← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ثم قتل النفس ظلمًا شر للقاتل، سواء كان المقتول نفس القاتل أو غيره، إلا أنه إذا قتل نفسه كان شر أنواع القتل؛ لأن أعز الأشياء على المرء نفسه، فإذا قتل نفسه لم يدع من القسوة والتفريط شيئًا، فهو شر القتل في سبيل الشيطان، كما أن القتل في الجهاد خير القتل في سبيل الرحمن، فافهم! ثم هنا لطيفة: من كرم الله تعالى أن جادَ علينا بالنفوس والأموال، ثم اشتراها منا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وكذلك أفاض علينا النعم والأموال منًّا، ثم اقترضها بلطفه منا؛ ﴿منْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقد قلت مترجمًا عن الحضرة الإلهية، ومشيرًا إلى الذات العلية كما هي عن سواها غنية: [من المتقارب] وَهَبْتُكَ نَفْسَكَ ثُمَّ اشْتَرَيـ ... ـتُ نَفْسَكَ مِنْكَ بِأَثْمانِها وَأَعْطَيْتُكَ الْمالَ ثُمَّ اقْتَرَضْـ ... ـتُ مِنْكَ الزَّكاةَ لإِخْوانِها وَوالَيْتُ نَعْماءَ فَضْلٍ عَلَيـ ... ـكَ لَمَّا ابْتَدَأْتَ بِإِحْسانِها

стр. 1682

وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قابَلْتُ ما ... أَتانِيَ مِنْها بِشُكْرانِها فَهَذا دلِيْلٌ عَلَىْ غُنْيَتِي ... وَفَقْرِ عَبِيْدِي إلى حانِها * تَنْبِيْهٌ: ليس من التشبه بالشهداء -أيضًا- تمني لقاء العدو، ومن ثم قال ﷺ : "لا تتَمَنوْا لِقَاءَ العَدُو، وَإِذَا لَقِيْتُمُوْهُمْ فَاثْبُتُوْا". رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ (١). والحكمة في ذلك: أن العبد قد لا يثبت عند اللقاء فيكون عليه فتنة كما أشار إليه النبي ﷺ في رواية الإِمام أحمد، والطبراني بقوله: "فَإِنَّكمْ لا تَدْرُوْنَ ما يَكُوْنُ فِيْ ذَلِكَ" (٢)؛ أي: في لقاء العدو. فأما بعد اللقاء فالثبات مطلوب، وبه يحصل التشبه بالشهداء، ووظيفته حينئذ طلب المبارزة، والصبر عليها، وعدم الفرار، وتثبيت القلب بموعود الله تعالى. قال معاذ بن جبل ﵁: كان رسول الله ﷺ يحث أصحابه على المبارزة (٣).

стр. 1683

وقال أبو أيوب ﵁: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَقِيَ العَدُوَّ فَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَغْلِبَ، لَمْ يُفْتَنْ فِيْ قَبْره" (١). رواهما الطبراني. وروى الخطيب في "تالي التلخيص" عن أبي عبد الله سعيد بن يزيد النَّباجي الزاهد قال: بينما نحن صافون نقاتل العدو بأرض الروم، فإذا أنا بغلام كأحسن من رأيت من الغلمان، وعليه طرة وقفا، وعليه حلة ديباج، وهو يقاتل قتالاً شديدًا، ويقول: [من مجزوء الرمل] أَنا فِيْ أَمْرِيْ رَشادِ ... بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهادِ بَدَنِيْ يَغْزُوْ عَدُوِّيْ ... وَالْهَوَىْ يَغْزُوْ فُؤادِيْ قال: فدنوت منه، فقلت: يا غلام! هذا القتال، وهذه المقالة، والطرة، والقفا، والحلة لا يشبه بعضه بعضاً؟ فقال الفتى: أحببت ربي، فشغلني حبه عن حب غيره، فتزينت لحور العين، لعلها تخطبني إلى مولاها. ***

стр. 1684

فَصْلٌ إنما قيل للقتيل في سبيل الله شهيدًا -وقد تُكسرُ شينه- لأن الملائكة ﵈ تشهده. أو لأنَّ الله تعالى وملائكته شهود له بالجنة. أو لأنه ممن يستشهد يوم القيامة على الأمم الخالية. أو لسقوطه على الشاهدة؛ أي: الأرض. أو لأنه حي عند ربه حاضر. أو لأنه شهد ملكوت الله، وملكه. نص على ذلك كله صاحب "القاموس" فيه (١). وعلى الوجهين الأولين يكون بمعنى المفعول، فهو مشهود له. وعلى سائر الوجوه بمعنى الفاعل. ويظهر من تقديم صاحب "القاموس" الوجهين الأوليين ترجيح كونه بمعنى المفعول. وعندي ترجيح كونه بمعنى الفاعل، وأنه إنما سمي شهيداً؛ لأنه

