الساعدي ﵁، والطبراني - أيضاً - عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَجْلِسَ فِي مَجْلِسٍ، فَأَذْكُرَ الله حَتَى تَطْلُعَ الشَّمْسُ, أَحَبُّ إِليَّ مِنْ شدٍّ عَلَى جِيَادِ الْخَيْلِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ مِنْ حِيْنِ أُصَلِّي إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (١).
وفي حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلاةِ الغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَة مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُوْنَ اللهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إلَيِّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَة مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ (٢) ". رواه أبو داود، وغيره (٣).
فالسبق تارة يكون بالاجتهاد، وتارة بالكثرة في العمل، وتارة يكون بدون ذلك لحكمة نفهمها، أو لا نفهمها.
وسَبْقُ الذِّكرِ - وإن كان أخف من غيره، أو أقل من غيره - حكمته
стр. 1927
ظاهرة؛ لأنَّ من أحَّط شيئا أكثر من ذكره، فغلبة الذكر على لسان العبد دليل غلبته على قلبه، وغلبته على قلبه دليل محبته المذكور.
ومن هنا قال الجنيد ﵀: من ألهم الذكر أوتي منشور الولاية (١).
ومن هنا قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ولأنَّ ذكر العبد لله تعالى، ثوابه ذكر الله للعبد، فإذا ذكره بالتعظيم والهيبة، ذكره الله تعالى بالرفعة، "وإقامة الحرمة له بين عباده، وإلقاء المودة له في قلوبهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤].
وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: ما عادى عبد ربه بشيء أشد عليه من أن يكره ذكره، وذكر من يذكره (٢).
بل الحكمة البالغة: أن الله تعالى لم يكلف العباد طاعته إلا لذكره، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂
стр. 1928
قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى" (١).
وقول الجنيد ﵀ في كلامه المتقدم: والسابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مطروح على باب المشاهدة والبشرى واللقاء.
وقال أبو يزيد البسطامي ﵀: مضطجع على باب الهيبة (٢).
إنما كان مضروباً بسوط المحبة؛ لأنه قد أفرغ مجهوده في طاعة حبيبه، وبذل الوسع في خدمة سيده حتى غلب الحب على كله، واستولى سلطان الهوى على عقله، فصار يدعى إلى مقتضى المحبة بما هو أشد من السوط، وأبلغ من السيف.
وقد استشهد بعض العارفين على هذا المعنى بقوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]؛ أي: أفسدوها على غيرهم، فلم تصلح إلاَّ لهم.
كذلك المحبة تستولي على القلب فيفسد فيه ما سوى طاعة المحبوب، ولا يصلح إلا لمحبوبه (٣).
وسلطان المحبة يغلب سلطان الملوك، كما أجرى الله تعالى هذه
стр. 1929
الحكمة على لسان الرشيد في قوله: [من الكامل]
مَلَكَ الثَّلاثُ الْغانِياتُ جَنانِي ... وَنَزَلْنَ (١) مِنْ قَلْبِيْ بِكُلِّ مَكانِ
ما لِيْ تُطاوِعُنِيْ الْبَرِيَّةُ كُلُّها ... وَأُطِيْعُهُنَّ وَهُنَّ فِيْ عِصْيانِ
ما ذاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطانَ الْهَوَىْ ... وَبِهِ سَطَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطانِي (٢)
فإذا كان هذا سلطان محبةِ مخلوق، فكيف إذا غلب سلطان حب الخالق على القلب المقرون بالتوفيق، المملوء بالتحقيق؟ فإنه يدعوه إلى التبريز في خدمته، والسبق إلى طاعته، فالمحبة تدعوه إلى أن لو ازداد من أعمال الخير المرضية لحبيبه، والموجبة لتقريبه لأنه يرى النعم مترادفة من حبيبه إليه، والمنن متعاكفة من قبله عليه، وقد جُبِلت القلوب على حب من أحسن إليها، وأقبل بملاطفته عليها، فدعاه تَرادُفُ النعمة إلى الازدياد من الخدمة، فهو مضروب بسوط المحبة من هذه الحيثية.
ثم إن الحبيب ناداه برسل الإفضال، ورسائل النوال إلى القرب والاتصال، فود أن لو سارع إلى اللقاء طيراناً، فحبسته إرادة الحبيب لبلوغ
стр. 1930
إبان التقريب، حيث قضى أن لكل أجل كتاباً وإباناً، فهو مقتول بسيف الشوق من هذا القبيل، مطروح على باب المشاهدة والبشرى واللقاء من هذا السبيل، وحسبه الله تعالى ونعم الوكيل.
ثم هو في شوقه حاضر بين يدي من إليه ناظرة لأنَّ الله تعالى يقول في بعض كتبه: "بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي" (١)؛ فهو مضطجع على باب الهيبة من هذه الجهة كما قال أبو يزيد: وحقيقة الهيبة المخافة، والتقية مع الإجلال والإعظام.
