وروى الحاكم في "تاريخه"، والديلمي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ عالِمٍ أتَي صاحِبَ سُلْطانٍ طَوْعاً إِلاَّ كانَ شَرِيكَهُ فِي كُلِّ لَوْنٍ يُعَذَّبُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ" (١).
وروى الحسن بن سفيان في "مسنده"، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العُلَماءُ أُمَناءُ الرُّسُلِ عَلى عِبادِ اللهِ ما لَمْ يُخالِطُوا السُّلْطانَ، فَإِنْ خالَطُوا السُّلْطانَ فَقَدْ خانُوا الرُّسُلَ؛ فَاحْذَرُوهُمْ" (٢).
وروى العسكري عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الفُقَهاءُ أُمَناءُ الرُّسُلِ ما لَمْ يَدْخُلوا الدُّنْيا وَيتَّبِعوا السُّلْطانَ؛ فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ" (٣).
وجمع جلال الدين السيوطي في ذلك مؤلفاً سماه "ما رواه الأساطين في ترك المجيء إلى السلاطين".
وقد نظمته في أرجوزة [ ... ] عنها.
стр. 1787
ويتعين على العالم أن [يتقي الله] في عليه، ولا يرائي به ولا يعجب، ولا يريد من الناس من أن يقبلوا عليه ما لا يقبلون على غيره [ ... ] في عليه، ولا يتشقشق بعلمه ويتنفق في كلامه ليَسْبي به قلوب الناس.
فقد روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجالِ أَوِ النَّاسِ، لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ يَومَ القِيامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً" (١).
وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويَهْرَم فيها الكبير، فتتخذ سنة؛ فإن غَيَّرْت يومًا قيل: هذا منكر.
قيل: ومتى ذلك؟
قال: إذا قَلَّتْ أمناؤكم وكثرت أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم، وتُفُقِّهَ لغير الدين، وتُعُلِّمَ العلمُ لغير العمل، والْتُمِسَتِ الدنيا بعمل الآخرة (٢).
وروى البزار بسند جيد، والطبراني في "الأوسط" عن عمر بن
стр. 1788
الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَظْهَرُ الإِسْلامُ حَتَّى يَخْتَلِفَ التُّجَّارُ فِي البَحْرِ، وَحَتَّى تَخُوضَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ يَقُولُونَ: مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا؟ مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا؟ مَنْ أَفْقَهُ مِنَّا؟ ".
ثم قال للصحابة: "فَهَلْ فِي أُوْلَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ ".
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: "أُوْلَئِكَ مِنْكُمْ مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ، وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ" (١).
ورواه هو وأبو نعيم من حديث العباس رضي الله تعالى عنه (٢).
وبالجملة: [لا يتم التأدب] إلا بالتأدب بجميع آدابهم، وإنما آدابهم هي دأب الصالحين، والأخيار من العلماء خيارُهم، ومن تقرب من أهل العلم إلى سَفساف الأمور والأخلاق فليس من أهل العلم حقيقة، وليس ممن يؤمر بالتشبه بهم، بل ممن ينهى عن التشبه بهم في ذلك، وهو من علماء السوء.
وإنما التشبه بخيار العلماء وبهم الاقتداء، وفيهم الآيات نزلت،
стр. 1789
والأخبار أثرت.
فأما الآيات فمثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وأما ما ورد في فضل العلم والتعليم من الأخبار والآثار، فشيء كثير.
منه: ما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، وكَانَ منها بُقعةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ منه أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِها النَّاسَ، فَشَرُبوا منها وَسَقَوْا ورَعَوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْها أُخْرَى إِنَّما هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً ولا تنبِتُ كَلأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ من فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولم يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ" (١).
стр. 1790
المثال الأول مثال الفقهاء والمستنبطين لأسرار العلم من الآيات والأحاديث؛ كالمفسرين والمتكلمين من أهل السنة.
والمثال الثاني مثال أوعية العلم في القرآن والحديث، والمقرئين والمجودين؛ وكلهم على خير.
وروى الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عُبِدَ اللهُ تَعالَى بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَلَفَقِيةٌ واحِدٌ أَشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِنْ ألفِ عابِدٍ، وَلِكُلٍّ شَيْءٍ عِمادٌ؛ وَعِمادُ هَذا الدِّينِ الفِقْهُ" (١).
وروى ابن النجار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "ما عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ وَنَصِيحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ" (٢).
وروى الطبراني في "معاجمه" [عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما]، عن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ العِبادَةِ الفِقْهُ، وَأفضَلُ الدِّينِ الوَرعُ" (٣).
стр. 1791
وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ العِبادَةِ طَلَبُ العِلْمِ" (١).
ويجمع بين الحديثين أن العلم أفضل الأعمال، والفقه أفضله.
وفي "الصحيحين" عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ".
وأخرجه أبو يعلى، وزاد فيه: "وَمَنْ لَمْ يَفْقَهْ لَمْ يُبالِ بِهِ" (٢).
وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ عِلْماً ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ" (٣).
وروى الحكيم الترمذي، وابن عبد البر بسند ضعيف، عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه قيل ﷺ : يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟
فقال: لا العِلْمُ بِاللهِ ".