стр. 1685

يشهد على ما غاب عن غيره مما أعد الله تعالى له من النعيم والمقام الكريم، وما له فيه من الرزق والأزواج والملك الكبير والرضا الدائم، ومن ثم يخفف عنه القتل، كما قال رسول الله ﷺ : "مَا يَجِدُ الشَّهِيْدُ مِنْ مَسّ القَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ". رواه الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ (١). وروى الترمذي وصححه، [و] ابن ماجه، والبيهقي عن المقدامِ بن معدي كرب ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ لَلشَهِيْدِ خِصَالًا: يُغْفرُ لَهُ فِيْ أُوْلَى دُفْعَةٍ مِنْ دمِهِ، وُيرى مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَتَحُلُّ عَليْهِ حُلَّةُ الإيْمَانِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيأمَنُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وُيوْضَعُ عَلى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ؛ اليَاقُوْتةُ مِنْهُ خَيْر مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا، وُيزَوَّجُ اثْنتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ زَوْجَة مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ، وَيُشَفَّعُ في سَبْعِيْنَ إِنْسَاناَ مِنْ أقارِبِهِ" (٢). ورواه الإِمام أحمد، والطبراني من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (٣). وروى البيهقي في "الشُّعب" عن أبي بكر محمَّد بن أحمد التميمي قال: سمعت قاسم بن عثمان الجوعي رحمه الله تعالى يقول: رأيت

стр. 1686

في الطواف حول البيت رجلًا لا يزيد على قوله: اللهم! قضيت حاجة المحتاجين، وحاجتي لم تقضِ؟ فقلت له: مالك لا تزيد على هذا الكلام؟ فقال: أحدثك: كنَّا سرية رفقاء من بلدان شتى، غزونا أرض العدو فاستؤسرنا كلنا، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا، فنظرت إلى السماء فإذا سبعة أبواب مفتحة عليها سبع جوار من الحور العين، على كل باب جارية، فقدم رجل منا فضُرِبَت عنقه، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض حتى ضُرِبَت أعناق ستة، وبقيت أنا وبقي باب وجارية، فلما قُدمتُ لتُضرَب عنقي استوهبني بعض رجاله، فوهبني له، فسمعتها تقول: أي شيء فاتك يا محروم وأغلقت الباب؟ وأنا يا أخي متحسر على ما فاتني. قال قاسم بن عثمان: أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا، وترك يعمل على الشرف (١). ***

стр. 1687

فَصْلٌ يدل على فضل التشبه بالشهداء والمجاهدين الآيات والأحاديث الواردة في فضل الجهاد وفضل الشهداء، والأحاديث الواردة -أيضًا- في تمني النبي ﷺ والصالحين للقتل في سبيل الله، وكذلك تمني الشهداء أن يعودوا إلى الدنيا فيقتلون مرة أخرى، وكذلك ما ورد في استحباب طلب الشهادة من الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية. وقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. روى عبد الرزاق عن أبي مِجْلَز رحمه الله تعالى: أنه قال في قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾: بلغني أنها سبعون درجة، بين كل درجتين سبعون عامًا كالجواد المُضَمر (١).

стр. 1688

وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ فِيْ الْجَنَّةِ مِئَةَ درَجَةٍ أَعَدَّها اللهُ لِلْمُجَاهِدِيْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإذَا سَأْلتُمُ الله فَاسْأَلوُهُ الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ" (١). وروى مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "يَا أبَا سَعِيْدٍ! مَنْ رَضِيَ باللهِ رَبًّا، وِبالإسْلامِ دِيْنًا، وَمُحَمَّدٍ نبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة". قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها يا رسول الله، ففعل. قال رسول الله ﷺ : "وَخَصْلة أُخْرى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا العَبْدَ مِئَةَ درَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، فقال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الْجِهَادُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (٢). وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وَالذِيْ نَفْسِيْ بِيَدهِ! لَوْلا أَنَّ رِجالاً (٣) مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ لا تَطِيْبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يتَخَلفُوْا عَنّيْ، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَليِهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سريةٍ تَغْزُوْ فِيْ سَبِيْلِ الله.

стр. 1689

وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدهِ! لَوَدِدِتُ أنِّيْ أُقْتَلُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَ أُحيا، ثُمَ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحيا" (١). وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ عبدٍ يَمُوْتُ لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجعَ إِلى الدّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدّنْيَا وَمَا فِيْهَا، إِلاَّ الشَّهِيْدُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشهَادةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّة أُخْرَى" (٢). وروى الشيخان، والترمذي من حديثه ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَا أَحَدٌ يدخلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، إِلاَّ الشَّهِيْدُ تتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ" (٣). وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن سهل بن حُنَيْفٍ ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَأَلَ الله الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلى فِرَاشِه" (٤). وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ [صادقًا] أُعْطِيَهَا وَلوْ لَمْ تُصِبْهُ" (٥).

стр. 1690

وروى ابن حبان في "صحيحه" واللفظ له، والحاكم وصححه، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جُرِحَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ جُرْحًا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَرِيْحُهُ رِيْحُ المِسْكِ، وَلَوْنه لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، وَعَليْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ تَعَالى الشَّهَادةَ مُخْلِصًا أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيْدٍ وَإِنْ مَاتَ عَلى فِرَاشِه" (١). وروى مسلم، وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلى شُعْبَةٍ مِنَ النفَاقِ" (٢). واعلم أنه لا يَرِد على ما ذكرناه هنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ لأنَّ هذه الآية نزلت في تارك الجهاد. وروى الترمذي وصححه، عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، قال: وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ﵁، وعلى الجماعة فضالة ابن عبيد ﵁، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب ﵁ فقال: أيها الناس! إنكم لتأولون هذا التأويل، وإنما نزلت

стр. 1691

هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ أعز الله الإِسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى قد أعز الإِسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ما يَرُد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دُفِن بأرض الروم (١). * تنبِيْهٌ: ولا بد في المتشبه بالشهداء بالجهاد وطلب الشهادة أن يكون ذلك منه خالصاً لوجه الله الكريم؛ لما تقدم أنه لا يشبه الزِّيُّ الزِّيَّ حتى يشبه القلب القلب، وإلا كان عمله محبطاً، وإن جرت عليه أحكام الشهداء ظاهراً لو قتل في الجهاد. وقد روى الشيخان، وأصحاب السنن عن أبي موسى ﵁: أنَّ أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُوْنَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ " (٢).

