← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

أوعاها، احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال تنقصه النفقة، ومحبة العالم دِين يدان بها، العلم يكسب للعالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته، وصنيعة المال تزول بزواله. مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه! إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - علماً لو أصبتُ لها (١) حملة، بلى أصبتُهُ لَقِناً غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه، يقتدح الشك (٢) في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا، ولا ذاك، أو منهوماً بالذات سَلِس القِياد للشهوات، أو مَغْرِيٌّ بجمع الأموال والادخار، وليس من رعاة (٣) الدين أقرب شبهاً بهما الأنعام؛ كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى (٤)، لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل

стр. 1752

حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعره (١) منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالنظر (٢) الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، ودعاته إلى دينه، هاه! هاه! شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم (٣). قال الخطيب: هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنىً، وأشرفها لفظًا (٤). والأخبار والآثار في ذلك كثيرة لا تنحصر، وفي هذا القدر كفاية لمن يعتبر. ***

стр. 1753

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب المُجَلَّد الرَّابِعُ دَارُ النَّوادِرِ

стр. 1754

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 1755

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ (٤)

стр. 1756

جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٧ - ٨٤ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤَسَّسَة دَار النَّوادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللِّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِرِ الكُوَيْتِيَّةِ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م - نُورُ الدِّين طَالِب - المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنْفِيذِي

стр. 1757

تَابِع (٤) بَابُ التَّشَبُّه بِالشُّهَدَاءِ

стр. 1758

تَابِع (٤) بَابُ التَّشَبُّه بِالشُّهَدَاءِ * تَنْبِيْهٌ: مهما أخذ الإنسان بحظه من العلم الشرعي بحيث يقدم الأهم فالأهم - كما تقدم - فلا بأس بالنظر في غير ذلك من العلوم التي لا تذم؛ فإن الإنسان إذا تفنن في العلوم عَظُم قدره، وزَكَى طبعه، واتسعت معرفته. وروينا في "الحلية"، وغيرها عن الربيع بن سليمان ﵀ قال: قال لي الشافعي ﵁: يا ربيع! رضى الناس غاية لا تُدرَك، فعليك بما يصلحك فألزمه؛ فإنه لا سبيل إلى رضاهم، واعلم أنَّ من تعلم القرآن جَلَّ في عيون الناس، ومن تعلم الحديث قويت حجته، ومن تعلم النحو هيب، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن تعلم الحساب جزل (١) رأيه، ومن تعلم الفقه نَبُل قدره، ومن لم يضر نفسه لم ينفعه عليه، وملاك ذلك كله التقوى (٢).

стр. 1759

وأراد الشافعي ﵁ بالعربية كل علم يتعلق بكلام العرب؛ كاللغة، والشعر، والفصاحة، والبلاغة، وتوابعها، والتصريف، والهجاء. وأمَّا ما رويناه في "الحلية" - أيضا - عن أبي محمد ابن بنت الشافعي قال: سألت أبي - يعني: الشافعي -، فقلت له: يا أب! أيُّ العلم أطلب؟ فقال: يا بني! أمَّا الشعر فيضع الرفيع ويرفع الخسيس، وأمَّا النحو فإذا بلغ صاحبه الغاية صار مؤدباً، وأمَّا الفرائض فإذا بلغ فيها صاحبها غاية صار معلم صبيان (١)، وأما الحديث فباقي (٢) بركته وخيره عند فناء العمر، وأما الفقه فللشاب وللشيخ فهو سيد العلم (٣). فإنما أرشده في هذا الكلام إلى البداءة بالأهم، وهو كذلك كما علمت، ولم ينهه عن أصل تلك العلوم، بل عن الاكتفاء بها عما هو أهم منها، والتبحر فيها، والأمر كذلك. وأمَّا العلوم المهمة - وهي علوم الشرع تفسيرًا، وحديثاً، وفقهاً - فإنَّ الاستكثار منها خصوصاً ما ينفع منها في الآخرة كعلم السلوك، ومعرفة طريق الآخرة، وتهذيب النفس من أخلاق المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ

стр. 1760

قال: "النَّاسُ مَعَادِنُ؛ فَخِيَارُهُمْ فِيْ الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِيْ الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا" (١). وروى الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لنْ يَشْبَعَ المُؤْمِنُ مِنْ خَيْر يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُوْنَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ" (٢). وروى البزار عن ابن عباس ﵄، وابن عدي عن أنس ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْهُوْمَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دَنْيَا" (٣). وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا قال: منهومان لا يشبعان: صاحب علم، وصاحب دنيا، ولا يستويان؛ فأما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأمَّا صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] (٤). وأخرجه الطبراني في "الكبير" مرفوعًا، ولفظه: "مَنْهُوْمَانِ لا يَشْبَعُ

стр. 1761

طَالِبُهُمَا: طَالِبُ عِلْمِ، وَطَالِبُ دُنْيَا" (١). * تَتِمَّةٌ: وليكثر من مجالسة العلماء - سواء فتح عليه بالعلم، أو لا -؛ فإنه إذا داوم على مجالستهم يوشك أن يفتح عليه شيء من العلم، وإلا تخلَّقَ بمثل أخلاقهم، وإلا رحم معهم، ونال الشرف بمجالستهم، وسَلِم بها من الآثام. وقد روى الديلمي في "مسند الفردوس" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُجالَسَةُ العُلَمَاءِ عِبَادَةٌ" (٢). وروى الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ : أنَّ لُقْمانَ قالَ لابْنِهِ: يا بُنَيَّ! عَلَيْكَ بِمُجالَسَةِ الْعُلَماءِ، وَاسْتَمِعْ كَلامَ الْحُكَماءِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالَىْ يُحْيِيْ الْقَلْبَ الْمَيْتَ بِنُوْرِ الْحِكْمَةِ، كَما يُحْيِيْ الأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوابِلِ الْمَطَرِ (٣). وروى أبو يعلى بإسناد حسن، عن ابن عباس ﵁ قال: قيل:

стр. 1762

يا رسول الله! أي جلسائنا خير؟ قال: "مَنْ ذَكَّرَكُمُ اللهَ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَ فِيْ عَلمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالآخِرَةِ عَمَلُهُ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: قال لقمان ﵇ لابنه وهو يَعِظه: يا بني! تخير المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله فيه فاجلس معهم؛ فإنك إن تكُ عالمًا ينفعك علمك، وإن تكُ غبياً يعلموك، وإن يطلع الله إليهم برحمة يصبك معهم، يا بني! لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه؛ فإنك إن تك عالمًا لا ينفعك علمك، وإن تك غيياً يزيدوك غياً (٢)، وإن يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم (٣). وروى الإمام مالك، وغيره عن أبي واقد الليثي ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، قال: فأما أحدهما فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلاثَةِ النَّفرِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى

стр. 1763

إِلى اللهِ فآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَى فَاسَتَحْىَ اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ" (١). وأما التشبه بالعلماء في النهايات فيحصل بأمرين: - العمل بالعلم. - وتعليمه لمن لم يعلمه. وأما العمل بالعلم فإنما يُراد العلم لأجله. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن سلام ﵁: من العلماء؟ قال: الذين يعملون بما يعلمون، قال: فما ينفي العلم من صدور الرجال؟ قال: الطمع. رواه الدارمي (٢)، وغيره. وروى الطبراني في "الصغير"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا [يومَ القيامةِ] عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ" (٣).

стр. 1764

وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشَدُّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أَمْكَنَهُ طَلَبُ العِلْمِ فِيْ الدُّنْيِا فَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَرَجُلٌ عَلَّمَ عِلْمًا فَانتفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ دُوْنه" (١). وروى ابن ماجه، وأبو نعيم في "رياضة المتعلمين"، والبيهقي في "الشعب" عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "سَلُوْا اللهَ عِلْمًا ناَفِعًا، وَاسْتَعِيْذُوْا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ" (٢). وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِيْ بِمَا عَلَّمْتَنِيْ، وَعَلِّمْنِيْ مَا يَنْفَعُنِيْ، وَزِدْنِيْ عِلْمًا، وَالْحَمْدُ للهِ عَلى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ النَّارِ" (٣). وروى أبو نعيم في "الرياض" عن أنس ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ إِيْمَاناً دَائِمًا؛ فرُبَّ إِيْمَانٍ غيْرِ دَائِمٍ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا ناَفِعًا؛ فَرُبَّ عِلْمٍ غَيْرِ نَافِعٍ" (٤). قال الأستاذ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى: العلم

