← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وروى البزار عن أبي ذر، وأبي هريرة ﵁ قالا: الباب من العلم يتعلمه الرجل أحب إلي من ألف ركعة تطوعًا. وقالا: قال رسول الله ﷺ : "إذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطالِبِ العِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذه الْحَالِ، مَاتَ وَهُوَ شَهِيْدٌ" (١). وروى أبو نعيم عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "يَا عَلِيُّ! تَعَلَّمِ القُرْآنَ وَعَلِّمْهُ النَّاسَ؛ فَلَكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، فَإِنْ مِتَّ مِتَّ شَهِيْدًا" الحديث (٢). وتقدم في التشبه بالملائكة ﵈. وروى أبو نعيم - أيضًا - عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ بإعْرَابٍ، فَلَهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ". وروى أبو القاسم الرافعي عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كتَبَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ فلم يعور الهَاءُ الَتِيْ فِيْ اللهِ، كتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سِيَّئَاتٍ، ورفَعَ له عَشْرَ دَرَجَاتٍ" (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو بكر بن السُّنِّي، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ

стр. 1717

قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِيْ سَبِيْلِي، كُتِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيْقًا" (١). قلت: اعتبرت من أول سورة الملك إلى آخر سورة الناس ألف آية، تزيد شيئًا أو تنقص شيئًا. وعلى ما اعتبره الشيخ شهاب الدين المقدسي في "مصحفه" تنقص عن الألف خمس آيات. ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا (٨)﴾ [التحريم: ٨] إلى آخر التحريم خمس آيات، فينبغي لمن أراد العمل بهذا الحديث أن يقرأ من أول هذه الآية إلى آخر القرآن العظيم. وروى الطبراني في "الصغير"، والخطيب بسند ضعيف، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَامَ عَلَى قِرَاءَةِ (يس) كُلَّ لَيْلَةٍ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ شَهِيْدًا" (٢).

стр. 1718

وروى الحكيم الترمذي عن زيد المروزي ﵀ معضلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيَّ دُبُرَ كُلَّ صَلاْةٍ، كَانَ الَّذِيْ يَلِيْ قَبْضَ رُوْحِهِ ذُوْ الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، وَكَانَ كَمَنْ قَاتَلَ عَنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ حَتَّىْ يُسْتَشْهَدَ". وأخرج ابن السني نحوه من حديث أبي أمامة ﵁ (١). وروى الحاكم في "المستدرك" عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ؟ دُعاءُ يُوْنسُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنَّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ، فَإيُّمَا مُسَلِمٍ دَعَا بِهَا فِيْ مَرَضِهِ أَرْبَعِيْنَ مَرَّةَ فَمَاتَ فِيْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيْدٍ، وَإِنْ بَرَأَ بَرَأَ مَغْفُوْرًا لَهُ" (٢). وروى أبو الشيخ، وأبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَكِبَ دَابَّةً فَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِيْ سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيْنَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ، مَاتَ شَهِيْدًا" (٣). وروى الحاكم في "تاريخه" عن محمد بن عجلان، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "القَائِمُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِيْ لَهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ". وروى أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1719

"أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ الْمُقْسِطُوْنَ" (١)، أي: أهل العدل والقسط. وروى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيْدِ الُمُتَشَحَّطِ (٢) فِيْ دَمِهِ، إِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوَّدْ فِيْ قَبْرِهِ" (٣). وأخرجه - أيضًا - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "الْمُؤَذِّنُ المُحْتَسِبُ كَالشَّهِيْدِ المُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ؛ يَتَمَنَّى عَلَى اللهِ مَا يَشْتَهِيْ بَيْنَ الأذَانِ وَالإِقَامَةِ" (٤). وأخرج في "الكبير" - أيضًا - عن معاوية ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَبعَ (٥) الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مِثَلَ مِا يَقُوْلُ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" (٦).

стр. 1720

قال المنذري: متنهُ حسن، وله شواهد (١). وتقدم في حديث علي ﵁: "وَالآمِرُ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّاهِيْ عَنِ الْمُنْكَرِ شَهِيْدٌ" (٢) إن حملناه على إطلاقِهِ - كما سبق - فهو من هذا الباب. وروى الإمام أحمد عن جماعة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "شُهَدَاءُ اللهِ فِيْ الأَرْضِ أُمَنَاءُ اللهِ عَلَىْ (٣) خَلْقِهِ، قُتِلُوْا، أَوْ مَاتُوْا" (٤). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ كتَبَ الْغَيْرَةَ عَلَىْ النَّسَاءِ، وَالْجِهَادَ عَلَى الرَّجَالِ؛ فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، كَانَ لَهَا مِثَلُ أَجْرِ الشَّهِيْدِ" (٥). وروى ابن السُّنِّي عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ بَاتَ عَلَىْ