وقد علمت بذلك أنَّ مبنى أمر السابقين على محبة رب العالمين، فبقدر المحبة يكون السبق إلى الطاعة.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀ في "رسالته": قال جعفر - يعني: الخلدي -: قال الجنيد: دفع السَّريُّ إليَّ رقعة، وقال: هذه لك خير من سبع مئة فضة، أو حديث بعلو، فإذا فيها: [من الطويل]
وَلَمَّا ادَّعَيْتُ الْحُبَّ قالَتْ كَذَبْتَنِيْ ... فَما لِيْ أَرَىْ الأَعْضاءَ مِنْكَ كَواسِيَا
فَما الْحُبُّ حَتَّىْ يَلْصَقَ الْقَلْبُ بِالْحَشا ... وَتَذْبُلَ حَتَّىْ لا تُجِيْبَ الْمُنادِيَا
стр. 1931
وَتَنْحُلَ حَتَّىْ لا يُبْقِيْ لَكَ الْهَوَىْ ... سِوَىْ مُقْلَةٍ تَبْكِيْ بِها وَتُناجِيَا (١)
وفي "الصحيحين" عن أنس ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيْمَانِ: أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إِليِهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُوْدَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَبْعَدَه" (٢) اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ بِالنَّار" (٣).
ومهما حصل القلب على الحب كان الباعث له على أعمال الخير حبه، فالعمل المحثوث عليه بالحب هو عمل السابقين، ولذلك قال يحيى ابن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: مثقال خردلة من الحب أحبُّ إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب (٤).
وعلى هذا المنوال كان عمل الصحابة والصدر الأول.
ثم كان أكثر الناس في طاعاتهم إنما هم جارون على عادة اعتادوها، أو على ما كان وفق هواهم.
ومن هنا قال عبيد الله بن عمير رحمه الله تعالى: ما المجتهد فيكم إلا
стр. 1932
كاللاعب فيمن مضى. رواه الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد، عنه (١).
ورواه في موضع آخر منه عن مجاهد؛ قال: ذهب العلماء فما بقي إلا المتعلمون، وما المجتهد اليوم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم (٢).
وإنَّما كان ذلك لغلبة الهوى على الناس، ومحبة الدنيا جيلاً بعد جيل، ولأنَّ محبة السابقين كانت أمكن، ومعرفتهم كانت أظهر وأبين لمشاهدة الأولين منهم من كان يوحى إليه ﷺ ، ومخالطة التالين لهم هؤلاء الذي شاهدوا أحواله ﷺ ، وعملوا على الاقتداء به، ثم تقهقر الناس.
ومن هنا فسرت عائشة ﵂ السابق ممن مضى على عهد النبي ﷺ .
وروى الثعلبي وغيره عن عقبة بن صهبان قال: دخلت على عائشة ﵂ فسألتها عن قول الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٣٢] فقالت: يا بني! كلهم في الجنة؛ أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ ، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسَها معنا (٣).
стр. 1933
وهذا من عائشة ﵂ على طريقة أمثالها من السابقين والصديقين، وعادتهم من ترك تعظيم النفوس، ورؤيتها دون سائر المسلمين.
وهو نظير ما في "صحيح البخاري" عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن سهل بن أسلم قال: كان بكر بن عبد الله رحمه الله تعالى إذا رأى شيخاً قال: هذا خير مني؛ عَبَدَ الله قبلي، وإذا رأى شاباً قال: هذا خير مني؛ ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب (٢).
وقد كثرت أقوال أرباب المعاني والحقائق في معنى الظالم، والمقتصد، والسابق.
والقول الجامع المطابق - إن شاء الله - للواقع: أن الظالم نفسه هو المقصر عن بعض الحقوق، المخل ببعض الآداب، الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واعترف بذنبه كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]،
стр. 1934
وهذا حال عامة الأمة إلا الصالحين منهم.
فهذا القسم لا ينبغي التشبه بهم أصلاً إلا في أصل الإيمان، والعمل الصالح، والوقوف على باب الرحمة بالذل، والخضوع، والتوبة إلى الله تعالى، والرجوع.
والمقتصد هو الذي خرج من عهدة الواجب، واقتصر في الرغائب، وكلما فرطت منه فرطة، أو زل زلة، فر إلى الله فرار التائب العارف بأنَّ الله تعالى مطلع عليه، ولأفعاله مراقب، المقتدي بقوله ﷺ : "سَدِّدُوْا وَقَارِبُوْا" (١)، فهو مسدد مقارب.
وهذا أول مقامات الصالحين، وأدنى مراتب الأبرار.
فهذا القسم ينبغي التشبه بهم لمن لم تنهض به مطية التوفيق إلى التشبه بالصديقين، وقعد به سابق القضاء عن اللحاق بحلبة السابقين؛ فإن لم يصبها وابل فَطَل، وقد استوفينا الكلام على ذلك.
والسابق هو الصديق المتحقق بقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ أي: من القيام بحق عبوديته التي وعدوه بها من أنفسهم في [ضمن] (٢) قولهم بلى، جواباً لقوله لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]؛ أي: أنت ربنا ونحن عبادك، فلا بد من تحققهم بصفة العبودية بالتحرر من رق الأغيار، والخروج عن رِبْقَة الآثار، فلذلك
стр. 1935
لا تراهم إلا يسارعون في الخيرات، ويسابقون إلى الطاعات تحقيقاً لما تحققوا به من صدق العبودية، والقيام بحق الربوبية.
