← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فَصْلُ ويقال للصديقين: سابقون لاستباقهم إلى الخير. وقد أرشد الله تعالى إلى التشبه بالسابقين في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]. روى ابن جرير عن ابن زيد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ قال: الأعمال الصالحة (١). وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، والتنافس المباراة في عمل الآخرة. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢، ٣٣] الآية. قال رسول الله ﷺ : "السَّابِقُ وَالمُقْتَصِدُ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ،

стр. 1892

وَالظالِمُ لِنَفْسِهِ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا، ثُمَ يدخلُ الجَنَةَ". رواه الحاكم عن أبي الدرداء ﵁، وقال: صحيح الإسناد (١). وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفًا، وابن لال في "مكارم الأخلاق"، والبيهقي في "الشعب"، وفي "البعث" مرفوعًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سَابِقُنَا سَابِقٌ، وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُوْرٌ لَه" (٢). وقال محمَّد بن الحنفية رحمه الله تعالى: أعطيت هذه الأمة ثلاثة لم تعطها أمة كانت قبلها: منهم ظالم لنفسه مغفور له، ومنهم مقصد في الجنان، ومنهم سابق بالمقام الأعلى. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣). وإنما كان السابق بالمقام الأعلى؛ لأنه أخذ من السلوك إلى الله تعالى في دار الدنيا الحظ الأوفى، والعمل الأقوى، كما روى أبو نعيم عن البراء بن عازب ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَ للهِ خَوَاصًّا يُسْكِنُهُمُ الرَّفِيع

стр. 1893

مِنَ الْجِنَانِ، كَانُوْا أَعْقَلَ النَّاسِ"، قلنا: يا رسول الله! وكيف كانوا أعقل الناس؟ قال: "كَانَتْ هِمَّتُهُمُ الْمُسَابَقَةَ إِلى رَبِّهِمْ وَالْمُسَارَعَةَ إِلى مَا يُرْضِيْهِ، وَزَهِدُوْا فِي فُضُوْلِ الدُّنْيَا وَرِياشِهَا (١) وَنَعِيْمِهَا، وَهَانَتْ عَلَيْهِم فَصَبَرُوا قَلِيْلاً، وَاسْتَرَاحُوْا طَوِيْلاً" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ عَنِّي، أَوْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَشْعَثَ شَاحِبٍ مُشَمِّرٍ، لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِليْهِ، اليَوْمَ الْمِضْمَارُ، وَغَدًا السَّبْقُ، وَالغَايَةُ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارَ" (٣). قال في "القاموس": المضمار: الموضع تضمر فيه الخيل، وغاية السباق (٤). أشار إلى أنه مشترك بين معنيين: - أحدهما: الموضع الذي تضمر فيه الخيل؛ أي: تعلف القوت بعد التسمين؛ لأن الفرس المضمر أقوى عند الحاجة على السبق. وهذا المعنى هو الذي أراده النبي ﷺ في الحديث بقوله: "اليَوْمَ

стр. 1894

الْمِضْمَارُ"؛ أي: موضع تضمير المطية وتهيئتها للسبق، وذلك بالأعمال الصالحة، والمسابقة إليها. "وغداً السبق"؛ أي: يوم القيامة يظهر السبق، فالمسابقة في دار الدنيا بالأعمال إنما تظهر ثمرتها في دار القرار، ولذلك قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] لأنَّ المسارعة في الخيرات المشهودة في دار الدنيا إنما هي مسارعة إلى اتباع الخيرات، وثوابه في دار الآخرة. ولقد أحسن صاحب "المنفرجة" في قوله: [من المتدارك] وَرِضًا بِقَضاءِ اللهِ حِجًى ... فعلى مركوزته فَعِج وَإِذا انْفَتَحَتْ أَبْوابُ هُدًى ... فَاعْمَلْ [لخزائنها] وَلِجِ وَإِذا حاوَلْتَ نِهايَتَها (١) ... فَاحْذَرْ إِذْ ذاكَ مِنْ العَرَجِ لِتَكُوْنَ مِنَ السُّبَّاقِ إِذا ... ما سِرْتَ إلى تلك (٢) الْفَرَجِ

стр. 1895

فَهُناكَ الْعَيْشُ وَبَهْجَتُه ... فَلِمُنتَهِجٍ وَلِمُبتَهِجِ (١) واعلم أن طريق السبق مفتوح لطالبيه إلى يوم القيامة، إلا أنه الآن مهجور لا يرى عليه إلا الأفراد، فسلوكه غير ممتنع -وإن كان عسراً خطراً- إلا إنَّه يسير على من يسره الله تعالى له، آمن لمن صحب فيه المؤمن المهيمن، فلكل طالب - وإن تأخر زمانه - نصيب مما طلب. وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو ﵁: أن النبي ﷺ قال: "فَي كُلِّ قَرْنٍ -وفي رواية: لِكُلِّ قَرْنٍ- مِنْ أُمَّتِيْ سَابِقُوْن" (٢). وهذا السبق - وإن كان عاماً في السبق في أمور الدنيا، وغيرها - إلا أنه شامل للسبق في أمور الآخرة، بل هو أولى بالقصد، مع أن لهذا الحديث شواهد كثيرة صحيحة كحديث: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَيْنَ عَلَى الْحَقِّ" (٣).