стр. 1721

طَهَارَةٍ ثُمَّ مَاتَ مِنَ لَيْلَتِهِ، مَاتَ شَهِيْدًا" (١). وروى أبو بكر الآجُرِّي، والسَّلَفي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا أَنَسُ! إِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَكُوْنَ أَبَدًا عَلَىْ وُضُوْءٍ فَافْعَلْ؛ فَإِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ إِذَا قَبَضَ رُوْحَ العَبْدِ وَهُوَ عَلىْ وُضُوْءٍ كُتِبَ لَهُ شَهَادَةٌ" (٢). وروى أبو نعيم عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى، وَصَامَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلَّ شَهْرٍ، وَلَمْ يَتْرُكِ الوِتْرَ فِيْ حَضَرٍ وَلاَ سَفَرٍ، كُتِبَ لهُ أَجْرُ شَهِيْدٍ" (٣). وروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّاجِرُ الأَمِيْنُ الصَّدُوْقُ الْمُسلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٤). وروى الحاكم عن اليسع بن المغيرة - مُرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجَالِبُ إِلَىْ سُوْقِنَا، كَالْمُجَاهِدِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (٥). ومقتضاهُ: أنَّهُ لو سافر للجلب فماتَ في سفرهِ، وقعَ أجرهُ على

стр. 1722

الله، كما وقع أجرُ الشهيد على الله تعالى. على أنَّ هذا داخل في عموم الغرباء، وقد سبق أن موت الغريب - يعني: المؤمن - شهادةٌ. وروى ابن أبي شيبة عن مُوَرَّقٍ رحمه الله تعالى قال: المتمسك بطاعة الله إذا جَبُنَ (١) النَّاسُ عنها كالكَارَّ بعد الفارَّ (٢). ولهذا حكمُ الرَّفع لأنهُ لا يقالُ رأياً. وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁: ذاكرُ الله في الغافلين، بمنزلةِ الصابر في الفارَّين (٣). قلتُ: ومقتضاهُ أن من مات على ذكرٍ، بمنزلة من قتل مصابراً. وهو يشير إلى أنَّ من كان آخر كلامه عند الموتِ: لا إله إلا الله، كان بمنزلة الشهداء، ومن ثم وجبت لهُ الجنة كما تجبُ للشهداءِ. وإذا كان هذا في عموم الذكرِ، وكذلك الطاعة - لقول مُوَرِّقٍ - فالشهادة الحاصلة عند الموت بلا إله إلا الله أوضح وأتَم من الشهادة

стр. 1723

الحاصلة بغيرها من الأذكار لأنها أفضلها؛ لحديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ الذَّكْرِ لا إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ للهِ". رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححوه، والنسائي، وابن ماجه (١). وروى أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ جَالبٍ يَجْلِبُ طَعَامًا إِلَى بُلْدَانِ الْمُسْلِمِيْنَ فَيَبِيْعُهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، إِلاَّ كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللهِ بِمَنْزِلةِ الشَّهِيْدِ"، ثم قرأ ﷺ : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠] (٢). وقال عمر ﵁: "ما من حال يأتيني عليهِ الموتُ بعد الجهاد في سبيل الله، أحبُّ إليَّ من أن يأتيني وعليه بين شعبتي رحلي وأنا أبتغي من فضلِ الله، ثمَّ قرأ هذه [الآية]. رواه سعيد بن منصور، وغيره (٣). وأخرج الثعلبي نحوهُ عن وَلده عبد الله بن عمر ﵄ (٤).

стр. 1724

وقال الشيخ جلال الدين السيوطي ﵀ في كتاب "شرح الصدور شرح حال الموت والقبور": روي أنه قيل: يا رسول الله! هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: "نَعمْ؛ مَنْ يَذْكُرُ الْمَوْتَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عِشْرِيْنَ مَرَّةً" (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن حجاج بن الشاعر رحمه الله تعالى قال: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله تعالى، ولم أصلّ على أحمد بن حنبل ﵁ (٢). وروى أبو الشيخ في كتاب "الثواب"، وأبو نعيم عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "كَمْ مِمَّنْ أَصَابَهُ السَّلاحُ ليْسَ بِشَهِيْدٍ وَلا حَمِيْدٍ، وَكَمْ مِمَّنْ مَاتَ عَلى فِرَاشِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ صِدَّيْقٌ وَشَهِيْدٌ" (٣).