стр. 1692

وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: يا رسول الله! أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "يَا عَبْدَ اللهِ! إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ اللهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرائِيَا مُكَاثِرًا بَعَثَكَ اللهُ مُرائِيًا مُكَاثِرًا، يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو! عَلى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ، أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللهُ عَلى تِلْكَ الحَالْ" (١). وروى هو، والنسائي، عن أبي أمامة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شَيْءَ لَهُ"، فأعادها ثلاث مراتٍ يقول رسول الله ﷺ : "لا شَيْءَ لَهُ" ثم قال: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ العَبْدِ إِلا مَا كَانَ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ" (٢). وحكى الغزالي رحمه الله تعالى في "منهاج العابدين" عن أحمد بن أرقم البلخي ﵀ -وكان من الصالحين- أنه قال: نازعتني نفسي بالخروج إلى الغزو، فقلت: سبحان الله! إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وهذه تأمرني بالخير، لا يكون هذا أبدًا، ولكنها استوحشت فتريد لقاء الناس، فتتريح إليهم، ويتسامع الناس بها، فيستقبلونها بالتعظيم والبر والإكرام.

стр. 1693

قال: فقلت لها: لا أنزلك العمران، ولا أنزل على معرفة، فأجابت، فأسأت الظن بها وقلت: الله أصدق، فقلت: أقاتل العدو حاسرًا لتكون في أول قتيل، فأجابت. وعد أشياء مما أرادها فأجابت إلى ذلك كله، فقلت: يا رب! نبهني لها؛ فإني متهم لها، مصدق ذلك، فكوشفت كأنها تقول لي: يا أحمد! أنت تقتلني كل يوم بمنعك إياي من شهواتي، ومخالفتك، ولا يشعر به أحد، فإن قاتلت قُتِلت مرة واحدة فنجوت منك، وتسامع الناس بي، فيقال: استشهد أحمد، فيكون لي شرفًا وذكراً. قال: فقعدت، ولم أخرج إلى الغزو في ذلك العام. قال حجة الإِسلام الغزالي: وانظر إلى خدل النفس وغرورها! ترائي الناس بعد الموت بعمل لم يكن بعد. قال: ولقد أحسن القائل هنا: [من البسيط] تَوَقَّ نَفْسَكَ لا تَأْمَنْ غَوائِلَها ... فَالنَّفْسُ أَخْبَثُ مِنْ سَبْعِيْنَ شَيْطانًا (١) * تَنْبِيْهٌ: روى الإِمام محمَّد بن جرير الطبري عن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مُؤْمِنُوْ أُمَّتىْ شُهَدَاءُ"، ثم تلا

стр. 1694

النبي ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] (١). قلت: وهذا الحديث يحتمل وجهين: الأول: أن يكون معنى قوله: "شهداء" أنهم شهداء للأنبياء ﵈ على أممهم بالتبليغ، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فإن الظاهر أن هذه الشهادة تكون يوم القيامة من عامة الأمة على وجه الاتفاق وإن كان من الأمة من هو ذو عصيان؛ لأنَّ إطباق أمة هي أعظم الأمم على الشهادة أبلغ في نصرة الأنبياء ﵈ في إثبات الحجة على الأمم. وهي شهادة صحيحة مقبولة لأنها من لازم الإيمان, وقد وصفنا العاصي من هذه الأمة بالإيمان مع العصيان ما لم يكن مشركًا. ويؤيد هذا الوجه: استشهاد النبي ﷺ بالآية، وقد قال تعالى فيها: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]؛ إذ الأحسن أن يكون الظرف متعلقًا بنفس الشهداء؛ أي: الذين يشهدون عند ربهم. والوجه الثاني: أن يكون المراد أن مؤمني هذه الأمة في رتبة الشهداء من غير هذه الأمة، بل في رتبة الصديقين من غيرهم أيضًا. وعليه يُحملُ ما أخرجه ابن المنذر عن ابن مسعود ﵁، وعبد الرزاق عن مجاهد، وعبد بن حميد عنه، وعن عمرو بن ميمون: أنهم قالوا:

стр. 1695

"كل مؤمن صِدِّيْقٌ، وشهيد"، ثم قرأ كل منهم الآية (١). وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁: أنه قال يومًا وهم عنده: كلكم صِدّيْقٌ، وشهيد، قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: اقرؤوا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١٩)﴾ [الحديد: ١٩] (٢). فإن قلت: هل من دليل على هذا الاحتمال؟ وهل في لفظ حديث البراء ما يفهم منه ذلك؟ قلت: نعم، يفهم من قوله: "مُؤْمِنُو أُمَّتِيْ"، ولم يقل: "المؤمنون". ثم رأينا أن الله تعالى قسم المؤمنين إلى صِدِّيْقِين، وشهداء، وصالحين، وأظهر في آيات خصوصيات الشهداء على عامة المؤمنين، فحملنا قول النبي ﷺ : "شهداء" في قوله: "مُؤْمِنُوْ أُمَّتِي شُهَدَاءُ" على شهداء غير هذه الأمة على وجه التشبيه؛ أي: مثل شهداء سائر الأمم. ونظير ذلك: ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رَاحَ مِنَّا سَبْعُوْنَ رجُلاً إلى الْجُمُعَةِ كَانُوْا كَالسَّبْعِيْنَ (٣) الذِيْنَ وَفَدُوْا عَلى رَبّهِمْ، أَوْ أَفْضَلَ" (٤).