стр. 1765

الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالمًا ولا يكون عاملاً. انتهى (١). قلت: دليله ما رواه أبو نعيم، وأبو الشيخ، والخطيب عن معاذ ﵁، وابن عساكر عن أبي الدرداء ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "تَعَلَّمُوْا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعَلَّمُوْا؛ فَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اللهُ حَتَّى تَعْمَلُوْا بِمَا تَعْلَمُوْنَ" (٢). وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن حبيب بن عبيد رحمه الله تعالى قال: تعلموا العلم، واعقلوه (٣)، وانتفعوا به، ولا تعلموه لتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم عمر أن يُتَجَمل بالعلم كما يتجمل ذو البزة ببزته (٤). وروى الطبراني، والخطيب في "اقتضاء العلم العمل"، والأصبهاني في "الترغيب" بسند جيد، عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ العَالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيْرَ وَلا يَعْمَلُ بِهِ (٥) كَمَثَلِ

стр. 1766

السِّرَاجِ يُضِيْءُ عَلى النَّاسِ وُيحْرِقُ نَفْسَهُ" (١). وروى الأولان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ وَينْسَى نَفْسَهُ، كَمَثَلِ الفَتيْلَةِ تُضِيْءُ لِلنَّاسِ وَتُحْرِقُ نَفْسَهَا" (٢). وروى الخطيب في "الاقتضاء"، وابن النجار في "تاريخ بغداد" عن جابر ﵁، [عن النبي ﷺ ] (٣) قال: "اطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار، فقالوا: بم دخلتم النار وإنَّما دخلنا الجنة بتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نقول ولا نفعل" (٤). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود ﵁ قال: ويلٌ لمن لا يعلم ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم ولا يعمل - سبع مرات - (٥).

стр. 1767

وروى هو، وابن سعد في "طبقاته" وابن أبي شيبة عن أبي الدرداء ﵁: ويل للذي لا يعلم - مرة - ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي يعلم ولا يعمل - سبع مرات - (١). وأخرجه سعيد بن منصور عن جبلة ﵀ مُرسَلاً، ومرفوعاً. وروى أبو نعيم عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "وَيْلٌ لِمَنْ لا يَعْلَمُ، وَويلٌ لِمَنْ عَلِمَ ثُمَّ لا يَعْمَلُ" (٢). ومِنَ العملِ بالعلم: التحديث به وتعليمه. ومِنْ تركِ العمل به: كتمه ومنعه أهله، وتعليمه غير أهله. روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ العِلْمَ ثُمَّ لا يُحَدِّثُ بِهِ، كَمَثَلِ الَّذِي يَكْنِزُ الكَنْزَ فَلا يُنْفِقُ مِنْهُ" (٣). وأخرجه أبو نصر السِّجزي في "الإبانة"، ولفظه: "كَمَثَلِ رَجُلٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً فَكَنَزَهُ وَلَمْ يُنْفِقْ مِنْهُ" (٤).

стр. 1768

وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنهُ، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة، والطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود، وهو والخطيب عن قيس بن طلق، عن أبيه قالوا ﵃: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللهُ تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ ناَرٍ" (١). ولا شك أنَّ العمل بالعلم شامل لفعل طاعة [بلغ] (٢) العالم فضلها، والأمر بها، وترك كل معصية أو مكروه [بلغه] (٣) النهي عنها، وهذا كله مطلوب من كل مسلم، غير أن العالم أولى أن يأخذ بذلك لأنه محل الاقتداء؛ فإنَّ العلماء هم قدوة الأنام، وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوام، وقد يُراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون، ويقتدي بهديهم من لا يعلمون. وقد قال النبي ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلى أُمَّتِيْ (٤) الأَئِمَّةُ المُضِلُّوْنَ".

стр. 1769

وقال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلى أُمَّتِيْ كُل مُنَافِقٍ عَلِيْمُ اللِّسَانِ". وقال: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلى أُمَّتِيْ مِنَ الدَّجَالِ؛ الأَئِمَّةُ المُضِلُّونَ". رواها الإمام أحمد؛ الأول عن أبي الدرداء (١)، والثاني عن عمر (٢)، والثالث عن أبي ذر (٣)، ﵃. وقال ﷺ : "رُبَّ عَابِدٍ جَاهِلٍ، وَرُبَّ عَالِمٍ فَاجِرٍ، فَاحْذَرُوْا الجُهَّالَ مِنَ العُبَّادِ، وَالفُجَّارَ مِنَ العُلَمَاءِ". رواه ابن عدي عن أبي أمامة ﵁ (٤). وروى الدارامي في "مسنده" عن أبي عمران الجوني، عن هَرِم بن حيان رحمه الله تعالى: أنه قال: إياكم والعالم الفاسق، فبلغ عمر ﵁،