стр. 1725

فَصْلٌ وإذا أخذنا الشهداء بالتفسير الثاني بأن نقول: هم العلماء الراسخون في العلم من حيث إنهم شهداءُ اللهِ في أرضه لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨] فالتشبه بهم على قسمين: - تشبه بهم في البدايات. - وتشبه بهم في النهايات. فأما التشبه بالعلماء في البدايات فهو أن يأخذ العبد في الاستعداد لطلب العلم بتقديم النية الصالحة في طلبِ العلمِ بأن يطلبهُ للتفقه في الدين، والتمسك بالشرع، والتوصل إلى إيقاع العبادات على وجهها، وإجراء العقود التي يحتاجُ إليها في معاشهِ، وتحصين فرجه على طريق الشرع الشريف؛ كالبيع والشراء، والسَّلم، والإجارة، والمُساقَاة، والقراض، والنكاح، وآداب المعاشرة، والطلاق، والرجعة، والنفقات، وغير ذلك؛ لأن هذه الأمور إذا وقعت على وجهها وجرت على نهجها كانت سببًا لسعادة الدُّنيا والآخرة. قال سفيان الثوري ﵀: لا أعلم شيئًا من الأعمال أفضلُ من

стр. 1726

طلبِ العلم، أو الحديث لمن حَسُنَت فيهِ نيتُهُ (١). وقال الشافعي رحمه الله تعالى: أخشى على من طلب العلم بغير نيَّة أن لا ينتفعَ بهِ (٢). رواهما البيهقي في "المدخل". ومهما لم تتيسر لهُ نية صالحة فلا يترك الاشتغال بالعلم، بل يأخذ في الاشتغال، ويتحرى تحصيل النية، فقد كان من السلف من يقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله (٣). وقال مجاهد ﵀: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نيَّة، ثمَّ رزقَ اللهُ تعالى النيةَ بعدُ. وفي رواية: وما لنا فيه نيَّةٌ (٤). وقال حبيب بن أبي ثابت رحمه الله تعالى: لقد التمستُ - أو: التمسنا - هذا العلم وما نريدُ بهِ، ثمَّ رزق الله نيةً بعدُ. وفي رواية: لقد طلبتُ العلمَ وما لي فيه نية، ثمَّ رزق الله نورَ النيَّة بعدُ (٥).

стр. 1727

وقال محمد بن إسحاق ﵀: جاء قوم إلى سماك بن حِرب ﵀ يطلبون الحديث، فقال جلساؤُهُ: ما ينبغي لك أن تحدثَ هؤلاء، ما لهؤلاء رغبة ولا نية، فقال سماك: قولوا خيرًا، قد طلبنا هذا الأمر ولا نريدُ الله به، فلما بلغتُ حاجتي دَلَّني على ما ينفعني، وحجزني عما يَضُرُّني (١). روى هذه الآثار البيهقي في "المدخل". وقال عبد الله بن المبارك ﵀: طلبنا العلمَ للدنيا، فدلنا على تركِ الدنيا. رواه الخلال، ومن طريقهِ أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصَّفوة" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" - ورجاله مُوَثَّقُون - عن فَضَالة بن عُبيد ﵁: أنه كان إذا أتاه أصحابه قال: تدارسوا، وأبشروا، وزيدوا زادكم الله خيرًا، وأحبكّم وأحبَّ من يحبُّكم، ردُّوا عليَّ المسائل؛ فإن أجر آخرها كأجر أولها، واخلطوا حديثكم بالاستغفار (٣). وما أحسن قول الحافظ أبي الحجاج الزي رحمه الله تعالى: [من المتدارك]

стр. 1728

مَنْ حازَ العِلمَ وذاكَرَهُ ... صَلَحَتْ دُنْيَاهُ وآخِرَتُهْ فَأَدِمْ للعِلم مُذَاكَرةً ... فَحَياةُ الْعِلْمِ مُذَاْكَرَتُهْ (١) وعلى قوله: "صلحت دنياه وآخرَته" فمن صلاح دنياه: رفعته في الخلق بحيث يُوَقَّرُ ويحترمُ ولا يستذلُّ. وقد روى مسلم، وابن ماجه عن أبي الطُّفيل: أنَّ نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب ﵁ بِعُسْفَانَ - وكان عمر استعملهُ على مكة -، فقال عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ فقال: استخلفت عليهم ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجلٌ من موالينا، قال عمر: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنهُ قارِئٌ لكتاب الله تعالى، عالم بالفرائض، قاضٍ، قال عمر: أما إنَّ نبيَّكم ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِيْنَ" (٢). وروى الدينوري عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: كنتُ آتي ابنَ عباسٍ ﵄ وقريش حولهُ، فيأخذ بيدي، فيجلسني معه على السرير، فتغامزَتْ لي قُريش، ففطِنَ لها ابن عباس، فقال: هكذا هذا العلم؛ يزيدُ الشريف شرفًا، ويجلس المملوك على الأسِرَّة.

стр. 1729

قال: ثمَّ أنشَدَ محمد بن الحارث - يعني: المروزي - أحد رواته في أثره: [من الطويل] رَأَيْتُ رَفِيْعَ النَّاسِ مَنْ كانَ عالِمًا ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْ قَوْمِهِ بِحَسِيْبِ إِذا حَلَّ أَرْضًا عاشَ فِيْها بِعِلْمِهِ ... وَما عالِمٌ فِيْ بَلْدَةٍ بِغَرِيْبِ (١) وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن السري بن يحيى ﵀: أنَّ لقَمان ﵇ قال لابنهِ: يا بنيَّ! إنَّ الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك (٢). وأمَّا صلاح آخرتهِ فبإصلاح الطاعة، وإيقاعها على وفقِ العلم. وقد روى ابن النجار في "تاريخه" عن محمد بن علي رحمهما الله مُرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "رَكْعَتَانِ مِنْ عَالِمٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِيْنَ رَكْعَةً مِنْ غَيْرِ عَالِمٍ". وروى الديلمي في "مسند الفردوس" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَكْعَتَانِ مِنْ رَجُلٍ وَرِعٍ أَفضَلُ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ مِنْ مُخَلَّطٍ" (٣).

