← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لم أك شيئًا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسَياً مَنسيًّا (١). ومرت عائشة ﵂ بشجرة، فقالت: يا ليتني ورقة من هذه الشجرة (٢). وقال عمران بن حصين ﵄: لوددت أني كنت رمادًا (٣). وقال أبو الدرداء ﵁: لوددت أني كبش أهلي، فمر بي ضيف فأَمَرُّوا على أوداجي فأكلوا، وأطعموا (٤). وقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: لوددت أني كبش فذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويحتسون مرقي (٥). روى هذه الآثار ابن المبارك، وابن أبي الدنيا، وغيرهما. قال ابن المبارك ﵀: بلغنا عن الحسن ﵀ أنه قال:

стр. 1857

تمنَّوا وتمنَّوا، فلما فاتهم ذلك جَدُّوا (١)؛ أي: فلما علموا أن ذلك الذي تمنوه فاتهم وأن التمني لم ينفعهم، بل لا ينفعهم بعد؛ إذ ما خلقوا إلا للاجتهاد في الطاعة، اجتهدوا فيها. كما روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وغيره أنَّ أبا بكر ﵁ كان يصوم الصيف، ويفطر الشتاء (٢). وروى عبد الله ابنه في "زوائده" عن سهل بن سعد ﵁ قال: كان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته (٣). وعن أنس ﵁ أنه سمع عمر ﵁ وهو في حائط وبينه وبينه جدار، وهو يقول: عمر أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ! والله بني الخطاب لتتقين الله، أو ليعذبنك (٤). وعن يحيى بن جعدة ﵀ قال: قال عمر ﵁: لولا ثلاث لأحببت أن كون قد لقيت الله : لولا أني أضع جبهتي لله ، أو أجلس في مجالس ينتقى فيها طيب الكلام كما ينتقى فيها طيب الثمر، أو أن أسير

стр. 1858

في سبيل الله (١). وأخرجه والده، وغيره بنحوه. وروى أبوه -أيضًا- عن الحسن رحمه الله تعالى قال: تزوج عثمان ابن أبي العاص امرأة من نساء عمر بن الخطاب ﵁، فقال: والله ما نكحتها رغبة في مال ولا ولد، ولكن أحببت أن تخبرني عن ليل عمر، فسألها قال: كيف كان صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي صلاة العشاء، ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه تَورًا من ماء، فيتعارّ من الليل، فيضع يده في الماء، فيمسح يده ووجهه، ثم يذكر الله حتى يغفي، ثم يتعارُّ حتى يأتيَ الساعةَ التي يقوم فيها (٢). وروى ابن أبي شيبة عن الحسن: أنه كان ربما ذكر عمر ﵁ فيقول: والله ما كان بأولهم إسلاما, ولا بأفضلهم نفقة في سبيل الله، ولكنه غلب الناس بالزهد في الدنيا، والصرامة في أمر الله، ولا يخاف في الله لومة لائم (٣). وروى الإِمام أحمد عن زهيمة رحمها [الله]؛ قالت: كان عثمان ﵁ يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هَجْعة من أوله (٤).

стр. 1859

وعن أبي عثمان النَّهدي: أنَّ غلام المغيرة بن شعبة تزوج، فأرسل إلى عثمان -وهو أمير المؤمنين ﵁، فلما جاء قال: أما إني صائم، غير أني أحببت أن أجيب الدعوة، وأدعو بالبركة (١). وأحوال الخلفاء الراشدين وأهل طبقتهم من الصديقين، وسيرهم إنما هي مشتملة على الجد، والتشمير في طاعة الله تعالى. ولقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]. ثم إنهم على ما هم عليه من السبق والتبريز في كل مقام من العبادة، وحال من التقوى متهمون لأنفسهم، غير مستكملين لها، بل ماقتون لها في ذات الله تعالى، غير راضين منها، مستمدون في ذلك من قول يوسف الصديق ﵊: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. وروى ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" عن مولى لأبي بكر ﵁ قال: قال أبو بكر الصديق ﷺ : من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته (٢).

стр. 1860

وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁ قال: لا تفقه كل الفقه حتى تمقُت الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتًا (١). * فائِدَةٌ: روى حسن المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حدثني يا كعب، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة لا يسكنها إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو حكم عدل، فقال عمر: أما النبوة فقد مضت لأهلها، وأما الصديقون فقد صدقت الله ورسوله، وأما حكم عدل فإني أرجو ألا أحكم بشيء إلا لم آل فيه عدلاً، وأما الشهادة فأنى لعمر بالشهادة (٢). قلت: في هذا الكلام إشارة إلى أن تصديق الله ورسوله من أعظم أركان الصديقية، بل معظمها، ألا ترى أن عمر ﵁ رجا هذه الرتبة بما علمه من نفسه من تصديق الله ورسوله، ثُمَّ إن عمر ﵁ كان سأل الله تعالى الموت في المدينة، والشهادة في سبيل الله كما في "صحيح البخاري" (٣)، ومَين الله عليه بالشهادة، بل جمع له بين الصديقية والشهادة والحكم بالعدل.

стр. 1861

وفي كلام عمر ﵁ دليل على أنه لا بأس بالتحدث بنعم الله تعالى، ألا ترى أنه حدث بتصديقه، ورجائه أن يكون من الصديقين؟ ***

стр. 1862

فَصْلٌ قد بينَّا لك أركان الصديقية التي تندرج تحتها جميع أخلاق الصديقين وأعمالهم، وبينا لك الأوصاف المشروطة فيهم حتى يتحققوا بهذا المقام. وقد رويت أخبار وآثار تدل على بعض أحوالهم، فينبغي أن نشير إلى نبذة منها ترغيبا للمشبه بهم في تحصيلها. فمنها: ما تقدم فيما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنكَ رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، وقمته، فممن أنا؟ قال: "مِنَ الصِّدِّيْقيْنَ وَالشُّهَدَاءِ" (١). قلت: ومن تمام الشهادة بالتوحيد اجتناب المعاصي، والقيام بالواجبات مع الإخلاص في ذلك كله. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا

стр. 1863

الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وقد روى الإِمام أحمد هذا الحديث بنحوه، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيْقِيْنَ، وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ هَكَذَا -وَنَصَبَ إِصْبَعَيْهِ- مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ" (١). وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لِصِدِّيْقٍ أَنْ يَكُوْنَ لَعَّانًا" (٢). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ يلعن بعض رقيقه، فالتفت إليه، فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ! أَصِدِّيْقِيْنَ وَلَعَّانِيْنَ؟ كَلاَّ وَرَبّ الكَعْبَةِ، ألعَّانِيْنَ وَصِدِّيْقِيْنَ؟ كَلاَّ وَرَبِّ الكَعْبَةِ - مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا -". فأعتق أبو بكر ﵁ بعض رقيقه، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: لا أعود (٣). وروى أبو نعيم عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: معاشر الأنبياء! تعالوا أعلمْكم خشية الله: أيما عبد منكم أحب أن يحيا ويرى الأعمال الصالحة فليحفظ عينيه أن ينظر إلى السوء،

стр. 1864

ولسانه أن ينطق بالإفك، عين الله إلى الصديقين وهو يسمع لهم (١). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد عن مالك بن دينار قال: قال داود ﵇: إلهي! من يسكن قبتك ويحل قدسك؟ قال: يا داود! الذي يتكلم بالحق بغير غش في قلبه، ولا زيغ في لسانه، ويعمل الصالحات، ويحب الذين يخشون الله، ويرذل في عينيه المسيء، ولا يعطي رزقه بالرياء، ولا يأخذ في دينه الرِّشا، وإذا حلف لصاحبه لم يكذبه، فإذا فعل ذلك فهو صديق صديق، ولا يضرع إلى الله بغرور. وروى أبو الحسن بن جهضم عن سهل بن عبد الله التُّستَري ﵀ قال: من أحبَّ أن يرى خوف الله في قلبه، ويكاشف بآيات الصديقين، فلا يأكل إلا حلالًا، ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة (٢). وروى الدينوري في "المجالسة" عن ابن المبارك ﵀ قال: قال لي وُهَيب بن الورد رحمه الله تعالى: إذا وقع العبد في ألهانِيَّة الرب، ومهيمنية الصديقين، ورهبانية الأبرار لم يجد أحدًا يأخذ بقلبه، ولا يلحقه عتبه (٣). قال ابن قتيبة: ألهانية الرب مأخوذ من الإله؛ كأن القلب تأله عند التفكير في عظمته تعالى، يقول: إذا وقع العبد في عظمة الله تعالى

стр. 1865

وجلاله، وغير ذلك من صفات الربوبية، وبلغ هذه الرتبة، لم يعجبه أحد، ولم يحب إلا الله. قال: ومهيمنية الصديقين؛ يعني: أمانتهم؛ قال تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]؛ يعني أمينا، ويقال: شاهدًا عليه، وهما متقاربان (١). وروى الدينوري -أيضًا- عن الأصمعي رحمه الله تعالى، عن بعض الحكماء قال: إن مما يعجل عقوبته، ولا تؤخر؛ الأمانة تُخان، والإحسان يُكفر، والرحم تقطع، والبغي على الناس، وأيما رجل أدَّى أمانة طيباً بها نفسه فهو أحد الصديقين، ومن الأمانة: أن المرأة ائتمنت على فرجها (٢)؛ يعني: إنها إذا وكلت إلى نفسها فعفت، وصانت نفسها عن الفاحشة فهي صديقة، وكأنه مأخوذ من حال مريم ﵍؛ فإن الله تعالى أثنى عليها بالإحسان، ثم سماها صديقة. ولقد توافقت عائشة ﵂ في هذه الفضيلة، وبرَّأَها الله تعالى في كتابه كما برَّأَ مريم ﵍. ومن هنا كان مسروق رحمه الله تعالى إذا حدث عن عائشة ﵂ قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرَّأَة في كتاب الله. كما رواه أبو نعيم (٣)، وغيره.

стр. 1866

وفي "الصحيحين"، وغيرهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" (١). وإنَّما مَثَّلها بالثريد إشارة إلى أنها أغنت في نفع الأمة بالعلم ما لم يغنه غيرها من النساء، كما أن الثريد يغني ما لا يُغني غيره. قال عطاء رحمه الله تعالى: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة. رواه الحاكم (٢). وقد علمتَ أن الصديقين هم العلماء الراسخون، وعائشة كانت من الراسخين في العلم. قال عروة ﵀: ما رأيت أحدًا أعلم بالحلال والحرام، والعلم، والشعر، والطب من عائشة (٣). وسئل مسروق ﵀: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض (٤). رواهما الحاكم، وغيره. وروى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إِنَّ أَخْيَارَ

стр. 1867

الصِّدِيْقِيْنَ مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ، وَحَبَّبَ عِبَادهُ إِلَيْهِ، وَمِنْ شَرِّ الفُجَّارِ مَنْ كَثُرَتْ أَيْمَانه وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وإنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَدْخِلِ الجَنَّةَ" (١). وعن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: من أخلاق الصديقين أن لا يحلفوا بالله، لا صادقين ولا كاذبين، ولا يغتابون، ولا يُغتاب عندهم، ولا يشبعون بطونهم، وإذا وعدوا لم يخلفوا, ولا يتكلمون إلا والاستثناء في كلامهم، ولا يمزحون أصلًا (٢). قلت: لم أرَ الخصلة الأولى -وهي ترك الحلف - إلا للإمام الشافعي ﵁؛ فإنه قال: ما حلفت بالله صادق ولا كاذباً (٣)، وهذا يدل على أنه كان من رؤوس الصديقين، وهذا مما لا شك فيه. أقول: قول سهل: أن لا يحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين، يريد أن هذا أغلب أحوالهم؛ فإن اليمين كان قد ورد في كلام النبي ﷺ كثيرًا، وكان يحلف: "وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَده"، وسبق قريبًا قوله: "كلاَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، وحلف أبو بكر ﵁ أن لا ينفق على مسطح، ثم كفَّرَ عن يمينه، وأعاد عليه نفقته (٤).