فقيل: أي العلم تريد؟
стр. 1792
فقال: "العِلْمُ بِاللهِ".
فقيل: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم؟
فقال: "قَلِيلُ العَمَلِ يَنْفَعُ مَعَ العِلْمِ، وَإِنَّ كَثِيرَ العَمَلِ لا يَنْفَعُ مَعَ الْجَهَلِ" (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: أفضل الناس المؤمن العالم؛ إن احتيج إليه نفع، وإن استغنى عنه أغنى نفسه (٢).
وروى الترمذي وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِي عَلى أَدْنىَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحابِي، إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ؛ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِها، حَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (٣).
وروى أبو يعلى عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَة؛ ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ" (٤).
стр. 1793
وروى الشيخان، وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال لعليٍّ رضي الله تعالى عنه: "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً واحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمرِ النَّعَمِ" (١).
وروى الإمام أحمد من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: "يا مُعَاذُ! لأَنْ يَهْدِيَ الله على يَدَيْكَ رَجُلًا من أَهْلِ الشّرْكِ خَيْرٌ لك من أن يَكُونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ" (٢).
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ العُلَماءِ فِي الأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ يُهْتَدى بِها فِي ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحْرِ؛ فَإِذا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُداةُ" (٣).
وروى ابن عدي عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "العُلَماءُ مَصابِيحُ الأَرْضِ، وَخُلَفاءُ الأَنْبِياءِ، وَوَرثَتِي وَوَرَثَةُ الأَنْبِياءِ ﵈" (٤).
وروى ابن النجار في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العُلَماءُ قادَةٌ, وَالْمُتَّقُونَ سادَةٌ، وَمُجالَسَتُهُمْ زِيادَةٌ".
стр. 1794
قلت: ومقتضاه أن العالم لما كان متقياً فهو من قادة السادة وسادة القادة.
وروى ابن النجار أيضاً عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العُلَماءُ وَرثَةُ الأَنْبِياءِ، يُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّماءِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْحِيتانُ فِي البَحْرِ إِذا ماتُوا إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ".
وسبق في هذا الباب حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه.
وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه مر بسوق المدينة، فوقف فقال: يا أهل السوق! ما أعجزكم!
قالوا: وما ذاك؟
قال: ذاك ميراث رسول الله ﷺ يقسم وأنتم هاهنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟
قالوا: وأين هذا؟
قال: في المسجد.
فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟
فقالوا: يا أبا هريرة! قد أتينا المسجد، فدخلنا فيه فلم نر فيه شيئاً يقسم!
فقال لهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: وما رأيتم في المسجد أحداً؟
стр. 1795
قالوا: بلى؛ رأينا قوماً يصلون، وقوما يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام.
فقال لهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فذاك ميراث محمد ﷺ (١).
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم على أصحابه، فرأى مجلسين؛ أحدهما يدعو الله، والثاني يعلمون الناس، فقال: "أَمَّا هَؤُلاءِ يَسْألونَ الله؛ إِنْ شاءَ أَعْطاهُمْ وَإِنْ شاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَيُعَلّمُونَ النَّاسَ؛ وإِنَّما بُعِثْتُ مُعَلِّماً"، وجلس معهم (٢).
وروى ابن المبارك في "الزهد والرقائق" عن زيد بن أسلم - رحمهما الله تعالى - مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "كَلِمَةٌ مِنَ الْحِكْمَةِ يَسْمَعُها الْمُؤْمِنُ، فَيَعْمَلُ بِها وَيُعَلِّمُها خَيْرٌ لَهُ مِنْ عِبادَةِ سَنَةٍ" (٣).
وروى الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ العَطِيَّةُ كَلِمَةُ حَقٍّ تَسْمَعُها، ثُمَّ تَحْمِلُها إلَى أَخٍ لَكَ مُسْلِمٍ فتعَلِّمُها إِيَّاهُ" (٤).
стр. 1796
وروى البزار بسند رجاله ثقات، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العُلَماءُ خُلَفاءُ الأَنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ" (١).
وروى الخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "حَمَلَةُ العِلْمِ فِي الدُّنْيا خُلَفاءُ الأَنْبِياءِ، وَفِي الآخِرَةِ مِنَ الشُّهَداءِ" (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفائِي".
قلنا: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟
قال: "الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَرْوُونَ أَحادِيثِي وُيعَلِّمُونَها النَّاسَ" (٣).
وروى ابن عبد البر عن الحسن -قيل: هو ابن علي رضي الله تعالى عنهما، وقيل: هو البصري رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحْمَةُ اللهِ عَلى خُلَفائِي".
قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟
стр. 1797
قال: "الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي وُيعَلِّمُونهَا النَّاسَ" (١).
وروى أبو نعيم في كتاب "فضل العالم العفيف" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ أَهْلُ العِلْمِ وَالْجِهادِ؛ فَأَمَّا أَهْلُ العِلْمِ فَدَلُّوا النَّاسَ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْجِهادِ فَجاهَدُوا بِأَسْيافِهِمْ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ" (٢).