стр. 1730

ولا شك أن العالم أعرفُ بطريقِ الورَع، بل لا يكونُ الورعُ بغير العلم، وإنما البَليَّةُ والمُصيبة أنْ يكونَ عالم ولا ورع عندهُ. واعلمْ أنَّ العبادةَ من العالم هي العبادة المعتدُّ بها، ولذلك ذمَّ الله تعالى في كتابهِ من يعبد الله على حرف؛ أي: على جهل. وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]: ليعرفون؛ أي: فيعبدون على معرفة وعلم (١). وقال الجنيد رحمه الله تعالى: العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رأس الملوك. رواه ابن جهضم (٢). ثم من تمامِ حُسنِ النيةِ أن لا يقصد العلم ليماري به السفهاء، ويباهي به العلماء، ويتوصل به إلى الأخذ بالرُّخص والحيل، ويتأكل به الدنيا وأموال الناس، ويتجَوَّه به على الناس، ويتقوى به على الضعفاء، ويزدري به الناس؛ فإنَّ ذلك كلهُ وَبَالٌ على صاحِبِهِ. وإذا لم يفسح في أجلِ العبد حتى يتعلم ما ذكرناه من الأحكام ويوقعها على أسلوبها كفاهُ أن يموتَ على نيتها وإرادتها؛ لأنَّ الناس يحشرون على نياتهم. وقد تقدم في الحديث: أنَّ طالب العلم إذا أتاهُ الموتُ وهو على حالة الطلب مات وهو شهيد.

стр. 1731

وروى مسلم، وابن ماجه عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلى مَا مَاتَ عَليِهِ" (١). ولفظُ الإمام أحمد، والحاكم وصححه: "مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءِ بَعَثَهُ اللهُ عَليِهِ" (٢). وروى الدارمي، والطبراني بسند جيد عن واثلة بن الأسقع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ عِلْمًا وَأَدْرَكَهُ، كَتَبَ اللهُ لَهُ كِفْلَيْنِ مِنَ الأَجْرِ، وَمَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ، كَتَبَ اللهُ لَهُ كِفْلاً مِنَ الأَجْرِ" (٣). قال [ابن الحاج] (٤): وقد روي أن يحيى بن يحيى راوي "الموطأ" لما جاء إلى مالك رحمه الله تعالى ليقرأ عليه، قال له مالك: اجتهد يابني؛ فإنَّهُ قد جاء شاب في سنك يقرأ على ربيعة ﵀، فما كان إلا أيام وتوفي الشاب، فحضر جنازته علماء المدينة، وألحده ربيعة بيدهِ، ثم رآهُ بعد ذلك بعض علماء المدينة في النوم وهو في حالة حسنة، فسألهُ

стр. 1732

عن حالِهِ، فقال: غفَرَ لي، وقال لملائكتِهِ: هذا عبدي فلان، كان نيته أن يبلغَ درجة العلماء فبلَّغُوهُ دَرَجَتَهمُ، فأنا معهم أنتظر ما ينتظرون، قال: فقلتُ: وما ينتظرون؟ قال: الشفاعة يوم القيامة في العصاةِ من أمة محمد ﷺ (١) انتهى. وإذا صَحت النية للطالب أَخذَ في الاشتغال بالعلم، وجدَّ؛ فإنَّ لكلِّ مجتهدٍ نصيبًا. وكان الحسن رحمه الله تعالى يقول: إذا لم تكن حليماً فتحلَّم، وإذا لم تكن عالمًا فتعلَّم، فقلَّ ما تشبه رجل بقوم إلا كان منهم. رواه العسكري في "أمثاله". وقال ابن مسعود ﵁: إن الرجل (٢) لا يولد عالماً، وإنما العلم بالتعلم. رواه البيهقي في "المدخل" (٣). بل روى الطبراني، وأبو نعيم عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَ يُوْقَهُ" (٤).