ولقد قال سعيد بن جبير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].
وهذا القسم ينبغي لكل ذي نعمة أن يتشبه بهم؛ فإنَّ لهؤلاء يوم القيامة دولة عظيمة، وملكاً كبيراً، وظلاً ظليلاً، وروضاً نضيراً.
ولا يتحقق العبد بالتشبه بهم إلا إذا سارع إلى كل خير، وكانت مسارعته [ناتجة] (٢) عن صدق في العبودية، ومحافظة لحق الربوبية، واستقام على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢].
وقوله ﷺ : "قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثمَّ اسْتَقِم" (٣).
قال ذو النون رحمه الله تعالى: العبودية أن تكون عبده في كل حال،
стр. 1936
كما أنه ربك في كل حال (١).
وذلك يكون بدوام الخوف، وملازمة الإخلاص، واستحقار النفس عن أن يكون أهلاً للقبول، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: "لا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُوْمُ وَيَتَصَدَّقُ وُيصَليْ، وَهُوَ مَعَ ذَلكَ يَخافُ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ" (٢).
وروى ابن المبارك في "الزهد"، وغيره عن الحسن رحمه الله تعالى في الآية قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر، ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب الله تعالى (٣).
قلت: ويدل عليه قوله تعالى في آخر الكلام: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].
стр. 1937
وفيه تلميح إلى أن الخوف هو الذي دعاهم إلى المسابقة، والمسارعة في الخيرات الأخروية لا الدنيوية؛ لأنهم يعلمون أن الخيرات الدنيوية شاغلة عن الخيرات الأخروية، ألا ترى أنها شغلت سليمان بن داود ﵇ حتى فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل التي كانت تعرض عليه وهي من أفضل خيرات الدنيا لما شغلته عن ذكر ربه، فأثنى الله تعالى عليه بعقرها، والإعراض عنها بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣١]؛ يعني: الشمس، وإضمارُها من غير ذكر لها لدلالة العشي عليها.
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾؛ يعني: الخيل الصافنات الجياد.
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]؛ أي: فطفق، وأخذ يمسحها مسحاً بضرب سوقها وأعناقها بالسيف، كما رواه الطبراني في "الأوسط"، والإسماعيلي في "معجمه"، وابن مردويه بإسناد حسن، عن أبي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ في الآية قال: "قَطَعَ سُوْقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسَّيْفِ" (١).
وقد قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: ما شغلك عن الله
стр. 1938
تعالى من أهل أو ولد فهو عليك مشؤوم (١).
وكذلك المال، وإنما سكت عنه أبو سليمان؛ لأنَّ الأهل والولد أعز من المال، فإذا كان ما شغل العبد منها عن الله تعالى مشؤوماً، فما شغله عنه من المال أكثر شؤماً، فليحذر المشمِّر في طاعة الله تعالى أن يشغله شيء دون الله عن الله تعالى، ولا يستعظم نفسه عن ذلك، فقد شغلت من هو أقوى منه كآدم، وداود، وسليمان ﵈، إلا أنهم أعرضوا في الحال عما شغلهم مرةً، وفرُّوا إلى الله تعالى، فلم يعاودوا شيئاً من ذلك، بل لازموا الحذر، وخافوا أن شغلوا بشيء من لذات الدنيا، فأعرضوا عنها توبة رجاءً لموعود الله تعالى، وخوفاً من عذابه، وطلباً لمرضاته، فينبغي للعبد أن يسلك سبيلهم، ويحذر كحذرهم.
وقد روى البيهقي، وابن عساكر، وغيرهما عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَابَقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ - يعني: الأخروية -، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ لَهَا عَنِ الشَهَوَاتِ - يعني: الدنيوية -، وَمَنْ تَرَقَّبَ الْمَوْتَ صَبَرَ عَنِ اللَّذَّاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِيْ الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيْبَاتِ" (٢).
وروى الترمذي وحسنه، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة ﵁،
стр. 1939
وأبو نعيم عن أُبي بن كعب ﵁، والحاكم وصححه عنهما؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَافَ أَدْلَجْ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الْجَنَّة" (١).
وقوله: أدلج - على وزن أكرم -: من الدلج - بفتحتين -، والدلجة - بالضم، والفتح -؛ وهما السير أول الليل، والإدلاج - بالتشديد -: السير من آخره، وهكذا في "القاموس" (٢).
والمراد بقوله ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل"؛ أي: قبل غيره، فينجو مما يخاف منه غيره بسبب التأخر تشبيهاً بمن يسير أول الليل فيسبق غيره ممن نام ولم يدلج، أو يسبق ما كان يحذر في طريقه.
وقد قيل: عند الصباح يحمد القوم السرى (٣).
فالإدلاج في الحديث استعارة للتقدم في الأعمال الصالحة، والاستكثار منها، فبذلك يكون السبق في الدار الآخرة.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]؛ فمن عمل ذرتين
стр. 1940
من خير يرَ ما لا يراه من عمل ذرة، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩].
