العبد على استقامة من الصدق وطمأنينة في الحب وجبت له مساكن الصديقين ومنازل المقربين، وحقَّ له أن ينادى عند الموت بما نودي به أبو بكر الصديق وأقرانه ﵃: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
ثم إنَّ نيل هذا المقام، بل الدخول في أول طريق الصدق لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته، ومن ثمَّ يشرع لنا في كل صلاة أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصدق" عن عمرو بن قيس: أن بعض التابعين وقعت عليه رقعة وهو قائم يصلي، فنظر فإذا فيها: اللهم إني أسألك يقين الصادقين، وصدق الموقنين، وعمل الطائعين، وخوف العاملين، وعبادة الخاشعين، وخشوع العابدين، وإنابة المخبتين، [وإخبات المنيبين] (١)، وإلحاقاً برحمتك بالأحياء المرزوقين (٢).
ثم الصديقون -كما تقدم- هم الذين صَعِدت نفوسهم إلى أَوج المعارف، وأفق الاطلاع على الحقائق؛ تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وتارة بمعارج التصفية والرياضات، لكن يشترط فيهم استصحاب الصدق مآلاً وحالاً في بداياتهم ونهاياتهم.
стр. 1822
وبذلك يظهر الفرق بين الصديق والمُسْتَدْرَج؛ فإنَّ كثيراً من الناس ينطق بالحكمة، ويتكلم بلسان المعرفة، ويقتدر على الاحتجاج والاستظهار، وتكون أفعاله غير مرضية عند الله تعالى، فمعرفته على لسانه ليست على قلبه، فهو مستدرج بعمله، مملًى له في معرفته.
ولذلك قال ذو النون ﵁: أريد عارفًا خائفاً، لا عارفاً واصفاً.
فالصديق من شأنه الخوف الدائم.
قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
قال ابن شوذب (١): نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وقال عطاء رحمه الله تعالى: إنَّ أبا بكر الصديق ﵁ ذكر ذات يوم، وفكر في القيامة والموازين، والجنة والنار، وصفوف الملائكة، وطي السماوات، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وإنثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراً من هذه الخضر تأتي علي بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣).
стр. 1823
فلا اعتبار بطلاقة اللسان، وفصاحة الكلام، والتكلم على الأسرار والأحوال حتى يصحبه الخوف.
ومن هذا القبيل حكماء الفلاسفة، والبراهمة، والشعراء، وأمثالهم ممن تجد كلامه مشحوناً بالحكم، وهو منحلُّ الاعتقاد، آمن من المكر؛ فإنهم مستدرجون، وليسوا بعارفين ولا صديقين لأنهم لو كانوا عارفين صديقين لصدقوا الله ورسوله فيما أدى نظرهم القاصر إلى مخالفتهما فيه.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]؛ أي: لا غيرهم؛ أي: لا يكون الصديقون إلا ممن آمن بالله ورسله؛ أي: صدق بهم وصدَّقهم فيما قالوا.
وأما من تكرر منه الصدق بحيث لم يحفظ عنه ولا كذبة، ثم لم يؤمن بالله ورسوله، فإنه لا يكون صديقاً لأنه كذب على الله تعالى في نفي وجوده، أو نفي وحدانيته، وعلى رسوله في نفي رسالته أو نبوته، أو في شيء مما جاء به، فكل صدق وقع منه في غير ذلك هباء.
بل من صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله، ودام على ذلك، فقد يسمى صديقاً إما بمعنى صادق، وإما من حيث إنه تكرر منه هذا الصدق ودام عليه، ومن ثم قال أبو هريرة ﵁: كلكم صديق وشهيد، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]. رواه ابن أبي حاتم (١).
стр. 1824
وقال مجاهد ﵀: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم تلا الآية. رواه عبد الرزاق، وغيره، وأخرجه ابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ (١).
وروى ابن حبان عن عمرو بن ميمون الجهني وإنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، فممن أنا؟ قال: "مِنَ الصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ" (٢).
ويحتمل أن يقال: كل من شهد -أي: علم - مقاماً من مقامات الإيمان، وأيقن به، وصدق فيه، ودام على ذلك، فهو شهيد وصديق بالنسبة إلى ذلك المقام.
فإن شهد كذلك مقامين، فهو شهيد وصديق فيهما.
وإنما يكمل مقام الشهادة بالقتل في سبيل الله تعالى، أو بالاستقامة في علوم الشرع، ومقام الصديقية لمن بلغ الكمال في المعارف، ولم يصرفه عن الصدق صارف، فافهم!
ثم الفرق بين الشهداء الذين هم العلماء وبين الصديقين: أنَّ الشهداء واقفون في مقام الاستدلال في كل علومهم وأحوالهم، وأمَّا الصديقون فإنهم يستكشفون الحق تارة بالاستدلال، وتارة بالرياضة المؤديين إلى تنوير البصيرة، وتارة بمجرد التوفيق والإلهام من الله تعالى، فهم أخص
стр. 1825
من الشهداء، وأتم حالاً منهم.