стр. 1696

و"أو" بمعنى: بل. وقد قلت في منظومتي في "خصائص يوم الجمعة": [من الرجز] وَإِنْ إِلَىْ الْجُمُعَةِ رأَيْ مِنَّا ... سَبْعُوْنَ إِنْساناً فَقَدْ سَمِعْنا بِأَنَّهُمْ كَقَوْمِ مُوْسَىْ السَّبْعِيْنْ ... إِذْ وَفَدُوْا لِرَبِّهمْ مُجِدِّيْنْ بَلْ إِنَّهُمْ يا صاحِ مِنْ أُوْلَئِكْ ... أَفْضَلُ فِيْ الأَحْوالِ وَالْمَسالِكْ

стр. 1697

فَصْلُ وقد ألحق النبي ﷺ بالمقتول بسبب الجهاد في حصول ثواب الشهادة جماعة لا تدخل أحوالهم تحت الاختيار، فينبغي التنبيه عليهم هنا. روى الإمام مالك، والشيخان، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُوْنُ، والْمَبْطُوْنُ، وَالْغَرِيْقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيْدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (١). وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت منه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ فِيْ القَتْلِ شَهَادَةً، وَفِيْ الطَّاعُوْنِ شَهَادَةً، وَفِي البَطْنِ شَهَادَةً، وَفِيْ الغَرَقِ شَهَاَدَةً، وَفِيْ النُّفَسَاءِ يَقْتُلُهَا وَلدُهَا جَمْعًا شَهَاَدَةً" (٢). وروى الأربعة، وابن حبان في "صحيحه" عن جابر بن عَتيك ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَىْ القَتْل فِيْ سَبِيْلِ اللهِ: الْمَبْطُوْنُ

стр. 1698

شَهِيْدٌ، وَالغَرِيْقُ شَهِيْدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيْدٌ، وَالْمَطْعُوْنُ شَهِيْدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيْقِ شَهِيْدٌ، وَالَّذِيْ يَمُوْتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيْدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوْتُ بِجَمْعٍ شَهِيْدَةٌ" (١). قال المنذري: يقال: ماتت المرأة بجمع - مثلث الجيم -: إذا ماتت وولدها في بطنها، وقيل: إذا ماتت عذراء (٢). قلت: ويؤيد الأول حديث عبادة بن الصامت المتقدم. ويحتمل أن النبي ﷺ عين التي يقتلها جنينها في حديث عبادة، وأراد بقوله في حديث جابر "وَالْمَرْأةُ تَمُوْتُ بِجِمَاعٍ": العذراء؛ لأن المعنيين معروفان في لسان العرب، والله الموفق. وروى الإمام أحمد بسند حسن، عن راشد بن حبيش ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل على عبادة بن الصامت ﵁ يعوده في مرضه، فقال رسول الله ﷺ : "أتَعْلَمُوْنَ مَنِ الشُّهَدَاءُ مِنْ أُمَّتِيْ؟ "، فأَرَمَّ القوم؛ أي: تقدموا، فقال عبادة: ساندوني، فأسندوه، فقال: يا رسول الله! الصابر المحتسب؟ فقال رسول الله: ﷺ "إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِيْ إِذَنْ لَقَلِيْلٌ: القَتْلُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ شَهَادَةٌ، وَالطَّاعُوْنُ شَهَادَةٌ، وَالغَرَقُ شَهَاَدَةٌ، وَالبَطْنُ شَهَاَدَةٌ، وَالنُّفَسَاءُ يَجُرُّهَا وَلَدُهَا بِسُرَرِهِ إِلَىْ الْجَنَّةِ".

стр. 1699

وزاد أبو العوام سَادِنُ بيت المقدس: "وَالْحَرْقُ، وَالسُّلُّ" (١). قال المنذري: والسادن - بالسين، والدال المهملتين -: هو الخادم. والسل - بكسر السين، وضمها، وتشديد اللام -: هو داء يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام، أو سعال طويل مع حمى هادئة، وقيل غير هذا (٢). انتهى. وقال صاحب "القاموس": والسل: بالكسر، والضم، وكغراب: قرحة تحدث في الرئة إما تعقب ذات الرئة، أو ذات الجنب، أو زكام ونوازل، أو سعال طويل، ويلزمها حمى هادئة. قال: وقد سُل - بالضم -، وأسله الله، فهو مسلول (٣)، انتهى. وقال العلامة علاء الدين بن النفيس في "الموجز": السل: هو قرحة في الرئة يلزمها حمى دقيقة للقرب من القلب، ونفث المدة، ويفرق بينها وبين البلغم باستدارتها ونتن رائحتها، وخصوصًا إذا وضعت على الجمر وبين سرتها في الماء. قال: وقد يكون ذلك انتقالياً من ذات الجنب، أو ذات الرئة إذا تفتحت، وقد يكون لنزلة أكالة، وقد يكون لتفرق اتصال تقادم، ويتقدمه نفس دم وريدي.

стр. 1700

قال: والمبتدئ من هذا قلما يبرأ، والمستحكم لا علاج له، إنما يتلطف به ليهون أمره، انتهى. قلت: لا يبعد أن تكتب الشهادة للمسلول، سواء انتهى مرضه إلى ذات الجنب، أو ذات الرئة، أو انتشا عنه، وسواء لزم مرضه حمى الدق، أو لا، أو كان مرضه مجرد سعال، أو نزلة، ويقال لها سقوط إذا مات بهذه العلل أو بعضها؛ لأن الكل يسل. وروى الطبراني في "الكبير" عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صُرِعَ عَنْ دَابَّتِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ" (١). وروى أبو داود بسند جيد، عن أم حرام ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الْمَائِدُ فِي البَحْرِ الَّذِيْ يُصِيْبُهُ القَيءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ، وَالغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ" (٢). والمائد الذي يصيبه الغثيان والدوار من ركوب البحر، وكذا من السكر، كما في "القاموس" (٣). وقوله في الحديث: "الذي يصيبه القيء" يحتمل أنه من كلام

стр. 1701

النبي ﷺ فيكون تفسيرًا للمائد، وتقييداً لبلوغه الشهادة بأن ينتهي ميده إلى القيء. ويحتمل أن يكون التفسير مدرجاً في الحديث من كلام بعض الرواة فلا يكون قيدًا، بل تحصل الشهادة بمجرد حصول الدوار والغثيان وإن لم ينتهِ إلى القيء. وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي عن ابن عمرو (١) ﵄، والإمام أحمد عن علي ﵁، وهو وأبو يعلى عن الحسين ﵁، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن سعيد بن زيد ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ" (٢). وروى النسائي، والضياء المقدسي في "المختارة" عن سُوَيْدِ بن

стр. 1702

مُقَرِّنٍ ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن سعيد بن زيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (٢). وروى ابن النجار في "تاريخه" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُوْنَ أَهْلِهِ ظُلْمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ ظُلْمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ جَارِهِ ظُلْمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ فِيْ ذَاتِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ". وروى عبد الرزاق عن عبيدة بن الحارث صاحب رسول الله ﷺ : أن النبي ﷺ قال: "الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُوْنُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيْقِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الغَرَقِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الغَمِّ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوْتُ بِجَمْعٍ شهيدٌ" (٣). وروى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَوْتُ

стр. 1703

الغَرِيْبِ شَهَادَةٌ" (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والرافعي في "تاريخ قزوين" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَوْتُ الرَّجُلِ فِيْ الغُرْبَةِ شَهَاَدَةٌ، وَإِذَا احتُضِرَ فَرَمَىْ بِطَرْفِهِ عَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ فَلَمْ يَرَ إِلاَ غَرِيْبًا، وَذَكَرَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، وَتَنَفَّسَ، فَلَهُ بِكُلِّ نَفَسٍ يَتَنَفَّسُ بِهِ يَمْحُوْ اللهُ بِهِ ألْفَيْ أَلْفِ سَيَّةٍ، وَيَكْتُبُ اللهُ لَهُ ألفَيْ ألفِ حَسَنَةٍ، ويُطْبَعُ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ إِذَا خَرَجَتْ نَفْسُهُ" (٢). وروى أبو نعيم عن مكحول ﵀ قال: مَنْ مَاتَ مُدَارِيًا، مَاتَ شَهِيدً" (٣). وهذا مثله لا يقال رأياً، فحكمه حكم المرفوع. وروى ابن عساكر عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: " الغَرِيْقُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِيْقُ شَهِيدٌ، وَالغَرِيْبُ شَهِيدٌ، وَالْمَلْدُوْغُ شَهيدٌ، وَمَنْ يَقعُ عَلَيهِ البَيْتُ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ نَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ أَخِيْهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ جَارِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالآمِرُ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّاهِيْ عَنِ

стр. 1704

الْمُنْكَرِ شَهِيْدٌ" (١). وقوله: "والآمِرُ بِالْمَعْرُوْفِ" إلى آخره يحتمل وجهين: الأول: أن يكون على إطلاقه، فيشارك الشهداء في أجر الشهادة بمجرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء قُتِل، أو مات. والثاني: أن يكون المعنى: والآمر بالمعروف إذا قُتِل بسبب ذلك شهيد على نسق: "من قُتل دون نفسه أو دون دينه أو دون أخيه". ويدل عليه ما صححه الحاكم، وأورده الضياء في "المختارة" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بَنُ عَبدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَىْ إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنهاهُ، فَقَتَلَهُ" (٢). وروى الطبراني بسند صحيح، عن ابن مسعود ﵁ قال: إنّ من يتردى من رؤوس الجبال وتأكله السباع، ويغرق في البحار لشهداء عند الله تعالى" (٣). وعن عقبة بن عام ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ صُرِعَ عَنْ دَابَّتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (٤).