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التهجد" عن معاوية بن صالح عن عبد الملك - يرفع الحديث -، وفي كتاب "صفة الجنة" عن الحسن بن علي، [عن علي]﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ فِيْ الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ أَعْلاهَا حُلَلٌ، وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسْرَجَةٌ، لُجُمُهُ مِنْ درٍّ وَيَاقُوْتٍ، لا تُرَوِّثُ، وَلا تَبُوْلُ، لَهَا أَجْنِحَةٌ، خَطْوُهَا مَدُّ بَصَرِهَا، فَيَرْكَبُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ".
وقال عبد الملك (١): "فيركبها أولياءُ اللهِ، فتطيرُ بهم من الجنة حيث شاؤوا، فيناديهم الذين أسفلُ منهم فيقولون: يا أهلَ الجنةِ! أنصفُونا، يا ربِّ! بمَ نالَ عبادُك منك هذه الكرامةَ؟ فيقول لهم الربُّ : كانوا يقومون بالليل وكنتم تنامون، وكانوا يصُومون وكنتم تأكلون، وكانوا يُنفقون وكنتم تَبخلون، وكانوا يقاتلون وكنتم تَجبُنون" (٢).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " أَلا أَدَلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ "قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إِسبَاغُ الْوُضُوْءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى
стр. 1941
الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ؟ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" (١).
وروى البزَّار، والطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ اللهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قالوا: نعم، قال: "تَحْلُمُ عَلَى مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ" (٢).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن أبي المتوكل الناجي مرسلاً قال: قال رسول ﷺ : "إِنَّ الدَّرَجَةَ فِيْ الْجَنَّةِ فَوْقَ الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَرْفَعُ بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ بَرْقٌ يَكَادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ، فَيَفْزَعُ لِذَلِك، فَيَقُوْلُ: مَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: هَذَا نُوْرُ أَخِيْكَ فُلان، فَيقُوْلُ: أَخِي فُلان؟ كَنَّا نَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا جَمِيْعًا، وَقَدْ فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُ: إنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلاً، ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قَلْبِهِ الرِّضَا حَتَّى يَرْضَى" (٣).
واعلم أنَّ السبق والفضل في الجنة تارةً يكون بكثرة العمل كما يسبق الصائم المفطر، والقائم النائم، والمجاهد القاعد، والكريم البخيل.
وتارة يكون بحسن العمل، وحسن تأديته، والأدب فيه.
وتارةً يكون بعمل الأركان.
стр. 1942
وتارةً بعمل القلب والجنان.
ولا شك أنَّ من كانت معاملته قلبية أفضل وأسبق ممن معاملته عملية قالبية، كذلك من كان [تقياً] (١) معرضاً عن العصيان وأكل الحرام أسبق وأفضل ممن كان مخلطاً.
ومن ثمَّ قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: انظر درهمك من أين هو وصَلِّ في الصف الأخير. رواه أبو نعيم (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفِريابي قال: قلت لسفيان: أرى الناس يقولون: سفيان الثوري وأنت تنام بالليل! فقال لي: اسكت! ملاك هذا الأمر التقوى (٣).
فإنْ جَمَعَ بين الأعمال الظاهرة من أعمال البر والتقوى من أعمال القلب كان أمره أتم، وسبقه أقوى، وفضله أكثر.
ولا يفهم من مقالة سفيان أنه مدح الإعراض عن ظواهر الأعمال.
ولقد أنصف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورضي عنه في قوله: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير. رواه ابن أبي الدنيا (٤).
стр. 1943
وقلت في معنى ذلك: [من الرمل]
لَيْسَ تَقْوَىْ اللهِ صَوْماً لا وَلا ... أَنْ يَقُوْمَ اللَّيْلَ عَبْدٌ خَلَّطا
إِنَّها تَرْكُ الْمَعاصِيْ ثُمَّ أَنْ ... جاءَ بِالْفَرْضِ وَما أَنْ فَرَّطا
فَإِذا ما زادَ خَيْراً بَعْدَ ذا ... فَهْوُ خَيْرٌ، وَمِنَ اللهِ الْعَطا
رُبَّ عَبْدٍ عامِلٍ لَمْ يَأْلُ فِيْ ... عَمَلٍ لَكِنَّهُ قَدْ أُحْبِطَا
وَفَتًى تَحْسَبُهُ مِنْ دُوْنِهِ ... وَلَقَدْ نالَ مَقاماً أَوْسَطا
فَاحْذَرِ الإِفْراطَ وَالتَّفْرِيْطَ فِيْ ... كُلِّ أَمْرٍ مِنْكَ وَاذْهَبْ مُقْسِطا
تَسْبِقِ الْغالِيَ فِيْ أَعْمالِهِ ... وَتَنَلْ بِالْعَدْلِ ما لَنْ تَسْخَطا
وقد لَمَّحنا في هذا المقالة إلى الجواب عن سؤال، وهو أن يقال: لقد مدحت السبق في الأعمال، وحقيقة الاجتهاد، واتقاء الله حق تقاته، وقد قال الله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢].
стр. 1944
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؟
والجواب عن ذلك: أنَّ المراد بالسبق: الاجتهاد بقدر الوسع، والطاعة في غير تكلف ولا تشدد، بل ما كان مع النشاط، وسكون القلب، وطمأنينة النفس، ألا ترى أنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؟
ولا يكون ما ذكرناه إلا إذا سلك طريقاً وسطاً بين الإفراط والتفريط؛ فإن خيار الأمور أوسطها، والحسنة بين السيئتين.