قلت: ومن هنا تساوت العلماء والمقتولون في جهاد في رتبة الشهادة لأن كلًّا منهما مات على ما هو عليه من [ .... ] على ما مات [ .... ] وهو شهيد [ .... ] لوجود الله تعالى معه؛ فإنه مصدق له عن قلب محب له في؛ فافهم!
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: ما ازداد عبد علما إلا ازداد الناس منه قرباً من رحمة الله (٣).
ومن الأولى معنى [ ... ] بسبب [ ... ] اللسان [ ... ] والخشية تبعثه على طاعة الله تعالى وتقواه، ومن تمام أمره أن يأمر غيره بالطاعة
стр. 1798
والتقوى بسبب الرحمة.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وكل علم لا يدعو صاحبه إلى التقوى والأمر بها، فليس بعلم نافع.
وقد روى ابن حبان في "روضة العقلاء" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: من ازداد علماً ثم ازداد على الدنيا حرصاً، لم يزده من الله إلا بعداً (١).
وروى الطبراني في "الكبير" ورواته ثقات، عن ثعلبة بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ للْعُلَماءِ يَومَ القِيامَةِ إِذا قَعَدَ عَلى كُرْسِيِّهِ لِفَصْلِ عِبادِهِ: إِنيِّ لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِيَ وَحِلْمِيَ فِيكُمْ إِلاَّ وَأَنا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ على ما كانَ فِيكُمْ وَلا أُبالِي" (٢).
وروى أبو العباس المُرهبي في "العلم" -بسند ضعيف- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كانَ يَومُ القِيامَةِ يَقُولُ اللهُ لِلْعابِدِينَ وَالْمُجاهِدِينَ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ العُلَماءُ:
стр. 1799
بِفَضْلِ عِلْمِنا عَبَدُوا وَجاهَدُوا، فَيَقُولُ اللهُ لَهُمْ: أَنْتُمْ عِنْدِي كَبَعْضِ مَلائِكَتِي؛ اشْفَعُوا، فَيَشْفَعُونَ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ" (١).
وروى ابن عدي، والبيهقي في "الشعب" وضعفه، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُبْعَثُ العالِمُ وَالعابِدُ، فَيُقالُ لِلْعابِدِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَيقالُ لِلْعالِمِ: اثْبُتْ حَتَّىْ تشفَعَ لِلنَّاسِ بِما أَحْسَنْتَ أَدبَهُمْ" (٢).
قلت: أخبرني من أثق به من الثقات المأمونين: أن شيخ الإسلام والدي رحمه الله تعالى سئل عن العلماء: هل يشفعون يوم القيامة؟
فقال: نعم.
قال له بعض الحاضرين: إذن تشفع لنا يا مولانا الشيخ يوم القيامة.
فقال: والله [إن] أعطيت شفاعة يوم القيامة لأشفعن في إخواننا وأصحابنا (٣).
стр. 1800
قال: فرآه بعض الأخيار في المنام بعد موته، قال: فقلت له: يا سيدي! كيف حالكم؟
قال: بخير، وقد أعطاني ربي الشفاعة في أصحابي وإخواني، وأنا واقف على باب الجنة [ ... ].
وشفاعة العلماء ثابتة:
وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يَشْفَعُ يَومَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأَنْبِياءُ، ثُمَّ العُلَماءُ، ثُمَّ الشُّهَداءُ" (١).
وهذا الحديث يدل على أن الشهداء [ ... ] العلماء أفضل وأعظم درجة من الشهداء المقتولين في سبيل الله، ومن ثم فإن [ ... ] إذ العلماء هم الصديقون في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
قلت: ويحتمل أن يكون ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: لفظاً مشتركاً يستعمل في معنيين؛ فأريد به الشهداء المقتولون، والشهداء العلماء الراسخون [ ... ] الصديقين وهم العارفون بالله تعالى.
وعلى كلا الوجهين فالعلماء أفضل من الشهداء لحديث ابن ماجه [ ... ].
стр. 1801
ورواه ابن عبد البر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه والمرهبي في "فضل العلم" عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، والشيرازي في "الألقاب"، وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُوْزَنُ يَومَ القِيامَةِ مِدادُ العُلَماءِ وَدِماءُ الشُّهَداءِ، فَيَرْجِحُ مِدادُ العُلَماءِ عَلى دِماءِ الشُّهَداءِ" (١).
وذكر ابن الحاج في "المدخل" [الحديث ثم قال]: وهذا بَيِّن لأن دم الشهداء إنما هو في ساعة من نهار أو ساعات، ثم انفصل الأمر فيه لإحدى الحسنيين، ومداد العلماء هو وظيفة العمر ليلاً ونهاراً، ثم إنه محتاج فيه لمباشرة غيره لابد من ذلك، إما أن يعلم أو يتعلم، وكلاهما يحتاج فيه إلى مجاهدة [عظيمة] (٢) لأجل خلطة الناس ومباشرتهم، وذلك أمر عسير لأنه يحتاج أن كل من اجتمع به ينفصل وهو طيب النفس منشرح الصدر؛ بذلك مضت السنة وانقرض السلف عليه (٣).
стр. 1802
قلت: وفي الحديث وجه آخر، وهو أن دم الشهداء يكون [ ... ] سبب الحياة؛ أشار بها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤].