стр. 1705

وعن أبي مالك الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ وَقَصَهُ بَعِيرُهُ أُوْ فَرَسُهُ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المرء يموتُ (٢) عَلَى فِرَاشِهِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ شَهِيدٌ". وقال ذلك في المبطون، واللديغ، والغريق، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخارِّ عن دابته (٣). وروى أبو نعيم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أُجِيْرَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَجَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُهَدَاءِ" (٤). روى ابن ماجه، وأبو نعيم، وصححه بعض العلماء، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ مَرِيْضًا (٥) مَاتَ شَهِيْدًا"،

стр. 1706

وَوُقِيَ فِتْنَةَ القَبْر، وَغُدِيَ عَلَيْهِ وَرِيْحَ بِرِزْقِ مِنَ الْجَنَّةِ" (١). وروى أبو نعيم عن خلف بن حوشب ﵀ قال: دخل جبريل ﵇، أو ملك على يوسف ﵇ وهو في السجن، فقال: أيها الملك الطيب الريح، الطاهر الثياب! أخبرني عن يعقوب ﵇، أو ما فعل يعقوب ﵇، قال: ذهب بَصَره، قال: ما بلغ من حزنه؟ قال: حُزْنُ سبعين ثَكْلى، قال: ما أجره؟ قال: أجر مئة شهيد (٢). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحزن" عن ثابت البُناني ﵀ قال: دخل جبريل على يوسف السجن ﵉ فعرفه، فقال: أيها الملك الطيبة ريحه، الطاهرة ثيابه، الكريم على الله ربه! هل لك علم بيعقوب ﵇؟ قال: نعم؛ بكى عليك حتى ذهب بصره، قال: فما بلغ حزنه؟ قال: حُزْنُ سبعين ثكلى، قال: فما له على ذلك من الأجر؟ قال: أجر مئة شهيد (٣). وروى الخطيب عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ

стр. 1707

عَشِقَ فَعَفَّ، ثُمَ مَاتَ، مَاتَ شَهِيدًا" (١) وروى هو، وغيره، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَشِقَ وَكتَمَ، وَعَفَّ، فَهُوَ شَهِيْدٌ" (٢) (٣). وقال أبو الوليد الباجي ملمحًا بالحديث: [من الوافر] إِذا ماتَ الْمُحِبُّ هَوًى وَعِشْقاً ... فَتِلْكَ شَهادَةٌ يا صاحِ حَقَّا رَواهُ لَنا ثِقاتٌ عَنْ ثِقاتٍ ... إِلَىْ الْحَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَرَقَّا (٤)

стр. 1708

ونقل ابن الجوزي عن عثمان بن زكريا المؤدب: أن معنى "فكتم": كتم من يحبه أنه يُحِبُّه (١). وقد جنح إلى هذا المعنى الإمام أبو بكر الظاهري، فقال ملمحًا بالحديث: [من الطويل] سَأَكْتُمُ ما أَلْقاهُ يا نُوْرَ ناظِرِيْ ... مِنَ الْحُبِّ كَيْلا يَذْهَبَ الأَجْرُ باطِلا فَقَدْ جاءَنا عَنْ سَيَّدِ الْخَلْقِ أَحْمَدٍ ... وَمَنْ كانَ بَرًّا بِالأَنامِ وَواصِلا بِأَنْ مَنْ يَمُتْ بِالْحُبَّ يَكْتُمُ أَمْرَهُ ... يَكُوْنُ شَهِيْداً فِيْ الْفَرادِيْسِ نازِلا (٢) * تنبِيْهٌ: ربما فهم من لم ينور الله بصيرته أن التوصل إلى الشهادة بالتعرض إلى العشق بالنظر ونحوه، فيباشر هذه الأسباب، فيقع فيما لم يكن له في حساب كما قال الشاعر: [من التقارب] تَعَلَّقَ بِالْعِشْقِّ حَتَّىْ عَشِقْ ... فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ

стр. 1709

رَأَىْ لُجَّةً ظَنَّها مَوْجَةً ... فَلَمَّا تَوَسَّطَ فِيْها غَرِقْ (١) فقد يعشق ولا يقدر على العفاف، فيقع في الفسق، بل ربما انتهى به العشق إلى الكفر، وكم إنسان أدى به العشق إلى الخروج من دينه، ثم لم يظفر بما خرج لأجله عن الدين حتى هلك. والعشق من حيث هو مذموم، والتعرض له بالنظر وغيره حرام، ولا يدخل فيه النظر والتمتع بالحلائل؛ لأن ذلك لا يؤدي به إلى العشق، بل إلى الحب، والحب محمود بخلاف العشق. وليس الثواب المنصوص عليه في الحديث على العشق، ولكنه على العفاف والصبر عن مقتضى العشق إذا دهم العبد الابتلاء بالعشق، لا إذا تعرض له بما هو حرام، وكيف يتوصل إلى درجات الشهادة بالمعاصي؟ هذا مما لا يكون أصلاً. وأكثر الواقعين في هذه المنزلة متصوفة هذه الأزمنة المتأخرة، القائلون بالشاهدة، المعرضون عن أمر الواحد الماجد، وأكثرهم حلولية، اتحادية، بطلة، جهلة، إلحادية إلا من عصمه الله تعالى وحفظه، وأقام له من قلبه واعظًا وعظه. وقد قال شيخ الطائفة أبو القاسم القشيري ﵀ في "رسالته":

стр. 1710

ومن أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث، ومن ابتلاه الله تعالى بشيء من ذلك، فبإجماع من الشيوخ أنَّ ذلك عبد أهانه الله وخذله، بل عن نفسه شغله ولو بألف ألف كرامة أَهَّلَهُ، وهب أَنَّهُ بلغ رتبة الشهداء لما في الخبر تلويح بذلك، أليس قد شغل ذلك القلب بمخلوق، فأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك يسيرًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]. إلى أن قال: ومن ارتقى في هذا الباب عن حالة الفسق - وأشار إلى أن ذلك من بلايا الأرواح، وأنه لا يضره - فما قالوه من وساوس القائلين بالشهادة. قال: وإيراد حكايات عن الشيوخ بما كان الأولى بهم الستر على هناتهم وآفاتهم، فذلك نظير الشرك، وقرين الكفر؛ فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخاطتهم؛ فإن اليسير منه فتح باب الخذلان، ويد وِصال الهجران، ونعوذ بالله من قضاء السوء. هذا نص القشيري ﵁ بحروفه (١). وقد أشرت إلى تحرير هذا الموضع بأبسط من ذلك في كتاب "منبر التوحيد"، فليراجَع.