стр. 1770

فكتب إليه - وأشفق منها -: ما العالم الفاسق؟ قال: فكتب إليه هرم: يا أمير المؤمنين! ما أردت إلا الخير؛ يكون إماماً يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق، فيشبه على الناس فيضِلُّون (١). وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري ﵁ قال: كان يُقال: تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، والعالم الفاجر؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون (٢). وقال [علي ﵁] (٣): قصم ظهري [رجلان] (٤): عالم متهتك، وجاهل متنسك؛ فالجاهل يغشُّ الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه (٥). وقال همام في المعنى: [من الطويل] فَسادٌ كَبِيْرٌ عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ ... وَأَكبَرُ مِنْهُ جاهِلٌ مُتَنَسِّكُ هُما فِتْنَةٌ لِلْعالَمِيْنَ كَبِيْرَةٌ ... لِمَنْ بِهِما فِيْ دِيْنِهِ يَتَمَسَّكُ (٦)

стр. 1771

وروى الحلواني، وابن عدي، والعقيلي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احْذَرُوْا زَلَّةَ العَالِمِ، وانتظِرُوْا فَيْئتَهُ" (١). وروى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احْذَرُوْا زَلَّةَ العَالِمِ؛ فَإِنَّ زَلتهُ تُكَبْكِبُهُ فِيْ النَّارِ". وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَخَافُ عَلى أُمَّتِيْ ثَلاثاً: زَلَّةَ عَالِمٍ، وَجِدَالَ مُنَافِقٍ بِالقُرْآنِ، وَالتَّكْذِيْبَ بِالقَدَرِ" (٢). ومن كلام بعض الحكماء: إذا زل عالِم زل بزلته عالَم كبير (٣). وروى أبو نعيم عن علي بن الحسين ﵄ قال: من ضحك ضحكة مجَّ (٤) مجة علم (٥).

стр. 1772

فإذا كان الضحك يمج العلم، فلا شك أنه نقص في العالم، فكيف بتهتكه ووقوعه في المعصية؟ فمن هنا ينبغي للعالم أن لا يلهو مع من يلهو. وكان أبو جعفر محمد بن علي الباقر (١) رحمه الله تعالى إذا ضحك قال: اللهم لا تمقتني (٢). وكان الأوزاعي رحمه الله تعالى يقول: أما بعد أن صرنا يقتدى بنا فلا ينبغي لنا التبسم (٣). رواهما أبو نعيم. وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَلَّمُوْا العِلْمَ، وَتَعَلَّمُوْا لِلِعِلْمِ السَّكِيْنَةَ وَالوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوْا لِمَنْ تَعَلَّمُوْنَ مِنْهُ" (٤). وروى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "تَعَلَّمُوْا العِلْمَ، وَتَعَلَّمُوْا لِلعِلْمِ الوَقَارَ" (٥). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي الدرداء، وأنس، وأبي أمامة، وواثلة ﵃: أنَّ النبي ﷺ سُئِل عن الراسخين في

стр. 1773

العلم، فقال: "مَنْ بَرَّتْ يَمِيْنُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ، وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِيْنَ فِيْ العِلْمِ" (١). وفي قوله ﷺ : "فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِيْنَ فِيْ العِلْمِ" إشارة إلى أن لهم أخلاقاً أخرى، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] الآية. نعم، جمع الحديث المذكور مجامع أخلاق الراسخين في العلم يجمعها جميعًا الإيمان المشار إليه في الآية، وكل ذلك داخل في العمل بالعلم. * تَنْبِيْهٌ: من أولى ما ينبغي أن يهتم به العالم: طلب العافية من الله في علمه؛ إذ ورد: "يعافى الأميون يوم القيامة مما لا يعافى منه العلماء" (٢). ولذلك لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: "اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِيْنِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ

стр. 1774

عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِيْ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِيْنِيْ وَعَنْ شِمَالِيْ، وَمِنْ فَوْقي، وَأَعُوْذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي". قال وكيع بن الجراح: يعني: الخسف. رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه، من حديث ابن عمر ﵄ (١). وروى الترمذي وحسنه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ والإِقامَةِ"، قالوا: فماذا نقول؟ قال: "سَلُوْا اللهَ العَافِيَةَ فِيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (٢). وروى هو والحاكم وصححه، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مَا سُئِلَ اللهَ تَعَالى شَيْئاً أَحَبَّ إِليْهِ مِنَ العَافِيَةِ" (٣). وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُوْ بِهَا العَبْدُ أَفْضَلَ مِن: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ المُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (٤).