стр. 1896

فالتشبه بالسابقين طريق الأقوياء المبشرين، وكلما أظلم الوقت كلما ظهر لهم السبق في السبق، وعظم لهم الأجر والثواب لأن الأجر على قدر المشقة. وحقيقة السبق أن تبادر إلى كل عمل صالح فتأخذ في أفضله وأكمله وأتمه، وإذا كان ذا وقت كنت أسبق الآخذين فيه إلى أول الوقت كما قيل: [من الوافر] إِذا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاغْتَنِمْها ... فَعُقبى كلِّ (١) خافِقَةٍ سُكُوْن وَإِنْ دَرَّتْ نِياقُكَ فَاحْتَلِبْها ... فَما تدْرِيْ الْفَصِيْلُ لِمَنْ يَكُوْن وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أتدْرُوْنَ مَنِ السَّابِقُوْنَ إِلى ظِلِّ اللهِ ؟ الَّذِيْنَ إِذَا أُعْطُوْا الْحَقَّ قَبِلُوْه، وَإذَا سُئِلُوْهُ بَذَلُوْهُ" وَحَكَمُوا للنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِم" (٢).

стр. 1897

وأخرجه الحكيم، ولفظه: "طُوْبَى لِلسَّابِقِيْنَ إِلى ظِلِّ اللهِ تَعَالَى، الَّذِيْنَ ... " إلى آخره (١). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جُمدان، فقال: "سِيْرُوْا هَذا جُمْدانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُوْنَ"، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذَّاكِرُوْنَ اللهَ كَثِيْرًا [والذاكرات] (٢) " (٣). ورواه الترمذي وصححه، ولفظه: قالوا: يا رسول الله! وما المفردون؟ قال: "الْمُسْتَهْتَرُوْنَ بِذِكْرِ اللهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُم أثقَالَهُم فَيَأْتُوْنَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافًا" (٤). وروى الطبراني نحوه عن أبي الدرداء ﵁ (٥). قال المنذري: المفردون - بفتح الفاء، وكسر الراء - والمستهترون - بفتح التائين المثناتين فوق -: هم المولعون بالذكر، المداومون عليه، لا يبالون ما قيل فيهم، ولا ما فُعل بهم (٦).

стр. 1898

وفي "القاموس": وقد أهتر - بالضم -, فهو مهتر: أولع بالقول في الشيء. ثم قال: والمستهتر - بالفتح -: المولع به لا يبالي بما فعل به، وشتم له (١). قلت: ويرجع معنى الاستهتار بالذكر إلى الإكثار منه، كما في الرواية الأخرى إكثاراً يؤدي إلى قول الناس فيه، وإنما يقول في الذاكرين الله من ليس من أهل الإنصاف، كما قال رسول الله ﷺ : "أكثِرُوْا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُوْل الْمُنَافِقُوْنَ: إِنَّكمْ مُرَاءُوْنَ". رواه الإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي الجوزاء رحمه الله تعالى مرسلاً (٢). وقال ﷺ : "أَكْثِرُوْا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُوْلُوا: مَجْنُوْن". رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم وصححاه، والبيهقي عن أبي سعيد ﵁ (٣). وفي قوله ﷺ في الحديث السابق: "يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُم أثقَالَهُمْ" دليل على أنَّ السابق لا يلزم فيه أن لا يسبق له ساعة جهل؛ فإن ذلك لا يؤثر

стр. 1899

في كونهم سابقين وصديقين، بل منهم من لم يسبق له به جهل؛ كأبي بكر، وعلي ﵁، ومنهم من يسبق له ثم يتخلقون بما سبق لهم من الإحسان والسبق إلى الخير؛ كعمر ﵁. وروى أبو نعيم عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْبِقَ الدَّائِبَ الْمُجْتَهِدَ فَلْيَكُفَّ عَنِ الذنُوْبِ" (١). وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَالسَّابِقُ السَّابِقُ إِلى الْجَنَّةِ" (٢). أي: والسابق إلى المودة والمصالحة هو السابق إلى الجنة، كما قال ﷺ في حديث أبي أيوب ﵁: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدَّ هَذَا، وَيَصُدَّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ" (٣). رواه الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي. وروى الطبراني في "الكبير" عن الأغر المزني ﵁: أنَّ أبا بكر

стр. 1900

الصديق ﵁ قال له: لا يَسْبِقَنَّكَ (١) بِالسَّلامِ أَحَدٌ (٢). وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن عمر ﵁ قال: كنت رديف أبي بكر ﵁ فيمر على القوم فيقول: السلام عليكم، فيقولون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال أبو بكر ﵁: فضلنا الناس اليوم بزيادة كثيرة (٣). وروى تمام في "فوائده"، وابن عساكر عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَبَقَ العَاطِسَ بِالْحَمْدِ وَقَاهُ اللهُ وَجَعَ الْخَاصِرَةِ، وَلَمْ يَرَ فِي فِيْهِ مَكْرُوهًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا" (٤). أشار ﷺ إلى ما اختص به هذا السابق من الفضائل الظاهرة عليه في الدنيا، ولم يذكر ما له في الآخرة؛ لأن الحامد في الآخرة محمود بلا شك، وإنما كانت هذه الفضيلة لمن سبق العاطس لأنه يذكِّر العاطس بما عليه، ويرغبه في الحمد، فهو من المهتدين الهادين. وروى أبو نعيم عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَبَقَ إِلى الصَّلاةِ مَخَافَةَ أَنْ تَسْبِقَهُ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَرَكَهَا مَأْثَرَةً عَليِهَا