стр. 1733

ورواه البيهقي في "المدخل" موقوفًا بإسناد حسن (١). وروى الطبراني عن معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِيْ الدِّيْنِ، وَإِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ" (٢). وعلقه البخاري في "صحيحه" (٣). وروى الدينوري عن ابن داب قال: جاء رجل إلى أبي ذر ﵁ فقال: إني أريد أن أتعلم العلم وأنا أخاف أن أضيعه ولا أعمل به، فقال: إنك أن تَوسَّدَ العلم خير من أن تَوسَّدَ الجهل. ثم ذهب إلى أبي الدرداء ﵁، فقال له مثل ذلك، فقال له أبو الدرداء ﵁: إنَّ الناس يبعثون على ما ماتوا عليه من قبورهم، فيُبعثُ العالمُ عالماً، والجاهلُ جاهلاً. ثم جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال له مثل ذلك، فقال له أبو هريرة ﵁: ما أنت بواجد شيئًا أضيع له من تركه (٤). وليبدأ في طلب العلم بالأهم ثمَّ الأهم، حتى إذا اخترمته المنية

стр. 1734

لا يطالب من العلم بشيء هو أهم مما مات عليه. وقد قيل: العمر عن حصول كل العلم يقصرُ، فابدأ منه بالأهم (١). وروى أبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: العلم أكثر من عدد القطر؛ فخذ من كل شيء أحسَنَهُ، ثم تلا: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] (٢). وروى ابن جهضم عن أبي عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى قال: العلم أكثر من أن يحصى؛ فخذوا من كل شيء أحسنَهُ. وليطلب شيخًا مؤتمنًا ناصحاً عارفًا تقيًا نقياً بعد اجتهاده على ذلك، وسؤاله عنه من أهل المعرفة والإلمام، وإذا وجد فائدة عند أحد بادرَ إلى اقتناصِها - وإن كان دونَهُ -، ولا يمنعه التكبر من الأخذ عمن هو دونَهُ فيكون غاشًا لنفسِهِ؛ إذ الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. وروى الحافظ عبد الغني في مقدمة "الكمال في أسماء الرجالِ" عن وكيع رحمه الله تعالى: أنَّهُ قال: لا يكملُ الرجل - أو لا يَنبُلُ - حتى يكتب عن من هو فوقَهُ، وعن من هو مثلهُ، وعن من هو دونه (٣). وليتأدب بآداب المتعلم حسبما ذكرها العلماء في مَحالِّهَا، وأحسن

стр. 1735

كتاب أُلِّفَ في هذا الفن بلا مغالاة ولا تجوُّزٍ كتاب: "الدر النضيد في آداب المفيد والمستفيد" للشيخ الوالد ﵁. وقد أرشد النبي ﷺ إلى التشبه بالعلماء في طلب العلم في أحاديث كثيرة. منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا طَلَبَ فِيْهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللهُ بِهِ (١) طَرِيْقًا إلى الجنَّةِ" (٢). وروى ابن باكويه الشيرازي في "الألقاب" عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "مَنِ انتعَلَ لِيَتَعَلَّمَ عِلْمًا، غُفِرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ" (٣). وروى البزار ورجالهُ موثقون، والطبراني في "معاجمِهِ" عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اُغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا، وَلا تَكُنِ الْخَامِسَةَ فَتَهْلَكَ" (٤). قال عطاء: قال لي مِسْعر: زدتنا خامسة لم تكن عندنا.

стр. 1736

والخامسة أن يبغض العلم وأهلهُ (١). وأنشد الإمام أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني عن الرياشي (٢) قال: [من السريع] طَلَبْتُ يَوْمًا مَثَلاً سَائِرًا ... فَكُنْتُ فِيْ الشِّعْرِ لَهُ نَاظِماً لا خَيْرَ فِيْ الْمَرْءِ إِذا ما غَدا ... لا طالِبَ الْعِلْمِ وَلا عالِماً (٣) وفيه تلميح بحديث أبي الدرداء ﵁: العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائرُ الناسِ همج لا خير فيهم. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" موقوفا، ويروى مرفوعًا (٤). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ رَجُلانِ: عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ، وَلا خَيْرَ فِيْمَا سِوَاهُمَا" (٥).

стр. 1737

وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عبد البر في "فضل العلم"، وغيرهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أطْلُبُوْا العِلْمَ وَلُوْ بِالصِّيْنِ؛ فَإِنَّ طَلَبَ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلمٍ" (١). وروى ابن عبد البر شطرَهُ الأخير بزيادة، ولفظه: "طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى كُل مُسْلِمٍ، وإنَّ طَالِبَ العِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيْتَانُ فِيْ البَحْرِ" (٢). وأخرجه بدون هذه الزيادة ابن عدي، والبيهقي من حديث أنس، والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عباس، وهو في "الصغير"، والخطيب من حديث الحسين بن علي، والخطيب من حديث علي، والطبراني في "الكبير" من حديث ابن مسعود، وهو والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي سعيد الخدري، وتمَّام في "فوائده" من حديث ابن عمر ﵄ (٣).