وفي الحديث: "أَنَا وَأتْقِيَاءُ أُمَّتِي بَرَاءُ مِنَ التَّكَلُّفِ" (١).
وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُوْنَ"؛ قالها ثلاثاً (٢).
قال النووي ﵀: المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد (٣).
وروى الشيخان عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها
стр. 1945
وعندها امرأة؛ قال: "مَنْ هَذِهِ؟ " قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، قال: "مَهْ! عَلَيْكُمْ بِما تُطِيْقُوْنَ، فَوَاللهِ لَنْ يَمَلَّ اللهُ حَتَّىْ تَمَلُّوْا" وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه (١).
ومعنى: "لا يمل الله حتى تملوا"؛ أي: لا يقطع ثوابه عنكم، وجزاء أعمالكم حتى تملوا فتتركوا العمل، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم، وفضله عليكم.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّيْنَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَددُوْا، وَقَارِبُوْا، وَأَبْشِرُوْا، وَاسْتَعِيْنُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ" (٢).
وفي رواية: "سَدِّدُوْا وَقَارِبُوْا، وَاغْدُوْا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ؛ القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا" (٣).
والمراد بالقصد: الاقتصاد مع المداومة.
والغدوة: سير أول النهار.
والروحة: سير آخره.
والدلجة: سير أول الليل.
وهذا تمثيل واستعارة؛ ومعناه: استعينوا على طاعة الله بالأعمال
стр. 1946
في وقت نشاطكم، وفرك قلوبهم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات، ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل إلى مقصده من غير مشقة ولا تكلف.
وروى عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "إِنَّ هَذا الدِّيْنَ مَتِيْنٌ فَأَوْغِلُوْا فِيْهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبَغِّضُوْا إِلَىْ أَنْفُسِكُمْ عِبادَةَ اللهِ؛ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضاً قَطَعَ وَلا ظَهراً أَبْقَىْ" (١).
وأخرجه البزار، والحاكم في "علوم الحديث"، والبيهقي، وأبو نعيم، والقضاعي، والعسكري في "الأمثال"، والخطابي في "العزلة" عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ مرفوعا بنحوه بلفظ الإفراد (٢).
وصدْرُه عند الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ (٣).
وهو من البت: وهو القطع؛ يريد: أن هذا الدين مع كونه سهلاً سمحاً متينٌ شديد؛ فالمتعبد به - وإن اجتهد - ينبغي أن يرفق بنفسه؛ فإنَّ الذي يبالغ فيه بغير رفق، ويتكلف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يمل حتى ينقطع عن العبادة الواجبة، فيكون كالذي يعسِفُ الرِّكابَ، ويحملها
стр. 1947
على السَّير الحثيث ما لا تطيقه رجاءَ الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض الذي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالماً ينتفع به بعد ذلك.
وهذا وجه ذم الإفراط والتفريط والتقصير عن الاجتهاد المأمور به في مثل قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
قال ابن عمر ﵄: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلاً، وَأَوْرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَأَسْرَعُكُمْ فِي طَاعَةِ اللهِ".
رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في "تاريخه" (١).
فإذا قصر العبد عن ما يستطيعه من العمل كان حرِياً بالذم؛ لأنه ترك ما خلقه سيده من أجله، وهو العبادة؛ ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؟
стр. 1948
وروى الطبراني في "مسند الشاميين"، والحاكم في "تاريخه"، والبيهقي في "شعبه" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "قَالَ اللهُ : إِنِّي وَالْجِنَّ وَالإنْسَ فِيْ نَبَأٍ عَظِيْمٍ: أَخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِيْ، وَأَرْزُقُ ويشْكَرُ غَيْرِيْ" (١).
وهذا وجه ذم التفريط في العبادة، فإذا كان الذم واقعاً على طرفي التفريط والإفراط، فالمحمود المقبول ما كان وسطاً بينهما.
وروى ابن جرير عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها (٢).
والجملة الأخيرة رواها ابن جرير، والبيهقي عن مطرف، ورواها ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" بسند مجهول من حديث علي ﵁ مرفوعاً (٣).
وفي "الفردوس" للديلمي عن ابن عباس ﵄ في حديث: "وَخَيْرُ الأَعْمَالِ أَوْساطُها" (٤).
وروى أبو يعلى بسند رجاله ثقات عن وهب بن منبه ﵀
стр. 1949
تعالى قال: إن لكل شيء طرفين ووسطاً؛ فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذ أمسك بالوسط اعتدل الطرفان؛ فعليكم بالأوساط من الأشياء (١).
وروى العسكري عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: ما من أَمْرٍ أَمَرَ الله تعالى به إلا عارض الشيطان فيه بخصلتين لا يبالي أيها أصاب؛ الغلو، والتقصير (٢).
وروى أبو نعيم عن إسحاق بن سويد قال: تعبَّدَ عبد الله بن مُطرِّف، فقال له أبوه: أي عبد الله! العلم أفضل من العمل، والسيئة بين الحسنتين، وشر السير (٣) الحقحقة.
