← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يوم عرفة لغير الحاج - يكفر ذنوب سنة قبله، وسنة بعده، بل ورد أنه يكفر ذنوب ألف يوم، وورد أن العمل الصالح فيه بألفٍ في غيره كسائر أيام رمضان. وصيام اليوم الذي قبل هذا اليوم - وهو يوم التروية - يكفر ذنوب عام. وكذلك صيام يوم آخر من أيام هذه الأمة، وهو يوم عاشوراء. وهذا كله في نوافل الصوم، فما ظنك برمضان، وما فيه من كثرة العتقاء من النار! ففي كل يوم منه مئة ألف عتيق، ويعتق في كل يوم جمعة منه وليلتها قدر ما أعتق في الأسبوع، وفي آخر يوم من رمضان قدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره. والصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. والتسبيحة الواحدة كبدنة تُهدى إلى البيت العتيق، والتحميدة كفرس مسرجة في سبيل الله، والتكبيرة كالبعير في سبيل الله؛ مع مضاعفة ثواب التسبيح، وسائر الأعمال في يوم الجمعة، وفي الأشهر الحرم. وكل حسنات هذه الأمة في أي وقت مضاعفة إلى عشر أمثالها، أو إلى سبعين ضعفاً، أو سبع مئة، أو ألوف كثيرة، ومعاصيها لا تكتب إلا بعد ست ساعات، أو سبع؛ فإن استغفر ذلك العاصي، أو تاب، أو أحسن بعدها، لم تكتب تلك السيئة، وإلا كتبت سيئة واحدة، ثم هي ممحوة

стр. 212

بالتوبة، أو الاستغفار، أو بعمل صالح آخر، أو بمرض، أو بلاء - ولو قليلاً - أو سكرات الموت، وشدة النَّزع، أو بضمة القبر، أو بهول القيامة، أو يعفو الله، ويتجاوز. فانظر فيما أمد الله به هذه الأمة من الخير، وما ضاعف لها من الأجور، وما كفَّر عنها من الأوزار مع قصر أعمارها، وقرب آجالها! وفي "الصحيحين" عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا بَقاؤُكُمْ فِيْمَنْ سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صلاةِ الْعَصْرِ إِلَىْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ؛ أتىْ أَهْلُ التَّوْراةِ فَعَمِلُوْا بِها حَتَّىْ إِذا انتصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوْا، فَأُعْطُوْا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أتىْ أَهْلُ الإِنْجِيْلِ فَعَمِلُوْا إِلَىْ صلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوْا، فَأُعْطُوْا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أُوْتيْنا الْقُرآنَ فَعَمِلْنا إِلَىْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيْنا قِيْراطَيْنِ قِيْراطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتابِ: أَيْ رَبَّنَا! أَعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيْراطَيْنِ قِيْرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيْراطاً قِيْراطًا، وَنَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً! قالَ اللهُ تَعَالَىْ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قالُوْا لا، قالَ: هُوَ فَضْلِيْ أُوْتيْهِ مَنْ أَشاءُ" (١). ٢ - ومن الحكم الحاصلة بتأخير هذه الأمة - أيضاً -: أن الأنبياء، والعارفين من الأمم السالفة أخبروا أممهم وأتباعهم ببعثة النبي ﷺ -،

стр. 213

وبفضله، وفضل أمته قبل وجودهم، حتى تمنى طائفة من الأنبياء والفضلاء أن لو بقوا حتى يكونوا من أمته، ففي ذلك بمقامه ﷺ ومقام أمته ما لا يخفى، وفيه شهادتنا بصدق الأنبياء المخبرين بوجودنا ووجود نبينا ﷺ ؛ فإنهم لما أخبروا بوجوده ووجود أمته، ثم وجدوا، كان وجودهم مصداقاً لإخبار المخبرين لهم، وشاهداً على صدقهم، ولذلك كانت هذه الأمة شهداء الأنبياء ﵈ على أممهم، كما سيأتي. ٣ - ومن الحكم، واللطائف في تأخير هذه الأمة - أيضاً -: أن الله تعالى سترهم، ولم يفضحهم كما فضح عليهم من تقدمهم من الأمم ، وكشف عليهم أحوالهم كقوم نوح، وسخريتهم بنبيهم، وقوم إبراهيم، وأذيتهم له، وقوم موسى، وتشهيهم عليه، وقوم عيسى، ورميهم له ولأُمِّه - هذا حال غاليهم، ومفرطيهم -، وكقولهم فيه: (إنه الله)، أو: (شريك)، أو: (ابن) - هذا حال غاليهم، ومفرطيهم - وكقوم هود وطغيانهم وتمردهم، وقوم صالح وعقرهم للناقة، وقوم لوط وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها، وعزمهم على رجم لوط، وتبييت (١) قتله، وقوم شعيب وأخذهم للمُكُوس، وقرض الدراهم، وغير هؤلاء مع ما بلغنا من نَكالهم، ووبالهم، وما عذبوا به من خسف، أو مسخ، أو قذف، أو غرق، أو حرق، أو غير ذلك ممَّا صان الله تعالى عنه هذه الأمة ببركة نبيها ﷺ .

стр. 214

وقد روى الدارمي وغيره في حديث عن عمرو بن قيس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَجارَ أُمَّتَهُ مِنْ ثلاثٍ: لا يَعُمُّهُمْ بِسَنةٍ، وَلا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌ، وَلا يَجْمَعُهُمْ عَلَىْ ضَلالَةٍ" (١). وروى الخطيب البغدادي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا أُسْرِيَ بِيْ، قَرَّبَنِيْ رَبِّيْ حَتَّىْ كانَ بَيْنيْ وَبيْنَهُ كقابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، بَلْ أَدْنى، وَعَلَّمَنِيْ السِّماتِ؛ قالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبّيكَ يا رَبِّ، قالَ: هَلْ غمَّكَ (٢) أَنِّي جَعَلْتُكَ آخِرَ النَّبِيِّيْنَ؟ قُلْتُ: يَا رَبِّ! لا، قَالَ: فَهَلْ غمَّ (٣) أُمَّتَكَ أَنِّي جَعَلْتُهُمْ آخِرَ الأُمَم؟ قُلْتُ: لا يا ربِّ، قال: [أَبْلِغْ أُمَّتَكَ عنِّي السَّلامَ] (٤)، وأخبرهم أني جعلتُهم آخِرَ الأُممِ؛ لأَفْضَحَ الأُمَمَ عِنْدَهُمْ، وَلا أَفْضَحَهُمْ عِنْدَ الأُمَمْ" (٥). ٤ - ومن الحكم المذكورة: أن الله تعالى لما سبق في علمه أنه يورث هذه الأمة الأرض بعد سائر الأمم ، كان في تأخيرهم تنفيذ هذا القضاء المبرم السابق لهم بالوراثة؛ فإن الوارث لا بد أن يتأخر عن