стр. 1868

وكذلك قوله: ولا يمزحون أصلًا؛ أي: في أغلب أحوالهم، أو مزحا موافقا لهوى النفس، فأما الممازحة لمطايبة القلوب، وإدخال السرور على قلوب الإخوان فيفعلون. قال رسول الله ﷺ . "إِنيِّ لأَمْزَحُ، وَلا أقوْلُ إِلا حَقًّا"، رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر، والخطيب عن أنس ﵃ (١). وفي الخبر: أول ما كتب الله تعالى لموسى ﵇: إني أنا الله لا إله إلا أنا، من رضي بحكمي، واستسلم لقضائي، وصبر على بلائي كُتب صديقا، وحشرته مع الصديقين يوم القيامة. ذكره أبو طالب المكي في "القوت" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيَّمَا نَاشِئٍ نشأَ فِيْ العِلْمِ وَالعِبَادةِ حَتَّى يَكْبُرَ أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ ثَوَابَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِيْنَ صِدِّيْقًا" (٣). قلت: لو اقتصر النبي ﷺ على عدد السبعين لقلنا: إن ذلك جارٍ على سنن التضعيف إلى سبعين ضعفا، أو قلنا: إنه جار على عادة العرب

стр. 1869

من ذكر السبعة، والسبعين، والسبع مئة للمبالغة والتكثير، ولكنه ﷺ لما زاد اثنين على عقد السبعين علمنا أن لهذا التقييد بهذا العدد سراً. وقد ظهر لي في ذلك وجهان: الأول: أنَّ للناشئ في العلم والعبادة أجر صديق في مقابلة العلم، وأجر صديق في مقابلة العبادة، والسبعون مضاعفة في أجره زائدة على أجر كل عالم وعابد لأنه صابر، ورابَطَ في سائر عمره، وجَاهَدَ نفسه وهواه في كلٍّ. وقد نطقت نصوص الشريعة بتفضيل طاعة الشاب، فما ظنك ممن دام على ذلك منذ نشأ إلى أن مات؟ وقد روى الحافظ أبو حفص بن شاهين في "الأفراد"، والديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فَضْلُ الشَّابِّ العَابِدِ الَّذِي تَعَبَّدَ فِيْ شَبَابِهِ عَلَى الشَّيْخِ الَّذِي تَعَبَّدَ بَعْدَ مَا كَبُرَتْ سِنُّهُ كَفَضْلِ الْمُرْسَلِيْنَ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ" (١). الوجه الثاني: أن الناشئ في العلم والعبادة لا يتم له أمر حتى يخالف سائر الفرق المخالفة لما عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام ﵃ في اعتقاداتهم، وأعمالهم المبنية عليها، وهي اثنان وسبعون فرقة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة؛ واحدة منها في الجنة، والباقون في النار، وسيأتي لفظ الحديث في محله إن شاء الله تعالى.

стр. 1870

فالفرقة الناجية مخالفة للاثنين وسبعين فرقة الهالكة، ولها في مقابلة مخالفة كل فرقة منها أجر، وهم متفاوتون في أجورهم؛ فالناشئ في العلم والعبادة ناشئ على مخالفة هذه الفرق، فله في مقابلة مخالفته لكل فرقة أجر صديق. وإنما ضوعف أجره لثباته ورسوخه على الحق منذ نشأته إلى آخر أمره بخلاف غيره ممن لم ينشأ على ذلك، فتأمله! وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جَاءَهُ أَجَلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ العِلْمَ لَقِيَ الله وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّيْنَ إِلاَّ درَجَةُ النُّبُوَّةِ" (١). وأخرجه الخطيب، ولفظه: "مَنْ جَاءَهُ أَجَلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ لَمْ يَفْضُلْهُ النَّبِيُّونَ إِلاَّ بِدرَجَةٍ" (٢). وأخرجه ابن عساكر من حديث الحسن ﵀ مرسلاً، وابن النجار عنه، عن أنس، ولفظه: "لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَنْبِيَاءِ إِلاَّ دَرَجَة فِيْ الْجَنَّةِ" (٣). وهذه مرتبة الصديقين؛ لأنها بين النبوة والشهادة.

стр. 1871

وذكر أبو طالب في "القوت": أن رجلًا من بني إسرائيل تزوج امرأة من بلدة، ولم يجد بها من يحملها إليه، فأمر عبدًا له فحملها، فراودته نفسه، فجاهدها واستعصم، قال: فنبأه الله مكان (١) نبي في بني إسرائيل (٢). قلت: إنما نقله الله تعالى إلى مقام النبوة بعد أن تم له مقام الصديقية؛ إذ لا يلي النبوة إلا رتبة الصديقية، ومن ثم سمي يوسف ﵇ صديقا على لسان قومه إذ قال قائلهم: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ [يوسف: ٤٦]. وإنما شهد له الناس بالصديقية لأنه استعصم عن معصية الله تعالى، وقد توفرت دواعيها بمراودة امرأة العزيز له، وعرضها نفسها عليه، فاستعصم، ثم أكرهته على المعصية بالسجن والعقوبة حيث تقول: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٢، ٣٣] الآية، فاختار العقوبة على المعصية، فمن ثم اتخذه الله نبيًا. وقد علمت أن هذه الخصلة -أعني: الاستعصام عن الزنا مع توفر دواعيه - أحد الخصال التي يكون أصحابها في ظل عرش الله تعالى، وأكثرها من أخلاق الصديقين خصوصا السبعة المذكورة في حديث أبي هريرة ﵁، ومنهم الإِمام العادل (٣).