قال أبو نعيم: كذا قال: السيئة بين الحسنتين، وقد قيل: الحسنة بين السيئتين؛ يعني: ترك الغلو والتقصير (٤).
والحقحقة: أرفع السير، وأتعبه للظهر، أو اللجاج في السير، أو أن يلح في السير حتى تعطب راحلته، أو تنقطع.
والمعروف من أحوال النبي ﷺ ، وأكثر أصحابه، وأفاضل السلف من التابعين ممن بعدهم الاعتدال في الطاعة، وهذا عين طريق السابقين؛
стр. 1950
فمن أخذ في طريقهم واستقام عليها فهو من الصديقين، كما قال حذيفة ﵁: يا معشر القراء! استقيموا، ولئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن أخذتم يمينا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. رواه أبو القاسم الأصبهاني (١).
ولقد أثنى الله تعالى على أهل الاستقامة بما بيَّن من مما جبل عليه الإنسان من الضجر والملل، فمن كان له دوام على الطاعة وقد جبل على الملل فله فضل عظيم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٣] الآيات.
قال عكرمة في تفسير هلوع: الضجر. رواه ابن المنذر (٢).
وفي "القاموس": إنه الضَّجور الذي لا يصبر على المصائب (٣).
وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سئل ابن عباس ﵄ عن الهلوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: إذا مسه الشر كان جزوعا، وإذا مسه الخير كان منوعاً (٤).
стр. 1951
وروى ابن المنذر عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]؛ قال: اقرأ ما بعدها، فقرأ: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١]، قال: هو هكذا (١).
وروى عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٣]؟ قال: الصلاة المكتوبة (٢).
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٣٥].
استثنى من هذه صفاتهم من المطبوعين من جنس البشر على الهلع، والجزع، والطمع ثناءً عليهم بما خرجوا به من طباعهم إلى طاعة بارئهم، وعبادة منشئهم بحيث استغرقوا في طاعته، وبدلت سيئاتهم حسنات،
стр. 1952
وهذا مثال الصديقين، وحال السابقين والمقربين؛ ألا ترى أنَّ الله تعالى لم يكتف لهم بالإخبار بأنهم في جناته حتى أخبر بأنهم مكرمون؟ فيها إشارة إلى مزيد تقربهم.
* تَنْبِيْهٌ:
قد يلحق الله الأبرار بالسابقين وأصحاب اليمين بالمقربين: إما لمحبته لهم لقوله ﷺ وقد سأله السائل: يا رسول الله! المرء يحب قوماً ولمَّا يلحق بهم؟ قال: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١).
وإمَّا لأنه ينوي أعمال السابقين، ويريد التخلق بأخلاقهم، لكن يمنعه من ذلك ما يقصر به عن نجاز ذلك كفقره، واشتغاله بعياله، ونحوهم، وضعف بدنه، وابتلائه بنحو الأسر، والحبس لقوله ﷺ : "إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِم". رواه ابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ (٢).
وفي حديث أبي كبشة الأنماري ﵁، عن النبي ﷺ : قال: "عَبْدٌ رَزَقَهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيْهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيْهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيْهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَرَجُلٌ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُوْلُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ"، الحديث. رواه الترمذي وصححه (٣).
стр. 1953
ولما رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك قال: "لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِيْنَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيْرًا وَلا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، وَلا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلا وَهُمْ مَعَكُمْ"، قالوا: يا رسول الله! وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ". رواه أبو داود (١).
وعند البخاري نحوه، وقال: "حَبَسَهُمُ العُذْرُ" (٢).
وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة فقال: "إِنَّ بِالْمَدِيْنَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيْراً، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوْا مَعَكُمْ".
وفي لفظ: "إِلا شَارَكُوْكُمْ (٣) فِي الأَجْرِ؛ حَبَسَهُم الْمَرَضُ" (٤).
وإمَّا لأنه في زمان يغلب فيه الشر وأهله، والحاملون عليه، وتغلب فيه الشهوة ودواعيها، ويقل فيه الخير وأهله، والحاملون عليه، كما في حديث عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ قال: "غَشِيَتْكُمُ السَّكْرَتَانِ: حُبُّ العَيْشِ، وَحُبُّ الْجَهْلِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَأْمُرُوْن بِالْمَعْرُوْفِ، وَلا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالقَائِمُوْنَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالسَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ"؛ أي: وإن قصروا عن أعمالهم وأحوالهم يعطون أجورهم.
стр. 1954
وهذا الحديث رواه أبو نعيم كما تقدم (١).
وقال ﷺ : "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامٌ الصَّبْرُ فِيْهِنَّ مِثْلَ القَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيْهِنَّ أَجْرُ خَمْسِيْنَ رَجُلاً يَعْمَلُوْنَ مِثْلَ عَمَلِهِ"، قيل: يا رسول الله! أجر خميس رجلاً منا أو منهم؟ قال: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِيْنَ مِنْكُمْ". رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ (٢).
وأورده الغزالي في "الإحياء"، وزاد فيه: "إِنَّكَمْ تَجِدُوْنَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَاناً وَلا يَجِدُوْنَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَاناً" (٣).