على أن الشهيد يشترط فيه ما يشترط في الصديق من استصحاب الصدق، لكن في أغلب أحوالهم فلابد أن يكون مع الله تعالى صادقاً أبداً، ولذلك لم يكن للعبد في الجهاد ولا للموت على العلم فائدة مع الرياء لعدم الصدق، ففي "صحيح مسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَليِهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيْكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: هُوَ جَرِيْءٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى ألقِيَ فِيْ النَّارِ.
وَرَجُل تَعَلَّمَ العِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ، وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيْكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ ليُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِيْ النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَّفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيْلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيْهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيْهَا لكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوُ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ" (١).
قال: فدخل على معاوية رجل فأخبرهَ بهذا عن أبي هريرة ﵁، فقال معاوية ﵁: قد فعل هؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] (١).
فالشهيد لابد أن يكون الصدق فيه دائماً، ومن ثم لا يصلح العالم المتزندق لأخذ العلم عنه، ولا يكون أهلاً للرواية؛ لقولهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِيْنٌ؛ فَانْظُرُوْا عَمَّنْ تَأْخُذُوْنَ دِيْنَكُمْ". رواه الحاكم في "المستدرك" عن أنس ﵁، والديلمي عن أبي هريرة ﵁ (٢).
ولقد اشترط الله تعالى في الشهداء ما اشترطه في الصديقين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩].
إن قلنا: إن الشهداء معطوف على الصديقين -وهو أحد الوجهين في الآية -، ولا يصح الإيمان إلا بالصدق والإخلاص فيه، ولعله أراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٩]، كُمِّل أهل الإيمان؛
стр. 1828
أي: الذين داموا على الإيمان، واستقاموا عليه، فلا يكون كل مؤمن صديقا ولا شهيداً، خلافاً لمن أخذ بظاهر الآية إلا من حيث دوامه على الإيمان والصدق فيه، كما تقدم.
وكيف يصلح للشهادة لله تعالى من هو غير مصدق به، ولا مصدق له، ولا صادق في تصديقه.
وكذلك لا يصلح العالم المتفسق للأخذ عنه، والرواية، فلابد من عدالته؛ لأن الرواية شهادة فلا يتم التشبه بالعلماء إلا بالعدالة، وهي داخلة في العمل بالعلم، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما التشبه بالصديقين فلا يتحقق العبد به حتى يترقى في مقامات الدين، ويتصفى عن كدورات التلوين، ولا يتم ذلك إلا لمن قطع مقامات الأبرار، وعبر مقامات المصطفين الأخيار، فيكون مسلماً صادقاً في إسلامه، حنيفًا صادقاً في تحنفه، مؤمناً صادقاً في إيمانه، ثم باراً صادقاً في بره، ثم صديقا، ولا يكون باراً حتى يعبر أول مقامات الإحسان؛ لما قررته لك سابقا من أنَّ البر هو الإحسان، وأول مقامات الإحسان أن يلاحظ وجه الله تعالى في كل أعماله وأقواله، ويراقبه في لحظاته، وحركاته، وسكناته بأن يعلم أنَّ الله تعالى مطلع على سره وعلانيته، وعلى باطنه وظاهره.
وقد روى البيهقي في "الأسماء والصفات" عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ إِيْمَانِ المَرْءِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ
стр. 1829
مَعَهُ حَيْثُ كَانَ" (١).
فإذا ترقى في إخلاصه ومراقبته لله تعالى حتى وصل إلى مقام العيان المعبر عنه بقول رسول الله ﷺ في حديث "الصحيحين": "الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (٢)، واستقام على ذلك كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢].
قال الحسن ﵀: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "شَمِّرُوْا"، فما رؤي ضاحكاً. أخرجه ابن حاتم (٣).
فقد تحقق حينئذ بمقام الصديقية، وبكمال الإحسان.
والبر -أيضا- اسمٌ من شرطه استصحاب الخوف والحياء، وملازمة الذكر، والعزوف عن الدنيا، والحذر منها، والاستغناء عن الناس، و [استكمال] (٤) المسلمين منهم، وطلب المعونة من الله تعالى، والبراءة من الحول والقوة، والاعتراف بالعجز والقصور، ودوام الافتقار إلى الله تعالى، وهذه كانت أحوال أبي بكر الصديق - رضى الله عنه -.
روى الحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن زيد بن أرقم ﵁: أنَّ أبا بكر الصديق استسقى، فأتي بإناء فيه عسل (٥)، فلما
стр. 1830
وضع على يده بكى [وردَّ الإناء] (١)، وانتحب، فما زال يبكي حتَّى بكى من حوله، فسألوه: ما الذي هيجك على البكاء؟ فقال: كنت مع رسول الله ﷺ ، وجعل يدفع عنه شيئاً: "إِلَيْكِ عَنِّيْ، إِلَيْكِ عَنِّيْ"، ولم أرَ معه أحداً، فقلت: يا رسول الله! أراك تدفع شيئاً ولا أرى معك أحداً؟ فقال: "هَذهِ الدُّنْيَا مُثِّلَتْ لي بِمَا فِيْهَا، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّيْ، فتنَحَّتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاللهِ إِنْ أفلَتَّ مِنِّي فَلَنْ يَتَفَلَّتَ مِنِّي مَنْ بَعدَكَ" فَخَشِيْتُ أَنْ تَكُوْنَ لَحِقَتْنَا، فَذَاكَ أَبْكَانِيْ (٢).
