترافُه بالعجز، وفي ذلك تمام الاعتراف بالعبودية، وهو نافع له في تلك الدار في ترقية المقام وبسط الرضا، وتمهيد الفتاوى، وإن لم تكن تلك دار تكليف؛ لأن العبودية باقية في تلك الدار، وإنما المرفوع عنهم فيها التكليف بالعبادة. وأمَّا ندامة المسيء فإنها زيادة في نكَاله؛ إذ لا تنفعه الندامة، بخلاف المحسن الأول إذا ندم أولًا ازداد فإنها تنفعه وترفعه كما علمت، وهذا يندم فتثير الندامة منه الحسرات والزفرات، فلا ينتفع منها بشيء إلا إن كان له إحسان وإيمان فإن إحسانه يكفر إساءته مع الإيمان, أما مع غير الإيمان فلا الندامة تنفعهم، ولا الاعتراف ينقذهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠، ١١]، فندامتهم زيادة في النَّكال، بخلاف ندامة الأبرار على ترك الزيادة، فإنها تؤول بهم إلى الازدياد من الكرامة، وفرق بين الندامتين. وتأمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]: جمع بينهم في أن كل واحد منهم في شأن مخصوص به لا يتفرغ منه لغيره، ثم فرق بين حالي البر والفاجر، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢].

стр. 1666

وكأن في كلامه حذفًا تقديره: وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة؛ أولئك هم الأتقياء البررة. * تنبِيْهٌ نَفِيْسٌ: اعلم أنَّ العبد كما كانت نفسه متمنعة عن طاعة الله تعالى وبره لتعلقها بالدنيا واسترسالها مع الهوى، كان تشبهه بالكُمَّل الأبرار والصالحين الأخيار أعظمَ أجرًا عند الله تعالى وثوابا؛ لأنه أكثر جهادًا لنفسه، وأقوى دفاعا لها عن الهوى. ويدلُّ لذلك: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الَّذِيْ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالذِيْ يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". رواه الأئمة الستة (١). وروى أبو نعيم عن عبد الله بن المبارك: أن سفيان الثوري ﵀ كان يقول: الأجر على قدر الصبر (٢) (٣).

стр. 1667

ومن ثم كان الصلاح والكمال في النساء أقل منه في الرجال؛ لأن حبَّ الدنيا واتباع الهوى فيهن أغلب منها، وأمكن فيهم حتى قال رسول الله ﷺ : "كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيْرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاء -يعني: في الأمم الماضية -إِلا آسيَةُ امْرَأة فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بنَتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلى النِّسَاء كَفَضْلِ الثرِيْدِ عَلى سَائِرِ الطعَامِ". رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ (١). ومن ثم -أيضًا- كان تبرر النساء أعظمَ أجرًا من تبرر الرجال. وقد روى أبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ فُجُوْرَ المَرْأَةِ الفَاجِرَةِ كَفُجُوْرِ ألفِ فَاجِرٍ، وَإِنَّ بِرَّ المَرْأَةِ المُؤْمِنَةِ كَعَمَلِ سَبْعِيْنَ صِدِّيْقًا" (٢). فإن قلت: إذا كان كذلك فلِمَ تضاعف إثم فجورها مع توفر شهوتها؟

стр. 1668

قلت: لأن الله تعالى لما وفر شهوتها وضاعفها، وفَّر حياءها وضاعفه لها أيضًا، كما قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلَتِ الْمَرْأة عَلى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وتسْعِيْنَ جُزْءًا مِنَ اللَّذَّةِ، وَلكِنَّ الله ألقَى عَليِهِنَّ الحَيَاءَ". رواه البيهقي في "الشعب" من حديث أبي هريرة ﵁ (١). ولذلك لا تسأل المرأة حليلها الوقاع، بخلاف الرجل، فإذا فجرت المرأة، فإن حجاب الحياء الذي تخرقه بفجورها أعظم من الحجاب الذي يخرقه الرجل بفجوره، فعظم إثمها لذلك، والله سبحانه أعلم. * تَتِمَّةٌ مُهِمَّةٌ، وَخاتِمَةٌ حَسَنَةٌ: قد علمت أن من تشبه بالصالحين والأولياء والأبرار كان منهم، فإذا تشبه بهم في شيء مرة واحدة فهو منهم في الجملة ولا يحرم من خيرهم، وكلما زاد وأكثر كان فيهم أدخل. وقد روى الإِمام عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، والخطيب البغدادي في "تاريخه" عن عمرو بن قيس المُلائي ﵀: أنه قال: إذا سمعت شيئًا من الخير فاعمل به ولو مرَّة تكن من أهله (٢). وإنما قال ذلك لأن الله لا يضيع عنده مثقال ذرة من خير.