стр. 1775

وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي بأسانيد بعضها صحيح، عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قام على المنبر، ثم بكى، فقال: قام فينا رسول الله ﷺ عام الأول على المنبر، ثم بكى، فقال: "سَلُوْا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِيْنِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ" (١). وروى الإمام أحمد، وغيره، وصححه ابن حبان، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول - ثم استعبر - يقول في مثل هذا اليوم من عام الأول: "إنَّ النَّاسَ لَمْ يُؤْتَوْا شَيِئاً بَعْدَ كَلِمَةِ الإِخْلاصِ مِثْلَ العَافِيَةِ؛ فَاسْأَلوْا اللهَ العَافِيَةَ" (٢). وأنشد الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني لنفسه عند إملاء هذا الحديث: [من السريع] أَمْرانِ لَمْ يُؤْتَ امْرُؤٌ عاقِلٌ ... مِثْلَهُما فِيْ دارِنا الْفانِيَةْ مَنْ يَسَّرَ اللهُ تَعالَىْ لَهُ ... شَهادَةَ الإِخْلاصِ وَالْعافِيَةْ

стр. 1776

وأنشد شيخ الإسلام أبي رحمه الله تعالى عقب إملائه: [من السريع] يا أَيُّها النَّاسُ سَلُوْا رَبَّكُمْ ... عافِيَةً فَهْيَ لَكُمْ كافِيَةْ فَما مُنِحْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَشْهَدُوْا ... شَهادَةَ الإِخْلاصِ كَالْعافِيَة وقد ألم بذلك قبلهما الإمام الشافعي ﵁ فيما أسنده أبو القاسم الأصبهاني (١) في "الترغيب" عن الربيع بن سليمان عنه، فقال: [من السريع] لا تَأْسَ فِي الدُّنْيا عَلى فائِتِ ... وَعِنْدَكَ الإِسْلامُ وَالعافِيَة إِنْ فاتَ شَيْءٌ كُنْتَ تَسْعَى لَهُ ... فَفِيهِما مِنْ فائِتٍ كافِيَة (٢) وأقول:

стр. 1777

أَحَقُّ مُحْتاجٍ لِلْعافِيَة ... فِي دارِهِ الدُّنْيا وَفِي الآتِيَة ذُو العِلْمِ فِي أَحْوالِهِ كُلِّها ... فَيا لَها مِنْ نِعْمَةٍ كافِيَة إِنْ عُوفِيَ العالِمُ فِي دِينِهِ ... فَنِعْمَةٌ وافِرَةٌ وافِيَة فَالعِلْمُ وَالإِخْلاصُ وَالعافِيَة ... تُسْكِنُهُ فِي الْجَنَّةِ العالِيَة [ ................. ] ... كانَتْ لَهُ مِنْ قَبْلِها واقِيَة يا رَبِّ فِي الدُّنْيا وَفِي الباقِيَة ... أَدِمْ عَلَيْنا العَفْوَ وَالعافِيَة يا رَبِّ [ ... ] تعفه مِنْهُما ... [ ... ] واهِية فِي [ ... ] إِنَّ الَّذِي مَنَحْتَهُ العافِيَة ... فَهْوَ الَّذِي نِعْمَتُهُ شافِيَة وفي تقديم [ ... ]، فإنه مقام الوراثة عن النبوة والخلافة عن الله ؛ فإن [ ... ] خلق رفيع كريم، ومقام نبوي [ ... ].

стр. 1778

قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢]. وقال: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]. وقال ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي". رواه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). [ ... ] على العالم أن يبث عليه لمن يحتاج إليه إذا تعين عليه البث؛ كأن [يرى] المعصية، أو رأى من يعمل بعد [ ... ] من يقوى بهذا أن أمر غيره [ ... ] بجاهل عن فروض الكفايات، و [ ... ] فرض عين. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وروى أبو نعيم، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما آتَى اللهُ عالِماً عِلْماً إِلاَّ أَخَذَ عَلَيْهِ مِنَ الْمِيثاقِ ما أَخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ أَنْ يُبيِّنَهُ وَلا يَكْتُمَهُ" (٢). وروى الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، ألْجِمَ يَومَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ" (٣).