стр. 215

الموروث زماناً، وإلا لم يتحقق إرثه منه، ولذلك لم يُوَرِّثِ الغرقى، والمهدوم عليهم، والمقتولين في المعركة إذا انكشف الأمر عنهم أمواتاً، ولم نعلم السابق منهم بعضهم من بعض. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبرنا الله تعالى في التوراة والزبور، وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض، أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض (١). وقرأ أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه الآية، فقال: نحن الصالحون (٢). رواهما ابن أبي حاتم في "تفسيره". بل نقول: إن الله تعالى أورث هذه الأمة ما هو أعظم من وراثة الأرض، وهو علم الكتاب الأول. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم أمة محمد ﷺ ؛ ورثهم

стр. 216

الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب (١). وفي الحديث المرفوع ما يؤيده. وروى الإمام أبو نعيم الأصبهاني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مُوْسَىْ ﵇ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، وَقَرَأَهَا، فَوَجَدَ فِيْها ذِكْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ: يا رَبِّ! إِنِّيْ أَجِدُ فِيْ الأَلْواحِ أُمَّةً هُمُ الآخِرُوْنَ السَّابِقُوْنَ، فَاجْعَلْها أُمَّتِيْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ"، الحديث. إلى أن قال فيه "قال: رَبِّ! إِنِّيْ أَجِدُ فِيْ الأَلْواحِ أُمَّة يُؤْتَوْنَ الْعِلْمَ الأَوَّلَ، وَالْعِلْمَ الآخِرَ، فَيَقْتُلُوْنَ قُرُوْنَ الضَّلالَةِ، وَالْمَسِيْحَ الدَّجَّالَ، فَاجْعَلْها أُمَّتِيْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ" (٢)، الحديث. ولا شك أن في توريث الأمة الكتاب، والعلم الأول تكريماً لهم وتزكية، وأي زكاة أعظم من زكاة العلم، والاطلاع على أسرار المعرفة، وحقائق التوحيد. ولا شك أن من أكثر علمه أكثر عمله، ونمت أحواله، وإلا لم يكن علمه معتداً به، ولا ملتفتاً إليه.

стр. 217

* وحيث كشف الله تعالى لهذه الأمة علم الأمم السابقة، وأخبارهم يترتب على ذلك فوائد وحكم، وهي في الحقيقة مترتبة على تأخير هذه الأمة أيضاً: ٥ - فمنها: شهادة هذه الأمة على الأمم السابقة . قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يُدْعَىْ نُوْحٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ ﵇ فَيُقالُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُوْلُ: نعمْ، فَتُدْعَىْ أُمَّتُهُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فيَقُوْلُوْنَ: ما أَتانا مِنْ نَذِيْرٍ، وَما أَتانا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيقُوْلُ: مُحَمَّد ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالَىْ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، - قال: وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ - فتدْعَوْنَ، فَتَشْهَدُوْنَ لَهُ بِالْبَلاغ، وَأَشْهَدُ عَلَيْكُمْ" (١). فلولا تأخر هذه الأمة عن الأمم لم يكونوا شهداء على الناس؛ لأن الشاهد لا بد أن يشاهد ثم يشهد، ومحال أن يشاهد المرء شيئاً مات قبل وجوده، وإنما كانت شهادتهم على من تقدمهم مقبولة؛ لأن ذلك قد وصل إليهم بطريق يفيد اليقين، وهو خبر النبي ﷺ ، ولا شك أن إخباره ﷺ إياهم أتم في إفادتهم اليقين من مشاهدتهم له بالإبصار؛ لأن خبره مطابق

стр. 218

للواقع كما هو عند الله تعالى بلا محالة، فخبره ﷺ قائم مقام العيان، وأتم منه؛ إذ يمكن في المعاينة أن يحول بين المعاين وبين إدراكه الشيء على ما هو عليه حائل ما؛ كالغفلة المُكَدِّرة لإدراكه بنحو إفراط فرح أو تَرح، أو جوع أو عطش أو نعاس أو فتور أو مرض أو غلبة خلط أو غير ذلك، وهذا محال - أي: تكدير الإدراك بشيء من ذلك - في حقه ﷺ ؛ فإنه معصوم، ولذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولأن قلبه لم يكن لينام - وإن نامت عيناه -، كما قال ﷺ : "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ وَلا يَنامُ قَلْبِيْ". رواه الشيخان (١). وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حضرت عصابة من اليهود يوماً النبي ﷺ ، فقال لهم: "أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِيْ أَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَىْ مُوْسَىْ ﵇: هَلْ تَعْلَمُوْنَ أَنَّ هَذا النَّبِيَّ تَنامُ عَيْناهُ، وَلا يَنامُ قَلْبُه؟ قالُوْا: اللَّهُمَّ نعمْ، قالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (٢). وقال ﷺ : "إِني لأَنْظُرُ إِلَىْ ما وَرائِيْ كَما أَنْظُرُ إِلَىْ ما بَيْنَ يَدَيَّ". رواه الحاكم، وغيره عن أبي هريرة ﵁ (٣)، وأصله في "الصحيحين" (٤).

стр. 219

وقال الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]. فإن فرض أنه حصل من النبي ﷺ ما قد يحول بينه وبين الإدراك من أحوال البشر - كالنسيان -، فإن ذلك يكون في غير وقت التبليغ، بل هو ﷺ في نفس تلك الأحوال مقيم على وظيفة التشريع، والتبليغ، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: "أَنا لا أَنْسَىْ، وَلَكِنْ أُنسًّى لأُشَرِّعَ (١) "، وفي رواية: "لأَسُنَّ". رواه الإمام مالك، وغيره (٢). وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسول الله ﷺ بشر، فيتكلم في الغضب والرضى، فأمسكت عن الكتاب، وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومى بأصبعه إلى فيه، وقال لي: "اكْتُبْ، فَوَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدهِ ما يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ" (٣)؛ يعني: سواء