وهذه حياة قاصرة على نفس الشهيد غير متعدية إلى غيره، وأما سيلان مداد العلماء على صفحات الطروس فإنه يكون سبب حياة [ ... ] العالم الكاتب بالعلم تعلماً وتعليماً، وحياة غيره كملت، وقد مضى في القرآن تسمية العلم والإيمان حياة في مواضع شتى [ ... ] قد يكون مداد العلماء سبباً بحياة [ ... ] إما [ ... ] أو شفاعته أو نحو ذلك.
وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢].
قال سليمان بن علي للحسن -يعني: البصري رحمه الله تعالى-:
يا أبا سعيد! أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
قال: والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرمَ على الله من دماءنا. رواه ابن جرير، وغيره (١).
стр. 1803
وقد سئل شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى [ ... ] فأجاب الشيخ أن [ ... ] وباشر أهل زمانه، ثم تنبه له بعض أعدائه، فاستفتى بعض علماء أهل العصر في مسألته، فأفتاه بالوقوع، ثم رتبوا على ذلك أنه في مدة المعاشرة كان زانياً [ ... ] تدرأ عنه الحد، فراجعوا الشيخ الوالد رضي الله تعالى عنه فيه فقال [ ... ] عن هذه المسألة، وليس في عادتي إذا كتب مرة عن مسألة [ ... ] كتب عليها [ ... ] مرة أخرى، فقيل له: إن الرقعة قد فقدت، فلم يكتب حتى اجتمع الناس على صاحب السؤال المذكور، وأرادوا رجمه [ ... ] كتب الشيخ على رقعة ثانية [ ... ] ثالث مرة [ ... ] فجيء بالرقعة إلى حكام البلدة وعلمائها، وكانوا اجتمعوا لذلك، وهموا بإبعاد [ ... ] الرجل قد عرضت [ ... ].
إِذا قالَتْ حَذامِ فَصدِّقوها ... فَإِنَّ القَولَ ما قالَتْ حَذامِ
[ ... ].
ورواه المزي في "تهذيب الكمال" عن ابن المبارك قال رحمه الله تعالى: الحبر في الثياب خلوق العلماء (١).
وروى الترمذي عن أبي هارون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد -يعني: الخدري رضي الله تعالى عنه - فيقول: مرحباً بوصيَّةِ رسول الله ﷺ ؛ إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالاً يَأتُونكُمْ مِنْ أَقْطَارِ
стр. 1804
الأرضِ تتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ؛ فَإِذا أتوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْراً" (١).
ورواه الخطيب، ولفظه: "سَيَأْتِيكُمْ شَبابٌ مِنْ أَقْطارِ الأَرْضِ يَطْلَبُونَ الْحَدِيثَ؛ فَإِذا جاؤُوكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْراً".
وفي رواية له: "سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي قَوْم يَسْألونكُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي؛ فَإِذا جاؤُوكُمْ فَالْطُفُوا بِهِمْ وَحَدِّثُوهُمْ" (٢).
وفي رواية أخرى أنه كان -يعني: أبا سعيد رضي الله تعالى عنه- إذا رأى شباباً قال: مرحباً بوصية رسول الله.
وكان رسول الله ﷺ قد أوصانا أن نوسع لكم في المجلس وأن نفهمكم الحديث، فإنكم خلوفنا وأهل الحديث بعدنا (٣).
[ ... ].
وروى أبو نعيم عن محمد بن عمران قال رجل للشعبي: إن فلاناً عالم.
قال: ما رأيتُ عليه بهاء العلم.
قيل: وما بهاؤه؟
قال: السكينة؛ إذا علم لا يعنف، وإذا علم لا يأنف (٤).
стр. 1805
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: "عَلِّمُوا وَلا تُعَنِّفُوا؛ فَإِنَّ الْمُعَلّمُ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ". رواه البيهقي (١).
وفي حديثه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَلَّمُوا العِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالوَقارَ، وَتَواضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ". رواه الطبراني في "الأوسط" (٢).
ونحوه من قول عمر ﵁، وفيه: تواضعوا لمن تُعَلِّمون العلم، ولا تكونوا [من] جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم.
وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه - قال: "تَواضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ، وَتَواضَعُوا لِمَنْ تُعَلّمُونَ، وَلا تَكُونُوا جَبابِرَةَ العُلَماءِ فَيَغْلِبَ جَهْلُكُمْ عِلْمَكُمْ" (٣).
وقد يكون جبروت العالم من حيث تحسينُ ضلالاته واعتقاداته [ ... ] فيها وإنها [ ... ] رتبة في العلم، ثم يسعى إلى أحد يره وهذا من كما [ ... ] في العلم يكون [ ... ] الله تعالى.
стр. 1806
ولقد قال سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾ [يوسف: ٧٦].
وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قالَ: أَنا عالِم فَهُوَ جاهِلٌ".
[ ... ].