стр. 1901

لَمْ يُدْرِكْهَا بِعَمَلٍ إِلى الْحَوْلِ" (١). وروى هو، والديلمي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّابِقُوْنَ السَّابِقُوْنَ أُوَلئِكَ الْمُقَرَّبُوْنَ، أَوَّلُ مْنَ يُهَجِّرُ إِلى الْمَسْجِدِ وَآخِرُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْه" (٢). وروى أبو نعيم في كتاب "حرمة المساجد" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ البِقَاعِ إِلى اللهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَحَبُّ أَهْلِهَا إِلى اللهِ أَوَّلُهُم دُخُوْلاً وَآخِرُهُم خُرُوْجًا، وَأَبْغَضُ البِقَاعِ إِلى اللهِ الأَسْوَاقُ، وَأَبْغَضُ أَهْلِهَا إِلى اللهِ أَوَّلُهُم دُخُوْلاً وَآخِرُهُم خُرُوْجًا" (٣). والتبكير إلى الجمعة داخل في ذلك، والأحاديث في فضل السبق فيه معروفة (٤). وروى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو نعيم عن عثمان بن أبي سودة مولى عبادة بن الصامت قال: بلغنا في هذه الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] أنهم السابقون إلى المساجد، والخروج في سبيل الله تعالى (٥).

стр. 1902

وروى الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: قد ذهب أهل الدُّثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، قال: "وَمَا ذَاكَ؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا أُعَلِمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُوْنَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُوْنَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُوْنُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تُسَبِّحُوْنَ، وَتُكَبِّرُوْنَ، وَتَحْمَدُوْنَ فِي دُبُرِ كُل صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِيْنَ مَرَّةً" (١). قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيْهِ مَنْ يَشَاء" (٢). وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: إذا اشتكى إلى الله عباده الفقراء الحاجة قيل لهم: أبشروا ولا تحزنوا؛ فإنكم سادة الأغنياء، والسابقون إلى الجنة يوم القيامة (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي أيوب عبد الله بن سليمان

стр. 1903

قال: دخل أبو هريرة ﵁ المسجد فإذا فيه غلام، فقال: يا غلام! اذهب إلى عمل أهلك، قال: إنما جئت إلى الصلاة، قال: فأنت السابق وأنا الْمُصَلِّي (١). أي: الآتي بعد السابق، وهو في الأصل الفرس الذي يأتي ثاني السابق كأنه يحاذي صلاه. وروى أبو نعيم عن يزيد الرقاشي قال: إن المتجوعين لله تعالى في الرعيل الأول يوم القيامة (٢). وروى البيهقي عن ابن عمر ﵁: أنه سئل عن صيام الدهر فقال: كنا نعد أولئك [فينا] (٣) من السابقين (٤). وهذا مما يدل على أن صيام الدهر لمن لم يخف منه ضرراً، ولم يفوت به حقاً مستحب. نص عليه الدارمي، والغزالي. وقال الشافعي، وبقية الأصحاب، وجمهور العلماء: لا يكره إذا أفطر أيام النهي. وذهب أبو يوسف، وغيره إلى كراهته (٥).

стр. 1904

وروى البيهقي (١)، وغيره عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا، وَعَقَدَ تِسْعِيْن" (٢). وفي "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما قُبض النبي ﷺ لم أره مفطراً إلا يوم الفطر، أو الأضحى (٣). وممن سرد الصوم عمر، وابنه عبد الله، وأبو أمامة، وامرأته، وعائشة ﵁. رواه البيهقي عنهم (٤). وزاد النووي في "شرح المهذب": سعيد بن المسيب، وأبا عمرو ابن حِماس - بكسر المهملة -، وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف التابعي؛ سرده أربعين سنة، والأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود (٥).

стр. 1905

وروى أبو الحسن بن جهضم عن أبي عثمان قال: السابق بالود مبتدئ، والمكافئ له مقتدي؛ فأنى يدرك المقتدي المبتدئ؟ وللمبتدئ أجره وأجر من اتبعه (١). ومن هنا قيل: إن الابتداء بالسلام - وإن كان سنة - أفضل من الرد وإن كان واجباً (٢)؛ لقوله ﷺ : "وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ" (٣). ونظير ذلك أن الإحسان إلى المسيء سابق بالنسبة إلى من يقابل الإحسان بالإحسان. قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا". رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمرو ﵁ (٤). وقال ﷺ : "لا تَكُوْنُوْا إِمَّعَةً؛ تَقُوْلُوْنَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ أَسَاؤُوْا أَسَأْنَا (٥)، وَلَكِنْ وَطِّنُوْا أَنْفُسَكُم: إِنْ أَحْسَنُوا أَنْ تُحْسِنُوْا، وَإِنْ أَسَاؤُوا أَنْ لا تَظْلِمُوْا". رواه الترمذي من حديث حذيفة ﵁ (٦).

стр. 1906

وقوله: "وَإِنْ أَسَاؤوا أَنْ لا تَظْلِمُوا" وهو شامل للعفو والانتصار، إلا أن العفو صاحبه سابق؛ لأنه محسن مانٌّ بالعفو. قال أمير المؤمنين علي ﵁ وهو من أفضل السابقين -: قال لي رسول الله ﷺ : "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرِ أَخْلاقِ الأوَّلِيْنَ وَالآخِرِيْنَ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: "تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَنْ مَنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ". رواه البيهقي في "الشعب" (١). وروى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لَنْ يَنَالَ عَبْدٌ صَرِيْحَ الإيِمَانِ حَتَّى يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَيَعْفُوَ عَنْ مَنْ ظَلَمَهُ، وَيغْفِرَ لِمَنْ شَتَمَهُ، وَيحْسِنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ" (٢). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته - أي: حتى يسبق إلى أعلى خصاله - قال: ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامُّه عنده سواء. قال عون بن عبد الله: ففسرها أصحاب عبد الله؛ قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، وحتى يكون التواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده

стр. 1907

وذامه في الحق سواء. رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره (١). وروى النسائي عن أبي ذر ﵁، وهو، وابن حبان، وابن خزيمة، والحاكم وصححوه، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "يَسْبِقُ (٢) دِرْهَمٌ مِئَةَ ألفِ دِرْهَم"، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيْرٌ أَخَذَ مِنْ عُرْضِ مالِهِ ألفَ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا، وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلا دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فتصَدَّقَ بِهِ" (٣). وقوله: "من عرض" - بضم المهملة - أي: من جانبه. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: حضر باب عمر ﵁ سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبو سفيان ابن حرب، ونفر من قريش من تلك الرؤوس، وصهيب، وبلال، وتلك الموالي الذين شهدوا بدراً ﵃، فخرج آذنُ عمر ﵁ فأذن لهم، وترك هؤلاء، فقال أبو سفيان: لم أر كاليوم قط يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه لا يلتفت إلينا، قال: فقال سهيل بن عمرو ﵁ وكان رجلاً عاقلاً -: أيها القوم! إني والله لقد أرى الذي في وجوهكم إن كنتم

стр. 1908

غِضَابا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرَعوا وأبطأتم، فكيف لكم إذا دعوا يوم القيامة وتُركتم، أما والله لما سبقوكم إليه من الفضل مما لا ترون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه، قال: ونفض ثوبه وانطلق. قال الحسن: وصدق - والله - سهيل؛ لا يجعل الله عبداً أسرعَ إليه كعبدٍ أبطأ عنه (١). وفي رواية: فكيف بكم إذا دعوا إلى أبواب الجنة وتركتم؟ والله لا أدع موقفاً وقفت مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين على رسول الله ﷺ إلا أنفقت على المسلمين مثلها (٢). ويناسب ما في هذا الأثر من سبق الموالي ذوي الأنساب بأعمالهم سبق الأرقاء الأحرار حتى قد يسبق العبد سيده؛ كما روى الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" عن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "عَبْدٌ أَطَاعَ اللهَ تَعَالى، وَأَطَاعَ مَوالِيَهُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ قَبْلَ مَوَالِيَهُ بِسَبْعِيْنَ خَرِيْفًا، فَيقُولُ السَّيدُ: رَبِّ! هَذَا كَانَ عَبْدِي فِي الدُّنْيَا، قَالَ: جَازَيْتُهُ بِعَمَلِهِ، وَجَازَيتُكَ بِعَمَلِكَ" (٣).

стр. 1909

وفي "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ عَبْدًا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَرَأَى عَبْدَهُ فَوْقَ دَرَجَتِهِ، فَقَال: يَا رَبِّ! هَذَا عَبْدِي فَوْقَ دَرَجَتِي؟ قَالَ: نعَمْ، جَزَيْتُهُ بِعَمَلِهِ، وَجَزَيِتُكَ بِعَمَلِك" (١). وفيه عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ سَابِقٍ (٢) إِلى الْجَنَّةِ مَمْلُوْكٌ أَطَاعَ اللهَ وَأَطَاعَ مَوَالِيَه" (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى بإسناد حسن، عن أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَخِيْلٌ، وَلا خَبٌّ، وَلا خَائِنٌ، وَلا سَيُّء الْمَلَكَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ الْمَمْلُوْكُوْنَ إِذَا أَحْسَنُوْا فِيْمَا بَيْنَهُم وَبَيْنَ اللهِ ، وَفِيْمَا بَيْنَهُم وَبَيْنَ مَوَالِيهم" (٤). والخب - بالفتح -: الْخَدَّاع الْمَكَّار الخبيث.

стр. 1910

ومن السابقين من جاء الأثر فيه بأنه أول من يقرع باب الجنة، أو أول من يدخلها، ولا معارضة بين الأخبار في ذلك؛ فأول من يقرع باب الجنة النبي ﷺ فيبادر معه كافل اليتيم، ومن في رتبته. وقوله في هذا الحديث: "أَوَّلُ مَنْ يَقْرعُ بابَ الْجَنَّةِ الْمَمْلُوْكُوْنَ"؛ أي: بعد النبي ﷺ ، ومن معه، أو النبي ﷺ أول من يقرع باب الجنة ليفتح للداخلين، ثم يكون كافل اليتيم، والعبد المملوك، وأهل الجهاد، والصدقات، وتلاوة القرآن المخلصون أول الداخلين والفقراء من كل صنف أسبق إلى الجنة من الأغنياء جمعاً بين الأحاديث، فافهم! وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن أبي علي الجوزجاني رحمه الله تعالى قال: السابقون هم المقربون بالعطيات، والمرتفعون في المقامات، وهم الصلة (١) بالله من بين البرية، عرفوا الله [حق معرفته] (٢)، وعبدوه بإخلاص العبادة، وأَووا إليه بالشوق والمحبة، وهم الذين قال الله : ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [صَ: ٤٧] (٣). وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] قال: هم أهل القرآن (٤).