стр. 1711

فَصْلُ وقد جاء الشرع الشريف بالإرشاد إلى أمور تدخل تحت الاختيار إذا أتى بها العبد كُتِب له أجر الشهادة. فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَىْ اللهِ مِنْ هَذهِ الأَيَّامِ؛ يَعْنَيْ أَّيَّامَ العَشْرِ"، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ مَالِهِ وَلم يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ" (١). وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا في "فضل عشر ذي الحجة"، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّاْمٍ العَمَلُ فِيْهِنَّ أَفْضَلُ مِنْ أَّيَّامِ العَشْرِ"، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّىْ يُهْرَاقَ دَمُهُ" (٢).

стр. 1712

جعل ﷺ العمل الصالح أيًا ما كان مُعادلاً لبذل النفس والمال في سبيل الله حتى يذهبا فيه، وهذا هو نفس الشهادة. وروى الإمام أحمد، والدارامي، والترمذي وحسنه، عن معقل ابن يسار ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوْذُ بِاللهِ السَّمِيْع العَلِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُوْرَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِيْنَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ حَتَّىْ يُمْسِي، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمَ مَاتَ شَهِيْدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِيْنَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ" (١). وروى الدارامي عن الحسن ﵀ قال: من قرأ ثلاث آيات من آخر الحشر إذا أصبح فمات من يومه ذلك، طُبع بطابع الشهداء، وإن قرأ إذا أمسى فمات من ليلته طُبع بطابع الشهداء (٢). وروى أبو الشيخ عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ آخِرَ الْحَشْرِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١]، إِلَىْ آخِرِهَا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، مَاتَ شَهِيْدًا". وروى أبو القاسم الأصبهاني في "ترغيبه" عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ

стр. 1713

خَانَ امْرَأً مُسْلِمًا فِيْ أَهْلِهِ وَخَادِمِهِ، وَمَنْ قَالَ حِيْنَ يُمْسِيْ وَحِيْنَ يُصْبح: اللَّهُمَّ! إِنيِّ أُشْهِدُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ الله لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيْكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ، أَبُوْءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوْءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي؛ إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الدُّنُوْبَ غَيْرُكَ، فَإِن قَالَهَا مِنْ يِوْمِهِ ذَلِكَ حِيْنَ يُصْبحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، مَاتَ شَهِيْدًا، وَإِنْ قَالَهَا حِيْنَ يُمْسِي فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ ماتَ شَهِيْدًا" (١). وروى أبو يعلى، وابن السُّنِّي عن سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: اللَّهُمَّ! أَنْتَ رَبِّيْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِيْ وَأَناَ عَبْدُكَ، وَأَناَ عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرَّ مَا صَنَعْتُ، أَبَوْءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوْءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ إِنَّه لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ إِلاَ أَنْتَ، فَإِنْ قَالَهَا نهارًا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ مَاتَ شَهِيْدًا، وَإِنْ قَالَهَا لَيْلاً فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ مَاتَ شَهِيْدًا" (٢). وهذا هو سيد الاستغفار الذي رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبخاري، وغيرهم عن شدَّاد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سَيَّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُوْلَ: ... "، فذكره، ثم قال: "مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوْقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِن يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمْنْ قَالَهَا منَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوْقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (٣).

стр. 1714

وروى البيهقي في "الشعب" عن كعب الأحبار ﵀: أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇ في خبر طويل: أن من وافى القيامة وفي صحيفته ثلاثون رمضان، فهو من أفضل الشهداء (١). بل ورد في السنة ما هو أبلغ من ذلك، فروى الإمام أحمد بسند حسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بَلِىًّ - حي من قضاعة - أسلما مع رسول الله ﷺ ، استشهد أحدهما، وأخَّر الآخر سنة، قال طلحة ابن عبيد الله ﵁: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أليْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلاَفِ رَكْعَةٍ، وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلاَةَ سَنَةٍ؟ " (٢). وأخرجه ابن ماجه، وابن حبان من حديث طلحة بنحوه أطول منه، وزاد في آخره: "فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ ممَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" (٣). وفي هذا الحديث دلالة على من كان من الشهداء أكثر صلاة وصيامًا، فهو أرفع مقامًا ممن هو دونه في ذلك منهم. وروى الطبراني في "معاجمه الثلاثة" بسند جيد، عن أنس بن

стр. 1715

مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَشْرًا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مِئَةً، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِئَةً، كتبَ اللهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَرَاْءَةً مِنَ النِّفَاقِ، وَبَرَاْءَةً مِنَ النَّارِ، وَأَسْكَنَهُ اللهُ تَعَالَىْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الشُّهَدَاءِ" (١). وروى ابن ماجه عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ عَلَىْ وَصِّيةٍ مَاتَ عَلَىْ سَبِيْلٍ وَسُنَّةٍ، وَمَاتَ عَلَىْ تُقَى وَشَهَادَةٍ، وَمَاتَ مَغْفُوْرًا لَهُ" (٢). ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "على تقى وشهادة" شهادة أن لا إله إلا الله، فيكون فيه إشارة إلى أن من يسَّر الله تعالى له أن يوصي عند الموت، يسر له الشهادة عند الموت، ولا عجب أن يكون تيسير الشهادة عند الموت دليل الشهادة؛ أي: النزول في منازل الشهداء، وقد يشير إلى هذا المعنى حديث معاذ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ لله، دَخَلَ الْجَنَّةَ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه (٣).