стр. 220

في ذلك حالة الرضى وحالة الغضب. ولهذا الذي ذكرناه بعينه كان ﷺ شاهداً لأمته إذا شهدوا للأنبياء ﵈ على أممهم، ومزكياً لهم، وكفى به مزكياً. كيف واللهُ تعالى زكَاهم في الدنيا بقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. والوسط العدل، كما تقدم تفسيره في الحديث. ويزكيهم في الآخرة - أيضاً -، كما يدل عليه ما رواه الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَجِيْءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلانِ، وَكثَرُ مِنْ فَلِكَ، فَيقالُ لَهُمْ: فَلْ بَلَّغْتُمْ؟ فَيُقُوْلُوْنَ: نعمْ، فَيُدْعَىْ قَوْمُهُمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ بَلّغُوْكُمْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: لا، فَيُقالُ لِلنَّبِيِّيْنَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ أَنَكمْ بَلَّغْتُم؟ فَيَقُوْلُوْنَ: أُمَّةُ مُحَمَّد ﷺ ، فَتُدْعَىْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَشْهَدُوْنَ أَنّهمْ قَدْ بَلَّغُوْا، فَيُقالُ لَهُمْ: وَما عِلْمُكُمْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوْا؟ فَيَقُوْلُوْنَ: جَاءَنا نبِيُّنا بِكِتابٍ أَخْبَرَنا أَنَّهمْ قَدْ بَلَّغُوْا، فَصَدَّقْناهُ، فَيُقالُ: صَدَقْتُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىْ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، - قَالَ: عَدْلاً -، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية" (١).

стр. 221

٦ - ومن الفوائد المشار إليها: أن هذه الأمة لمَّا ورثوا علوم الأولين اطلعوا على أخبارهم ، وأحوالهم، وصبر أنبيائهم وصالحيهم، وما أوتي الصالحون منهم في مقابلة الصبر، والاحتمال كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فيكون ذلك تثبيتاً لأفئدتهم، وتسلية لقلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. قال أبو عبد الرحمن السلمي في "حقائقه": سمعت محمد بن عبد الله، سمعت علي بن الأزهر الحلبي، سمعت أبا بكر الكسائي يقول: سألت الجنيد رحمه الله تعالى عن مجاراة الحكايات، فقال: هي جند من جنود الله في أرضه يقوي بها أحوال المريدين، فقلت: ألذلك أصل في الكتاب؟ قال: نعم؛ قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. ٧ - ومنها: أن الله تعالى حيث أورث هذه الأمة علوم المتقدمين ، وأطلعهم على أخبار الأمم السالفين، وما كانوا عليه من الاسترسال في المعاصي، وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، والمكابرة في الكفر مع ورود الآيات البينات، والحجج القاطعات، وكيف أمهلهم الله تعالى المدد الكثيرة، والأعمار الطويلة، ثم كيف استأصلهم بالعذاب وأخذهم الأخذة الوبيلة، فيكون سبباً لانزجار هذه الأمة، واتعاظها، واعتبارها، واستبصارها، واستقامتها على أعمال الخير، وتجنبها عن أعمال السوء، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧].

стр. 222

وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢١، ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٣، ١٤]. يعني - والله أعلم -: أتعملون بأعمالهم، أم تؤمنون بالثه، وتطيعونه؟ وروى أبو الشيخ: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قرأ هذه الآية فقال: صدق ربنا، ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر إلى أعمالنا، فأَرُوا الله خير أعمالكم بالليل والنهار، والسر والعلانية (١). وفي كلامه إشارة إلى أن الله تعالى ينظر إلى سر العبد كما ينظر إلى علانيته. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَىْ صُوَرِكُمْ وَأَمْوالِكُمْ، وَلَكِنْ إِنَّما يَنْظُرُ إِلَىْ قُلُوْبِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ" (٢). وقوله ﷺ : "لا يَنْظُرُ إِلَىْ صُوَرِكُمْ وَأَمْوالِكُمْ"؛ أي: لا يعبأ بها،

стр. 223

وإلا فإنه سبحانه بصير بكل شيء. ومن لطائف الاعتبارات بأحوال الأمم الماضية: ما رواه أبو نعيم في "الحلية"، وغيره عن علقمة بن مرثد: أنه قيل للربيع بن خُثيم رحمه الله تعالى حين أصابه الفالج: لو تداويت! قال: لقد علمت أن الدواء حق، ولكن ذكرت عاداً وثموداً وأصحاب الرس، وقرونا بين ذلك كثيراً؛ كانت فيهم الأوجاع، وكانت لهم الأطباء، فما بقي المداوِي، ولا المداوَى (١). وجه الاعتبار: أن المقيم في هذه الدنيا على أي حالة من نعمى أو بؤس، أو صحة أو مرض، فإن ثواه فيها قليل، ولا بد من الموت والانتقال إلى دار أخرى، واستعمال الدواء لا يفيد دفاع الموت - وإن أفاد البرء من المرض - فلا ينبغي الاهتمام به، بل بما ينفع في الدار الآخرة، فإن عادًا وثموداً، وسائر الأمم الماضية انقضت أيامهم، وبقيت آثامهم، فينبغي أن لا يكون على ما كانوا عليه من الاهتمام بنعيم الدنيا، ودفع مكروهها، بل بما نحن إليه صائرون، وعليه عابرون. وقال أبو العتاهية في معنى كلام الربيع: [من الكامل] إِنَّ الطَّبِيْبَ بِطِبِّهِ وَدَوائِه ... لا يَسْتَطِيع دِفاعَ مَكْرُوهٍ أتىْ

стр. 224

مَا لِلطَّبِيْبِ يَمُوْتُ بِالدَّاءِ الَّذِيْ ... قَدْ كانَ يُبْرِيْ مِنْهُ فِيْما قَدْ مَضَىْ ذَهَبَ الْمُداوِيْ وَالْمُداوَىْ والَّذِيْ ... جَلَبَ الدَّواءَ وَباعَهُ وَمَنِ اشْتَرَىْ وفي "الحلية" عن الربيع بن خُثيم - أيضاً - قال: عجبت لملك الموت، وإتيانه ثلاثة: ١ - مَلِك ممتنع في حصونه، فيأتيه فينزع نفسه، ويدع مُلْكَه خلفه. ٢ - ومسكين منبوذ بالطريق يقذره الناس أن يدنوا منه، لا يقذره ملك الموت، فينزع نفسه. ٣ - وطبيب نحرير يداوي الناس، فيأتيه فينزع نفسه، ويدع طبه خلفه (١). ووجه تعجبه من إتيان ملك الموت هؤلاء الثلاثة: أن الموت رصد لهم، والملك غافل عنه لشغله بملكه، والفقير ناس له لاشتغاله بالفقر، وخوفه مما يترتب عليه من جوع، أو عري، أو غيرهما، والطبيب مشغول بتشخيص علل غيره، وعلاجه، وسعيه في نفع من سواه، فجاءه الموت فأبطل حركته، وعطَّل علاجه، ولم يمكنه دفعه عن نفسه، وجاء المسكين فأخذه قبل نزول ما كان يتوقعه من المكروه، وجاء الملك فأخلى منه