стр. 1911

وروى عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال: قال كعب رحمه الله تعالى: يلومني أحبار بني إسرائيل أني دخلت في أمة فرَّقهم الله تعالى، ثم جمعهم، ثم أدخلهم الجنة جميعاً، ثم [تلا] هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣]؛ قال: فأدخلهم الله الجنة جميعاً (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته (٢). وروى ابن مردويه، والديلمي عن حذيفة ﵁ قال: يبعث الناس على ثلاثة أصناف، وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]؛ قال: سابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله (٣)؛ يعني: بعد الحساب بدليل الأثر عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتاب الله أنَّ هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: فصنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف

стр. 1912

يحاسبهم الله حساباً يسيراً، وصنف يوقفون فيؤخذ منهم ما شاء الله، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه. رواه عبد بن حميد (١). ولأرباب الإشارات والحقائق في هؤلاء الثلاثةِ أقوالٌ: قال الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى: الظالم ينظر من نفسه إلى نفسه في دنياه وآخرته، فيقول في دنياه وآخرته: نفسي نفسي، والمقتصد نظر من نفسه إلى عقباه وهو في دنياه ناظر إلى عقباه (٢)، والسابق ينظر من الله إلى الله فلم يرَ غير الله في دنياه وعقباه (٣). وقال محمد بن علي الترمذي رحمه الله تعالى: لكل واحد من هؤلاء الثلاثة نوع من سؤال، وأخبر عنه النبي ﷺ ؛ فسؤال الظالم: أسألك الإيمان بك، والكفاف من الرزق. وسؤال المقتصد: أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، [وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل] (٤). وسؤال السابق: أسألك النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك (٥). قلت: وجميعهم على الباب واقفون، وإلى الله مفتقرون، وبلسان

стр. 1913

حالهم قائلون: [من مخلَّع البسيط] إِلَيْكَ جِئْنا وَأَنْتَ جِئْتَ بِنا ... وَلَيْسَ رَبٌّ سِواكَ يَحْمِيْنا (١) بابُكَ رَحْبٌ فِناؤُهُ كَرَمٌ ... تُؤْوِيْ إِلَىْ بابِكَ الْمَساكِيْنا والبيتان لأبي سعد عبد الملك بن محمد النيسابوري المعروف بالخركوشي، وهو ممن يرتجى بذكره الرحمة. حكي أنه خرج مرة مع الناس للاستسقاء، فأنشد البيتين فسقوا برحمة الله تعالى (٢). وقال محمد بن علي الترمذي أيضاً: الظالم لنفسه إلى عفو الله، والمقتصد إلى رضى الله، والسابق بالخيرات إلى رضوان الله، ورضوان من الله أكبر (٣). وقال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: الظالم مضروب بسوط الأمل، مقتول بسيف الحرص، مضطجع على باب الرجاء. والمقتصد مضروب بسوط الحسرة، مقتول بسيف الندامة، مضطجع

стр. 1914

على باب الكرم. والسابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مضطجع على باب الهيبة (١). وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الظالم مضروب بسوط الغفلة، مقتول بسيف الأمل، مطروح على باب الرحمة والمشيئة. والمقتصد مضروب بسوط الندامة، مقتول بسيف الحسرة، مطروح على باب الفقر. والسابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مطروح على باب المشاهدة والبشرى واللقاء (٢). قلت: ومعنى هذا الكلام: إن الظالم لنفسه هو الذي ظلم نفسه بالاسترسال في الغفلة عما يراد منه من أدب كل وقت من أوقاته، وحقوق كل حين من أحايينه في ذلك الوقت، وذلك الحين، ثم كلما تحركت روحه بواعظ الإيمان المستوي على عرش قلب كل عبد مؤمن للنهوض إلى التوبة والإقلاع عن المعصية لم تطاوعه نفسه؛ لأنها قد انقطعت بمُدْية التسويف، وقتلت بسيف الأمل، فهو تحت المشيئة؛ لأن سيئاته قد رجحت على حسناته فلم يستحق فوزاً، ولم يستوجب ثواباً، لكن الله تعالى لم يقطعه عن رحمته بالكلية، ولم يخرجه من دائرة الاصطفائية،

стр. 1915

بل طرحه على باب رحمته، وأناط آماله بدخول جنته لأنَّ له عند الله عهداً وذمة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]؛ أي: قال: لا إله إلا الله. وما أحسن ما قال عبد الرحيم البرعي - من رجال اليمن - رحمه الله تعالى: [من الرمل] عَلَّها تَرْعَىْ ذِماماً سالِفاً ... وَبِظَنِّيْ أَنَّها تَرْعَىْ الذِّماما ولذلك قدم الله تعالى الظالم لنفسه في الآية. قال ابن عطاء الآدمي رحمه الله تعالى: قدم الظالم لئلا ييئس من فضله؛ قال: والسابق مقدم، لكن أظهر لطفه بتقديم الظالم ليعرفوا كرمه ويرجعوا إليه (١). وقال جعفر الصادق ﵁: بدأ بالظالمين إخباراً أنَّه لا يتقرب إليه إلا بصرف كرمه، وأنَّ الظلم لا يؤثر في الاصطفائية، ثم ثنَّى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة ببركة كلمة الإخلاص (٢). وقال أبو الحسن الفارسي (٣) رحمه الله تعالى: إنَّ الله اصطفى جملة

стр. 1916

الموحدين من جملة الكافرين، وكانوا عباداً مخصوصين، فسوَّى بينهم لئلا يعتمد السابق على سبقه، ولا ييأس الظالم من ظلمه (١). واعلم أن الظالم لنفسه في هذه الآية أخص من الظالم لنفسه في قوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. قال قتادة: أي: مؤمن وكافر. كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢). فظلم النفس على قسمين: ظلم عظيم؛ وهو الشرك، فهذا يُخرج صاحبه من الاصطفاء. وظلم دون ظلم؛ وهو بالمعصية ما عدا الشرك، وهذا لا يخرج العبد عن الرحمة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؟ وروى أبو داود الطيالسي، والبزار عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ: فَظُلْم لا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْم لا يَتْرُكُهُ؛ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ فَالشِّرْكُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وَأَمَّا الظُّلْمْ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللهُ، فَظُلْمُ العِبَادِ أَنْفُسَهُم فِيْمَا بَيْنَهُم وَبَيْنَ رَبِّهِم.