стр. 1716

وروى البزار عن أبي ذر، وأبي هريرة ﵁ قالا: الباب من العلم يتعلمه الرجل أحب إلي من ألف ركعة تطوعًا. وقالا: قال رسول الله ﷺ : "إذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطالِبِ العِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذه الْحَالِ، مَاتَ وَهُوَ شَهِيْدٌ" (١). وروى أبو نعيم عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "يَا عَلِيُّ! تَعَلَّمِ القُرْآنَ وَعَلِّمْهُ النَّاسَ؛ فَلَكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، فَإِنْ مِتَّ مِتَّ شَهِيْدًا" الحديث (٢). وتقدم في التشبه بالملائكة ﵈. وروى أبو نعيم - أيضًا - عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ بإعْرَابٍ، فَلَهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ". وروى أبو القاسم الرافعي عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كتَبَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ فلم يعور الهَاءُ الَتِيْ فِيْ اللهِ، كتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سِيَّئَاتٍ، ورفَعَ له عَشْرَ دَرَجَاتٍ" (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو بكر بن السُّنِّي، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ

стр. 1717

قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِيْ سَبِيْلِي، كُتِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيْقًا" (١). قلت: اعتبرت من أول سورة الملك إلى آخر سورة الناس ألف آية، تزيد شيئًا أو تنقص شيئًا. وعلى ما اعتبره الشيخ شهاب الدين المقدسي في "مصحفه" تنقص عن الألف خمس آيات. ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا (٨)﴾ [التحريم: ٨] إلى آخر التحريم خمس آيات، فينبغي لمن أراد العمل بهذا الحديث أن يقرأ من أول هذه الآية إلى آخر القرآن العظيم. وروى الطبراني في "الصغير"، والخطيب بسند ضعيف، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَامَ عَلَى قِرَاءَةِ (يس) كُلَّ لَيْلَةٍ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ شَهِيْدًا" (٢).

стр. 1718

وروى الحكيم الترمذي عن زيد المروزي ﵀ معضلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيَّ دُبُرَ كُلَّ صَلاْةٍ، كَانَ الَّذِيْ يَلِيْ قَبْضَ رُوْحِهِ ذُوْ الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، وَكَانَ كَمَنْ قَاتَلَ عَنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ حَتَّىْ يُسْتَشْهَدَ". وأخرج ابن السني نحوه من حديث أبي أمامة ﵁ (١). وروى الحاكم في "المستدرك" عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ؟ دُعاءُ يُوْنسُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنَّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ، فَإيُّمَا مُسَلِمٍ دَعَا بِهَا فِيْ مَرَضِهِ أَرْبَعِيْنَ مَرَّةَ فَمَاتَ فِيْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيْدٍ، وَإِنْ بَرَأَ بَرَأَ مَغْفُوْرًا لَهُ" (٢). وروى أبو الشيخ، وأبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَكِبَ دَابَّةً فَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِيْ سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيْنَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ، مَاتَ شَهِيْدًا" (٣). وروى الحاكم في "تاريخه" عن محمد بن عجلان، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "القَائِمُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِيْ لَهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ". وروى أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1719

"أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ الْمُقْسِطُوْنَ" (١)، أي: أهل العدل والقسط. وروى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيْدِ الُمُتَشَحَّطِ (٢) فِيْ دَمِهِ، إِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوَّدْ فِيْ قَبْرِهِ" (٣). وأخرجه - أيضًا - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الْمُؤَذِّنُ المُحْتَسِبُ كَالشَّهِيْدِ المُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ؛ يَتَمَنَّى عَلَى اللهِ مَا يَشْتَهِيْ بَيْنَ الأذَانِ وَالإِقَامَةِ" (٤). وأخرج في "الكبير" - أيضًا - عن معاوية ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَبعَ (٥) الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مِثَلَ مِا يَقُوْلُ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" (٦).

стр. 1720

قال المنذري: متنهُ حسن، وله شواهد (١). وتقدم في حديث علي ﵁: "وَالآمِرُ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّاهِيْ عَنِ الْمُنْكَرِ شَهِيْدٌ" (٢) إن حملناه على إطلاقِهِ - كما سبق - فهو من هذا الباب. وروى الإمام أحمد عن جماعة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "شُهَدَاءُ اللهِ فِيْ الأَرْضِ أُمَنَاءُ اللهِ عَلَىْ (٣) خَلْقِهِ، قُتِلُوْا، أَوْ مَاتُوْا" (٤). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ كتَبَ الْغَيْرَةَ عَلَىْ النَّسَاءِ، وَالْجِهَادَ عَلَى الرَّجَالِ؛ فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، كَانَ لَهَا مِثَلُ أَجْرِ الشَّهِيْدِ" (٥). وروى ابن السُّنِّي عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ بَاتَ عَلَىْ
следующие страницы →