стр. 1738

وحديث أنس ﵁ عند ابن ماجه، وزاد فيه: "وَوَاضعُ العِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلَّدِ الْخَنَازيْرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ" (١). وعند البيهقي، وابن عبد البر، وزاد فيه: "واللهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ" (٢). ثم العلم المفروض على الأعيان ما يحتاجُ إليه المسلمُ في موافقة حاله في كل وقت لأحكام الله تعالى. فأول ذلك معرفة الله، ومنه تعلم أحكام الصلاة لمن وجبت عليه، ثم الصوم كذلك، ثم الحج، ثمَّ الزكاة لمن ملكَ النصاب، وأحكام بر الوالدين وعقوقهما في حق الولد، وصلة الرحم في حق من له رحم، وهكذا.

стр. 1739

وأما تعلم ما يحتاج الناس إليه من العلوم الشرعية وآلاتها فإنه فرض على الكفاية، ولنا في هذه المسألة كلام واضح في كتاب "منبر التوحيد". وروى مسلم عن كثير بن قيس رحمهُ الله تعالى قال: كنت مع أبي الدرداء ﵁ بمسجد دمشق، فجاءهُ رجل، فقال: يا أبا الدرداء! إني جئتك من مدينة رسول الله ﷺ في حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله ﷺ ، قال: ما كانت لك حاجة غيرها؟ قال: لا، قال: ولا جئت لتجارة؟ قال: لا، قال: ولا جئت إلا فيه؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقَ عِلْمٍ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ ﵈ لتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًى لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ والْمَاءَ لتَدْعُو لَهُ، وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلى سَائِرِ الكَوَاكِبِ ليْلَةَ البَدْرِ؛ العُلَمَاءُ هُمْ وَرثَةُ الأَنْبِيَاءِ ﵈، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرّثُوْا دِيْنَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوْا العِلْمَ لِيُعْمَلَ بِهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظًّ وَافِرٍ" (١). وأخرجه أبو يعلى، والحاكم في "تاريخهِ" بنحوه، وزاد فيه: "وَمَوْتُ العَالِمِ مُصِيْبَةٌ لا تُجْبَرُ، وَثُلْمَةٌ لا تُسَدُّ، وَهُوَ نَجْمٌ طُمِسَ، مَوْتُ قَبِيْلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ" (٢)؛ أي: موت قبيلة لا عالم فيهم.

стр. 1740

وروى الترمذي وحسنه، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ خَرَجَ فِيْ طَلَبِ العِلْمِ فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ" (١). وعن سَخْبَرَة (٢) ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى" (٣). وروى ابن عبد البر، وغيره عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُصَلَّيَ مِئَةَ رَكْعَةٍ" (٤). وهو عند ابن ماجه، ولفظهُ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَليَ مِئَةَ رَكْعَةٍ، وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ [عُمِلَ به أو لم يُعمل] (٥)، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلَّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ" (٦). وروى أبو الشيخ في "الثوب"، وأبو نعيم، والديلمي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "طَلَبُ العِلْمِ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ، وَطَلَبُ العِلْمِ يَوْمًا خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ" (٧).

стр. 1741

والديلمي عنه - أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِن الصَّلاةِ وَالصَّيَامِ وَالحَجِّ والْجِهَادِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن معاوية قال: أوحى الله تعالى إلى داود النبيِّ ﵇: يا داود! اتخذ نعلين من حديد، وعصا من حديد، واطلب العلم حتى تنخرق نعْلاكَ، وتنكسرَ (٢) عصاك (٣). وروى الطبراني في "الكبير" بسند صحيح عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ غَدَا إلى الْمَسْجِدِ لا يُرِيْدُ إِلا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يُعَلِّمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ مُعْتَمِرٍ تَامِّ العُمْرَةِ، وَمَنْ رَاحَ إلى المَسْجِدِ لا يُرِيْدُ إِلا لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا وُيعَلِّمَهُ، كَانَ لَهُ كأَجْرِ حَاجٍّ تَامِّ الحَجِّ" (٤). وروى فيه بإسناد صحيح - أيضًا - عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَأدْرَكَهُ، كتَبَ اللهُ تَعَالى لَهُ كِفْلَيْنِ مِن الأَجْرِ، وَمَن طَلبَ عِلْمًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ كَتَبَ اللهُ لَهُ كِفْلاً مِنَ الأَجْرِ" (٥).

стр. 1742

وأخرجه أبو يعلى، والحكم في "الكنى"، وتمام في "الفوائد"، وابن عساكر، وغيره من حديث أبان، عن أنس ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "مَنْ طَلَبَ بَابًا مِنَ العِلْمِ لِيُصْلِحَ لَهُ نَفْسَهُ، أَوْ لِمَنْ بَعْدَهُ، كَتَبَ اللهُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ (١) " (٢). وروى الطبراني في "الكبير" بسند جيد، عن صفوان بن عسَّال ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ غَدَا يَطْلُبُ عِلْمًا كَانَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لتضَعُ أَجْنِحَتَها لِطَالِبِ العِلْمِ" (٣). وروى العقيلي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ غَدَا يَطْلُبُ العِلْمَ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، وَبُوْرِكَ لَهُ فِيْ مَعِيْشَتِهِ، وَلَمْ يُنْتَقَصْ (٤) مِنْ رِزْقِهِ، وَكَانَ مُبَارَكًا عَلَيْهِ" (٥). وروى الحاكم في "تاريخه"، والخطيب، والديلمي عن زياد بن الحارث الصُّدائي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ تَكَفَّلَ اللهُ بِرِزْقِهِ" (٦).