стр. 1917

وَأَمَّا الظّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ اللهُ، فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضَهُم بَعْضًا حَتَّى يَدِيْنَ لِبَعْضِهِم مِنْ بَعْضٍ" (١). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ قال: "الدَّوَاوِيْنُ [عند الله ] (٢) ثَلاثة: فَدِيْوَانٌ لا يَغْفِرُ اللهُ مِنْهُ شَيئاً، وَدِيْوَانٌ لا يَعْبَأُ اللهُ بهِ شَيْئاً، وَدِيْوَانٌ لا يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئاً؛ فَأَمَّا الدِّيْوَانُ الَّذِي لا يَغْفِرُ اللهُ مِنْهُ شَيْئاً، فَالإِشْرَاكُ بِاللهِ، [قال الله ﴿يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] (٣)] (٤). وَأَمَّا الدِّيْوَانُ الَّذِي لا يَعْبأُ اللهُ بِهِ شَيْئاً، فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ، أَوْ صَلاةٍ تَرَكَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغْفِرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ، وَيَتَجَاوَزُ. وَأمَّا الدِّيْوَانُ الَّذِي لا يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَظَالِمُ العِبَادِ بَيْنَهُم؛ القِصَاصُ لا محَالَةَ" (٥).

стр. 1918

أي: إلأَ أن يصالح الله تعالى صاحب الحق؛ للحديث الصحيح في ذلك. وقد عقدت حديث عائشة ﵂ في أبيات ستأتي إن شاء الله تعالى في الخاتمة. وقول الجنيد رحمه الله تعالى: والمقتصد مضروب بسوط الندامة ... إلى آخره (١)، إنما كان المقتصد كذلك لأن نفسه لوامة تلومه على زلته، وتؤنبه في التقصير، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن المؤمن - والله - ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإنَّ الفاجر يمضي قُدماً لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. رواه عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٢). فإذا فات المقتصد ما اقتصر عنه من أعمال البر ندم عليه وتحسر حيث فاته ذلك، ولم يزدد منه، فهو مضروب بسوط الندم، مقتول بسيف الحسرة لأنَّ الأوقات إذا فاتت ماتت حصتها من الخير، وإذا كان العبد قد فاته التسوق في أيامه، والبذر في إبانه، لم يبقَ له حين رواج الأسواق،

стр. 1919

ونَفَاق السلع، وحصاد الزروع إلا الانطراح على أبواب الجود والكرم، والافتقار إلى مفيد البذل والنعم. وقد روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵁ أنه قال: ثلاث صاحبهن جواد؛ مقتصد في فرائض الله يقيمها، ويتقي السوء، ويقل الغفلة. وثلاث؛ لا تحقرن خيراً أن تتبعه، وشراً أن تتقيَه، ولا يكبرن عليك ذنب أن تستغفر الله منه. وإيَّاك واللعب؛ فإنك لن تصيب به دنيا، ولا تدرك به آخرة، ولن ترضى المليك، إنما خلقت النار لسخطه، وإني أحذرك سخط الله (١). واعلم أن المقتصد قد يكون سابقاً مُقدماً على المجتهد، وذلك بأمور: ١ - منها: أنَّ المجتهد إذا كان اعتقاده سقيماً فالمقتصد خير منه، بل البدعة قد تحبط الاجتهاد بمرة. وقد روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁ قال: اقتصادٌ في سنةٍ خيرٌ من اجتهاد في بدعة، وأن تتبع خير من أن تبتدع (٢). وروى الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" عن أنس، وأبو القاسم الرافعي عن أبي هريرة، والديلمي عن ابن مسعود ﵁ قالوا: قال

стр. 1920

رسول الله ﷺ : "عَمَلٌ قَلِيْلٌ فِيْ سُنَّةٍ خَيْرٌ مِن اجْتَهَادٍ فِي بِدْعَة". هذا لفظ أنس، ولفظ غيره: "خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيْرٍ فِي بِدْعَةٍ" (١). ٢ - ومنها: أن الاقتصاد إذا داوم عليه العبد خير من الاجتهاد، والانقطاع عنه؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ". رواه الشيخان (٢). وفي رواية عند البخاري: كَانَ أَحَبُّ الدِّيْنِ إِلَى النَبِيِّ ﷺ مَا دَامَ (٣) عَلَيْهِ صَاحِبَهُ (٤). وفي لفظ عن عائشة، وأم سلمة ﵁: كَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَيْهِ مَا دُوْوِمَ عَلَيْهِ وإِنْ قَلَّ (٥). ٣ - ومنها: أن يكون العبد في الاقتصاد أحفظ لآدابه في الاجتهاد كان يؤديه وهو خالص القلب، صادق القصد كأن يصلي ركعتين مُتدبراً للقراءة، مبطئاً في الأفعال؛ فإنها أفضل من عشر ركعات بدون ذلك، أو

стр. 1921

يقرأ آية بتدبر وفهم؛ فإنه أفضل من قراءة عشر آيات بدون ذلك. ففي الحديث: "رَكْعَتَانِ مِنْ عَالِمٍ بِاللهِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ رَكْعَةٍ مِنْ مُتَجَاهِلٍ بِاللهِ". رواه الشيرازي في "الألقاب" عن علي ﵁. وفيه: "رَكْعَتَانِ مِنْ رَجُل وَرِعٍ أَفْضَلُ مِنْ ألفِ رَكْعَةٍ مِنْ مُخَلِّطٍ". رواه الديلمي عن أنس ﵁ (١). وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس ﵁ قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلبُ ساهي (٢). وروى الدارقطني عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ إِلا بِتدَبُّر، وَلا عِبَادَة إِلا بِفِقْهٍ، وَمَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْر مِنْ عِبَادَةِ سِتِّيْنَ سَنَة" (٣). ٤ - ومنها: أن تكون العبادة المقتصدة واقعة في مشاهد المسلمين كالصلاة في الجماعة. وفي الحديث الصحيح: "صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِسَبع وَعِشْرِيْنَ درَجَةً". رواه الإمامان مالك، وأحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ (٤).

стр. 1922

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الأزرق بن قيس الحارثي قال: كنا عند عسعس بن سلامة وفينا ابن حاصر الأسيدي - وكان رجلاً خطيبا متكلماً -، فقال: وددت أن لنا بالجبان قصراً فيه من الطعام والشراب ما يكفينا حتى يدفن آخرنا رجلاً، فقال عسعس بن سلامة: أما بلغك أنَّ رسول الله ﷺ كان في سفر، ففقد رجلاً من أصحابه، فقال: "اطْلُبُوْهُ فِيْ الْغِيْرانِ"، فوجدوه في غار قائما يصلي، فقال له رسول الله ﷺ : "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ "قال: كبرت سني وحضر أجلي فأحببت أن أخلوَ لعبادة ربي، فقال رسول الله ﷺ : "أَلا إِنَّ مَوْطِنَ سَاعَة مِنْ مَوَاطِنِ الْمُسْلِمِيْنَ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الرَّجُلِ سِتِّيْنَ سَنَة خَالِيًا" (١). ٥ - ومنها: أنَّ صدقة المقتصد من حلال تسبق صدقة المكثر من شبهة، أو صدقة المقل تسبق صدقة المكثر؛ لأن الأول يجود بما عزَّ،

стр. 1923

والثاني بما هان؛ كما في قوله ﷺ : "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِئَةَ ألفِ دِرْهَم" الحديث (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن كيسان قال: مرَّ رجل من العمال يتصدق على المساكين قال: فأتى أبا هريرة (٢) ﵁، فقال: يا أبا هريرة! مررت بفلان وهو يتصدق على المساكين، فقال أبو هريرة ﵁: لكن درهم أصيبه بكد يعرق فيه جبيني أحب إلي من صدقة هؤلاء مئة ألف ومئة ألف (٣). وكلام أبي هريرة ﵁ يحتمل وجهين: الأول: أن درهم يتصدق به العبد اكتسبه بعمل يده وكَدِّه أفضل من مئة ألف درهم يتصدق بها جميعها من العمالة ونحوها بغير كد، أو بغير ورع. وفي حديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين": "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلا الطَّيِّبَ - فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِيْنهِ، ثُمَّ يُربِّيْهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى يَكُوْنَ مِثْلَ الجَبَلِ" (٤). والوجه الثاني: أن اكتساب العبد لدرهم واحد بعرق جبينه وكد

стр. 1924

يمينه خير له من مئة ألف درهم تحصل له بمنة أحد على سبيل الهبة، أو الصدقة؛ لأن احتمال المنة يشق على قلوب الأخيار. ومن هنا كان ﷺ يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة لأن الهدية يكافأ عليها فتندفع المنة عنه بالمكافأة؛ بخلاف الصدقة. وفي حديث الزبير بن العوام ﵁ في "الصحيحين": "لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلاً فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ، فَيَجِيْءَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِه، فَيَبِيْعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهِا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسأَلَ النَّاسَ؛ أَعْطَوْهُ، أَوْ مَنَعُوْهُ" (١). وروى مسلم، والترمذي نحوه من حديث أبي هريرة ﵁، وزاد: "ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ العُلْيَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى" (٢). وقد تسبق الصدقة المقتصدة الصدقة الكثيرة بمعنى آخر؛ كالصدقة في حال حياة العبد وهو صحيح شحيح [يأمل] (٣) الحياة؛ قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يتَصَدَّقَ بِمِئَةِ درْهَمٍ عِنْدَ مَوْته". رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٤). وكذلك الصدقة على الأقارب، والجيران، والأصدقاء تسبق الصدقة

стр. 1925

على غيرهم لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، وعلى الجار والأخ صدقة وأداء لحق الجوار والأخوة، وأدلة ذلك مشهورة. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان" عن يزيد بن عبد الله بن الشخير رحمه الله تعالى مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أُعْطِيَ أَخًا فِي اللهِ دِرْهَمًا أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أتصَدَّقَ بِعَشَرَةٍ، وَلأَنْ أُعْطِيَ أَخًا فِي اللهِ عَشَرَة أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً" (١). ولذلك الاقتصاد فيما هو حال العبد يسبق الاجتهاد فيما ليس من حاله، فالصدقة من المَلِيء أولى به من سرد الصوم مثلاً، بل لو سرد الصوم وهو يمنع الزكاة، أو أكثر من الركوع والسجود ونحوهما تطوعاً وهو كذلك، يخشى عليه أن تُرد عليه أعماله، وتنعكس به آماله. وكذلك لو اشتغل بأنواع العبادة وقلبه غافل عن ذكر الله تعالى؛ صاحب الذكر واليقظة أسبق منه. قال ابن مسعود ﵁: لأن أذكر الله من لدن صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس أحب إلي من أن أعطي فارسين الخيل في سبيل الله . رواه الإمام أحمد في "الزهد" (٢). وروى عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير" عن سهل بن سعد

стр. 1926

الساعدي ﵁، والطبراني - أيضاً - عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَجْلِسَ فِي مَجْلِسٍ، فَأَذْكُرَ الله حَتَى تَطْلُعَ الشَّمْسُ, أَحَبُّ إِليَّ مِنْ شدٍّ عَلَى جِيَادِ الْخَيْلِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ مِنْ حِيْنِ أُصَلِّي إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (١). وفي حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلاةِ الغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَة مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُوْنَ اللهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إلَيِّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَة مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ (٢) ". رواه أبو داود، وغيره (٣). فالسبق تارة يكون بالاجتهاد، وتارة بالكثرة في العمل، وتارة يكون بدون ذلك لحكمة نفهمها، أو لا نفهمها. وسَبْقُ الذِّكرِ - وإن كان أخف من غيره، أو أقل من غيره - حكمته

стр. 1927

ظاهرة؛ لأنَّ من أحَّط شيئا أكثر من ذكره، فغلبة الذكر على لسان العبد دليل غلبته على قلبه، وغلبته على قلبه دليل محبته المذكور. ومن هنا قال الجنيد ﵀: من ألهم الذكر أوتي منشور الولاية (١). ومن هنا قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ولأنَّ ذكر العبد لله تعالى، ثوابه ذكر الله للعبد، فإذا ذكره بالتعظيم والهيبة، ذكره الله تعالى بالرفعة، "وإقامة الحرمة له بين عباده، وإلقاء المودة له في قلوبهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]. وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: ما عادى عبد ربه بشيء أشد عليه من أن يكره ذكره، وذكر من يذكره (٢). بل الحكمة البالغة: أن الله تعالى لم يكلف العباد طاعته إلا لذكره، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂

стр. 1928

قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى" (١). وقول الجنيد ﵀ في كلامه المتقدم: والسابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مطروح على باب المشاهدة والبشرى واللقاء. وقال أبو يزيد البسطامي ﵀: مضطجع على باب الهيبة (٢). إنما كان مضروباً بسوط المحبة؛ لأنه قد أفرغ مجهوده في طاعة حبيبه، وبذل الوسع في خدمة سيده حتى غلب الحب على كله، واستولى سلطان الهوى على عقله، فصار يدعى إلى مقتضى المحبة بما هو أشد من السوط، وأبلغ من السيف. وقد استشهد بعض العارفين على هذا المعنى بقوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]؛ أي: أفسدوها على غيرهم، فلم تصلح إلاَّ لهم. كذلك المحبة تستولي على القلب فيفسد فيه ما سوى طاعة المحبوب، ولا يصلح إلا لمحبوبه (٣). وسلطان المحبة يغلب سلطان الملوك، كما أجرى الله تعالى هذه

стр. 1929

الحكمة على لسان الرشيد في قوله: [من الكامل] مَلَكَ الثَّلاثُ الْغانِياتُ جَنانِي ... وَنَزَلْنَ (١) مِنْ قَلْبِيْ بِكُلِّ مَكانِ ما لِيْ تُطاوِعُنِيْ الْبَرِيَّةُ كُلُّها ... وَأُطِيْعُهُنَّ وَهُنَّ فِيْ عِصْيانِ ما ذاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطانَ الْهَوَىْ ... وَبِهِ سَطَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطانِي (٢) فإذا كان هذا سلطان محبةِ مخلوق، فكيف إذا غلب سلطان حب الخالق على القلب المقرون بالتوفيق، المملوء بالتحقيق؟ فإنه يدعوه إلى التبريز في خدمته، والسبق إلى طاعته، فالمحبة تدعوه إلى أن لو ازداد من أعمال الخير المرضية لحبيبه، والموجبة لتقريبه لأنه يرى النعم مترادفة من حبيبه إليه، والمنن متعاكفة من قبله عليه، وقد جُبِلت القلوب على حب من أحسن إليها، وأقبل بملاطفته عليها، فدعاه تَرادُفُ النعمة إلى الازدياد من الخدمة، فهو مضروب بسوط المحبة من هذه الحيثية. ثم إن الحبيب ناداه برسل الإفضال، ورسائل النوال إلى القرب والاتصال، فود أن لو سارع إلى اللقاء طيراناً، فحبسته إرادة الحبيب لبلوغ

стр. 1930

إبان التقريب، حيث قضى أن لكل أجل كتاباً وإباناً، فهو مقتول بسيف الشوق من هذا القبيل، مطروح على باب المشاهدة والبشرى واللقاء من هذا السبيل، وحسبه الله تعالى ونعم الوكيل. ثم هو في شوقه حاضر بين يدي من إليه ناظرة لأنَّ الله تعالى يقول في بعض كتبه: "بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي" (١)؛ فهو مضطجع على باب الهيبة من هذه الجهة كما قال أبو يزيد: وحقيقة الهيبة المخافة، والتقية مع الإجلال والإعظام. وقد علمت بذلك أنَّ مبنى أمر السابقين على محبة رب العالمين، فبقدر المحبة يكون السبق إلى الطاعة. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀ في "رسالته": قال جعفر - يعني: الخلدي -: قال الجنيد: دفع السَّريُّ إليَّ رقعة، وقال: هذه لك خير من سبع مئة فضة، أو حديث بعلو، فإذا فيها: [من الطويل] وَلَمَّا ادَّعَيْتُ الْحُبَّ قالَتْ كَذَبْتَنِيْ ... فَما لِيْ أَرَىْ الأَعْضاءَ مِنْكَ كَواسِيَا فَما الْحُبُّ حَتَّىْ يَلْصَقَ الْقَلْبُ بِالْحَشا ... وَتَذْبُلَ حَتَّىْ لا تُجِيْبَ الْمُنادِيَا
следующие страницы →