стр. 1779

ويروى من حديث حَسن، وابن مسعود كما تقدم (١). وروى ابن عدي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كتَمَ عِلْماً عَنْ أَهْلِهِ، أُلجِمَ يَومَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ" (٢). وروى ابن ماجه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَتَمَ عِلْماً مِمَّا يَنْفَعُ اللهُ بِهِ [في أمر] النَّاس فِي الدَّارَينِ (٣)، أَلْجمَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ" (٤). وروى الحاكم في "تاريخه" عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما أن يموت فيذهب عليه، وإما أن ينسى حديثه، وإما أن يبتلى بالسلطان (٥). وفي معناه قلت: مَنْ ضَنَّ بِالعِلْمِ ابْتُلِيَ بِثَلاثَةٍ ... فِي هَذِهِ لدُّنْيا وَيَلْقَى إِثْمَهُ إِمَّا يَمُوتُ فَلا يَكُونُ بِعِلْمِهِ ... نَفْعٌ وإِمَّا أَنْ يُنَسَّى عِلْمَهُ أَوْ يَتْبَعُ السُّلْطانَ حَتَّى إِنَّهُ ... لَيُقِرُّهُ يَوما وَيرْضَى حُكْمَهُ

стр. 1780

وينبغي للعالم كما لا يبخل بالعلم عن أهله أن يصونه عن غير أهله، ولا يكون ذلك كتماناً، وقد شبِّه من وضع العلم في غير أهله بتقليد أعناق الخنازير الجوهر، ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَطْرَحُوا الدُّرَّ فِي أَفْواهِ الْخَنازِيرِ". وفي لفظةٍ: "أَفْواهِ الكِلابِ". رواه البخاري في "تاريخه" باللفظ الأول، والمُخَلِّص بالثاني (١). أي: لا تلقوا الحكمة وتعطوها غير أهلها. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن سفيان رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇: إن للحكمة أهلاً؛ [فإن وضعتها في غير أهلها أضعتها، وإن منعتها من أهلها] (٢) ضيعتها، لكن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي (٣). وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن أبي محمد الجريري رحمه الله تعالى قال: رأيت في المنام كأن قائلًا يقول: إن لكل شيء عند الله حقًا، وإن أعظم الحق عند الله حق الحكمة؛ فمن جعل

стр. 1781

الحكمة في غير أهلها طالبه الله بحقها، ومن طالبه الله بحقٍّ خُصِم (١). وروى ابن السبكي في "طبقاته" عن أبي عمرو العثماني قال: لما دخل الشافعي إلى مصر كلَّمه أصحاب مالك، فأنشأ يقول: أَأَنْثُرُ دُرًّا بَيْنَ راعِيَةِ الغَنَم ... وَأَنْثُرُ مَنْظُوما لِراعِيَةِ النِّعَم لَئِنْ كُنْتُ قَدْ ضُيِّعْتُ فِي شَرِّ بَلْدَةٍ ... فَلَسْتُ مُضَيِّعاً بَيْنَهُمْ غُرَرَ الكَلِم فَإِنْ فَرَّجَ اللهُ الكَرِيْمُ بِلُطْفِهِ ... وَأَدْرَكْتُ أَهْلاً لِلْعُلُومِ وَالْحِكَم بَثَثْتُ مُفِيداً وَاسْتَفَدْتُ وِدادَهُمْ ... وإِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَم وَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَم (٢) قلت: وقول الشافعي رضي الله تعالى عنه: ومن منح الجهال يريد

стр. 1782

[ ... ] الذين لا يرغبون فيه، ولا [ ... ] به؛ وإلا فإن تعظيم العلم لا يكون لمن جهله. وروى ابن السبكي أيضًا عن الإمام الزاهد الفقيه العابد سيدي نصر بن إبراهيم المقدسي رحمه الله تعالى قال: أنشدني بعض أصحابنا؛ وقيل: إنها للشافعي رضي الله تعالى عنه: الْعِلْمُ مِنْ شَرْطِهِ مَنْ (١) خَدَمَه ... أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَدَمَة وَواجِبٌ صَوْنُهُ عَلَيْهِ كَما ... يَصُونُ فِي النَّاسِ عِرْضَهُ وَدَمَه فَمَنْ حَوى العِلْمَ ثُمَّ أَوْدَعَه ... بِجَهْلِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ ظَلَمَه وَكانَ كَالْمُبْتَنِي البِناءَ إِذا ... تَمَّ لَهُ ما أَرادَ هَدَمَه (٢) ومهما قصد بتعليم العلم تعيَّن عليه من غير تعرض لغرض دنيوي بحيث لا يُؤثر بتعليمه غنيًا عن فقير، و [ ... ]، ولا من نيته في طلبه المناصب والجاه، أو نحو ذلك [ ... ] نيته [ ... ] وحشره.