من عدم الرغبة فيه من أكثرهم [ ... ]، ولأن في العلم تحجير على النفوس منعها عن كثير من شهواتها، ومن رغب منهم في العلم إنما يرغب فيه لطلب الدنيا، فيلزم من ذلك صرف ما حصله منه في تحصيلها، فيتقرب به إلى أغراض أهل الدنيا فيصرف علمه في تحصيل خير [ ... ] في أمورهم واستنباط الرخص لهم، فينقلب العلم عليه وبالاً، و [ ... ] التشبه ببعض، ويكون منه شيء [ ... ] مقام يستريح منه [ ... ] الأسرع من أن كان فيه؛ فإنه طلب التشبه بالعلم ليخلص من ضرر الدنيا ويحصل على سعادة الآخرة [ ... ] بالعلم - أي: الدنيا - وبعد عن الآخرة من هذه [ ... ] حينئذ أبعد من بعد غيره عنها.
قال معاذ رضي الله تعالى عنه: تعرضت وتصديت لرسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقلت: يا رسول الله! أي الناس شر؟
فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ غَفْراً! سَلْ عَنِ الْخَيْرِ وَلا تَسْأَلْ عَنِ الشَّرِّ؛ شِرارُ النَّاسِ شِرارُ العُلَماءِ فِي النَّاسِ". رواه البزار (١).
стр. 1807
[ ... ] في هذه الأزمنة عن طلب العلم، وأشار به إلى العلماء أن أكثر الناس [ ... ] رغبة [ ... ] في عشرة العلماء وفي مجالستهم لأنهم يأمرون بخلاف ما هم عليه وينهون عما هم فيه [ ... ] من تجاوز عن ذلك بهذا السبب إلى الزهد في العلماء وبغضهم وعداوتهم، وهذا يقطع الأكثرين عن العلماء لأن من يطلب العلم لوجه الله تعالى قد كان في زمان رواج الخير وفُشُوِّ الدين قليلاً، وأما الآن فهو أعز من [ ... ] وكثير ممن يختص في الأشياء والاشتغال بالعلم قد يقطعه عنه محنة [ ... ] تصيبه من بعض وقته.
ثم إن الموت [ ... ] أن الزمان خلف البقايا من العلماء من أهل كل زمان، وفي كل [ ... ] منهم يقل المخلصون والصابرون منهم، وحينئذ يعظم أجر المتشبه بالصالحين، من العلم بمقتضى [ ... ] الوقت وفساد الزمان، فالمتشبه بالعلماء على أمر الشرع ومنهج الحق لا يعلم كنه ما لهم عند الله [ ... ] وإنما [ ... ] وبهم، وعظمة [ ... ].
وقد قال رسول الله ﷺ : "إِنَّكُمْ فِي زَمانٍ مَنْ تَرَكَ عُشْرَ ما أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ ما أُمِرَ بِهِ نَجا". رواه الترمذي، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ (١).
وكيف لا يعظم أجر العالم العامل المخلص الآن.
وقد قلت [ ... ] وفقدت إخوانه وعدمت أشكاله [ ... ] بروح
стр. 1808
أمره عندهم ولا يحسن حاله لديهم ولا يرغبون في بضاعته فيهم غريب، وطوبى للغرباء!
وقد روى أبو بكر بن السني، وأبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُلِّ شَيْءٍ إِقْبالٌ [وَإِدْبارٌ]؛ وَإِنَّ مِنْ إِقْبالِ هَذا الدِّينِ أَنْ تَفَقَّهَ القَبِيلَةُ كُلُّها بِأَسْرِها حَتَّى لا يُوْجَدَ فِيها إِلاَّ الرَّجُلُ الْمُجافِي أَوِ الرَّجُلانِ، وَاِنَّ مِنْ إِدْبارِ هَذا الدِّينِ أَنْ تَجْفُوَ القَبِيلَةُ كُلُّها بِأَسْرِها حَتَّى لا يُوْجَدَ فِيها إِلاَّ الرَّجُلُ الفَقِيهُ أَوِ الرَّجُلانِ، فَهُما مَقْهُورانِ ذَلِيلانِ لا يَجِدانِ على ذَلِكَ أَعْواناً وَلا أَنْصاراً" (١).
وروى الحاكم، ومن طريقه ابن الجوزي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: ارحموا عزيز قوم ذَلَّ، وغنياً افتقر، وعالماً بين جُهَّال (٢).
ورواه العسكري، وابن حبان في "الضعفاء" من حديث أنس مرفوعاً بنحوه (٣).
стр. 1809
وروى الطبراني بسند ضعيف، عن حزام بن حكيم، عن عمه، وقيل: عن أبيه رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّكمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمانٍ كَثِير فُقَهاؤُهُ قَلِيل خُطَباؤُهُ، قَلِيل سُؤَّالُهُ كَثِير مُعْطُوهُ، العَمَلُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ العِلْمِ، وَسَيَأْتِي على النَّاسِ زَمانٌ قَلِيلٌ فُقَهاؤُهُ كَثِيرٌ خُطَباؤُهُ، قَلِيلٌ مُعْطوهُ كَثِيرٌ سُؤَّالُهُ، العِلْمُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ" (١).
وروى الحاكم في "المستدرك"، والطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَأْتِي على أُمَّتِي زَمانٌ تَكْثُرُ فِيهِ القُرَّاءُ وَيَقِلُّ الفُقَهاءُ، وَيُقْبَضُ العِلْمُ وَيكْثُرُ الْهَرْجُ" (٢).
وروى البخاري، وابن ماجه عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ"، الحديث (٣).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه
стр. 1810
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ"، الحديث (١).
ورووه أيضاً عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الصُّدُورِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢).
فموت العلماء مصيبة وأي مصيبة.
وروى البزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وابن لال عن ابن عمر، وجابر رضي الله تعالى عنهم؛ قالوا رضي الله تعالى عنهم: قال رسول الله ﷺ "مَوْتُ العالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الإِسْلامِ لا تُسَدُّ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ" (٣).
[ ... ] أعظم منها أن يكون في الخشية [ ... ] فاسق لا يدعو
стр. 1811
إلى خير ولا يكون إلا مع هذه، وفي الحقيقة [ ... ] ابتلي الناس في زمان يغلبه الجهل عليهم وشدة الجرأة فيهم، وفسق العلماء منهم فليس بعد بينتهم بينة، ولا بعد رزيتهم رزية.
وقد روى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والديلمي عن معاذ رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَأْتِي على النَّاسِ زَمانٌ لا يَبْقَى مِنَ القُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ، وَلا مِنَ الإِسْلامِ إِلاَّ اسْمُهُ، يَتَسَمَّوْنَ بِهِ وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُ، مَساجِدُهُمْ عامِرَةٌ وَهِيَ [خَرابٌ مِنَ الْهُدى]، فُقَهاءُ ذَلِكَ الزَّمانِ شَرُّ فُقَهاء تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ، مِنْهُمْ خَرَجَتِ الفِتْنَةُ وَإلَيْهِمْ تَعُودُ" (١).
وخرجه ابن [عدي في "الكامل"]، والدارمي في "السنن" من حديث علي رضي الله تعالى عنه موقوفاً عليه بنحوه، وقال: علماؤهم (٢).
وأخرجه البيهقي في "الشعب" مرفوعاً (٣).
وروى الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ النَّاسِ فاسِقٌ قَرَأَ كِتابَ اللهِ، وَتَفَقَّهَ فِي دِينِ اللهِ، [ثُمَّ] بَذَلَ نَفْسَهُ لِفاجِرٍ؛ إِذا نَشَطَ تَفَكَّهَ بِقِراءَتِهِ وَمُحادَثَتِهِ، فَيَطْبَعُ اللهُ على قَلْبِ
стр. 1812
القائِلِ وَالْمُسْتَمعِ".
وروى الحاكم -قال العراقي: وهو ضعيف- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عُبَّادٌ جَهَلَةٌ وَعُلَماءُ فَسَقَةٌ" (١).
وروى ابن ماجه وغيره بإسناد حسن، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قيل لرسول الله ﷺ : متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قال: "إِذا ظَهَرَتِ الْمُداهَنَةُ فِي خِيارِكُمْ، وَالفاحِشَةُ فِي شِرارِكُمْ، وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ فِي صِغارِكُمْ، وَالفِقْهُ فِي أَرْذالِكُمْ" (٢).
والأرذال: الأخساء؛ كما في "القاموس" (٣).
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي على النَّاسِ زَمانٌ يَتَعَلَّمُونَ فِيهِ القُرْآنَ فَيَجْمَعُونَ حُرُوفَهُ وَيُضَيِّعُونَ حُدُودَهُ؛ ويلٌ لَهُمْ مِمَّا جَمَعُوا، وَويلٌ لَهُمْ مِمَّا ضَيَّعُوا! إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِهَذا القُرْآنِ مَنْ جَمَعَهُ وَلَمْ يُرَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ" (٤).
стр. 1813
وروى الحاكم، والخطيب في "تاريخهما" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "يَأْتِي على النَّاسِ زَمانٌ يَحْسُدُ الفُقَهاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَيَغارُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ كَتَغايُرِ التُّيوسِ بَعْضِها على بَعْضٍ" (١).
واعلم أنه إن كان هذا الزمان الموصوف كيفما كان أهله لا يخلو من [ ... ].
وقد صح بقوله ﷺ : "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهِرِينَ على الْحَقِّ"، الحديث (٢).
[ ... ].
لذلك قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ لا يُدْرِكْنِي زَمانٌ، وَلا تُدْرِكُونَ زَماناً لا يُتَّبَعُ فِيهِ العَلِيمُ، وَلا يُسْتَحْيَى فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ، قُلُوبُهُمْ قُلوبُ الأَعاجِمِ، وَأَلْسِنتُهُمْ أَلْسِنةُ العَرَبِ". رواه الإمام أحمد من حديث سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنه (٣).
وروى أبو عمرو الداني عن الحكم بن عتيبة قال: كان يقال: ليأتين
стр. 1814
على الناس زمان لا يقر فيه عين حليم (١)(٢).
وروى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي على النَّاسِ زَمانٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبَةِ الْحَمْراءِ" (٣).
***
стр. 1815
خاتمة
الشهداء في موتهم من الصديقين والأنبياء ﵈؛ لخصوصية عظيمة يحصل فيها التشبه بهم، وهي أن جنة عدن لا يسكنها إلا من كان منهم.
روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "جَنَّةُ عَدْنٍ لا يَسْكُنُ فِيها إِلاَّ الأَنْبِياءُ وَالصِّدِّيقُونَ والشُّهداءُ، وَفِيها ما لَمْ يَرَهُ أحدٌ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ" (١). أورده السيوطي في "البدور السافرة".
стр. 1816
(٥) بَابُ التَّشَبُّه بِالصِّدِّيْقِيْنَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُم
стр. 1817
(٥) بَابُ التَّشَبُّه بِالصِّدِّيْقِيْنَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُم
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
قال نافع: مع محمد ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. رواه ابن جرير (١).
ورواه ابن أبي حاتم عنه، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢).
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: مع أبي بكر وعمر ﵄. رواه ابن جرير (٣).
وقال الضحاك رحمه الله تعالى: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رضي الله تعالى عنهم. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو
стр. 1818
الشيخ، وابن عساكر (١).
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. رواه ابن مردويه (٢).
وروي عنه أيضا أنه قال: مع الذين صدقت نياتهم، فاستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك بإخلاص ونية (٣).
وعليه: فالصادق ليس بمعنى اسم الفاعل، بل بمعنى [ ... ] كما تقول العرب: تامرٌ ولابنٌ؛ أي: ذا تمر، وذا لبن؛ لمن صار يبيع التمر واللبن حرفته؛ أي: مع الذين صار الصدقُ حرفتَهم ودينهم.
إذ لو كان بمعنى اسم الفاعل لم يفهم منه الاستقامة على الصدق.
والأولى أن المراد مطلق الصادقين من المؤمنين، وإذا كانت متابعة الصادقين مطلوبة، فمتابعة الصديقين أولى.
وروى ابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقرأ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾؛ وهو أبلغ (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ لطفٌ؛ إذ لو قال:
стр. 1819
مع الصديقين لكان فيه تحرج على العبد أن يكتفي من نفسه دون بلوغ مرتبة الصديقية، ولا شكَّ أنَّ أكثر الناس عاجزون عن بلوغ الاستقامة على الصدق.
ولقد قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى:
قَدْ بَقِينا مُذَبْذَبِينَ حَيارى ... نَطْلُبُ الصِّدْقَ ما إِلَيْهِ سَبِيلُ
فَدَعاوِيْ الهَوَى تَخِفُّ عَلَينا ... وَخِلافُ الْهَوى عَلَينا ثَقِيلُ (١)(٢)
وفي الآية على القراءة المتواترة: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] إشارة بديعة إلى أن التعلق بأذيال الصادقين ينفع لا محالة؛ فإن العبد إذا كان مع الصادقين ولم يكن منهم، فقد تجره رغبته في الكينونة معهم إلى أن يكون منهم.
وفي قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] إشارة إلى أنَّ التقوى أساس الصدق؛ فإنَّ حقيقة التقوى خشية الله تعالى، فيتقي عذابه وسخطه، فيصدق في طلبه، وحينئذ فقد ينفع قليل الصدق
стр. 1820
مع التقوى، فإذا تمرَّن العبد على الصدق مع التقوى فقد بلغ الغاية، وأركز على قطب الصديقية.
وفي قوله: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ تلطف بالعبد في إرشاده إلى الصديقية بلطف أمره بأن يكون مع مطلق الصادقين؛ فإنَّ قليل الصدق يدعو إلى كثيره، ولو أمروا بالصديقية أولاً لشق ذلك عليهم، وتوعَّر الطريق بين أيديهم، وربما وقفوا وجبنوا عن سلوكه، بل أمر الله تعالى بالقليل من ذلك، ووعد أن لا يضيع سعي ساع عنده ولو كان مثقال ذرة ليكون الطريق في وجوه السائرين إليه سهلاً واسعاً.
ولقد روى الطبراني في "الكبير"، والحاكم في "تاريخه" حديثاً حسناً عن أبي أمامة وإنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لامْرِئٍ مَا احْتَسَبَ، وَعَلَيْهِ مَا اكْتَسَبَ، وَالمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَمَنْ مَاتَ عَلى ذَنَابَيِ (١) الطَّرِيْقِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ" (٢).
وقوله: على "ذنابي الطريق"، أو: "على طرفه" فيه إشارة إلى أنَّ من السعادة التي لا شبهة في نجاة صاحبها أن يموت على طريق الهدى ولو على طرف منه، فإذا كان ذلك الطرف المتعلق به هو الصدق في طلبه فقد تمت سعادته؛ فإنَّ من أحب لقاء الله تعالى أحبَّ الله تعالى لقاءه، وفي محبة لقاء الله تعالى ينطوي الصدق، فإذا مات
стр. 1821
العبد على استقامة من الصدق وطمأنينة في الحب وجبت له مساكن الصديقين ومنازل المقربين، وحقَّ له أن ينادى عند الموت بما نودي به أبو بكر الصديق وأقرانه ﵃: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
ثم إنَّ نيل هذا المقام، بل الدخول في أول طريق الصدق لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته، ومن ثمَّ يشرع لنا في كل صلاة أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصدق" عن عمرو بن قيس: أن بعض التابعين وقعت عليه رقعة وهو قائم يصلي، فنظر فإذا فيها: اللهم إني أسألك يقين الصادقين، وصدق الموقنين، وعمل الطائعين، وخوف العاملين، وعبادة الخاشعين، وخشوع العابدين، وإنابة المخبتين، [وإخبات المنيبين] (١)، وإلحاقاً برحمتك بالأحياء المرزوقين (٢).