стр. 1743

قلت: هذا تكفل خاص يتميز على غيره، وإلا فإن الله تعالى بأرزاق عباده وخلقه كفيل، لكنه يتكفل للعالم وهو في الطلب والاشتغال كفالة أخص من كفالته بغيره؛ إما بتيسير، أو سعة، أو طيب عيش، أو طيب كسب. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]، مع أنه يرزق الخلق أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (٦)﴾ [هود: ٦]، إلا أن رزق المصلي الصابر، وكذلك المتعلم أيسر وأسهل، وأهنئ وأميز، فافهم ذلك! وروى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَلَّمُوْا العِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَعْلَمُ مَتَى يُفْتَقَرُ إلى مَا عِنْدَهُ". وأخرجه هو، والطبراني في "الكبير"، من حديث ابن مسعود ﵁، إلا أنَّ الطبراني وَقَفَهُ على ابن مسعود (١). وفيه إشارة أن المتعلم لا ينبغي أن يحتقر نفسه احتقاراً يمنعه عن الطلب، فقد يأتي زمان يحتاج الناس فيه إليه، وكذلك لا ينبغي أن يمتنع

стр. 1744

عن الطلب تكبراً. وفي كتاب الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦] الآية. وقال بعض السلف: لا ينال العلم مُسْتَحْيٍ ولا متكبر (١). وروى أبو نعيم عن شعبة ﵀ قال: إنَّ الذين يطلبون العلم (٢) على الدواب لا يفلحون (٣). والتواضع مطلوب من كل مؤمن، ومن المتعلم أولى، وهو من تمام التشبه بالعلماء. وإن كان العلم شرفاً فإنما يتم شرفه بتواضع المتصف به، ثم إن شرف العلم مرغوب فيه؛ لأنه يمنع صاحبه عن تسلط السفهاء ومَعَرَّة اللؤماء ومضرة الأشقياء، ويربي له المهابة عند الملوك، فتنفذ فيهم كلمته، وتنفع فيهم موعظته ونصيحته، فالعلم وطلبه بهذه النية عمل صالح، كما سبق. وروى الدينوري عن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح

стр. 1745

رحمه الله على عبد الملك بن مروان وهو على سريره، فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد! حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتقِ الله في حرم الله وحرم رسوله؛ فتعاهده بالعمارة، واتقِ الله في أولاد المهاجرين والأنصار؛ فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتقِ الله في أهل الثغور؛ فإنهم حصن للمسلمين، وتفقد أمر المسلمين؛ فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتقِ الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم، ولا تغلق بابك. فقال له: أفعل، ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك، فقال: يا أبا محمد! إنما سألتنا حوائج غيرك، ثم قد قضيناها، فما حاجتك؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، [ثم خرج] (١)، فقال عبد الملك: هذا الشرف، هذا - وأبيك - السُّؤدد (٢). وقد تقدم ما رواه الدينوري - أيضاً - من صنيع ابن عباس ﵄ مع أبي العالية - واسمه رُفَيع بن مهران الرِّياحي مولاهم -، وعطاء بن أبي رباح مولى قريش، فانظر في رفعتهما بالعلم - وإن كانا (٣) من الموالي - إلى أرفع المراتب العوالي. وفي ذلك إشارة إلى أن العلم يُكسِبُ صاحبه الشرف والرفعة في الدنيا مع حسن الثواب في الآخرة.

стр. 1746

وقد روى أبو نعيم عن مِسعر بن كِدَام ﵀ قال: العلم أشرف الأحساب (١)؛ يرفع الخسيس في نفسه، ومن قعد (٢) به حسبه نهض به أدبه (٣). وروى الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" عن سفيان ﵀ قال: سمعت الأعمش رحمه الله تعالى يقول: لو كنت باقلانياً استقذرتموني، ولولا هذه الأحاديث لكنا مع البقالين بالسوية (٤). وأسند فيه عن البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ حَدِيْثَيْنِ اثْنَيْنِ يَنْفَعُ بِهِمَا نَفْسَهُ، أَوْ يُعَلِّمُهُمَا غَيْرَهُ فَيَنْتَفِعَ بِهِمَا، كَانَ خَيْرًا مِنْ عِبَادَةِ سِتِّيْنَ عَامًا" (٥). وعن بِشْر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: لا أعلم على وجه الأرض عملًا أفضل من طلب العلم والحديث لمن اتقى اللهَ وحسنت نيته [فيه] (٦). قال: وأما أنا فأستغفر الله من كل خطوة خطوت فيه (٧)؛ كأنه اتهم