وروى الحاكم في "التاريخ"، والعسكري في "المواعظ" عن الأصمعي ﵀ قال: كان أبو بكر ﵁ إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون (٣).
وروى ابن حبان (٤) في "روضة العقلاء" عن ابن شهاب رحمه الله تعالى: أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قال يوماً وهو يخطب: استحيوا من الله حق الحياء؛ فوالله ما خرجت لحاجة منذ بايعت رسول الله ﷺ [أريد
стр. 1831
الغائط] (١) إلا مقنعاً رأسي حياءً من ربي (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن (٣).
وعن الحسن ﵀ قال: قال أبو بكر ﵁: لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتُعْضَد (٤).
وعن قتادة ﵀ قال: بلغني أنَّ أبا بكر ﵁ قال: وددت أني خضرة تأكلني الدواب (٥).
وعن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: رأيت أبا بكر الصديق ﵁ آخذاً بطرف لسانه وهو يقول: هذا هو الذي أوردني الموارد (٦).
وعن أسلم ﵀ قال: أخذ أبو بكر بلسانه في مرضه، فجعل يَلُوكُه ويقول: هذا أوردني الموارد (٧).
стр. 1832
وروى عبد الله ابنه عن أسلم: أن عمر رأى أبا بكر ﵁ وهو مدل لسانه، آخذه بيده، فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ فقال: وهل أوردني الموارد إلا هذا؟ (١)
وفي رواية: إنَّ عمر دخل على أبي بكر ﵁ وهو يَجْبِذ لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك، فقال أبو بكر: إنَّ هذا أوردني الموارد (٢).
قلت: حكي عن بعض الصالحين قال: رأيت أبا بكر الصديق ﵁ في المنام، فقلت له: يا خليفة رسول الله! رُويَ عنك أنَّك كنت تمسك لسانك، وتقول: هذا أوردني الموارد، فما أوردك؟ قال: قلت به: (لا إله إلا الله) فأوردني الجنة (٣).
وروى الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخجندي في "أربعينه" عن جعفر الصادق ﵀ قال: كان أكثر كلام أبي بكر ﵁: لا إله إلا الله (٤).
وروى أبو عبد الرحمن السلمي، والديلمي عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "يَا أَبَا بَكْرٍ! إذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يُسَارِعُوْنَ فِي الدُّنْيَا فَعَلَيْكَ بِالآخِرَةِ، وَاذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُل حَجَرٍ وَمَدَرٍ يَذْكُرْكَ إِذَا ذَكَرْتَهُ،
стр. 1833
وَلا تَحْقِرَنَّ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِيْنَ؛ فَإِنَّ صَغِيْرَ المُسْلِمِيْنَ عِنْدَ اللهِ كَبِيْر" (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: إن الدنيا لم تُرِد أبا بكر، ولم يُرِدْها، وأرادت ابن الخطاب ولم يردها (٢).
وروى إسحاق بن راهويه، وأبو ذر الهروي في "الجامع" عن الحسن ﵀: أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ خطب، فقال: أما والله ما أنا بخيركم، ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً، ولوددت أن فيكم من يكفيني، أفتظنون أني أعمل فيكم بسنة رسول الله ﷺ ، إذن لا أقوم لها؛ إنَّ رسول الله ﷺ كان يُعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإنَّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني أن لا أؤثر في أشعاركم، وأبشاركم، ألا فراعوني؛ فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني.
قال الحسن: خطبة -والله - ما خطب بها بعده (٣).
ثم إن عماد الصديقية تصحيح اليقين كما يشير إليه حديث الإحسان.
وأركانها العبادة، ولذلك قال ﷺ : "الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (٤).
стр. 1834
فحقيقة الصديقية استكمال الإحسان، وهذا مجموعه إلا أن عماده اليقين، فهو أول العبادة وآخرها، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩].
وبه كان فضل أبي بكر ﵁ كما قال بكر بن عبد الله المزني ﵀: ما فُضِّل أبو بكر الناس بكثرة صلاة، ولا بكثرة صيام، ولكن بسِرٍّ (١) وقر في صدره. رواه الحكيم الترمذي في "نوادره" (٢).
وذلك السر هو اليقين، وما [يتشعَّب] (٣) منه من طاعات القلب، وهو شيء عزيز، وجوهر نفيس، وأَهْلُوه أفرادٌ في الناس.
روى ابن عبد البر عن معاذ ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى شَيْئاً أقلَّ مِنَ اليَقِيْنِ، وَلا قَسَّمَ بَيْنَ النَّاسِ شَيْئاً أَقَلَّ مِنَ الحِلْمِ" (٤).
وقد ختم الله تعالى به أوصاف المتقين بقوله: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]؛ أي: أولئك الذين أول أحوالهم التقوى، وآخر أمرهم اليقين، على هدى من ربهم، وبصيرة من ثوابه، وأولئك هم الباقون في الخير، الدائمون في السعادة.
стр. 1835
روى ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "نَجَا أَوَّلُ هَذه الأُمَّةِ بِاليقِيْنِ وَالزُّهْدِ، وَيهْلَكُ آخِرُهَا بِالبُخْلِ وَالأمَلِ" (١).
واعلم أنَّ أصحاب هذا المقام لا يتفاوتون في اليقين، ولذلك قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؛ ويروى عن علي ﵁ (٢).
نعم، تتفاوت مقاماتهم باعتبار تفاوتهم في الصدق، فيزدادون وضوحاً في يقينهم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ أي: بزيادة الوضوح، وإلا فإنه ﵇ كان كامل اليقين، خالصاً عن الشك، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيْمَ"، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين" (٣)؛ [أي]: إِنَّهُ لَوْ فُرِضَ الشَّكُّ مِنْ إِبْراهِيْمَ لَكُنَّا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ.
وهذا من النبي ﷺ تواضع، ومبالغة في تنزيه إبراهيم ﵇ من الشك.
ونظير ذلك ما اتفق لأبي بكر ﵁ حين قال له رجال من المشركين:
стр. 1836
هل لك إلى صاحبك؛ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء في غدوة وروحة، ولذلك سمي الصديق (١).
وفي رواية: في خبر السماء، في ساعة من ليل أو نهار، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، وقال: يا نبي الله! حدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: "نَعَمْ"، قال: يا نبي الله! فصفه لي؛ فإني قد جئته، قال الحسن: فقال رسول الله ﷺ : "رُفِعَ لِي حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبي بكر ﵁، فيقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁: "وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصدِّيْق"؛ فيومئذ سماه الصديق (٢).
قال المحب الطبري رحمه الله تعالى في "الرياض النضرة": قول أبي بكر ﵁: "صفه لي" يحتمل معنيين:
أحدهما: إظهار صدقه ﷺ لقومه؛ فإنهم كانوا يتقوون بقول أبي بكر ﵁، فإذا طابق خبره ﷺ ما كان يعلم أبو بكر، وصدقه به، كان حجة ظاهرة عليهم.
الثاني: طمأنينة قلبه ﵁، كقول إبراهيم ﵊:
стр. 1837
﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، لا أن أبا بكر ﵁ كان عنده شك، كلا، بدليل تصديقه أول وهلة، والله أعلم. انتهى (١).
وقوله ﷺ في حديث الإحسان: "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (٢) إشارة إلى أول مقام الإحسان وأدناه، وهو مقام الأبرار" أي: فإن لم تكن كمن يراه سبحانه فتكون صديقاً، فكن عالمًا بأنه يراك ويراقبك، فتكون باراً؛ ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
فإن قلت: فإذا تقرر أنَّ مقام الصديقية فوق مقام البر، فهل يكون هذا مخالفاً لما رواه الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب"، ومسلم في "الصحيح"، والترمذي عن ابن مسعود ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الجَنَّةِ، وَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا" (٣)؟ !
قلت: لا مخالفة فيما ذكرناه للحديث أصلاً؛ فإنَّ البر لا يتم إلا بالصدق فيه -كما تقدمت الإشارة إليه في كلامنا آنفاً- بل الصدق طريق الهداية إلى البر -كما في الحديث- فالصدق بداية البر، والبر بداية الصديقية، وكأن البار بمعنى الصادق، والصديق أبلغ منه صدقاً وبراً.
стр. 1838
وهذا الحديث على وزان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ أي: أولئك الذين صدقوا فأدى بهم الصدق إلى هذا البر الموصوف.
فمن جاء بهذه الأوصاف المذكورة في هذه الآية فهو بار وصادق، ولا يكون صديقا حتى يستقيم عليها، وعلى الصدق فيها، وتكون تلك غاية مستمرة له.
كما قال ﷺ : "وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَى يُكتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا".
وقلت في معنى الحديث بطرفيه:
ما يَزالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ يَتَحَرَّاهُ
أَبَدَ الدَّهْرِ فَيَكْتُبَهُ اللهُ صِدِّيْقًا وَيرْضاهُ
وَيدُوْمُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ فِيْ كُلِّ أَمْرٍ يَتَوَخَّاهُ
هَكَذَا أَيْضا فَيَكْتُبَهُ اللهُ كَذَّابًا وَيقْلاهُ
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، يؤخذ منه أن البار هو المتقي؛ فإن ترقى في التقوى إلى غاياتها بحيث استقام قلبه عليها حتى صار معدنا لها كان صديقاً.
стр. 1839
وقد روى الطبراني عن عبد الله بن عمر (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُلِّ شَيْءٍ مَعْدِنٌ، وَمَعْدِنُ التَّقْوى قُلُوْبُ العَارِفِيْنَ" (٢).
والعارفون بالله هم الصديقون؛ فإنهم خواص العلماء، استقاموا على الخشية، والتقوى، والصدق.
وقال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٣، ٢٤]؛ أي: بقدر صدقهم، أو بسبب صدقهم.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]: نزلت هذه الآية في شهداء أحد، ومن بقي من أهل تلك الغزوة، وناهيك بهم صديقين!
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، إشارة إلى أنهم داموا على العهد، والصدق فيه حتى قتلوا، أو ماتوا.
وسئل أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى عن الفرق بين الصادق والصِّدِّيق فقال: كل صادق بلسانه ولم تستقم أحواله لا يسمى صدِّيقاً حتى يستوي صدقه في أفعاله وأقواله وأحواله؛ إذ ذاك يستحق اسم الصديقية.
стр. 1840
وقال حجة الإسلام: لفظ الصدق يستعمل في ستة معان:
- صدق في القول.
- وصدق في النية، والإرادة.
- وصدق في العزم.
- وصدق في الوفاء بالعزم.
- وصدق في الفعل.
- وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها.
فمن صدق في جميع ذلك فهو صدِّيق؛ لأنه مبالغة عن الصدق (١).
وفي "القاموس": الصديق -كسكيت- الكثير الصدق.
قلت: وقد تلخص لي أخذاً من سيرة أبي بكر الصديق - رضى الله عنه - وهو رأس الصدِّيقين بعد الأنبياء ﵈ كما أنَّ محمد ﷺ رأس النبيين، ومن ثم اشتركا في هذه الخصوصية التي في حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ رَآنِيْ فِيْ المَنَامِ فَقَد رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي، وَمَنْ رَأَى أَبَا بَكْرٍ فِي المَنَامِ فَقَد رَآهُ لأَنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَلُ بِهِ". رواه الخطيب، والديلمي (٢).
стр. 1841
إنَّ أركان الصدِّيقية أربعة:
أولها: التبري عن الأكوان كلها، كما قال رسول الله ﷺ [لأبي بكر ﷺ ، لمَّا تصدق بكل ماله: "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ " قال: "الله ورسوله" (١).
وُيعبر عن ذلك بالحرية، ولذلك قال جدي الشيخ رضي الدين ﵁ في "ألفيته" في التصوف: [من الرجز]
وُيعْرَفُ الصِّدِّيْقُ بِالْحُرّيَّة ... مِنْ رِقِّ كُلِّ صِفَةٍ نَفْسِيَّةْ
الثاني: التصديق بكل أمرٍ إلهي -وإن كان خارجاً عن العادات، والمألوفات- كما صدق أبو بكر ﵁ بحديث الإسراء، وقد تزلزل فيه غيره لولا تصديقه ﵁، فهو أول المصدقين بذلك، وبكل أمر إلهي جاء به النبي ﷺ .
روى أبو عبد الله محمد بن منده في كتاب "فضائل أبي بكر"، والملاء في "سيرته"، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ قُلْتُ لِجِبْرِيْلَ ﵇: إِنَّ قَوْمِي لا يُصَدِّقُونِي، فَقَال لي جِبْرِيْل: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصِّدِّيْقُ" (٢).
стр. 1842
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن عباس ﵁: أنه قال: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر ﵁.
ثم تمثل بأبيات حسان ﵁: [من البسيط]
إِذا تَذَكَّرْتَ شَجْواً مِنْ أَخِيْ ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخاكَ أَبا بَكْر بِما فَعَلا
خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أتقاها وَأَعْدَلَها ... إِلاَّ النَّبِيَّ وَأَوْفاها بِما حَمَلا
الثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُوْدَ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ حَقًّا صَدَّقَ الرُّسُلا (١)
ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "مَا صَحِبَ النَّبِيّينَ وَالمُرْسَلِيْنَ أَجْمَعِيْنَ، وَلا صَاحَبَ يس أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁. رواه الحاكم في "تاريخه" عن أنس ﵁ (٢).
وإنما كان التصديق مما تتحقق به الصديقية لأن الصدق يدعو إليه؛ لأن الصادق يُصدق الصادق.
ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ تَصْدِيْقًا للنَّاسِ أَصْدَقُهُمْ
стр. 1843
حَدِيْثًا، وإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ تَكْذِيْبًا كذَبُهُمْ حَدِيْثًا". رواه ابن الحسين القزويني في "أماليه".
وقد شارك أبا بكر ﵁ في السبق إلى التصديق آخرون؛ منهم:
علي بن أبي طالب، وصاحب آل يس، ومؤمن آل فرعون، ﵃.
روى أبو نعيم، وابن عساكر، والديلمي عن أبي ليلى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصِّدِّيقُوْنَ ثَلاثة: حَبِيْبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قَالَ: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠].
وَحِزْقِيْل مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
وَعَليُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ" (١)؛ أي: أفضل هؤلاء الثلاثة. وأبو بكر ﵁ أفضل من سائر الصديقين، فهو أفضل من علي ﵁ باتفاق أهل السنة، وبإقرار علي ﵁.
روى البخاري عن محمَّد بن الحنفية ﵀ قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (٢).
стр. 1844
وروى الإِمام أحمد، وغيره عن علي ﵁ قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر (١).
قال الحافظ الذهبي: هذا متواتر عن علي ﵁؛ فلعن الله الرافضة ما أَجْهَلَهُم (٢).
وأما تفضيل أبي بكر ﵁ على صاحب آل يس ومؤمن آل فرعون؛ فإذا ثبت تفضيله على علي فقد ثبت تفضيله عليهما؛ لقوله ﷺ في علي: "وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ".
وسبق في حديث أنس تفضيل أبي بكر ﵁ على سائر أصحاب الأنبياء، وعلى آل يس.
وروى البزار، وأبو نعيم في "فضائل "الصحابة" ﵃ عن علي ﵁: أنه قال: يا أيها الناس! أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر ﵁؛ [إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا السيف على رأس رسول الله ﷺ ، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس،
стр. 1845
قال علي] (١): لقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش؛ فهذا يجؤه، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهًا واحداً؟ قال: والله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر ﵁ يضرب هذا، وَيجَأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم رفع علي ﵁ ببردة كانت عليه، فبكى حتى اختضلت لحيته، ثم قال: أُنشدكم، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون؛ ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه (٢).
وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ ، قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفِناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ﷺ ، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] (٣).
الثالث من أركان الصديقية: قول الصدق في كل موطن - خصوصاً
стр. 1846
في المواطن التي يخاف فيها الضرر -كما سبق أن النبي ﷺ لما حدث بحديث الإسراء سعى ناس من قريش إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أُسريَ به الليلة إلى بيت المقدس؟ فقال: أَوَقَدْ قال؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق ... الحديث.
وكما في حديث ابن عمرو من قول أبي بكر ﵁: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات.
وروى ابن أبي الدنيا، وغيره: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تَحَرَّوُا الصِّدْقَ وإنْ كَانَ (١) فِيْهِ الهَلَكَةُ؛ فَإنَّ فِيْهِ النَجَاةَ" (٢).
ولذلك قال الجنيد ﵀: حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا يُنجيك فيه إلا الكذب (٣).
وقال النهرجوري رحمه الله تعالى: حقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة (٤).
الرابع: الاستقامة على هذه الأخلاق الثلاثة.
وقد استقام عليها أبو بكر ﵁ حتى لقي الله تعالى.
стр. 1847
وهذا لا يشك فيه مؤمن له إلمام بسيرة أبي بكر ﵁، وأخباره.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى قال: من ظنَّ أنَّه ينال ما نال القوم بغير مقاساة الجهد، والصدق، والإيثار، واستقامة الصدق من القلوب، فقد ادَّعى على الله ما ليس من صفته، ومن أراد الوصول إلى الله من غير أبواب النبيين، والأولياء، والصالحين فهذا معدوم.
***
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٣٨ - ٤٥].
هذا ما قصَّهُ الله تعالى في كتابه العزيز عن مؤمن آل فرعون، وسبق أنَّ اسمه حزقيل، وقيل: حبيب.
وقال قتادة في قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: كان قبطيًا من قوم فرعون، فنجي مع موسى ﵇، وبني إسرائيل حين نجوا. رواه عبد الرزاق، وغيره (١).
ومن حاله أنه نهى قومه عن قتل موسى ﵇، وكذلك نهى أبو بكر الصديق ﵁ عن قتل محمَّد ﷺ ، كما سبق.
وهوَّن عليهم ترك قتله كما عظَّم عليهم قتله بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] بأنَّ أمره لا يخلو من كذب فلا ضرر فيه عليكم، أو "صدق وقد وعدكم بأمور
стр. 1850
لو لم يصبكم إلا بعضها يضركم تكذيبه وهو صادق.
ويروى لعلي ﵁ نظير هذا كما ذكره حجة الإِسلام في "الإحياء" من قوله ﵁: [من الكامل]
زَعَمَ الْمُنَجِّمُ وَالطَّبِيْبُ كِلاهُما ... لا تُحْشَرُ الأَجْسادُ قُلْتُ إِلَيْكُما
إِنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ... أَوْ صَحَّ قَوْليْ فَالْخَسارُ عَلَيْكُما (١)
وقد توافق أبو بكر ﵁ وحزقيل في هذا الأسلوب، فروى ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، والبيهقي في "الدلائل" عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ما تنول من رسول الله ﷺ شيء كان أشد من أن طاف بالبيت ضحى، فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه، وقالوا: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال: أَنا ذاكَ، فقام أبو بكر ﵁ فالتزمه من ورائه، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] رافعاً صوته بذلك، وعيناه
стр. 1851
تسيحان حتى أرسلوه (١).
وفي ذلك أنَّ من شأن الصديقين النصيحة، والنصرة للدين والحق، ولأولياء الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ بيد المظلوم، والتلطف في الإنكار على الظالم إذا كان ذا شوكة وغلبة، والتأنق في الاحتيال للتخليص منه، ومناظرته في أثناء ذلك على ألطف الوجوه وأوضحها في بيان الحق والإلزام، وفي ذلك اتصاف الصديق بأبلغ وجوه المعرفة، فافهم!
وفي قوله: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩] إشارة إلى أنَّ من شأن الصديقين التذكرة بالنعم، وأنها ينبغي أن تعرف وتشكر، ولا تكفر لتدوم، أو لتحمد عواقبها، والتحذير من الاغترار بالملك، والحول والقوة، والظهور والغلبة حذراً من غب ذلك.
ومن مواعظ أبي بكر ﵁ المُلائمةِ لذلك: ما رواه الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي الدنيا، وأبو نعيم عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ كان يقول في خطبته: أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحسنوها؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع أركانهم
стр. 1852
حين اختانهم الدهر، وأصبحوا في ظلمات القبور، الوَحَاءَ الوَحَاءَ، ثم النَّجاءَ النَّجاءَ (١).
وهذا -أيضًا- يلائم قول مؤمن آل فرعون: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ﴾ [غافر: ٣٠، ٣١]-أي: حال - ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١].
وفيه تحذير من مثل ما كان عليه الأمم الماضون من الظلم، وتخويف من مثل غبه.
وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤] إشارة إلى أنَّ الإصرار على المعاصي، والكذب، والارتياب في الدين قد يكون سببًا لسد أبواب الهداية عن العبد، بخلاف الطاعة فإنها تفتح باب الهدى لأنها شكر.
وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، والنعمة قيدها شكرها، وفي كفرانها تعريض لها للزوال، وذلك إنما أورده مؤمن آل فرعون على سبيل النصيحة لهم والتحذير، وهو من الحكم البالغة، وفيه أنَّ من أحوال الصديقين النطق بالحكمة.
وفي قوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨]
стр. 1853
إيماء إلى أنَّهُ من العلماء العارفين بالله، وبالطريق الموصل إليه، وأنَّه من الهداة المهديين تحديثاً منه بنعمة العلم والهداية ليتبعوه.
وفي ذلك أن الصديقين لا يضرهم دعوى العلم ليعرفوا فيسألوا، وقد سبق قول علي ﵁ لكُميل بن زياد: هاه! هاه! إن ها هنا علوماً لو وجدت لها حملة -وأشار إلى صدره - (١).
وفي قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] إشار؛ إلى أدوم أحوال الصديقين وأغلبها، وهو التفويض والتسليم، وهما حال أبي بكر وعلي ﵁ حين خرج الأول مع النبي ﷺ مهاجرين حتى نزلا الغار، ونام الثاني في فراش النبي ﷺ وقد أحاط به قريش يَأْتَمِرُون به ليقتلوه، وهذا غاية ما يطيقه العبد من التفويض.
وإذا وصل العبد إلى هذه الرتبة فقد وُقِيَ، كما قال الله تعالى في مؤمن آل فرعون: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥].
وكذلك لما سَلَّم أبو بكر وعلي ﵄ سَلِما، ووقاهما الله شر قريش، وحينئذ حصلت الراحة، وذهبت المشقة عن كل واحد منهما.
ومن ثم قال أبو عثمان الحيري رحمه الله تعالى: أنت في سجن ما تبعت مرادك، فإذا فوَّضت وسلمت استرحت (٢).
وقال أبو علي الروذاباري رحمه الله تعالى: سلامة النفس في
стр. 1854
التسليم، وبلاؤها في التدبير (١).
والتفويض والتسليم من فوائدها الراحة من تعب التدبير، والأمن من التدمير، والظفر بالفرج أقرب متى يكون.
كما قيل: [من البسيط]
دعَ الْمَقادِيْرَ تَجْرِيْ فِيْ أَعِنَّتِها ... وَلا تَبِيْتَنَّ إِلاَّ خالِيَ الْبالِ
مَا بَيْنَ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَانْتِباهَتِها ... يُغَيِّرُ الدَّهرُ مِنْ حالِ إِلَىْ حالِ
وفي "الصحيحين" عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إِذَا أتيْتَ مَضْجَعَكَ فتوَضَّأْ وَضُوْءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقكَ الأَيْمَنِ، وَقُلْ: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نفسِيَ إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألجَأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةَ وَرَهْبَةَ إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بَكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ".
قَالَ: "فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُول" (٢).
واعلم أن الصديقين -وإن بلغوا أعلى رتب التسليم، والتفويض- فإن الخوف [لا فارق] (٣) قلوبهم؛ لما علمت أن ملازمته من شرط الصديقية.
стр. 1855
ولقد [قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى] (١): ما فارق الخوف قلباً إلا خَرِب (٢).
فالخوف حالهم إلى الممات، ومن ثم [يقع لهم أنهم يتمنَّون] (٣) أن لو كانوا عدمًا.
وروى أبو نعيم عن يحيى بن معاذ ﵁ قال: البارُّ يبكيه دينه (٤)، والزاهد تبكيه عزته (٥)، والصديق يبكيه خوف زوال الإيمان (٦).
ومن تمني الصديقين للموت تخوفًا من الفتنة في الدين: قول مريم ﵍: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] , وقد شهد الله تعالى لها بالصديقية في قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥].
وقال أبو بكر ﵁: لوددت أني تمرة (٧) ينقرها الطير (٨).
وأخذ عمر ﵁ تبنة من الأرض، فقال: يا ليتني هذه التبنة، ليتني
стр. 1856
لم أك شيئًا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسَياً مَنسيًّا (١).
ومرت عائشة ﵂ بشجرة، فقالت: يا ليتني ورقة من هذه الشجرة (٢).
وقال عمران بن حصين ﵄: لوددت أني كنت رمادًا (٣).
وقال أبو الدرداء ﵁: لوددت أني كبش أهلي، فمر بي ضيف فأَمَرُّوا على أوداجي فأكلوا، وأطعموا (٤).
وقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: لوددت أني كبش فذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويحتسون مرقي (٥).
روى هذه الآثار ابن المبارك، وابن أبي الدنيا، وغيرهما.
قال ابن المبارك ﵀: بلغنا عن الحسن ﵀ أنه قال:
стр. 1857
تمنَّوا وتمنَّوا، فلما فاتهم ذلك جَدُّوا (١)؛ أي: فلما علموا أن ذلك الذي تمنوه فاتهم وأن التمني لم ينفعهم، بل لا ينفعهم بعد؛ إذ ما خلقوا إلا للاجتهاد في الطاعة، اجتهدوا فيها.
كما روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وغيره أنَّ أبا بكر ﵁ كان يصوم الصيف، ويفطر الشتاء (٢).
وروى عبد الله ابنه في "زوائده" عن سهل بن سعد ﵁ قال: كان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته (٣).
وعن أنس ﵁ أنه سمع عمر ﵁ وهو في حائط وبينه وبينه جدار، وهو يقول: عمر أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ! والله بني الخطاب لتتقين الله، أو ليعذبنك (٤).
وعن يحيى بن جعدة ﵀ قال: قال عمر ﵁: لولا ثلاث لأحببت أن كون قد لقيت الله : لولا أني أضع جبهتي لله ، أو أجلس في مجالس ينتقى فيها طيب الكلام كما ينتقى فيها طيب الثمر، أو أن أسير
стр. 1858
في سبيل الله (١).
وأخرجه والده، وغيره بنحوه.
وروى أبوه -أيضًا- عن الحسن رحمه الله تعالى قال: تزوج عثمان ابن أبي العاص امرأة من نساء عمر بن الخطاب ﵁، فقال: والله ما نكحتها رغبة في مال ولا ولد، ولكن أحببت أن تخبرني عن ليل عمر، فسألها قال: كيف كان صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي صلاة العشاء، ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه تَورًا من ماء، فيتعارّ من الليل، فيضع يده في الماء، فيمسح يده ووجهه، ثم يذكر الله حتى يغفي، ثم يتعارُّ حتى يأتيَ الساعةَ التي يقوم فيها (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن: أنه كان ربما ذكر عمر ﵁ فيقول: والله ما كان بأولهم إسلاما, ولا بأفضلهم نفقة في سبيل الله، ولكنه غلب الناس بالزهد في الدنيا، والصرامة في أمر الله، ولا يخاف في الله لومة لائم (٣).
وروى الإِمام أحمد عن زهيمة رحمها [الله]؛ قالت: كان عثمان ﵁ يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هَجْعة من أوله (٤).
стр. 1859
وعن أبي عثمان النَّهدي: أنَّ غلام المغيرة بن شعبة تزوج، فأرسل إلى عثمان -وهو أمير المؤمنين ﵁، فلما جاء قال: أما إني صائم، غير أني أحببت أن أجيب الدعوة، وأدعو بالبركة (١).
وأحوال الخلفاء الراشدين وأهل طبقتهم من الصديقين، وسيرهم إنما هي مشتملة على الجد، والتشمير في طاعة الله تعالى.
ولقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩].
ثم إنهم على ما هم عليه من السبق والتبريز في كل مقام من العبادة، وحال من التقوى متهمون لأنفسهم، غير مستكملين لها، بل ماقتون لها في ذات الله تعالى، غير راضين منها، مستمدون في ذلك من قول يوسف الصديق ﵊: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣].
وروى ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" عن مولى لأبي بكر ﵁ قال: قال أبو بكر الصديق ﷺ : من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته (٢).
стр. 1860
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁ قال: لا تفقه كل الفقه حتى تمقُت الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتًا (١).
* فائِدَةٌ:
روى حسن المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حدثني يا كعب، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة لا يسكنها إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو حكم عدل، فقال عمر: أما النبوة فقد مضت لأهلها، وأما الصديقون فقد صدقت الله ورسوله، وأما حكم عدل فإني أرجو ألا أحكم بشيء إلا لم آل فيه عدلاً، وأما الشهادة فأنى لعمر بالشهادة (٢).
قلت: في هذا الكلام إشارة إلى أن تصديق الله ورسوله من أعظم أركان الصديقية، بل معظمها، ألا ترى أن عمر ﵁ رجا هذه الرتبة بما علمه من نفسه من تصديق الله ورسوله، ثُمَّ إن عمر ﵁ كان سأل الله تعالى الموت في المدينة، والشهادة في سبيل الله كما في "صحيح البخاري" (٣)، ومَين الله عليه بالشهادة، بل جمع له بين الصديقية والشهادة والحكم بالعدل.