وقد يكون لحاق من ليس من السابقين بهم لغير معنى يرجع فيه إليه سوى الإيمان، بل لما بينهما من التناسب، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣].
وروى سعيد بن منصور، وهنَاد بن السَّرِي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في "سننه" عن ابن
стр. 1955
عباس ﵄ قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة - وإن كانوا دونه في العمل - لتقر بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] (١).
قال أبو مجلز في الآية: يجمع الله له ذريته كما يحب أن يجتمعوا له في الدنيا. رواه ابن المنذر (٢).
وقال سعيد بن جبير ﵀: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، ثم قرأ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ [الرعد: ٢٣] (٣)؛ يعني: من آمن بالتوحيد بعد هؤلاء من آبائهم، وأزواجهم، وذرياتهم يدخلون معهم.
وقال أبو مجلز رحمه الله تعالى في هذه الآية: علم الله أنَّ المؤمن يحب أن يجمع الله له أهله وشمله في الدنيا، فأحب أن يجمعهم له في الآخرة (٤). رواهما ابن أبي حاتم.
стр. 1956
* تَتِمَّةٌ:
قد ألحق الله تعالى اللاحقين بالسابقين بحسن الاتباع في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
روى أبو الشيخ عن عصمة: أنه سأل سفيان عن: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ قال: من يجيء بعدهم، قال: قلت: إلى يوم القيامة؟ قال: أرجو (١).
فهذه الآية تدل دلالة صريحة لا شبهة فيها أنَّ من تشبه بالسابقين من المهاجرين والأنصار ألحقه الله بهم.
نعم، عليه أن يعرف حقهم، ويحفظ سبقهم، ويحبهم، ويستغفر لهم، ولا يبغضهم، ولا يسبهم؛ ألا ترى كيف يقول : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾
стр. 1957
﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
قال سعد بن أبي وقاص ﵁: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية.
ثم قال: هؤلاء المهاجرين، وهذه منزلة وقد مضت.
ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية.
ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت.
ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾.
فقد مضت هاتان المنزلتان، وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذا المنزلة. رواه الحاكم وصححه، وغيره (١).
وفي قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾؛ أي: من السابقين واللاحقين.
قال ابن عمر ﵄: لا والله لا يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم. رواه ابن مردويه.
وسيأتي أنَّ الأبدال ما نالوا الذي نالوه إلا بسلامة الصدور، وهذه الخصلة تسبق بصاحبها أهل الصيام والقيام، والنفقات والصدقات.
стр. 1958
وقد روى النسائي، والحكيم الترمذي عن أنس ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ فقال: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فاطلع رجل من الأنصار تَنطُف لحيته ماء من وضوء، معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ : "يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فاطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فاطلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً؛ فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني، فقلت: قال: نعم.
قال أنس: فكان عبد الله بن عمرو يحدث أنه بات معه ليلة، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، فيسبغ الوضوء، غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث، وكدت أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله! إنَّه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات في ثلاثة مجالس: "يَطْلُعُ عَلَيْكُم الآنَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فاطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك، فأنظر ما عملك، قال: ما هو إلا ما قد رأيت، فانصرفت عنه، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت،
стр. 1959
غير أني لا أجد في نفسي غلًّا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، فقال له عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق (١).
وروى آدم بن أبي أياس في كتاب "العلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما قرب الله موسى ﵇ نجياً، أبصر في ظل العرش رجلاً، فغبطه بمكانه، فسأل عنه، فلم يخبر باسمه، وأخبر بعمله، فقال له: هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، بَرٌّ بالوالدين، ولا يمشي بالنميمة (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمرو بن ميمون رحمه الله تعالى قال: رأى موسى ﵇ رجلاً عند العرش، فغبطه بمكانه، فسال عنه، فقالوا: نخبرك بعمله؛ لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه، قال: أي رب! ومن يعق والديه؟ قال: يستسب لهما حتى يسبا (٣).
وقد علمت بذلك وأمثاله أن هذه الأخلاق الكريمة يسبق المتخلقون بها أهل الاجتهاد في العبادات، وإنما يكون تفاوتهم فيها على قدر
стр. 1960
تفاوتهم في المعرفة.
وبهذا كان يسبق المهاجرين والأنصار.
وقد علمت ما وصفهم الله به من مكارم الأخلاق، ولذلك قد تجد في أخبار من بعدهم من كان أكثر صلاة وصياماً، واجتهاداً منهم، ولا يبلغ شَأْوَهم.
وهذا أبو بكر ﵁ أسبقهم إلى الإيمان، فكان يسابقهم إلى كل خلق كريم، وعمل صالح، وكان أكثر عمله في طهارة أخلاقه، وتقديس سره، وما فضلهم ولا سبقهم بكثرة صلاة، ولا صيام، ولكن بسرٍّ وَقَرَ في صدره، وحب شغف قلبه.
وكذلك علي ﵁ سبق إلى النبي ﷺ ؛ وقد اختلف أيهما كان أسبق.
وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]؛ قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى رسول الله ﷺ (١).
وأخرجه نحوه مرفوعاً.