стр. 225

دساكره (١)، وشتَّت عنه عساكره، وعطل منه مجالسه ومناصبه، ونقل إلى غبرة خدامه ومراكبه، فسبحان من شغل ما شاء من القلوب عن قصد الفوز في دار الآخرة ونيل المطلوب. ٨ - ومن الفوائد المذكورة: أن الله تعالى أطلع هذه الأمة على تعجيل هلاك الأمم ، وتنكيله بهم، وتنويع إهلاكهم، وتدميرهم، وتضييقه عليهم في الشرائع كالأغلال، والآصار التي كانت على بني إسرائيل، وتكليفهم في التوبة أن يقتلوا أنفسهم، وتحريم ما حرموا على أنفسهم، وتكليف من أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة أن يقطع موضعها منه، وأن من عمل منهم ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه، إلى غير ذلك (٢). ثم خفف الله تعالى ذلك كله على هذه الأمة، وجعل دينها سهلاً، وشرعها سمحاً يسيراً، لا حرج عليهم فيه، ولا تكليف عليهم فوق طاقتهم، ثم فضَّلهم بتضاعيف الأعمال والأفعال، وأثابهم على الخطرات والهمم، ولم يكلفهم بها، ولم يؤاخذهم بسببها، ولا بالخطأ ولا بالنسيان ولا بما استكرهوا عليه - ولو كان كفراً - إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان، وزادهم فضائل وشمائل، وخصائص وخصائل، وجعل شريعة نبيهم ﷺ ناسخة لجميع الشرائع، حتى لو أن موسى ﵇ كان حياً، أو غيره من الأنبياء ﵈ لما وسعهم إلا اتباعه ﷺ ،

стр. 226

والانقياد له، والاقتداء به (١)، ولو أدركته الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لوجب عليهم نصره، والإيمان به لما أخذ الله عليهم من الميثاق بذلك. فإذا علمَتْ هذه الأمة ذلك إجمالاً، ونظرت في مفرداته تفصيلاً، عظم فضل الله عليهم، وكبرت نعمه عندهم، فانبعثوا للشكر، فاستوجبوا المزيد، ولا يزالون في الترقي لأن علومهم لا تنتهي، وإذا زادت علومهم، ومعارفهم ازدادت أعمالهم وطاعاتهم، ونما شكرهم، وتوالى ذكرهم، وكانوا حَمَّادين شَكَّارين ذَكَّارين جَأَّارين، فتمت بذلك نعمة الله عليهم، فتأمل ذلك؛ فإنه نفيس جداً والله أعلم! ٩ - ومنها - وهو مقصودنا من ذكر هذا الباب في هذا الكتاب -: أن هذه الأمة حيث تأخرت أيامهم، وانكشفت لهم علوم الأمم المتقدمة وأخبارهم، وسنن الأنبياء السالفة وأحوالهم، واستبان لهم الفرق بين أحوال المؤمنين والمقربين، وأحوال الكافرين والمبعدين، وما أعد الله تعالى للطائفة الأولى من الجزاء الحسن، والثواب الجميل، وما أعد الله تعالى للطائفة الأخرى من الجزاء السوء، والعقاب الوبيل، لا جرم انبعثت قلوبهم، وتحركت أرواحهم، وانشرحت صدورهم، واطمأنت نفوسهم للتشبه بأولئك، وانقبضت وقعدت وضاقت وأَنِفَتْ من

стр. 227

التشبه بهؤلاء، وقد وقعت الإشارة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]؛ أي: وسبيل المؤمنين؛ على حد قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد. وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] متعلق بفعل محذوف تقديره: وفعلنا ذلك لتستبين. وقيل: هو معطوف على محذوف تقديره: ليظهر الحق، ولتستبين سبيل المجرمين؛ أي: وسبيل المؤمنين، كما عرفت. أو يقال: إذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين بطريق اللزوم. وفي الاقتصار على ذكر استبانة سبيل المجرمين مع أن استبانة سبيل المؤمنين أمر مقصود - أيضا -، إشارة إلى الاهتمام باستبانة سبيل المجرمين أكثر من استبانة سبيل المؤمنين؛ لأن تجنب المحظور أعظم، وأشد من فعل المأمور به؛ إذ للنفس وَلَع بما منعت منه، فاجتنابه أشد عليها من فعل ما أمرت به، ومن ثَمَّ جاء في الحديث: "اتَّقِ الْمَحارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ" (١).

стр. 228

وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] هو في قراءة أبي جعفر، ونافع بالتاء المثناة فوق، وفتح اللام من (سبيل) - على خطاب النبي ﷺ . وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب كذلك، إلا أنهم ضموا اللام على إسناد الفعل إلى (سبيل) مع تأنيثه. وقرأ الباقون بالياء المثناة تحت، وضم اللام على تذكير السبيل، وهما وجهان جاريان في كلام العرب. ومعنى الآية - والله أعلم -: أننا نفصل الآيات في كتابنا العزيز لتستظهر، أو ليظهر لك يا محمد سبيل المؤمنين، فتتبعها أنت وأمتك، وسبيل المجرمين، فتتجنبها أنت وأمتك. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [الأنعام: ٥٦]. أي: لا أتبع أهواءكم، ولا أسلك سبيلكم؛ لأني إن فعلت ذلك، وقد تبينت لي الآيات، واستبنت بها سبيل المجرمين الذين أنتم منهم = فأنا ضال حينئذ، وما أنا من المهتدين الذين استَبَنْتُ أحوالهَم وسبلَهم

стр. 229

بما تبين لي من سبيل المجرمين وأحوالهم؛ لأنها على الضد من أحوالهم. وقال الله تعالى بعد ذلك: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] الآية. أي: إني على يقين تبين لي من ربي، وحجة واضحة، ودليل قوي ينتهي بي إلى الحق، ويسلك بي الصراط المستقيم، لا على هوى وابتداع، فكيف أتبع سبيلكم، وقد علمت أنها كلها أهواء بما تبين لي من الآيات التي استبنت بها طريق كل فريق، وعرفت بها أحوال أهل الخذلان، وأحوال أهل التوفيق؟ قال القرطبي: وفي معنى هذه الآية ما أنشده مصعب بن عبد الله ابن الزبير لنفسه - وكان شاعراً محسناً -: أأقْعُدُ بَعْدَما رَجَفَتْ عِظَامِيْ إلى آخر الأبيات الآتية. قلت: بل هذه الأبيات أنشدها مصعب متمثلاً، ولم ينشدها لنفسه فيما أخرجه اللالكائي في كتاب "السنة" عن مصعب - يعني: الزبيري رحمه الله تعالى - قال: ناظرني إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال: لا أقول كذا؛ يعني: في القرآن، فناظرته، فقال: لم أقل على الشك، ولكن أسكت كما سكت القوم قبلي، قال: فأنشدته هذا الشعر، فأعجبه، وكتبه، قال: وهو شعر قيل من "أكثر من عشرين سنة: [من الوافر]

стр. 230

أَأَقْعُدُ بَعْدَما رَجَفَتْ عِظَامِيْ ... وَكانَ الْمَوْتُ أَقْرَبَ مَا يَلِيْنيْ أُجادِلُ كُلَّ مُعْتَرِضٍ خَصِيْمٍ ... فَأَجْعَلُ دِيْنَهُ غَرَضاً لِدِيْنيْ وَأترُكُ ما عَلِمْتُ لِرَأْيِ غَيْرِيْ ... وَلَيْسَ الرَّأْيُ كَالْعِلْمِ الْيَقِيْنِ وَمَا أَناَ وَالْخُصُوْمَةُ وَهْيَ لَبْسٌ ... تُصَرِّفُ فِيْ الشّمالِ وَفِيْ الْيَمِيْنِ وَقَدْ سُنَّتْ لَنَا سُنَن قِوام ... يَلِجْنَ بِكُلِّ فَجٍّ أَوْ وَجِيْنِ وَكانَ الْحَقُّ لَيْسَ بِهِ خَفاءٌ ... أَغَرَّ كَغُرَّةِ الْفَلَقِ الْمُبِيْنِ وَما عِوَضٌ لَنا مِنْهاجُ جَهْمٍ ... بِمِنْهاجِ ابْنِ آمِنَةَ الأَمِيْنِ فَأَمَّا ما عَلِمْتُ فَقَدْ كَفانِيْ ... وَأَمَّا ما جَهِلْتُ فَجَنِّبوْنيْ فَلَسْتُ بِمُكْفِرٍ أَحَداً يُصِلِّيْ ... وَلَمْ أَجْرِمْكُمُ أَنْ تُكْفِرُوْنيْ وَكُنَّا إِخْوَة نَرْمِيْ جَمِيْعَاً ... وَنَرْمِيْ كُلَّ مُرْتابٍ ظَنِيْنِ فَما بَرِحَ التَّكَلُّفُ أَنْ تَشاءَتْ ... بِشَأنٍ واحِدٍ فِرَقُ الشُّؤُوْنِ فَأَوْشَكَ أَنْ يَخِرَّ عِمَادُ بَيتٍ ... وَينْقَطِعَ الْقَرِيْنُ مِنَ الْقَرِيْنِ (١) وهذه الأبيات أتم مما ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢)، وهي فائدة

стр. 231

زائدة أحببت أن لا يخلو كتابي منها لأنها لا تكاد تعدو مطالبه ومقاصده. ومما يلائم ما نحن بصدده في هذا المقام قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]. فقد أراد الله تعالى لإنزال القرآن أن يبين لنا سبيل المتقدمين، ويهدينا سنن الماضين، وما ذاك إلا لنأخذ في مسالك المؤمنين، ونتنزه عن مهالك المشركين، فنتشبه بالمحسنين، ولا نتشبه بالمسيئين، فإنا إذا تشبهنا بالمحسنين من الأمم السالفين فقد استفدنا بتشبهنا بهم فوائد؛ منها حصول ثواب حسن الاقتداء بهم والاتباع، وظفرنا بمحبة الصالحين منهم، وتحرك أرواحنا لما تحركت له أرواحهم. وإذا عملنا - مَعْشَرَ الأمة المحمدية - بأعمال الأولين، فقد تضاعفت أجور الأولين بسبب عملنا بأعمالهم؛ لأن "مَنْ سَن سُنَةً حَسَنَةً كانَ لَهُ أَجْرُها وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها إِلَىْ يَوْمِ الْقِيامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُوْرِهِمْ شَيْئا" (١)، كما في الحديث الصحيح، فهذه الأمة مفضَّلون على الأمم السالفة؛ لكونهم سبباً في إيصال مثل أجورهم إليهم إذا اقتدوا بأعمالهم، فهم ممدون للأمم السالفة، وإن مضوا من هذه الحيثية. وعلى هذا يتخرج ما يحكى عن بعض العارفين: أنه زار قبر معروف الكرخي رحمه الله تعالى فقال: رقيتَ - أخي معروفاً - بزيارتي هذه

стр. 232

كذا وكذا درجة. وكأنه استحضر من أعماله وخصاله شيئاً، فتشبه به فيه، أو نوى ذلك، فكتب له أجر عمله أو نيته، وكتب لمعروف مثل أجره. ومن جملة أعمال الأولياء رضي الله تعالى عنهم زيارة الصالحين - أحياءً وأمواتاً - فمن زار ولياً زيارة خالصة مقبولة فقد كتب لسائر الأولياء المتقدمين مثل أجره، ومنهم ذلك المزور، فيحصل له الترقية بسبب هذه الزيارة، وهذا غَور من المعرفة لا يهتدي إليه إلا قلوب المحققين. وإن كانت الترقية حاصلة بين أولياء هذه الأمة من تشبه بعضهم ببعض، فحصولها لصالحي الأمم الماضية بسبب تشبه هذه الأمة لهم أولى، وأقرب، ومن هنا يلوح لك سر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وذلك أن الله تعالى إنما أراد إيصال الخير إليهم، وتكميل أحوالهم بسبب سلوك النبي ﷺ سبيلهم، واقتدائه بهداهم، وفي ذلك إظهار مزية النبي ﷺ ، وفضله على سائر من أمر بالاقتداء بهم، وامتيازه عليهم؛ لأنه به حصلت لهم الترقية، وبسببه وصلت إليهم التزكية. وأيضاً يحصل من النبي ﷺ ، ومن أمته لصالحي الأمم السالفة ترقية في المقام بسبب الدعاء الحاصل منهم في صلاتهم وغيرها للصالحين من المتقدمين، والسلام الوارد منهم إليهم في قولهم: "السَّلامُ عَلَيْنا

стр. 233

وَعَلَىْ عِبادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ" (١)، وذلك - أيضا - من جملة أفضال هذه الأمة على مَنْ تقدمهم، ومن هداياهم الواصلة إليهم على ممر الأيام والليالي. ولا شك أن هذا - أيضا - من جملة الحِكَم والفوائد التي استودعها الله تعالى في تأخير هذه الأمة عن سائر الأمم. وفي حديث التشهد الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من رواية ابن أبي شيبة، وغيره: أنه ﷺ قال: "فَإِنَّكمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ - يَعْنِيْ: قَوْلَهُمْ فِيْ التَّشَهُّدِ: السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَىْ عِبادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ - فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَىْ كُلِّ عَبْدٍ صالحٍ فِيْ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ" (٢)؛ يعني: من الملائكة والإنس والجن الموجودين والماضين. ولا شك أن هذا أمر خاص بهذه الأمة مما فضِّلوا به على سائر الأمم، وللمصلي منهم بعدد كل صالح من الملائكة، وكل صالح وصالحة ممن تقدمه من الإنس والجن، وممن هو موجود حين صلاته منهم حسنات؛ لأن السلام على كل واحد منهم حسنة مستقلة. وفي رواية مسلم: "فَإذَا قَالَها أَصابَتْ كُلَّ عَبْدِ صالحٍ فِيْ السَّماءِ وَالأَرْضِ" (٣).

стр. 234

وأما إذا امتنعنا عن التشبه بالكفار والفسقة من الأمم المتقدمة فإنا نستفيد من ذلك فوائد أيضاً: منها: ثواب امتناعنا عن تلك الأفعال والأحوال القبيحة، واستبشاعنا لها، وتنكبنا عنها، وتجنبنا منها، وظفرنا بفضيلة بغض هؤلاء المبغضين الممقوتين في الله تعالى؛ إذ لا يتحقق بغضنا لهم إلا بتجنب أحوالهم، واتقاء أعمالهم، كما لا يتحقق حب الصالحين إلا بالتخلق بأخلاقهم. ولا شك أن البغض في الله لمن يستحق من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله تعالى. قال أبو ذر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمال إِلَىْ اللهِ الْحُبُّ فِيْ اللهِ وَالْبُغْضُ فِيْ الله". وفي لفظ آخر: "أَفْضَلُ الأَعْمالِ الْحُبُّ فِيْ اللهِ وَالْبُغْضُ فِيْ اللهِ". رواه باللفظ الأول الإمام أحمد (١)، وباللفظ الثاني أبو داود رحمة الله تعالى عليهما (٢). وروى الإمام أحمد، وغيره عن عمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يَجِدُ الْعَبْدُ صَرِيْحَ الإِيْمانِ حَتَّىْ يُحِبَّ لِلَّهِ، وَيُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإِذا أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ

стр. 235

اسْتَحَقَّ الْوِلايَةَ للهِ" (١). وروى في كتاب "الزهد" عن أبي غالب رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم ﵉: يا معشر الحواريين! تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالمقت لهم، والتمسوا رضاه بسخطهم، قالوا: يا نبي الله! فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقُهُ، ومن يذكركم بالله رؤيته، ويزهدكم في الدنيا عمله (٢). وهذا - أيضاً - من جملة فوائد تأخير هذه الأمة عن الأمم؛ لأن الأمم لما سبرت واستوفيت قبل هذه الأمة، كان ذلك سبباً لكثرة الصالحين وغير الصالحين من المتقدمين، وكلما كثرت أحباب المؤمن من الصالحين ومباغيضه من غيرهم، كان حبه في الله وبغضه في الله أكثر وأعظم، فيزداد أجره، ويعظم ثوابه. وأيضاً في اجتناب هذه الأمة لأحوال من تقدمهم ممن لا ترضى أفعالهم، ولا أحوالهم حجة بالغة لله تعالى على أولئك المتقدمين، فلله تعالى حق أكيد على هذه الأمة، بل على كل متأخر أن يجتنب ما ليس

стр. 236

مرضياً لله تعالى من أحوال كل متقدم عليه؛ ليكون ذلك إظهاراً لحجة الله تعالى على ذلك المتقدم، ونصرة لله سبحانه؛ عَمَلاً بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وتصديقاً له سبحانه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. ولقد استنصر الله تعالى على كل متول من هذه الأمة عن أمره، ومعرض عنه منهم بمن يأتي بعده ممن يقوم بأحكامه، ويراعي حق أمره، ونهيه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وفي هذه الآية إشارة إلى أمرين: الأول: أنه قد يكون في المتأخرين من هذه الأمة من تقوم الحجة به على بعض المتقدمين لكونه أطوعَ لله منه. والثاني: أن هذه الأمة لا ينقطع الخير منها إلى يوم القيامة. وفي حديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِيْ ظاهِرِيْنَ عَلَىْ الْحَقِّ حَتَىْ تَقُوْمَ السَّاعَة". رواه الحاكم (١)، وأصله في "الصحيحين" من حديث المغيرة (٢) وغيره.

стр. 237

وروى الإمامان مالك، وأحمد، والترمذي وحسنه، عن أنس، والإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن عمار، والطبراني عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبو يعلى عن علي، والرامهرمزي في "الأمثال" عن عثمان رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ أُمَّتِيْ مَثَلُ الْمَطَرِ؛ لا يدْرَىْ أَوَّلُهُ خَيْرٌ، أَوْ آخِرُهُ" (١). ومن قام بهذا المنصب - وهو منصب التقوى، واجتناب ما لا يرضى، وهو المعبر عنه في الحديث بالظهور على الحق - فقد حُقَّ له إنجاز ما وعده الله تعالى به من رحمته التي وسعت كل شيء في قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧] الآية. فانظر كيف استنصر الله تعالى لهذه الأمة على أمة موسى ﵇ وباهاهم بهم، وبيَّن أنهم هم المفلحون بقوله آخرَ الآية: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ

стр. 238

هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمن تابع بني إسرائيل، أو غيرهم من الأمم فيما كانوا عليه من المعاصي، ولم يتق الله تعالى، فقد قصر في إظهار الحجة الإلهية عليهم، ولا يؤثر قعوده عن إظهارها في إظهارها شيئاً، غير أنه خذل نفسه بقعوده عن ذلك حتى فاته هذا المقام، وإلا فإن الله تعالى غني عن العالمين؛ ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].

стр. 239

خَاتِمَة لَطِيفَةٌ لِهَذَا البَاب معنى قوله تعالى في وصف هذه الأمة في التوراة - كما تقدم - هم السابقون الآخرون في الزمان، السابقون في الأعمال الصالحة والأحوال الشريفة، وإنما قيد النبي ﷺ السبق في الحديث المتقدم أول الباب بيوم القيامة؛ لأنه ثَمَّ يظهر السَّبق والتقدم، ولقد قلت: [من المتقارب] إِذَا اشْتَبَهَتْ فِيْ ظلامِ الدُّجَىْ ... أُمُوْرٌ وَلَمْ يَظْهَرِ الْحَقُّ مِنْها فَعِنْدَ طُلُوْعِ النَّهارِ تَجَلَّتْ ... عِياناً وَقَدْ كُشِفَ الرَّيْبُ عَنْها ويجوز أن يكون معنى سبقهم: أنهم أول من يقضى بينهم من الأمم، ويؤيده ما رواه ابن ماجه رحمه الله تعالى عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُوْنَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، الأَوَّلُوْنَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلائِق" (١).

стр. 240

ثم هم أول الخلائق في القضاء، لا في الحشرة بدليل ما صححه الحاكم عن عبد الله بن سَلاَم ﵁ قال: إِذَا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ، يَبْعَثُ اللهُ الْخَلِيْقَةَ أُمَّةً أُمَّة، وَنبِيَّا نبِيًّا، حَتَّىْ تَكُوْنَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ آخِرَ الأُمَمِ مَرْكَزاً، ثُمَّ يُوْضَعُ جِسْرٌ عَلَىْ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُنادِيْ مُنادٍ: أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ؟ فَيَقُوْمُ، فتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ - بَرُّهَا، وَفاجرُها -، فَيَأْخُذُوْنَ الْجِسْرَ، فَيَطْمِسُ اللهُ تَعَالَىْ عَلَىْ أَبْصارِ أَعْدائِهِ، فَيتَهافَتوْنَ فِيْها مِنْ شِمالٍ وَيَمِيْنٍ، وَينْجُوْ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّالِحُوْنَ مَعَهُ، مَعَهُمُ الْمَلائِكَةُ تُبَوِّئُهُمْ مَنازِلَهُمْ فِيْ الْجَنَّةِ: عَلَىْ يَمِيْنكَ، عَلَىْ يَسارِكَ، حَتَّىْ يَنتهِيَ إِلَىْ رَبِّهِ. الحديث (١). فدل ذلك على أن النبي ﷺ هو وأمته آخر الأمم في البعث والحشر؛ لئلا يطول موقفهم ومشاهدتهم للأهوال، ثم هم أول الأمم في القضاء، فيقضى لهم أول الناس، لتثبت عدالتهم على رؤوس الأشهاد، فتقبل شهادتهم على سائر العباد - وهذه نكتة لطيفة جداً - وليقضى عليهم يوم القيامة، ويخف هوله عليهم بقضاء ما بينهم، وليعجل لهم ثوابهم من الله تعالى؛ لأنهم أشد الأمم شوقاً إليه، وأتمهم محبة له، وأقواهم إرادة لوجهه تعالى. ومن هنا ينبغي أن نشرع في مقصود الكتاب، والله الملهم للصواب.

стр. 241

القِسْمُ الأَوَّلُ في التَّشَبُّهِ بمَن وَرَدَ الأَمْرُ بِالتَّشَبُّهِ بِهِم وَالاقْتِدَاءِ بِهُدَاهُم وَهَدْيِهِم

стр. 242

القِسْمُ الأَوَّلُ في التَّشَبُّهِ بمَن وَرَدَ الأَمْرُ بِالتَّشَبُّهِ بِهِم وَالاقْتِدَاءِ بِهُدَاهُم وَهَدْيِهِم اعلم أن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ناطقان بالأمر بالتشبه بالأنبياء والملائكة والمقربين والصالحين، وبمدح المتشبهين بهم، والمتبعين لآثارهم وسننهم، وبأن المتشبهين بهم محشورون معهم وفي زمرتهم. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ [لقمان: ١٥]. قال قتادة: أي: من أقبل عَلَيَّ. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. قال تعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]. وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ أي: طوعاً، فإن كل شيء يسجد لله طوعاً أو كرهاً، وإنما أمره بالطاعة والاجتناب، لينال جزيل الثواب. وروى سعيد بن منصور في "سننه"، وابن المنذر في "تفسيره"،

стр. 243

والحاكم في "تاريخه"، وابن مَردويه في "تفسيره"، وأبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" عن أبي مسلم الخَولاني - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمالَ وَأَكُوْنَ مِنَ التَّاجِرِيْنَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِيْنَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىْ يَأْتِيَكَ الْيَقِيْنُ" (١). وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مثله، وعن أبي الدرداء نحوه؛ كلاهما مرفوعاً. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. أمرهم بالتشبه بالحواريين. وقال تعالى مُثنياً على عباده الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. قال البخاري رحمه الله تعالى: أي: أئمة نقتدي بمن قبلنا،

стр. 244

ويقتدي بنا من بعدنا (١). وقال الله ذامًّا من يتبع غير سبيل المؤمنين، متوعداً لهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وقد استدل الإمام الشافعي بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا أجمع المسلمون على اعتقادٍ أو قول أو فعل من أفعال الطاعة وأقوالها، فقد وجب على كل مسلم أن يتشبه بهم في ذلك الاعتقاد أو الفعل أو القول، وإن خالفهم كان خارقاً للإجماع، فإن كان ذلك مما عُلم من الدين ضرورة كان خرق الإجماع كفراً (٢). وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وفي أولي العزم أقوال أشهرها (٣): ١ - إنهم إبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى ﵈. ٢ - ومنها: إنهم إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط ﵈.

стр. 245

لأن الله تعالى ذكرهم في سورة الأنعام، وأثنى عليهم، ثم قال تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ [الأنعام: ٨٨] أي: ما دان به هؤلاء الأنبياء ﵈: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٨ - ٩٠]. فأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالاقتداء بهداهم. وأما قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، فهو نهي عن التشبه به في أمر خاص، وهو لا ينافي التشبه به في سائر أنواع الهدى. قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]: لا تعجل كما عجل، ولا تغاضب كما غاضب. رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره (١). ثم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩]. قال ابن عباس: هم أهل مكة (٢). وقيل: هم قريش.

стр. 246

وقيل: كفار عصره ﷺ (١). وقوله: ﴿بِهَا﴾، بالثلاثة المذكورة؛ وهي: الكتاب والحكم والنبوة. أو المراد بها: الشرائع التي دان بها هؤلاء الأنبياء ﵈؛ أي: ما اجتمعوا عليه من الملة، وهي أصول التوحيد. وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: ٨٩] أي: بحفظها، ودعايتها، والعمل بها، والإيمان بها. والمراد بالتوكيل التوفيق لهذه الأمور قوماً ليسوا بها بكافرين. قال ابن عباس: هم الأنصار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢). وروى نحوه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيِّب. وقيل: هم والمهاجرون. وقال قتادة: هم النبيون الثمانية عشر الذين قص الله تعالى على نبيه ﷺ . رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وغيرهما (٣). وقيل: غيرهم من الأنبياء ليقتدوا بهم، ويدل عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ

стр. 247

الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال أبو رجاء: هم الملائكة. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وغيرهما (١). وعلى هذين القولين فالأنبياء، والملائكة ﵈ مأمورون بالتشبه بالصالحين، موكلون بالاستنان بسنتهم. وقال بعضهم: هو عام في كل مؤمن من الإنس والجن والملائكة (٢). فكلهم على هذا موكلون بإقامة سنة هؤلاء الأنبياء ﵈ من أصول التوحيد، ومكارم الأخلاق. وهذا هو المختار عندي. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وصفهم بالهدى بعد أن وصف دينهم بأنه هدى الله، تأكيداً ومبالغة في تصديقهم، وتحريضاً على الاقتداء بهم؛ حيث ذيَّل وصفهم بالهدى، وبأن الله هداهم؛ أي: تولى هدايتهم بنفسه بالأمر بالاقتداء بهم، حيث يقول: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. والاقتداء: موافقة المقتدى به في أفعاله، وأقواله، وهو معنى التشبه به.

стр. 248

وقد استدل بعض العلماء بهذه على وجوب اتباع شرائع الأنبياء ﵈ فيما عدم فيه النص، كما في "صحيح مسلم"، وغيره أن ابنة الرَّبِيع أم حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: "الْقِصاصُ الْقِصاصُ"، فقالت أم الربِيع: أَيقتصُّ من فلانة! والله لا يقتصُّ منها، فقال النبي ﷺ : "سُبْحَانَ اللهِ يَا أُمَّ الرَّبِيع الْقِصَاصُ كِتابُ اللهِ"، قالت: والله لا يقتصُّ منها أبداً، فما زالوا حتى قَبِلَ الدِّية، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّه" (١). فأحال ﷺ على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. وليس في كتاب الله تعالى نص على القصاص في السِّن إلا في هذه الآية، وهي خبر عن شرع التوراة، ومع ذلك فحكم بها، وأحال عليها؛ ذكره القرطبي، ثم قال: وإلى هذا ذهب معظم أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي. قال: وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي، والمعتزلة؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 249

وقال: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل التقييد إلا فيما نص عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم (١). قال في "صحيح البخاري": عن العوام قال: سألت مجاهد عن سجدة (ص)، فقال: سألت ابن عباس ﵄ قال بعد أن قرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]: فكان داود ﵇ ممن أمر بالاقتداء به (٢). انتهى. وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى: والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها؛ فإنها ليست هدى مضافاً إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعًا فيها، فليس فيه دليل على أنه ﵇ متعئد بشرع من قبله (٣). وقال شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى موضحاً لكلام القاضي، وزائداً عليه: [من الرجز] فَبُهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ يُرِيْدُ مَا ... تَوَافَقُوْا عَلَيْهِ مِمَّا جَزَمَا بِهِ مِنَ التَّوْحِيْدِ وَالأصُوْلِ ... لِلدِّيْنِ لا التَّحْرِيْمِ وَالتَّحْلِيْلِ فِيْ أكثَرِ الأَشْيَا أَوِ الْفُرُوْعِ ... فَلا تَوَافُقٌ مِنَ الْجَمِيْعِ

стр. 250

فَلَيْسَ ذلكُم (١) هُدَىً يُضافُ ... لِلْكُلِّ إِذْ حَصَلَ الاخْتِلافُ وَلَمْ تَصِرْ مِنْ بَعْدِ نسخِها هُدَىْ ... وَلَيْسَ نسخٌ فِيْ الأُصُوْلِ أَبَدَا وَلَيْسَ فِيْ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَا ... بِشَرْعِ مَنْ سبَقَهُ تُعُبِّدَا نَعَمْ يَدُلُّ أَنَّهُ تَفَضَّلا ... عَلَىْ الْجَمِيْعِ فَإِلَهُنا عَلا فَرَّقَ أَوْصافَ الْكَمالِ وَالشَّرَفْ ... فِيْهِمْ وَكُلُّها بِهِ قَدِ ائْتَلَفْ دَاوُدُ كَابْنِهِ سُلَيْمانَ شَكُوْرْ ... أيُّوْبُ فِيْ الْمِحْنَةِ وَالْبَلا صَبُوْرْ يُوْسُفُ جامعٌ لِذَيْنِ مُوْسَىْ ... مَعْ مُعْجِزَاتٍ جَمَعَ النَّامُوْسا وَشِرْعَةً وَزَكَرِيَّا وَالذِينْ ... مِنْ بَعْدِهِ ذَوُوْ زَهَادةٍ وَديْنْ وَكانَ إِسْماعِيْلُ صادِقَ الْمَقالْ ... يُوْسُفُ ذَا ضَرَاعَةٍ عِنْدَ السُّؤَالْ وَأُمِرَ الْهادِيْ بِأَنْ يَقْتَدِيا ... بِهِمْ وَقَطْعًا إِنَّهُ لَنْ ينيَا فِيْما بِهِ أَمَرَهُ اللهُ عَلا ... فَجَمَعَ الأَوْصافَ فِيْهِمْ كُمَّلا وَكانَ جامِعاً لِما تَفَرَّقا ... مِنْ مُوْجِبِ الْكَمالِ فِيْهِمْ مُطْلَقا وَحَيْثُ كانَ الأَمْرُ هَكَذَا فَلا ... شَكَّ بِأَنَّهُ عَلَيْهِمْ فُضِّلا وقد تبين بذلك أن الأنبياء ﵈ متوافقون في أصل التوحيد والاعتقادات، وكذلك في محاسن الأخلاق، ولطائف الآداب، ولذلك قال ﷺ : "الأَنْبِياءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ؛ أُمَّهاتُهُمْ شَتَّىْ، وَدِيْنُهُمْ واحِدٌ"،
следующие страницы →