стр. 1669

وأبلغ من ذلك: ما رواه الطبراني، وأبو نعيم عن أبي البَخْتَري قال: أصاب سلمان جارية، فقال لها بالفارسية: صلي، قالت: لا، قال: فاسجدي واحدة، قالت: لا، قيل: يا أبا عبد الرحمن! ما تغني عنها سجدة؟ قال: إنها لو صَلَّتْ صَلَّتْ، وليس من له سهم كمن لا سهم له (١). وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني عبد الخالق ابن جبير قال: سمعت أبا موسى الطرسوسي يقول: ما تفرغ عبدٌ لله تعالى ساعة إلا نظر الله إليه بالرحمة (٢). وكذلك من نوى أن يتشبه بهم، ويقتدي بهم لا يحرم بركتهم؛ لقوله ﷺ في حديث الصحيحين: "وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (٣). وقلت: [من مجزوء الرجز] انْوِ مُعاناةَ الْجَوَىْ ... فِيْ حُبِّ أَرْبابِ الْهَوَىْ تَلْحَقْ بِهِمْ فَإنَّما ... لِكُل مرءٍ ما نَوَىْ يا مَنْ رَوَىْ حَدِيْثَهُمْ ... ما الْمُهْتَدِيْ كَمَنْ غَوَىْ وَلا الَّذِيْ أتَىْ بِما ... أتَوْا بِهِ كَمَنْ رَوَىْ

стр. 1670

وقد نص ابن الحاج في "مدخله" على ما ذكرته، فقال في فضل الخروج إلى المسجد، وكيفية النية فيه: وينوي إذا خرج إلى المسجد الاقتداء والاقتباس بآثار من أمرنا باتباعهم من العلماء والصلحاء، ويتأدب بآدابهم؛ يعني: بالنظر إلى تعبدهم، وتصرفهم لأنه "ليس الخبر كالمعاينة" (١)، انتهى (٢). وينبغي لمن نوى التشبه بالصالحين، والتخلق بأخلاقهم أن يرجو نجاز ذلك وتنفيذه من الله تعالى، ولا يعزم على نفسه في ذلك بنذر ونحوه خوفاً من الإخلاف من ذلك؛ فإنه من أفعال المنافقين. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. نسأل الله تعالى العافية، ونبرأ إليه من الحول والقوة، وليس للعبد البار الصالح أحسن من الإنفاق من كنز: لا حول ولا قوة إلا بالله. وروى ابن النجار في "تاريخه" عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: "أَلا أُخْبِرُكَ بِتَفْسِيْرِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ؟ لا حَوْلَ عِنْ

стр. 1671

مَعْصِيَةِ اللهِ إِلا بِعِصْمَةِ الله، وَلا قُوّةَ عَلى طَاعَةِ اللهِ إِلا بِعَوْنِ اللهِ؛ هَكَذَا أَخْبَرني جِبْرِيْلُ ﵇ يَا ابْنَ أُم عَبْدٍ". وأخرجه ابن مردويه، والخطيب، والديلمي بنحوه من طرق (١). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁ في تفسيرها: لا حول بنا على العمل بالطاعة إلا بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلا بالله (٢). وعن زهير بن محمَّد: أنه سئل عن تفسيرها، فقال: لا تأخذ ما تحب إلا بالله، ولا تمتنع عما تكره إلا بعون الله (٣). وروى ابن أبي شيبة عن مطرف ﵀: أنه كان يقول: لو كان الخير في كف أحدنا ما استطاع أن يفرغه في قلبه إلا بتوفيق من الله تعالى، ومشيئته، والله الموفق (٤). وقلت في معناه: [من الرجز] لو أنَّ وصفَ الخيرِ في كفِّ امرئ ... ما استطاعَ أن يُفْرِغَهُ في قلبه إلا بتوفيقٍ مِنَ اللهِ به ... لا يكفِهِ الإنسانُ غيرَ مَرْته • • •

стр. 1672

(٤) باب التَّشَبُّه بِالشَّهَدَاءِ

стр. 1673

(٤) بَابُ التَّشَبُّه بِالشَّهَدَاءِ اعلم أن الشهداء إما أن تفسرهم بالذين جادوا بأنفسهم حتى قتلوا في سبيل الله تعالى. وإمَّا أن تفسرهم بالعلماء الراسخين في العلم لأنهم شهداء الله في الأرض، وهم الواقفون في مقام الاستدلال من أهل العلم. فإن أخذنا بالتفسير الأول -وهو المتبادر- فبهذه الشهادة يستكمل العبد مقامات الصلاح؛ لأن حقيقة الصلاح شغل النفس بالطاعة ما دامت باقية، فإذا انتهت من الطاعة إلى الجود بذاتها فقد بلغت الغاية. وقد روى النسائي، والحاكم وصححه، عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنَّ رجلًا جاء إلى الصلاة والنبي ﷺ يصلي بنا، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: "مَنِ الْمُتِكِّلمُ آنِفًا؟ " قال: أنا، قال: "إِذَنْ يُعْقَرُ جَوادُكَ، وَتُسْتَشْهَدُ في سَبِيْلِ اللهِ" (١).

стр. 1674

فاعلم أن العبد لا يكون له اختيار في تحصيل الشهادة بنفسه أصلًا إلا بتقديم نفسه للجهاد فقط، ثم إن شاء الله تعالى قُتِلَ في سبيله، وإن شاء سَلِمَ، وحصلَ على أجر الجهاد، وهما الحسنيان. نعم، إذا تقدم إلى الجهاد بنية طلب القتل في سبيل الله تعالى وهو مطمئن النفس على ذلك لو حصل كُتِبَ له ما نوى، فإن قُتِلَ فذاك، وإلا كانت سلامته صدقةً عليه من الله تعالى. فلا طريق إلى التشبه بالشهداء إلا تقديم النفس إلى الجهاد، أو طلب الشهادة من الله تعالى، وتوطين النفس على القتل. وفي "معجم الطبراني الأوسط" بإسناد صحيح: أنَّ عمر ﵁ قال يوم أُحد لأخيه: خذ درعي يا أخي، قال: إني أريد من الشهادة مثل الذي تريد، فتركاها جميعًا (١). وقد وقعت الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فانظر كيف فسر الله تعالى بيع المؤمنين أنفسهم إياه بمقاتلتهم الكفار المترتب عليها؛ إمَّا قتلُ المؤمن أحدًا من الكفار، وإما قتله هو بسبب

стр. 1675

إصابة أحد من الكفار له، أو بسبب إصابة نفسه سلاحه خطأً في قتالهم، أو نحو ذلك. أمَّا قتلُ الإنسان نفسه على سبيل التعمد فإنه ليس من هذا الباب، سواء كان في معركة الحرب، أو دونها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وروى الشهاب عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة (١) إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". وفي رواية: أيَّنَا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا، قال: فخرج معه كما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين يديه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ قال: أشهد إنك رسول الله، قال: "وَما ذاكَ؟ " قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل

стр. 1676

النار؛ قتل نفسه، فأعظم الناس ذلك (١). فدل هذا الحديث أن من قتل نفسه، تعمداً، أو تعجلاً بالموت، فهو من أهل النار؛ أي: إلا أن يعفو الله تعالى عنه، فهو من أهل الجرائم الذين إن نجوا كان ذلك فضلاً من الله تعالى عليهم، لا من أهل الدرجات والمقامات كالشهداء. نعم، من مات بفعل نفسه في الجهاد على سبيل الخطأ فإنه شهيد، بل له أجران لما في "الصحيحين" عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فكان سيف عامر به قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه، فرجع ذباب سيفه فأصاب ركبة عامر، فمات منه، فقلت: يا رسول الله! زعموا أن عامراً حبط عمله؟ قال: "مَنْ قَالَ؟ كَذَبَ مَنْ قَالَ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ؛ إِنه لَمُجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ" (٢). وإنما لم يكن قتله لنفسه محبطًا لعمله كما زعموا؛ لأنه لم يتعمد قتل نفسه كما تعمد ذلك الرجل المذكور في حديث سهل المذكور. فإن قلت: فإن العبد إذا طلب الشهادة، وقاتل ليقتل في سبيل الله فإنه يكون مأجورًا مع أنه اختار القتل؛ فما الفرق بينه وبين ما لو قتل نفسه اختيارًا؟ قلت: إن العبد إذا طابت نفسه بأن يقتل في سبيل الله، وجاهد

стр. 1677

لحصول ذلك، فإن ذلك لا يكون منه تعمداً لقتل نفسه، وإنما أمره الله تعالى أن يجاهد في سبيله مع أنه بين له أن الجهاد فيه الابتلاء الكل؛ لأن الغاية فيه إما إلى قتل العدو، وإما إلى قتل المقاتل، فوعد سبحانه من يجاهد مطمئن القلب على حصول أحد الأمرين بالثواب الجزيل، وهو أجر الجهاد والاستشهاد، وهو الحسنيان، وإنما بين الله تعالى ما يؤول إليه أمر الجهاد ليوطن المجاهد نفسه على ذلك، فيكون البيع الواقع على النفس منجَّزاً عن طيب نفس من غير غبن ولا خديعة، فإن رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّمَا البَيعُ عَنْ تَرَاضٍ". رواه ابن ماجه عن أبي سعيد ﵁ (١). وقال ﷺ لرجل ذكر أنه يخدع في البيع: "مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ لَهُ: لا خِلابَةَ"، والحديث في "الصحيحين" وغيرهما (٢). وخِلابة - بكسر المعجمة، وبالموحدة -: الغبن والخديعة. قال الرافعي، والنووي رحمهما الله تعالى: واشتهر في الشرع أنها عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام، انتهى (٣). فإذا كان هذا مأخوذًا به في المبايعة بين العباد، فالأخذ به في المبايعة بين الله تعالى وبين العباد أحق وأحرى؛ فإن الغَبن والخديعة ظلم، وما ربك بظلام للعبيد.

стр. 1678

ولئن كان في الشرع لمن بايع العباد أن يشترط الخيار ثلاثة أيام فقط، على الأصح من مذاهب العلماء، فإن الله تعالى جعل العبد مختارًا في المبايعة إلى أن يموت، بدليل أنه وإن امتنع عن الجهاد حيث تعين عليه مدة عمره حتى لم يبقَ من عمره إلا ساعة قبل الموت أو ظهور الآيات فتاب، وعزم على المجاهدة، وألزم عقد المبايعة بينه وبين الله تعالى، كان الله تعالى موجبا لعقد مبايعته، ملزما لربط معاقدته. وقد قلت في المبايعة المشار إليها: [من الخفيف] إِن رَبِّيْ مُبايعٌ أَحْبابَه ... خَيْرَ بَيْعٍ وَلَيْسَ فِيْهِ خِلابَةْ فَاشْتَرَىْ مِنْهُمُ النُّفُوْسَ وَلَوْلا الـ ... ـفضْلُ مِنْهُ لَما اسْتَباحُوْا خِطابَهْ بِجِنانٍ فِيْهِنَّ ما تَشْتَهِيْ النَّـ ... ـفْسُ وَما إِنْ فِيْهِنَّ شَيْءٌ يَشابَهْ يا لَها بَيْعَةٌ بِأَطْيَبِ رِبْحٍ ... لَيْسَ فِيْها وَاللهِ إِلاَّ الإِصابَةْ مَنْ يَنَلْهَا يَنَلْ أَعَزَّ مَقامٍ ... يَرْفَعِ اللهُ قَدْرَهُ وَجَنابَه