ثم الصديقون -كما تقدم- هم الذين صَعِدت نفوسهم إلى أَوج المعارف، وأفق الاطلاع على الحقائق؛ تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وتارة بمعارج التصفية والرياضات، لكن يشترط فيهم استصحاب الصدق مآلاً وحالاً في بداياتهم ونهاياتهم.
стр. 1822
وبذلك يظهر الفرق بين الصديق والمُسْتَدْرَج؛ فإنَّ كثيراً من الناس ينطق بالحكمة، ويتكلم بلسان المعرفة، ويقتدر على الاحتجاج والاستظهار، وتكون أفعاله غير مرضية عند الله تعالى، فمعرفته على لسانه ليست على قلبه، فهو مستدرج بعمله، مملًى له في معرفته.
ولذلك قال ذو النون ﵁: أريد عارفًا خائفاً، لا عارفاً واصفاً.
فالصديق من شأنه الخوف الدائم.
قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
قال ابن شوذب (١): نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وقال عطاء رحمه الله تعالى: إنَّ أبا بكر الصديق ﵁ ذكر ذات يوم، وفكر في القيامة والموازين، والجنة والنار، وصفوف الملائكة، وطي السماوات، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وإنثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراً من هذه الخضر تأتي علي بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣).
стр. 1823
فلا اعتبار بطلاقة اللسان، وفصاحة الكلام، والتكلم على الأسرار والأحوال حتى يصحبه الخوف.
ومن هذا القبيل حكماء الفلاسفة، والبراهمة، والشعراء، وأمثالهم ممن تجد كلامه مشحوناً بالحكم، وهو منحلُّ الاعتقاد، آمن من المكر؛ فإنهم مستدرجون، وليسوا بعارفين ولا صديقين لأنهم لو كانوا عارفين صديقين لصدقوا الله ورسوله فيما أدى نظرهم القاصر إلى مخالفتهما فيه.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]؛ أي: لا غيرهم؛ أي: لا يكون الصديقون إلا ممن آمن بالله ورسله؛ أي: صدق بهم وصدَّقهم فيما قالوا.
وأما من تكرر منه الصدق بحيث لم يحفظ عنه ولا كذبة، ثم لم يؤمن بالله ورسوله، فإنه لا يكون صديقاً لأنه كذب على الله تعالى في نفي وجوده، أو نفي وحدانيته، وعلى رسوله في نفي رسالته أو نبوته، أو في شيء مما جاء به، فكل صدق وقع منه في غير ذلك هباء.
بل من صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله، ودام على ذلك، فقد يسمى صديقاً إما بمعنى صادق، وإما من حيث إنه تكرر منه هذا الصدق ودام عليه، ومن ثم قال أبو هريرة ﵁: كلكم صديق وشهيد، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]. رواه ابن أبي حاتم (١).
стр. 1824
وقال مجاهد ﵀: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم تلا الآية. رواه عبد الرزاق، وغيره، وأخرجه ابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ (١).
وروى ابن حبان عن عمرو بن ميمون الجهني وإنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، فممن أنا؟ قال: "مِنَ الصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ" (٢).
ويحتمل أن يقال: كل من شهد -أي: علم - مقاماً من مقامات الإيمان، وأيقن به، وصدق فيه، ودام على ذلك، فهو شهيد وصديق بالنسبة إلى ذلك المقام.
فإن شهد كذلك مقامين، فهو شهيد وصديق فيهما.
وإنما يكمل مقام الشهادة بالقتل في سبيل الله تعالى، أو بالاستقامة في علوم الشرع، ومقام الصديقية لمن بلغ الكمال في المعارف، ولم يصرفه عن الصدق صارف، فافهم!
ثم الفرق بين الشهداء الذين هم العلماء وبين الصديقين: أنَّ الشهداء واقفون في مقام الاستدلال في كل علومهم وأحوالهم، وأمَّا الصديقون فإنهم يستكشفون الحق تارة بالاستدلال، وتارة بالرياضة المؤديين إلى تنوير البصيرة، وتارة بمجرد التوفيق والإلهام من الله تعالى، فهم أخص
стр. 1825
من الشهداء، وأتم حالاً منهم.
على أن الشهيد يشترط فيه ما يشترط في الصديق من استصحاب الصدق، لكن في أغلب أحوالهم فلابد أن يكون مع الله تعالى صادقاً أبداً، ولذلك لم يكن للعبد في الجهاد ولا للموت على العلم فائدة مع الرياء لعدم الصدق، ففي "صحيح مسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَليِهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيْكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: هُوَ جَرِيْءٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى ألقِيَ فِيْ النَّارِ.
وَرَجُل تَعَلَّمَ العِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ، وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيْكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ ليُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِيْ النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَّفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيْلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيْهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيْهَا لكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوُ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ" (١).