стр. 1747

نفسه في حسن النية فيه. وروى أبو بكر بن لال، وأبو الشيخ في "الثواب"، وأبو نعيم، وابن عبد البر، والديلمي، وغيرهم عن معاذ ﵁ قال: تعلموا العلم؛ فإنَّ تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، والمقرب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله تعالى به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وهُداة يهتدى بهم، أدلةً في الخير تقتص آثارهم، وترمَقُ أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم (١)، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس لهم يستغفر حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها لأن العلم حياة القلب من العمى، ونور الأبصار من الظُّلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد به منازل الأخيار والدرجات العلى، التفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، فبه يُطاع الله، وبه يعبد، وبه يوحد، وبه يتورع، ويه تُوصَل الأرحام، فهو إمامٌ والعمل تابعه، يُلْهَمُه السعداء، ويحرمه الأشقياء (٢).

стр. 1748

وروى ابن عبد البر عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لأن أتعلم باباً من العلم وأعلمه، أحب إلي من أن يكون لي الدنيا كلها [أجعلها] (١) في سبيل الله تعالى (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عنه قال: إن العبد لا يزال بخير ما ابتغى من الله تعالى علماً. قلت: وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] , وفي ذلك إشارة إلى أن التشبه بالعلماء مطلوب من كل جاهل وعالم؛ إذ لا عالم إلا ووراء ما يعلم ما لا يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فالتشبه بالعلماء وظيفة العمر. ومن ظن أنه بلغ النهاية فيه فقد جهل، كما روى الدينوري في "المجالسة" عن نعيم بن حماد قال: قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل (٣). وفي ذلك - أيضا - إشارة إلى أن التشبه بالعلماء لا يكون إلا بإلهام من الله تعالى وتوفيق، وأن الزيادة من العلم لا تكون إلا منه.

стр. 1749

ومن ثمَّ كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِيْ بِمَا عَلَّمْتَنِيْ، وَعَلِّمْنِيْ مَا يَنْفَعُنِيْ، وَزِدْنِيْ عِلْمًا، وَالحَمْدُ للهِ عَلى كُلِّ حَالٍ". رواه الترمذي، وابن ماجه (١). وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود ﵁: أنه كان يدعو: اللهم زدني إيمانا وفقهاً [ويقيناً] (٢) وعلماً (٣). وروى الخطيب عن الشافعي ﵁: أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (٤). وقال: ما تقرب إلى الله تعالى بشيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم (٥). ونحوه عن سفيان، وقد سبق. وروى الدينوري عن نعيم بن حماد قال: سمعت ابن المبارك رحمه الله تعالى يقول: عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة (٦).

стр. 1750

ولجار الله الزمخشري: [من الوافر] وَكُلُّ فَضِيْلَةٍ فِيْها سَناءُ ... وَجَدْتُ الْعِلْمَ مِنْ هاتِيْكَ أَسْنَىْ فَلا تَعْتَذَّ غَيْرَ الْعِلْمِ ذُخْراً ... فَإِنَّ الْعِلْمَ كَنْزٌ لَيْسَ يَفْنَىْ ويروى لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: [من البسيط] ما الْفَخْرُ إِلاَّ لأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمُ ... عَلَىْ الْهُدَىْ لِمَنِ اسْتَهْدَىْ أَدِلاَّءُ وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ ما كانَ يُحْسِنُهُ ... وَالْجاهِلُوْنَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْداءُ فَفُزْ بِعِلْمٍ وَلا تَجْهَلْ بِهِ أَبَداً (١) ... فَالنَّاسُ مَوْتَىْ وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْياءُ (٢) وروى أبو نعيم، والخطيب، وغيرهما عن كُميل بن زياد قال: أخذ علي بن أبي طالب ﵁ بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجَبَّان، فلما أصحرنا جلس، ثم تنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد! القلوب أوعية؛ فخيرها

стр. 1751

أوعاها، احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال تنقصه النفقة، ومحبة العالم دِين يدان بها، العلم يكسب للعالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته، وصنيعة المال تزول بزواله. مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه! إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - علماً لو أصبتُ لها (١) حملة، بلى أصبتُهُ لَقِناً غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه، يقتدح الشك (٢) في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا، ولا ذاك، أو منهوماً بالذات سَلِس القِياد للشهوات، أو مَغْرِيٌّ بجمع الأموال والادخار، وليس من رعاة (٣) الدين أقرب شبهاً بهما الأنعام؛ كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى (٤)، لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل

стр. 1752

حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعره (١) منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالنظر (٢) الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، ودعاته إلى دينه، هاه! هاه! شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم (٣). قال الخطيب: هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنىً، وأشرفها لفظًا (٤). والأخبار والآثار في ذلك كثيرة لا تنحصر، وفي هذا القدر كفاية لمن يعتبر. ***

стр. 1753

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب المُجَلَّد الرَّابِعُ دَارُ النَّوادِرِ

стр. 1754

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 1755

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ (٤)
следующие страницы →