стр. 1679

وُينَعِّمْهُ بِالشُّهُوْدِ وَأَنَّى ... لِيْ بِها مِنْ فَضِيْلَةٍ مُسْتَطابَةْ إِنَّ نَفْسِي النَّفُوْرَ قَدْ أَقْعَدَتْنِيْ ... عَنْ كِرامِ الْهَوَىْ وَأَهْلِ الصَّبابَةْ رَبِّ خَلِّصْ حَقِيْقَتِيْ لَكَ حَتَّىْ ... لا سِوَىْ يَسْلُبُ الْفُؤادَ صَوابَهْ زَكِّ نَفْسِي فَأَنْتَ خَيْرُ مُزَكٍّ ... لا تَدَعْها بِما سِواكَ مُشابَةْ وَأِبحْنِيْ رِضاكَ دُنْيًا وأُخْرى ... بِالَّذِيْ شَرَّفْتَ بِهِ أَرْضَ طابَةْ صَلَواتِيْ عَلَيْهِ فِيْ كُلِّ حِيْنٍ ... وَعَلَىْ آلِهِ الرِّضَا وَالصَّحابَةْ عوداً على بدء: فإنما حسن للإنسان طلب الشهادة، واختيار القتل في سبيل الله تعالى؛ لأنه مجرد طمأنينة تحت أحكام الله تعالى، ومحض تسليم لقضائه، ورضى بقدره وحكمه، بخلاف قتل الإنسان لنفسه؛ فإنه ليس كذلك، وإنما هو تحكم على الله تعالى فيما هو ملكه حقيقة.

стр. 1680

بل نقول: إن المؤمن لا يملك نفسه لأنها دخلت تحت المبايعة، كما قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: لا نفس للمؤمن لأنها دخلت تحت البيع من الله تعالى (١)، فإذا قتل نفسه فقد تصرف في غير ملكه بغير إذن المالك، بل تجرأ على ما لا يملك، وتعدى عليه، فأتلفه مع نهي مالكه له عن إتلافه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فقد تبين لك بذلك أن طلب الشهادة، واختيار القتل في سبيل الله تعالى تنفيذ للبيع وتسليم للمبيع لمبتاعه، وقتل المؤمن نفسه إتلاف من البائع للمبيع بعد صدور العقد وانتقال الملك فيه إلى المشتري، فتفطن لما ذكرناه، وتدبر ما حررناه! ومن لطائف عبد الله بن رواحة ﵁ قوله وهو آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، كما في السير، وغيرها: [من الرجز] قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِيْ تَنْزِيْلِهْ ... بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتلِ فِيْ سَبِيْلِهْ (٢) وإيضاح هذه الخيرية أن المقتول ظلمًا بصدد المغفرة والثواب، إلا أنه لا يبلغ ثواب المقتول في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فالقتل في سبيل الله تعالى خير أنواع القتل المتسبب عنه ثواب المقتول.

стр. 1681

ثم قتل النفس ظلمًا شر للقاتل، سواء كان المقتول نفس القاتل أو غيره، إلا أنه إذا قتل نفسه كان شر أنواع القتل؛ لأن أعز الأشياء على المرء نفسه، فإذا قتل نفسه لم يدع من القسوة والتفريط شيئًا، فهو شر القتل في سبيل الشيطان، كما أن القتل في الجهاد خير القتل في سبيل الرحمن، فافهم! ثم هنا لطيفة: من كرم الله تعالى أن جادَ علينا بالنفوس والأموال، ثم اشتراها منا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وكذلك أفاض علينا النعم والأموال منًّا، ثم اقترضها بلطفه منا؛ ﴿منْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقد قلت مترجمًا عن الحضرة الإلهية، ومشيرًا إلى الذات العلية كما هي عن سواها غنية: [من المتقارب] وَهَبْتُكَ نَفْسَكَ ثُمَّ اشْتَرَيـ ... ـتُ نَفْسَكَ مِنْكَ بِأَثْمانِها وَأَعْطَيْتُكَ الْمالَ ثُمَّ اقْتَرَضْـ ... ـتُ مِنْكَ الزَّكاةَ لإِخْوانِها وَوالَيْتُ نَعْماءَ فَضْلٍ عَلَيـ ... ـكَ لَمَّا ابْتَدَأْتَ بِإِحْسانِها

стр. 1682

وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قابَلْتُ ما ... أَتانِيَ مِنْها بِشُكْرانِها فَهَذا دلِيْلٌ عَلَىْ غُنْيَتِي ... وَفَقْرِ عَبِيْدِي إلى حانِها * تَنْبِيْهٌ: ليس من التشبه بالشهداء -أيضًا- تمني لقاء العدو، ومن ثم قال ﷺ : "لا تتَمَنوْا لِقَاءَ العَدُو، وَإِذَا لَقِيْتُمُوْهُمْ فَاثْبُتُوْا". رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ (١). والحكمة في ذلك: أن العبد قد لا يثبت عند اللقاء فيكون عليه فتنة كما أشار إليه النبي ﷺ في رواية الإِمام أحمد، والطبراني بقوله: "فَإِنَّكمْ لا تَدْرُوْنَ ما يَكُوْنُ فِيْ ذَلِكَ" (٢)؛ أي: في لقاء العدو. فأما بعد اللقاء فالثبات مطلوب، وبه يحصل التشبه بالشهداء، ووظيفته حينئذ طلب المبارزة، والصبر عليها، وعدم الفرار، وتثبيت القلب بموعود الله تعالى. قال معاذ بن جبل ﵁: كان رسول الله ﷺ يحث أصحابه على المبارزة (٣).

стр. 1683

وقال أبو أيوب ﵁: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَقِيَ العَدُوَّ فَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَغْلِبَ، لَمْ يُفْتَنْ فِيْ قَبْره" (١). رواهما الطبراني. وروى الخطيب في "تالي التلخيص" عن أبي عبد الله سعيد بن يزيد النَّباجي الزاهد قال: بينما نحن صافون نقاتل العدو بأرض الروم، فإذا أنا بغلام كأحسن من رأيت من الغلمان، وعليه طرة وقفا، وعليه حلة ديباج، وهو يقاتل قتالاً شديدًا، ويقول: [من مجزوء الرمل] أَنا فِيْ أَمْرِيْ رَشادِ ... بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهادِ بَدَنِيْ يَغْزُوْ عَدُوِّيْ ... وَالْهَوَىْ يَغْزُوْ فُؤادِيْ قال: فدنوت منه، فقلت: يا غلام! هذا القتال، وهذه المقالة، والطرة، والقفا، والحلة لا يشبه بعضه بعضاً؟ فقال الفتى: أحببت ربي، فشغلني حبه عن حب غيره، فتزينت لحور العين، لعلها تخطبني إلى مولاها. ***

стр. 1684

فَصْلٌ إنما قيل للقتيل في سبيل الله شهيدًا -وقد تُكسرُ شينه- لأن الملائكة ﵈ تشهده. أو لأنَّ الله تعالى وملائكته شهود له بالجنة. أو لأنه ممن يستشهد يوم القيامة على الأمم الخالية. أو لسقوطه على الشاهدة؛ أي: الأرض. أو لأنه حي عند ربه حاضر. أو لأنه شهد ملكوت الله، وملكه. نص على ذلك كله صاحب "القاموس" فيه (١). وعلى الوجهين الأولين يكون بمعنى المفعول، فهو مشهود له. وعلى سائر الوجوه بمعنى الفاعل. ويظهر من تقديم صاحب "القاموس" الوجهين الأوليين ترجيح كونه بمعنى المفعول. وعندي ترجيح كونه بمعنى الفاعل، وأنه إنما سمي شهيداً؛ لأنه

стр. 1685

يشهد على ما غاب عن غيره مما أعد الله تعالى له من النعيم والمقام الكريم، وما له فيه من الرزق والأزواج والملك الكبير والرضا الدائم، ومن ثم يخفف عنه القتل، كما قال رسول الله ﷺ : "مَا يَجِدُ الشَّهِيْدُ مِنْ مَسّ القَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ". رواه الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ (١). وروى الترمذي وصححه، [و] ابن ماجه، والبيهقي عن المقدامِ بن معدي كرب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ لَلشَهِيْدِ خِصَالًا: يُغْفرُ لَهُ فِيْ أُوْلَى دُفْعَةٍ مِنْ دمِهِ، وُيرى مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَتَحُلُّ عَليْهِ حُلَّةُ الإيْمَانِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيأمَنُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وُيوْضَعُ عَلى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ؛ اليَاقُوْتةُ مِنْهُ خَيْر مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا، وُيزَوَّجُ اثْنتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ زَوْجَة مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ، وَيُشَفَّعُ في سَبْعِيْنَ إِنْسَاناَ مِنْ أقارِبِهِ" (٢). ورواه الإِمام أحمد، والطبراني من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (٣). وروى البيهقي في "الشُّعب" عن أبي بكر محمَّد بن أحمد التميمي قال: سمعت قاسم بن عثمان الجوعي رحمه الله تعالى يقول: رأيت
следующие страницы →