стр. 1872

وروى أبو الشيخ بن حيان، والديلمي عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السُّلْطَانُ العَادِلُ المُتَوَاضعُ ظِلُّ اللهِ وَرُمْحُهُ في الأَرْضِ؛ يُرْفَعُ لِلوَالِي العَادِلِ المُتَوَاضعِ في كُل يَوْمٍ عَمَلَ سِتِّيْنَ صِدِّيْقًا" (١). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن الحسن -مرسلاً- قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه، فقال: "هَلْ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ أَنْ يُذْهِبَ اللهُ عَنْهُ العَمَى وَيَجْعَلَهُ بَصِيْراً؟ " قالوا: بلى، قال: "أَلا إنَّهُ مَنْ رَغِبَ في الدُّنْيَا، وَأَطَالَ فِيْهَا أَمَلَهُ أَعْمَى اللهُ قَلْبَهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ زَهِدَ في الدُّنْيَا، وَقَصَّرَ أَمَلَهُ أَعْطَاهُ اللهُ غِنًى بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ، وَهُدًى بِغَيْرِ هِدَايَةٍ، أَلا إنهُ سَيَكُوْنُ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ لا يَسْتَقِيْمُ لَهُمُ الْمُلْكُ إِلا بِالقَتْلِ وَالتَّجَبُّرِ، وَلا الغِنَى إِلا بِالفَجرِ وَالبُخْلِ، وَلا الْمَحَبة إِلا بِاسْتِجْرَامٍ فِيْ الدُّنْيَا وَاتِّبَاعِ الهَوَى، أَلا مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ مِنْكُمْ فَصَبَرَ عَلى الفَقْرِ وَهُوَ يَقدرُ عَلَى الغِنَى، وَصَبَرَ عَلَى البَغْضَاءِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَصَبَرَ عَلَى الذُّلِّ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى العِزِّ -لا يُرِيْدُ بِذَلِكَ إِلا وَجْهَ اللهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ اللهُ ثَوَابَ خَمْسِيْنَ صِدِّيْقًا" (٢). وروى أبو عمرو الداني في كتاب "الفتن" عن جعفر الصادق، عن

стр. 1873

أبيه ﵄ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا إِنه سَيَكُوْنُ أَقْوَامٌ لا يَسْتَقِيْمُ لَهُمُ الْمُلْكُ إِلا بِالقَتْلِ وَالتَّجَبُّرِ، وَلا يَسْتَقِيْمُ لَهُم الغِنَى إِلا بِالبُخْلِ وَالفُجُوْرِ، وَلا تَسْتَقِيْمُ لَهُمُ الْمَحَبَّةُ في النَّاسِ إِلا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى والاسْتِخْرَاجِ في الدّيْنِ، أَلا فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُم ذَلِكَ الزَّمَانَ فَصَبَرَ عَلَى الشِّدةِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الرَّخَاءِ، وَصَبرَ عَلَى الذُّلِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى العِزِّ، وَصَبَرَ عَلَى الفَقْرِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الغِنَى، وَصَبَرَ عَلَى البُغْضَةِ في النَّاسِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ -لا يُرِيْدُ بِذَلِكَ إلا وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ - آتَاهُ اللهُ ثَوَابَ سَبْعِيْنَ صِدّيْقًا" (١). وروى أبو بكر بن مردويه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فَرَّ بِدِيْنهِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ مَخَافَةَ الفتْنَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَدِيْنهِ كُتِبَ عِنْدَ اللهِ صِدّيْقًا، فَإِذَا مَاتَ قَبَضَهُ اللهُ شَهِيْدًا"، ثُمَّ تَلا هَذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، ثُمَّ قَالَ: "هَذه فِيْهِمْ"، ثُمَّ قَالَ: "وَالفَرَّارُوْنَ (٢) بِدِيْنهِمْ مِنْ أَرْضٍ إِلى أَرْضٍ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ عِيْسَى بنِ مَرْيَمَ ﵉ في دَرَجَتِهِ في الْجَنَّةِ" (٣). قلت: في هذا الحديث تلويح بأن الآية نزلت في المهاجرين لأنهم فروا بالهجرة بدينهم، فمن كان على قدم المهاجرين فهو صديق.

стр. 1874

وكذلك الأنصار لأن النصرة لا تكاد تقصر عن الهجرة، وسيأتي باب في التشبه بالصحابة ﵃. وروى الديلمي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَمعَ صَوْتَ ناَقُوْسٍ أَوْ دَخَلَ بَيْعَةً، أو بَيْتَ نارٍ، أَوْ بَيْتَ صَنَمٍ، أَوْ رَأَى جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، كُتِبَ لَهُ بِعَدَدَ مَنْ لَمْ يَقُلْهَا، وَ (١) كُتِبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا" (٢). قلت: المعنى في ذلك أنه ذكر الله تعالى بتوحيده في الغافلين عنه، فنال هذا الثواب العظيم، فلا يبعد أن يكون كذلك من مر بمجالس الفسَّاق كبيوت القهوات - خصوصا في وقت سماع الآلات، وإجالة الأبصار في وجوه الأحداث، والغفلة بهذه الملاهي عن التوحيد الإلهي - فإن كان منهم منافقون يعدون ذلك توحيداً، ملحدون يزعمون ذلك طاعة، فقد عظم ثواب المنكر لذلك، إلا أنه بتوحيد الله، وتنزيهه، وتكبيره، وتحميده من غير أن يكثِر سوادهم، ولا يزيد عدادهم. وروى إسحاق الختلي في "الديباج" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ (٣) رَفَعَ قِرْطَاسَا مِنْ الأَرْضِ فِيْهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ

стр. 1875

الرَّحِيْمِ كُتِبَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الصِّدِيْقِيْنَ، وَخَفَّفَ عَنْ وَالِدَيْهِ العَذَابَ وإنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ". رواه الخطيب بنحوه، وقال: "إجلالًا أن يدرس (١) " (٢). قلت: لقد فاز بهذه الفضيلة بشر بن الحارث الحافي، وكان ﵁ من سادات الأبرار، وأخيار الصديقين، كما ذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري. ورواه بإسناده أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصفوة" عن أيوب العطار قال: قال لي بشر بن الحارث: أحدثك عن بدء أمري: بينما أنا أمشي رأيت قرطاسًا عَلى وجه الأرض فيه اسم الله تعالى، فنزلت إلى النهر، فغسلته، وكنت لا أملك من الدنيا إلا درهمًا فيه خمسة دوانيق، فاشتريت بأربعة دوانيق مسكاً، وبدانق ماء ورد، وجعلت أتتبع اسم الله تعالى وأطيبه، ثم رجعت إلى منزلي فنمت، وأتاني آت في منامي فقال: يا بشر! لأطيبن اسمك كما طيبت اسمي، وكما طهرته لأطهرنَّ قلبك (٣). وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري عن بشر بن الحارث الحافي ﵀ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: يا بشر! تدري لمَ رفعك الله من بين أقرانك؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: باتباعك سنتي، وحرمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابك وأهل

стр. 1876

بيتي هو الذي بلغك منازل الأبرار (١). قلت: بهذا بلغ منازل الأبرار، وبتعظيم الله تعالى وإجلال اسمه واحترامه بلغ منازل الصديقين. وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري -أيضًا- عن بلال الخواص رحمه الله تعالى قال: كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني، فتعجبت، ثم أُلهمت أنه الخضر ﵇ فقلت له: بحق الحق من أنت؟ فقال: أخوك الخضر، فقلت له: أريد أن أسألك، فقال: سل، فقلت: ما تقول في الشافعي ﵀؟ قال: هو من الأوتاد، فقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل ﵀؟ فقال: رجل صديق، قلت: فما تقول في بشر الحافي؟ فقال: لم يخلف بعده مثله، فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك بأمك (٢). قلت: الأوتاد قوم صالحون جعلهم الله تعالى بدلًا عن الأنبياء - كما سيأتي - فهم من خيار الصديقين. وإنما صرح بالصديقية في أحمد دون الشافعي وبشر؛ وإن أحمد ﵁ ثبت في فتنة القول بخلق القرآن، وقام فيها مقاماً لم يقمه غيره حتى نظره غير واحد من سادات عصره بأبي بكر الصديق ﵁ في قيامه في قتال أهل الردة مقاماً لم يقمه غيره.

стр. 1877

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار ﵀ قال: دخل بنو إسرائيل مسجداً لهم يوم عيد، فقام فتى شاب على باب المسجد من خارج فجعل يبكي، ويرفع صوته بالدعاء، ويزري على نفسه، ويقول: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا، فأصبح مكتوباً على لسان نبي من أنبيائهم: إن فلانا من الصديقين - لذلك الفتى (١). وروى إسحاق الختلي في "الديباج" عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: انطلق رجلان من بني إسرائيل إلى مسجد من مساجدهم، فدخل أحدهما المسجد، وجلس الآخر خارجًا، فجعل يقول: ليس مثلي يدخل بيت الله وقد عصيت الله، ليس مثلي يدخل بيت الله وقد عصيت الله، فكُتب صديقًا (٢). قال: وأصاب رجل من بني إسرائيل ذنبا فحزن عليه، وجعل يجيء ويذهب، ويقول: بم أرضي ربي؟ بم أرضي ربي؟ فكُتِب صديقاً (٣). وروى أبو نعيم عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: أجد في بعض الكتب: سبحوا الله أيها الصديقون بأصوات حزينة (٤). وعنه -أيضًا- أنه قال: لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك

стр. 1878

زوجته كأنَّها أرملة، ويأوي إلى مزابل الكلاب (١). قلت: أراد بذلك تجرد القلب عن العلائق وذلة النفس؛ فإن ذلك روحُ ما ذكره. وكذلك ما رواه الختلي عن رشدين بن سعد رحمه الله تعالى قال: قرأت في بعض الكتب: لا ينبغي لصديق أن يكون صاحب حانوت (٢). وهذا لا ينافيه ما رواه الترمذي وحسَّنه، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "التَّاجِرُ الصَّدُوْقُ الأَمِيْنُ مَعَ النَّبِيينَ [والصديقين] (٣) والشُّهَدَاءِ" (٤)؛ لأنَّ المراد بقوله: "صاحب حانوت" أن لا يكون قلبه متعلقا به راكنا إليه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. قال ابن عباس ﵄: كانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله تعالى. رواه الحاكم وصححه، والبيهقي (٥).

стр. 1879

وقد يقال: لا يلزم من كونهم مع النبيين والصديقين أن يكونوا منهم. وفي "تاريخ ابن عساكر" بإسناده عن أبي عبيد الله محمَّد بن المبارك الصوري البصري ﵀ قال: ثنا الفضل بن سعيد الأزرق، قال: أتيت راهباً في جبل الأسود فناديته، فأشرف عليَّ، فقلت له: يا واهب! بأي شيء تستخرج الأحزان؟ قال: بطول الانفراد، وبذكر الذنوب، وأخبرك أني ما رأيت شيئًا أجلب له داعي الحزن من أوكارها من الوحدة. قال؛ فقلت له: وما ترى في المكتسب؟ قال: ذاك زاد المتقين، قلت: إنما أعني الطلب، قال: وأنا -أيضًا- أعني الطلب، قلت: الرجل يلزم سوقًا من الأسواق يكتسب الشيء يعود به على نفسه؟ قال: من أمر الدنيا، أم من أمر الآخرة؟ قلت: من أمر الدنيا، قال: ذاك شر قد كفيه الصديقون، وهل ينبغي للمتقي أن يتشاغل عن الله بشيء؟ قال محمَّد بن المبارك: قال لي الفضل بن سعيد: فلقيت رشدين ابن سعد، فحدثته حديث الراهب، قال: صدق، قرأت في كتب الحكمة: لا ينبغي لصديق أن يكون صاحب حانوت (١). قلت: وإن حمل هذا على ظاهره، فإن من شرط الصديق التجرد عن الأسباب الظاهرة، فهذا كان في شريعة أولئك وملتهم، وأما في شريعة النبي ﷺ وملته فإنَّ الأسباب لا تناقض رتبة من رتب المؤمنين أصلًا. نعم، يلزم أن لا يكون القلب متعلقًا في طلب الرزق وحصوله إلا

стр. 1880

بالله تعالى، وقد كان السَّرِيُّ سَقَطياً، والجُنيد قواريرياً، وأبو حفص النيسابوري حداداً، وآخرون من سادات العارفين كانوا متَّجرِين ومحترفين، وقد كانوا صديقين، وعبد الرحمن بن عوف وأمثاله من الصحابة كانوا مكتسبين وهم من كُمَّلِ الصديقين، فافهم! وروى الختلي عن مالك بن دينار ﵁ قال: قرأت في التوراة: أيها الصديقون! تنعموا في الدنيا بذكري؛ فإنه لكم في الدنيا نعيم، وفي الآخرة أجر (١). وروى الإِمام أحمد، والحاكم وصححه، عن معاذ بن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ ألفَ آيَةٍ في سَبِيْلِ اللهِ كُتِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ النَبِيّينَ وَالصِّدّيْقِيْنَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيْقًا إِنْ شَاءَ الله" (٢). وقوله: "إن شاء الله" للتبرك، لا للشك. وروى ابن أبي الدنيا، والختلي عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنَّه كان يقول: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة، ثم يقول: خذوا، فيقرأ، ثم يقول: اسمعوا ما يقول الصادق من فوق عرشه (٣).

стр. 1881

وروى أبو الحسن بن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: من أقام نفسه مواقف ذل في طلب الحلال، حشره الله تعالى مع الصديقين، ورفعه إلى الشهداء يوم القيامة (١). وعن السَّرِي رحمه الله تعالى قال: ثلاثة من أحوال الصديقين: - أن يكونوا بما في يد الله أوثق منهم بما في أيديهم. - ومطالبون نفوسهم بما للناس عليهم. - وإذا عُرِض أمران لله فيهما رضي، حملوا نفوسهم على أصعبهما وأشدهما، وإن كان فيه تلف نفوسهم. قال أبو طالب المكي ﵀: وكان عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى يحلف بالله : ما تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع [والسهر] (٢) (٣). وروى ابن جَهْضَم عن السري ﵀ -أيضًا- قال: استوصيت لبِشْرٍ بوصية، فقال: أخاف أوصيك بوصية يكون وَبَالها عليك، ثم عليَّ، فقلت: عليَّ ذاك، فقال: انظر بأي بدن توافي القيامة، وانظر من يحاسبك وبين يدي من تقف، واعلم أنَّك مسؤول لا محالة، فاستعد للسؤال جواباً, وللجواب صواباً، والزم بيتك، وحاسب نفسك، فإذا قدمت

стр. 1882

القيامة تقول: يا رب! مازلت ملازما لبيتي، محاسبا لنفسي، فيقول الله تعالى: صدقت. ثم قال: هيهات! وأنى يقول صدقت إلا للصديقين (١). روى أبو نعيم عن سهل بن عبد الله ﵁ قال: أعمال البر يعملها البَر والفاجر، ولا يجتنب المعاصي إلا الصديق (٢). وعن الأعمش قال: قال لي مطرف بن عبد الله: وجدت الغفلة التي ألقاها الله تعالى في قلوب الصديقين من خلقه رحمة رحمهم بها, ولو ألقى في قلوبهم الخوف على قدر معرفتهم به ما هَنأ لهم (٣) عيش (٤). وليس في هذا نفي الخوف عنهم، وقد سبق أنَّ من شرطهم ملازمة الحياء والخوف، بل من تمام أخلاقهم أن خوفهم يزيد كما رقوا في مقامهم، ولا يُعتبروا بما هم عليه من الاستقامة، وإن قامت لهم الشواهد بالصدق والنجاح. نعم، لهم ثبات وشجاعة على الخوف لقوة معرفتهم، ومن ثم كان يغلب الخوف على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبقية العشرة

стр. 1883

المشهود لهم بالجنة، كما يعرف ذلك من سِيَرهم، وهؤلاء رؤوس الصديقين. وروى الطبراني، وأبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوْحَى اللهُ إِلى نبَي مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلْيِهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: قُلْ لِعِبَادِي الصِّدِّيقِيْنَ: لا تَغْتَرُّوْا بِي؛ فَإِذَا أُقِيْمَ عَلَيْهِمْ قِسْطِيَ أَوْ عَدْلِي أُعَذِّبُهُمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَقُلْ لِعِبَادِيَ المُذْنِبِيْنَ: لا تَيْأَسُوْا مِنْ رَحْمَتِي؟ فَإِنَّهُ لا يَكْبُرُ عَلَيَّ ذَنْبٌ أَغْفِرُ لَهُمْ" (١). وروى ابن جهضم عن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: رجال الآخرة ثلاثة: عابد، وزاهد، وصديق؛ فالعابد يعبد الله مع العلائق، والزاهد يعبده على حذف العلائق، والصديق يعبده على الرضا والموافقة (٢). وروى أبو نعيم في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال: ما صدق الله عبدٌ أحب الشهرة (٣). وفي معناه قول بعض السادة: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة (٤).

стр. 1884

واعلم أنَّ أخلاق الصديقين وأعمالهم لا تختص بما ذُكِر، بل يندرج فيها جميع أخلاق الصالحين والشهداء؛ لأن الصديقين خواص هؤلاء، فالصديق من جاء بأعمال الأبرار، وجمع مكارم أخلاقهم، ثم زاد عليهم بأخلاق أخرى. وقد روى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق"، وابن عساكر عن سليمان بن يسار رحمه الله تعالى مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "خِصَالُ الْخَيْرِ ثلاثة (١) وَستُّوْنَ خصْلَةً، إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدهِ خَيْرًا جَعَلَ فِيْهِ خَصْلَةً مِنْهَا بِهَا يدخلُ الْجَنَّةَ"، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! أَفِيَّ شيء منها؟ قال: "نَعَمْ، جَمِيْعُهَا" (٢). وفي رواية أخرى: فقال أبو بكر: يا رسول الله! فِيَّ منها شيء؟ قال: "كُلُّهَا فِيْكَ، فَهَنِيْئًا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ" (٣). واعلم أنَّ من تمام أخلاق الصديقين وكمال أحوالهم أنهم لا يرضون بالإقامة على حالتهم التي هم عليها حتى يرتقوا عنها في كل نَفَس من أنفاسهم، وهذا مستمد من قوله ﷺ : "إِذَا أتَى عَلَيَّ يَوْمٌ لا أَزْدادُ فِيْهِ عِلْمًا يُقَرِّبُنِي إِلى اللهِ فَلا بُوْرِكَ لِي في طُلُوْعِ شَمْسِ ذَلِكَ اليَوْمِ".

стр. 1885

وفي رواية: "كُلُّ يَوْمٍ لا أَزْدَادُ فِيْهِ عِلْمًا يُقَرِّبُنِي إِلى اللهِ". رواه الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم عن عائشة ﵂ (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر"، وأبو نعيم، والخطيب عن حجاج بن محمَّد قال: كتب إلى أبو خالد الأحمر ﵀ فكان في كتابه: واعلم أن الصديقين كانوا يستحبون من الله أن لا يكونوا اليوم على منزلة أمس (٢). قلت: والعارفون حملوا اليوم في الحديث على الوقت الذي أنت فيه، فالأمس هو الوقت الذي قبل وقتك، بل هم في كل نَفَس يحبون أن يكونوا أحسن منهم في النفس الذي قبله. وكان أخي العلامة العارف بالله تعالى شهاب الدين أحمد رحمه الله تعالى يقول: لا أرضى أن ألقى الله إلا على أحسن مما أنا عليه، وكان من أخيار الناس، ورؤوس العارفين، وكُمَّل العلماء العاملين. وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه قال لابنه: عليك بإسباغ الوضوء، وإذا صليت صلاة فصلِّ صلاة رجل مودع، وعليك بالإياس؛ فإنه غنى، وإياك والطمع؛ فإنه فقر حاضر،

стр. 1886

وإياك وما يعتذر منه؛ فإنه لا يعتذر من خير، وإذا استطعت أن تكون اليوم خيراً منك أمس، وغداً خيراً منك اليوم، فافعل (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الحذر" عن محمَّد بن حميد قال: التقى حسان بن أبي سنان والحجاج بن سابور رحمهم الله تعالى، فقال أحدهما لصاحبه: من الذي يغبط؟ قال: عبد آتاه الله ما يكفيه يعمل له فيما يرضيه، قال: وما حمد ذلك؟ قال: فمن الذي يغبط؟ قال: اغبط رجلًا هو اليوم خير منه أمس، وغداً خير منه اليوم. * فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ: روى ابن أبي حاتم عن يزيد بن رُومان رحمه الله تعالى: أنَّهُ قال في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠]: هو آصف بن برخيا، وكان صديقًا يعلم الاسم الأعظم (٢). وروى هو، وابن جرير عن قتادة قال: هو كان رجلًا من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب (٣). ورويا، وابن أبي شيبة، وآخرون عن مجاهد قال في قوله: ﴿عِلْمٌ

стр. 1887

مِنَ الْكِتَابِ﴾: الاسم الذي إذا دُعيَ الله به أجاب، وهو: يا ذا الجلال والإكرام (١). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الزهريّ قال: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا إله كل شيء، إلها واحدًا لا إله إلا أنت! ائتني بعرشها، قال: فمَثُل له بين يديه (٢). والمراد بإيراد ذلك هنا: أن من ثمرة الصديقية الاختصاص بالأسرار الإلهية، والمعارف الربانية، والتصرف بالأسماء العظيمة، واستجابة الدعوة؛ لأنهم لا يتصرفون بها إلا في خير، خصوصا في النصيحة، ونفع المسلمين. ولا يلزم من ذلك أن لا يستجاب إلا لصديق، فقد يستجاب لغيره من باب الرفق بالضعيف، أو الإملاء للفاجر، بل قد يُعطى الفاسق التصرف بالاسم الأعظم لفتنته وتمام شقوته، كما أعطيه بلعام الذي قص الله تعالى علينا من أمره ما قَصَّ بقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. قال كعب رحمه الله تعالى: كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي

стр. 1888

به أجاب. رواه ابن أبي حاتم (١). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٦]؛ يعني: بالآيات ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]؛ أي: رَكَن إلى الدنيا ونزَع إليها ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما (٢). وأمرُ بلعام يحتمل وجهين: - إما أن يكون قد أوتي العلم، ولم يؤت الدين في نفسه، وإنما كان بنو إسرائيل يعتقدونه لما يظهر لهم من علمه واجتهاده، وكانت استجابة دعوته فتنة له ولهم، وهذا حال من يتعلم علوم الأسماء والأوفاق، ويتقرب بها الآن إلى الأمراء، وذوي الأموال والولايات. - وإما أن يكون قد وصل من العلم والاجتهاد إلى مرتبة الصديقية، لكنه لم يلزم مقام الخوف، فسقط من عين الله تعالى، فمحاه من ديوان الصدق، وأثبته في ديوان الفسق، ومن ثمَّ قلنا: إن من شرط الصديقين ملازمة الخوف لأن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، وقد سلَّط الشيطان على الإنسان وجعله بالمقربين أولع منه ممن دونهم، وكلما كان العبد

стр. 1889

إلى الله أقرب كان على إضلاله أحرص. ومن هنا اتفق للإمام أحمد ﵁ وهو صديق: ما رواه أبو الفرج في "صفة الصفوة"، وغيره عن ابنه عبد الله قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لَحييه، فجعل يعرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا: لا بعد، لا بعد، يفعل هذا مرة، وثانية، فلما كانت الثالثة قلت له: يا أبه! أي شيء هذا قد لهجت به في هذا الوقت، تعرق حتى نقول: قد قضيت، ثم تعود فتقول: لا بعد، لا بعد؟ فقال لي: يا بني! ما تدري؟ قلت: لا، فقال: إبليس -لعنه الله- قائم حذائي، عاض على أنامله، يقول لي: يا أحمد! فُتَّنِيْ فأقول: لا بعد حتى أموت (١). واعلم أنَّ خوف الصديقين من الشيطان ليس منه حقيقة، وإنما خوفهم من أن يسلطه الله عليهم، فالخوف إنما هو من الله ؛ فإنه يقلب القلوب كيف يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت، فالصديق -وإن كان واثقاً بالله، موقناً به- فإنه يخافه. ولقد أحسن الإِمام عبد الله بن المبارك ﵁ فيما رواه أبو نعيم عن أبي أمية الأسود قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا شر منهم. ثم أنشأ عبد الله يقول: [من مجزوء الكامل المرفل]

стр. 1890

الصَّمتُ أَزْيَنُ بِالْفَتَىْ ... مِنْ مَنْطِقٍ فِيْ غَيْرِ حِيْنهْ فَمَنِ الذِيْ يَخْفَىْ عَلَيـ ... ـك إِذا نَظَرْتَ إِلَىْ قَرِيْنهْ رُبَّ امْرِئٍ مُتَيَقِّنٍ ... غَلَبَ الشَّقاءُ عَلَىْ يَقِيْنهْ فَأَزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ ... فَابْتاعَ دنياهُ بِدِيْنهْ (١) وهذا الذي أشار إليه عبد الله بن المبارك هو الذي أخاف الصديقين -وأبو بكر ﵁ رأسهم- حتى تمنوا أن لو كانوا جمادًا، كما سبق. وقال ابن شوذب ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. رواه ابن أبي حاتم (٢). وروى هو، وابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين"، وأبو الشيخ في "العظمة" عن عطاء رحمه الله تعالى: أنَّ أبا بكر الصديق ذكر ذات يوم، وفكر في القيامة والموازين، والجنة والنار، وصفوف الملائكة، وطي السماوات، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضرًا من هذه الخضر تأتي علي بهيمة فتأكلني، وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] (٣). ***

стр. 1891

فَصْلُ ويقال للصديقين: سابقون لاستباقهم إلى الخير. وقد أرشد الله تعالى إلى التشبه بالسابقين في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]. روى ابن جرير عن ابن زيد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ قال: الأعمال الصالحة (١). وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، والتنافس المباراة في عمل الآخرة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢، ٣٣] الآية. قال رسول الله ﷺ : "السَّابِقُ وَالمُقْتَصِدُ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ،

стр. 1892

وَالظالِمُ لِنَفْسِهِ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا، ثُمَ يدخلُ الجَنَةَ". رواه الحاكم عن أبي الدرداء ﵁، وقال: صحيح الإسناد (١). وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفًا، وابن لال في "مكارم الأخلاق"، والبيهقي في "الشعب"، وفي "البعث" مرفوعًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سَابِقُنَا سَابِقٌ، وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُوْرٌ لَه" (٢). وقال محمَّد بن الحنفية رحمه الله تعالى: أعطيت هذه الأمة ثلاثة لم تعطها أمة كانت قبلها: منهم ظالم لنفسه مغفور له، ومنهم مقصد في الجنان، ومنهم سابق بالمقام الأعلى. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣). وإنما كان السابق بالمقام الأعلى؛ لأنه أخذ من السلوك إلى الله تعالى في دار الدنيا الحظ الأوفى، والعمل الأقوى، كما روى أبو نعيم عن البراء بن عازب ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَ للهِ خَوَاصًّا يُسْكِنُهُمُ الرَّفِيع

стр. 1893

مِنَ الْجِنَانِ، كَانُوْا أَعْقَلَ النَّاسِ"، قلنا: يا رسول الله! وكيف كانوا أعقل الناس؟ قال: "كَانَتْ هِمَّتُهُمُ الْمُسَابَقَةَ إِلى رَبِّهِمْ وَالْمُسَارَعَةَ إِلى مَا يُرْضِيْهِ، وَزَهِدُوْا فِي فُضُوْلِ الدُّنْيَا وَرِياشِهَا (١) وَنَعِيْمِهَا، وَهَانَتْ عَلَيْهِم فَصَبَرُوا قَلِيْلاً، وَاسْتَرَاحُوْا طَوِيْلاً" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ عَنِّي، أَوْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَشْعَثَ شَاحِبٍ مُشَمِّرٍ، لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِليْهِ، اليَوْمَ الْمِضْمَارُ، وَغَدًا السَّبْقُ، وَالغَايَةُ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارَ" (٣). قال في "القاموس": المضمار: الموضع تضمر فيه الخيل، وغاية السباق (٤). أشار إلى أنه مشترك بين معنيين: - أحدهما: الموضع الذي تضمر فيه الخيل؛ أي: تعلف القوت بعد التسمين؛ لأن الفرس المضمر أقوى عند الحاجة على السبق. وهذا المعنى هو الذي أراده النبي ﷺ في الحديث بقوله: "اليَوْمَ

стр. 1894

الْمِضْمَارُ"؛ أي: موضع تضمير المطية وتهيئتها للسبق، وذلك بالأعمال الصالحة، والمسابقة إليها. "وغداً السبق"؛ أي: يوم القيامة يظهر السبق، فالمسابقة في دار الدنيا بالأعمال إنما تظهر ثمرتها في دار القرار، ولذلك قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] لأنَّ المسارعة في الخيرات المشهودة في دار الدنيا إنما هي مسارعة إلى اتباع الخيرات، وثوابه في دار الآخرة. ولقد أحسن صاحب "المنفرجة" في قوله: [من المتدارك] وَرِضًا بِقَضاءِ اللهِ حِجًى ... فعلى مركوزته فَعِج وَإِذا انْفَتَحَتْ أَبْوابُ هُدًى ... فَاعْمَلْ [لخزائنها] وَلِجِ وَإِذا حاوَلْتَ نِهايَتَها (١) ... فَاحْذَرْ إِذْ ذاكَ مِنْ العَرَجِ لِتَكُوْنَ مِنَ السُّبَّاقِ إِذا ... ما سِرْتَ إلى تلك (٢) الْفَرَجِ

стр. 1895

فَهُناكَ الْعَيْشُ وَبَهْجَتُه ... فَلِمُنتَهِجٍ وَلِمُبتَهِجِ (١) واعلم أن طريق السبق مفتوح لطالبيه إلى يوم القيامة، إلا أنه الآن مهجور لا يرى عليه إلا الأفراد، فسلوكه غير ممتنع -وإن كان عسراً خطراً- إلا إنَّه يسير على من يسره الله تعالى له، آمن لمن صحب فيه المؤمن المهيمن، فلكل طالب - وإن تأخر زمانه - نصيب مما طلب. وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو ﵁: أن النبي ﷺ قال: "فَي كُلِّ قَرْنٍ -وفي رواية: لِكُلِّ قَرْنٍ- مِنْ أُمَّتِيْ سَابِقُوْن" (٢). وهذا السبق - وإن كان عاماً في السبق في أمور الدنيا، وغيرها - إلا أنه شامل للسبق في أمور الآخرة، بل هو أولى بالقصد، مع أن لهذا الحديث شواهد كثيرة صحيحة كحديث: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَيْنَ عَلَى الْحَقِّ" (٣).
следующие страницы →