стр. 1783

وقد روى ابن أبي شيبة، وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لو أن أهل العلم صانوا علمهم، ووضعوه عند أهله، لسادوا أهل زمانهم، ولكن بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم، فهانوا على أهلها. سمعت نبيكم ﷺ يقول: "مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا واحِداً كَفاهُ اللهُ هَمَّ آخِرَتِهِ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ لَمْ يُبالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِها وَقَعَ" (١). وقد لَمَّح بحديث ابن مسعود هذا القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أحد أئمة الشافعية، وأصحاب الوجوه منهم في أبياته المشهورة، وقد رويناها في "طبقات ابن السبكي": [من الطويل] يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِباضٌ وَإِنَّما ... رَأَوْا رَجُلاً عَنْ مَوقِفِ الذُّلِّ أَحْجَما أَرى النَّاسَ مَنْ داناهُمْ هانَ عِنْدَهُمْ ... وَمَنْ أكرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِما وَما كُلُّ بَرْقٍ لاحَ لِي يَسْتَفِزُّنِي ... وَلا كُلُّ مَنْ لاقَيْتُ أَرْضاهُ مُنْعِما وَإِنِّي إِذا ما فاتَنِي الأَمْرُ لَمْ أَبِتْ ... أُقَلِّبُ كَفِّي إِثْرَهُ مُتَنَدِّما

стр. 1784

وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كانَ كُلَّما ... بَدا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّما إِذا قِيلَ هَذا مَنْهَل قُلْتُ قَدْ أَرى ... وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَتِهِ العِلْمَ مُهْجَتِي ... لأَخْدِمَ مَنْ لاقَيْتُ لَكِنْ لأُخْدَما أَأَشْقَى بِهِ غَرْساً وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً ... إِذاً فَاتِّباعُ الْجَهْلِ قَدْ كانَ أَحْزَما وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صانُوهُ صانَهمْ ... وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعَظَّما وَلَكِنْ أَهانُوهُ فَهانُوا وَدَنَّسُوا ... مُحَيَّاهُ بِالأَطْماعِ حَتَّى تَجَهَّما (١) وليحذر كل الحذر من حمل العلم إلى [الأمراء] والتردد به إلى الأغنياء؛ فإن ذلك من إضاعة العلم وإهانته، وليس هذا من شأن العلماء، ومن [ ... ] محبة هؤلاء فقد عرض لنفسه لفوات محبة الله تعالى ولحصول مقته وطرده وإبعاده. وقد روى أبو نعيم عن السَّري بن يحيى قال: كتب وهب بن منبه

стр. 1785

إلى مكحول ﵀: إنك قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام عند الناس محبة وشرفاً؛ فاطلب بما بطن من علم الإسلام عند الله تعالى محبة وزلفى، واعلم أن إحدى المحبتين سوف تمنعك الأخرى (١). وروى ابن ماجه ورجاله ثقات، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "إِنَّ أُناسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، يَقُولُونَ: نأْتِي الأُمَراءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِيننا، ولا يَكُونُ ذلك كما لا يُجْتَنَى من القَتَادِ إِلاَّ الشَّوْكُ؛ كَذَلِكَ لا يُجْتَنَى من قُرْبِهِمْ إِلاَّ" - قال محمد بن الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا - (٢). وروى ابن لال، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ العالِمُ يَزُورُ العُمَّالَ" (٣). وروى ابن عدي من حديثه مرفوعًا: "إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وادِياً تَسْتَعِيذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَومٍ سَبْعِينَ مَرَّة، أَعَدَّهُ اللهُ لِلقُرَّاءِ الْمُرائِينَ بِأَعْمالِهِمْ، وَإِنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ عالِمٌ [يزور] السُّلْطانِ" (٤).

стр. 1786

وروى الحاكم في "تاريخه"، والديلمي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ عالِمٍ أتَي صاحِبَ سُلْطانٍ طَوْعاً إِلاَّ كانَ شَرِيكَهُ فِي كُلِّ لَوْنٍ يُعَذَّبُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ" (١). وروى الحسن بن سفيان في "مسنده"، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العُلَماءُ أُمَناءُ الرُّسُلِ عَلى عِبادِ اللهِ ما لَمْ يُخالِطُوا السُّلْطانَ، فَإِنْ خالَطُوا السُّلْطانَ فَقَدْ خانُوا الرُّسُلَ؛ فَاحْذَرُوهُمْ" (٢). وروى العسكري عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الفُقَهاءُ أُمَناءُ الرُّسُلِ ما لَمْ يَدْخُلوا الدُّنْيا وَيتَّبِعوا السُّلْطانَ؛ فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ" (٣). وجمع جلال الدين السيوطي في ذلك مؤلفاً سماه "ما رواه الأساطين في ترك المجيء إلى السلاطين". وقد نظمته في أرجوزة [ ... ] عنها.

стр. 1787

ويتعين على العالم أن [يتقي الله] في عليه، ولا يرائي به ولا يعجب، ولا يريد من الناس من أن يقبلوا عليه ما لا يقبلون على غيره [ ... ] في عليه، ولا يتشقشق بعلمه ويتنفق في كلامه ليَسْبي به قلوب الناس. فقد روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجالِ أَوِ النَّاسِ، لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً" (١). وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويَهْرَم فيها الكبير، فتتخذ سنة؛ فإن غَيَّرْت يومًا قيل: هذا منكر. قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلَّتْ أمناؤكم وكثرت أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم، وتُفُقِّهَ لغير الدين، وتُعُلِّمَ العلمُ لغير العمل، والْتُمِسَتِ الدنيا بعمل الآخرة (٢). وروى البزار بسند جيد، والطبراني في "الأوسط" عن عمر بن

стр. 1788

الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَظْهَرُ الإِسْلامُ حَتَّى يَخْتَلِفَ التُّجَّارُ فِي البَحْرِ، وَحَتَّى تَخُوضَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ يَقُولُونَ: مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا؟ مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا؟ مَنْ أَفْقَهُ مِنَّا؟ ". ثم قال للصحابة: "فَهَلْ فِي أُوْلَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أُوْلَئِكَ مِنْكُمْ مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ، وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ" (١). ورواه هو وأبو نعيم من حديث العباس رضي الله تعالى عنه (٢). وبالجملة: [لا يتم التأدب] إلا بالتأدب بجميع آدابهم، وإنما آدابهم هي دأب الصالحين، والأخيار من العلماء خيارُهم، ومن تقرب من أهل العلم إلى سَفساف الأمور والأخلاق فليس من أهل العلم حقيقة، وليس ممن يؤمر بالتشبه بهم، بل ممن ينهى عن التشبه بهم في ذلك، وهو من علماء السوء. وإنما التشبه بخيار العلماء وبهم الاقتداء، وفيهم الآيات نزلت،

стр. 1789

والأخبار أثرت. فأما الآيات فمثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وأما ما ورد في فضل العلم والتعليم من الأخبار والآثار، فشيء كثير. منه: ما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، وكَانَ منها بُقعةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ منه أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِها النَّاسَ، فَشَرُبوا منها وَسَقَوْا ورَعَوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْها أُخْرَى إِنَّما هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً ولا تنبِتُ كَلأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ من فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولم يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ" (١).

стр. 1790

المثال الأول مثال الفقهاء والمستنبطين لأسرار العلم من الآيات والأحاديث؛ كالمفسرين والمتكلمين من أهل السنة. والمثال الثاني مثال أوعية العلم في القرآن والحديث، والمقرئين والمجودين؛ وكلهم على خير. وروى الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عُبِدَ اللهُ تَعالَى بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَلَفَقِيةٌ واحِدٌ أَشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِنْ ألفِ عابِدٍ، وَلِكُلٍّ شَيْءٍ عِمادٌ؛ وَعِمادُ هَذا الدِّينِ الفِقْهُ" (١). وروى ابن النجار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "ما عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ وَنَصِيحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ" (٢). وروى الطبراني في "معاجمه" [عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما]، عن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ العِبادَةِ الفِقْهُ، وَأفضَلُ الدِّينِ الوَرعُ" (٣).
следующие страницы →