وقد شارك أبا بكر وعلياً في هذا السبق خديجة - بل هي أسبقهم -، وزيد بن حارثة، وبلال.
وقد أحسن من قال: أول من سبق إلى الإيمان بالنبي ﷺ من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد،
стр. 1961
ومن العبيد بلال ﵃ (١).
ثم إن ثم سابقين من وجه آخر بالنسبة إلى أصناف العباد؛ كما روى عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّابِقُوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَرْبَعَةٌ؛ فَأَنَا سَابِقُ العَرَبِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسَ، وبِلالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرَّومِ" (٢).
ورواه الحاكم وصححه عن أنس متصلاً، ولفظه: "أَنَا سَابِقُ العَرَبِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرَّومِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ الفُرْسِ، وَبِلالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ" (٣).
ورواه البزار، والطبراني في "الكبير"، والحاكم عن أنس، والطبراني عن أم هانئ، وابن عدي عن أبي أمامة ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "السُّبَّاقُ أَرْبَعَةٌ؛ أَنَا سَابِقُ العَرَبِ ... فَذَكَرَهُ" (٤).
وهذا السبق شامل للسبق إلى الإيمان والخير، وللسبق في الفضيلة أيضاً.
стр. 1962
وأفضل السابقين بعد الأنبياء ﵈: أبو بكر ﵁، وهو سابق العرب بعد رسول الله ﷺ ، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ثم هذه العشرة، وهم أفضل ممن سواهم حتى من سلمان، وصهيب، وبلال ﵃.
ومن الأدلة على سبق أبي بكر ﵁، وفضله مع الإجماع: ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄: أنهم كانوا يخيرون في زمان رسول الله ﷺ أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان (١).
وروى خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم ﵁ قال: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق (٢).
وروى ابن أبي شيبة، وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لمحمد بن الحنفية: هل كان أبو بكر ﵁ أول القوم إسلاماً؟ قال: لا، قلت: فيم علا أبو بكر وسبقَ حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم حتى لحق بربه (٣).
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين التميميُّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الإِسْلامِ
стр. 1963
إِلاَّ كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ، وَنَظَرٌ، إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ مَا عتم عَنْهُ حِيْنَ ذَكَرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيْهِ" (١).
وروى أبو نعيم، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا كَلَّمْتُ فِي إلإِسْلامِ أَحَداً إِلا أَبَى عَلَيَّ وَرَاجَعَنِي فِي الكَلامِ إِلا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ؛ فَإنيِّ لَم أُكَلِّمْهُ فِي شَيْءٍ إِلا قَبِلَهُ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهِ" (٢).
وروى أبو بكر بن أبي عاصم في "فضائل الصحابة" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين! كيف سبق المهاجرون والأنصار إلى بيعة أبي بكر الصديق ﵁ وأنت أسبق منه سابقة، وأدرى منه منقبة؟ فقال علي ﵁: ويلك! إنَّ أبا بكر سبقني إلى أربعة لم أوتهن، ولم أعتض منهن بشيء: سبقني إلى إفشاء الإسلام، وقدم الهجرة، ومصاحبته في الغار، وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشعب يُظهِرُ إسلامَه، وأخفيه، وتستحقر في قريش وتستوفيه، والله لو أنَّ أبا بكر زال عن مزيته ما بلغ الدين - يعني: الجانبين -، ولكان الناس كرعة ككرعة طالوت، ويلك! إنَّ الله ذم الناس ومدح أبا بكر، فقال: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]، الآية
стр. 1964
كلها؛ فرحمة الله على أبي بكر، وأبلغ الله روحه مني السلام (١).
وروى ابن الجوزي في كتاب "الإشراف على مناقب الأشراف" عن علي ﵁ قال: سبق رسول الله ﷺ ، وصلى أبو بكر، وثلَّث عمر ﵄ (٢).
وعن عامر - يعني: الشعبي - قال: قال رجل لبلال ﵁: من سبق؟ قال: محمد ﷺ ، قال: من صلى؟ قال: أبو بكر ﵁، قال الرجل: وإنما أعني في الخيل؟ قال بلال: وأنا إنما أعني في الخير (٣).
وروى اللالكائي، وابن عساكر، وغيرهما عن الشعبي: أنَّ حسان ابن ثابت ﵁ قال في النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄: [من المنسرح]
ثَلاثَةٌ بَرَزُوْا بِسَبْقِهِمُ (٤) ... نَضَّرَهُمْ رَبُّهُمْ إِذا نُشِرُوْا
فَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَهُ بَصَرٌ ... يُنْكِرُ تَفْضِيْلَهُمْ إِذا ذُكِرُوْا
стр. 1965
عاشُوْا بِلا فُرْقَةٍ ثَلاثَتُهُمْ (١) ... وَاجْتَمَعُوْا فِيْ الْمَماتِ إِذْ قُبِرُوْا (٢)
وروى ابن أبي خيثمة، وعبد الله ابن الأمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عمر ﵁ قال: إنَّ أبا بكر ﵁ كان سابقاً مبرزاً (٣).
وروى ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ مَا سَابَقَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلاَّ سَبَقَهُ بِهِ (٤).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن علي ﵁ قال: والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر ﵁ (٥).
وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، ووافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً.