ومن العبيد بلال ﵃ (١).
ثم إن ثم سابقين من وجه آخر بالنسبة إلى أصناف العباد؛ كما روى عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّابِقُوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَرْبَعَةٌ؛ فَأَنَا سَابِقُ العَرَبِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسَ، وبِلالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرَّومِ" (٢).
ورواه الحاكم وصححه عن أنس متصلاً، ولفظه: "أَنَا سَابِقُ العَرَبِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرَّومِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ الفُرْسِ، وَبِلالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ" (٣).
ورواه البزار، والطبراني في "الكبير"، والحاكم عن أنس، والطبراني عن أم هانئ، وابن عدي عن أبي أمامة ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "السُّبَّاقُ أَرْبَعَةٌ؛ أَنَا سَابِقُ العَرَبِ ... فَذَكَرَهُ" (٤).
وهذا السبق شامل للسبق إلى الإيمان والخير، وللسبق في الفضيلة أيضاً.
стр. 1962
وأفضل السابقين بعد الأنبياء ﵈: أبو بكر ﵁، وهو سابق العرب بعد رسول الله ﷺ ، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ثم هذه العشرة، وهم أفضل ممن سواهم حتى من سلمان، وصهيب، وبلال ﵃.
ومن الأدلة على سبق أبي بكر ﵁، وفضله مع الإجماع: ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄: أنهم كانوا يخيرون في زمان رسول الله ﷺ أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان (١).
وروى خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم ﵁ قال: أول من صلى مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق (٢).
وروى ابن أبي شيبة، وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لمحمد بن الحنفية: هل كان أبو بكر ﵁ أول القوم إسلاماً؟ قال: لا، قلت: فيم علا أبو بكر وسبقَ حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم حتى لحق بربه (٣).
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين التميميُّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الإِسْلامِ
стр. 1963
إِلاَّ كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ، وَنَظَرٌ، إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ مَا عتم عَنْهُ حِيْنَ ذَكَرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيْهِ" (١).
وروى أبو نعيم، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا كَلَّمْتُ فِي إلإِسْلامِ أَحَداً إِلا أَبَى عَلَيَّ وَرَاجَعَنِي فِي الكَلامِ إِلا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ؛ فَإنيِّ لَم أُكَلِّمْهُ فِي شَيْءٍ إِلا قَبِلَهُ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهِ" (٢).
وروى أبو بكر بن أبي عاصم في "فضائل الصحابة" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين! كيف سبق المهاجرون والأنصار إلى بيعة أبي بكر الصديق ﵁ وأنت أسبق منه سابقة، وأدرى منه منقبة؟ فقال علي ﵁: ويلك! إنَّ أبا بكر سبقني إلى أربعة لم أوتهن، ولم أعتض منهن بشيء: سبقني إلى إفشاء الإسلام، وقدم الهجرة، ومصاحبته في الغار، وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشعب يُظهِرُ إسلامَه، وأخفيه، وتستحقر في قريش وتستوفيه، والله لو أنَّ أبا بكر زال عن مزيته ما بلغ الدين - يعني: الجانبين -، ولكان الناس كرعة ككرعة طالوت، ويلك! إنَّ الله ذم الناس ومدح أبا بكر، فقال: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]، الآية
стр. 1964
كلها؛ فرحمة الله على أبي بكر، وأبلغ الله روحه مني السلام (١).
وروى ابن الجوزي في كتاب "الإشراف على مناقب الأشراف" عن علي ﵁ قال: سبق رسول الله ﷺ ، وصلى أبو بكر، وثلَّث عمر ﵄ (٢).
وعن عامر - يعني: الشعبي - قال: قال رجل لبلال ﵁: من سبق؟ قال: محمد ﷺ ، قال: من صلى؟ قال: أبو بكر ﵁، قال الرجل: وإنما أعني في الخيل؟ قال بلال: وأنا إنما أعني في الخير (٣).
وروى اللالكائي، وابن عساكر، وغيرهما عن الشعبي: أنَّ حسان ابن ثابت ﵁ قال في النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄: [من المنسرح]
ثَلاثَةٌ بَرَزُوْا بِسَبْقِهِمُ (٤) ... نَضَّرَهُمْ رَبُّهُمْ إِذا نُشِرُوْا
فَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَهُ بَصَرٌ ... يُنْكِرُ تَفْضِيْلَهُمْ إِذا ذُكِرُوْا
стр. 1965
عاشُوْا بِلا فُرْقَةٍ ثَلاثَتُهُمْ (١) ... وَاجْتَمَعُوْا فِيْ الْمَماتِ إِذْ قُبِرُوْا (٢)
وروى ابن أبي خيثمة، وعبد الله ابن الأمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عمر ﵁ قال: إنَّ أبا بكر ﵁ كان سابقاً مبرزاً (٣).
وروى ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ مَا سَابَقَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلاَّ سَبَقَهُ بِهِ (٤).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن علي ﵁ قال: والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر ﵁ (٥).
وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، ووافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً.
стр. 1966
قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ "، قلت: مثله.
وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ "، فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: "لا أسبقه إلى شيء أبداً" (١).
وروى أبو الحسن علي بن الحسين الخلعي في "فوائده" عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄: أن رسول الله ﷺ صلَّى الصبح، فلما صلى صلاته قال: "أَيُّكُمْ أَصْبَحَ اليَوْمَ صَائِمًا؟ " فقال عمر بن الخطاب ﵁: أما أنا يا رسول الله بتُّ لا أحدث نفسي بالصوم، وأصبحت مفطراً، فقال أبو بكر ﵁: أنا يا رسول الله بتُّ الليلة وأنا أحدث نفسي بالصوم، فأصبحت صائما، قال: "فَأَيُّكُمْ عَادَ اليَوْمَ مَرِيْضًا؟ " فقال عمر: يا رسول الله! إنما صلينا الساعة ولم نبرح، فكيف نعود المريض؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله؛ أخبروني أن أخي عبد الرحمن بن عوف وجع فجعلت طريقي عليه، فسألت به، ثم أتيت المسجد، فقال رسول الله ﷺ : "فَأَيُّكُمْ تَصَدَّقَ اليَوْمَ صَدَقَةً؟ " فقال عمر: يا رسول الله! ما برحنا معك منذ صلينا، أو قال: ما برحنا منذ صلينا، فكيف نتصدق؟ فقال أبو بكر ﵁: أنا يا رسول الله؛ لما جئت من عند عبد الرحمن دخلت المسجد فإذا سائل يسأل، وابن لعبد الرحمن بن أبي بكر معه كسرة خبز، فاجتذبتها،
стр. 1967
فناولتها إياه، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "فَأَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ"، مرتين.
فلما سمع عمر بذكر الجنة تنفس فقال: "هاه"، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقال كلمة رضي بها عمر ﵁: "رَحِمَ اللهُ عُمَرَ! يَقُوْلُ: ما سابَقْتُ أَبا بَكْرٍ إِلَىْ خَيْرٍ إِلاَّ سَبَقَنِيْ إِلَيْهِ" (١).
وروى الإمام أحمد، وأبو حفص بن شاهين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: مر بي رسول الله ﷺ فقال: "سَلْ تُعْطَ"، ولم أسمعه، فأدلج أبو بكر ﵁، فسرني بما قال إليه ﷺ ، ثم أتاني عمر ﵁، فأخبرني بما قال النبي ﷺ ، فقلت: قد سبقك إليها أبو بكر، قال عمر ﵁: أبو بكر؟ ما استبقنا لخير إلا سبقني إليه، إنه كان سبَّاقاً للخيرات، فقال عبد الله: ما صليت فريضةً ولا تطوعاً إلا دعوت الله في دبر صلواتي: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد في أعلى جنة الخلد.
أنا أرجو أن أكون دعوت [بهنَّ] (٢) البارحة (٣).
وروى الإمام أحمد عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وقد سمع قراءة ابن مسعود ﵁ ليلاً: "مَنْ سَرَّهُ أَنُ يَقْرَأَ القُرْآنَ رَطْبًا، فَلْيَقْرَأْهُ
стр. 1968
كَمَا يَقْرَؤُهُ ابنُ أُمِّ عَبْدٍ"، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره، فقال: سبقك أبو بكر (١).
وروى أبو نعيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني جئتك من عند رجل يُمْلِ المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر ﵁، وغضب، وقال: ويحك! انظر ما تقول، قال: ما جئتك إلا بالحق، قال: من هو؟ ، قال: عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ما أعلم أحداً أحق بذلك منه، وسأحدثك عن عبد الله: إنَّا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر ﵁، وفي بعض ما يكون من حاجة النبي ﷺ ، ثم خرجنا ورسول الله ﷺ يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ، فقام النبي ﷺ يستمع إليه، فقلت: يا رسول الله! أعتمت، فغمزني بيده؛ اسْكُتْ، قال: فقرأ، وركع، وسجد، وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي ﷺ : "سَلْ تُعْطَهْ"، ثم قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ قِرَاءَةَ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ"، فعلمت أنا وصاحبي أنَّه عبد الله، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره، فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقتُه إلى خير قط إلا سبقني إليه (٢).
وروى ابن الجوزي في "الإشراف" عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التيمي قال: كان أبو بكر ﵁ رجلاً مؤلفاً محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم
стр. 1969
قريش بما كان من خير أو شر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام كل من وثق به من قومه ممن يغشاه، ويجلس إليه، فأسلم على يديه - فيما بلغني - عثمان بن عفان، والزبير ابن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حتى استجابوا لله، وأسلموا، وصلوا، فكان هؤلاء أول من أسلم وآمن بالله ورسوله بعد أبي بكر، وهم سُبَّاق هذه الأمة (١).
وقوله: "فكان هؤلاء ... " إلى آخره احترازٌ عمن سبق مع أبي بكر ﵃؛ وهم: خديجة، وعلي، وزيد بن حارثة، وبلال، وكذلك من أسلم مع هؤلاء، إلا أنَّ هؤلاء أسلموا على يد أبي بكر ﵃ كابن مسعود، وأبي ذر، وعمار، وأبويه، وخباب وصهيب ﵃.
فكل هؤلاء سابقون، والتشبه بهم مطلوب؛ فمن أراد الاقتداء بهم ينبغي أن يبحث عن ما كانوا عليه من الأعمال والأخلاق والآداب، فيتلبس بها، ويتحلى بحلاها، ولا سيما الخلفاء الأربعة ﵃، وبالخصوص الشيخان ﵄.
روى الترمذي، وابن ماجه عن حذيفة ﵁ قال: كنَّا جلوساً عند النبي ﷺ فقال: "إِنَّي لا أَدْرِيْ مَا بَقَائِيَ فِيْكُمْ؛ فَاقْتدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي،
стр. 1970
وأشار إلى أبي بكر وعمر ﵄" (١).
وأخرجه الإمام أحمد، وابن حبان، ولفظهما: "إِنِّى لا أَدْرِيْ بَقَائِيَ فِيْكُم إِلا قَلِيْلاً؛ فَاقْتَدُوْا ... " (٢).
وفي رواية للترمذي - وقال: هذا حديث حسن -، فقال: "إِنِّى لا أَدْرِيْ مَا قَدْرُ بَقَائِيَ فِيْكُم؛ فَاقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي - وأشار إلى أبي بكر وعمر ﵄، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارَ ﵁، وَمَا حَدَّثَكُم ابْنُ مَسْعُوْدِ ﵁ فَصَدِّقُوْهُ" (٣).
وأخرجه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقْتَدُوا بِاللذَيْنِ مِنْ بَعْدِي - أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارَ، وَتَمَسَّكُوْا بِعَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ" (٤).
وأخرجه أبو يعلى من حديث، وقال فيه: "وَمَا حَدَّثَكُم ابْنُ مَسْعُوْدٍ فَاقْبَلُوْهُ".
قلت: وفي قوله: "اقتدوا باللذين من بعدي"، ثم قال: "واهتدوا بهدي عمار" إشارة إلى مزية لأبي بكر وعمر ﵄، وهي أنَّ أعمالهما
стр. 1971
وأقوالهما جميعها على السداد؛ كل ما منهما، أو فيهما صالح للاقتداء به، صواب مقبول؛ فافهم!
وقد روى الحديث الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء ﵁، ولفظه: "اقْتَدُوا بِاللذَيْنِ مِنْ بَعْدِي - أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ -؛ فَإِنَّهُمَا حَبْلُ اللهِ الْمَمْدُوْدُ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا فَقَد تَمَسَّكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى الَّتِي لا انْفِصَالَ لَهَا" (١).
أي: فإنَّ الاقتداء بهما، أو: فإنَّ هديهما حبل الله الممدود بينه وبين عباده، الموصل إليه، ومن تمسك بهديهما فقد استوثق.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن العِرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع؛ فأوصنا، قال: "أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُم عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُم فَسَيَرى اخْتِلافًا كَثِيْراً؛ فَعَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُوْرِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَة" (٢).
стр. 1972
وروى الترمذي وصححه، ولفظه: وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إنَّ هذه موعظة مودع؛ فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: "أُوصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُم يَرَى اخْتِلافًا كَثِيْرًا، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُوْرِ؛ فَإنَّهَا ضَلالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُم فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِد" (١).
وهذه الرواية تدل على مزيد التأكيد باتباع سنة الخلفاء الراشدين، والتشبه بهم في زمان الاختلاف الكثير، والاختلاط الهائل، والإحداث في الدين؛ فإنَّ الاتباع حينئذ عزيز، والانقياد للسنة حينئذ دليل على رشد العبد وثباته في الدين، ورسوخه في اليقين، ولذلك يعظم أجره حتى يكون له أجر خمسين من الأولين، كما تقدم.
ومن كان كذلك كيف لا يكون من أقوى الصديقين، وأسبق السابقين؟
***
стр. 1973
خَاتِمَة
لا تظهر لنا حقيقة السبق في هذه الدار، فلذلك ينبغي لمن تحرى عمل السابقين أن لا يتكل على عمله، ولا يزدري من هو دونه.
وقد روى المعافى بن زكريا في كتاب "الأنيس والجليس" عن المدائني قال: خطب عمر بن عبد العزيز ﵁ الناس بعرفة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس! إنكم قد جئتم من القريب والبعيد، وأنضببتم الظهر، وأخلقتم الثياب، وليس السابق اليوم من سبقت راحلته، ولكن السابق اليوم من غفر له (١).
وروى ابن أبي شيبة، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى قال: انطلقت إلى الجمعة مع أبي بالمدائن، وبيننا وبينها فرسخ، وحذيفة بن اليمان ﵁ على المدائن، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، ألا وإنَّ القمر قد انشق، ألا وإنَّ الدنيا قد آذنت بالفراق، ألا وإنَّ اليوم المضمار، وغداً السباق.
стр. 1974
قال: فقلت لأبي: ما يعني بالسباق؟ فقال: من سبق إلى الجنة؛ أي؛ سباق من سبق إلى الجنة (١). والله الموفق.
***
стр. 1975
فَصَلٌ
ويقال للصديق والسابق: مقرب.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
قيل: السابقون الأول مبتدأٌ، والثاني توكيدٌ له، وأولئك هم المقربون خبرُه.
وقال الزَّجَّاج: السابقون رُفِعَ بالابتداء، والثاني خبره.
قال القرطبي: والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله (١). انتهى.
قال أبو محمد الجريري رحمه الله تعالى: إنما قربوا إلى ربهم لأنه لم يكن لهم هَمُّ (٢) غيره (٣).
وفي تسميتهم مقربين إشارة إلى أنَّ قربهم إنما كان بتقريب الله تعالى، إياهم من غير تعمل منهم، بل هو مجرد فضل من الله تعالى، كما
стр. 1976
قال شيخ الإسلام الجد في "الدرر اللوامع": [من السريع]
عِنايَةُ اللهِ بِمَحْضِ الأفْضالْ ... لَيْسَتْ بِأَقْوالِ وَلا بِأَفْعالْ
فشأن المقرب في طلب القرب الاستعانة بالله تعالى مع تسليم الأمر إليه سبحانه، كما قال الشيخ العارف بالله أرسلان الدمشقي ﵁ في "رسالته": إن سَلَّمْت قَرَّبك، وإن نازعت أبعدك.
ثم قال: إن تقربت به قربك، وإن تقربت بك أبعدك.
وقلت في نظم "الرسالة": [من الرجز]
سَلِّمْ يُقَرِّبْكَ وَإِلاَّ عَنْهُ بِكْ ... أَقْصاكَ هائِماً وَراءَ حُجُبِكْ
إِذا تَقَرَّبْتَ بِهِ يُقَرِّبُكْ ... أَوْ بِكَ يُقْصِيْكَ إِذَنْ وَيُتْعِبُكْ
وقال السياري رحمه الله تعالى: أضاف الله تعالى الأفعال إلى عباده بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١]، ولو لم يكونوا مقربين لم يكونوا سابقين، ولو كانت الأفعال إليهم حقيقة لكانوا متقربين لا مقربين. انتهى.
ونشأ في الآية فهمان:
الأول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] إلى الخيرات والمبرات؛
стр. 1977
﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١]؛ أي: الذين سبق لهم القضاء بالتقريب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا﴾؛ أي: عن جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فهم مقربون بمعنى أن الله تعالى قضى بقربهم في الأزل.
وعليه: فلولا سابقة الحسنى التي سبقت لهم بالتقريب، لم يكونوا سابقين إلى الطاعات مسارعين إلى الخيرات.
وهذا هو الذي فهمه السياري من الآية.
وهؤلاء كلما سابقوا إلى خير، وسارعوا إلى خير، كان ذلك علامة قربهم السابق لهم في الأزل.
وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله في حديث الصحيحين: "اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (١).
ومن لطائف أخي العارف بالله العلامة شهاب الدين ﵀: [من الطويل]
إِذا ما أَرادَ اللهُ تَقْرِيْبَ مُبْعَدٍ ... وَساعَدَهُ سَعْدٌ وَسابِقَةُ الْحُسْنَىْ
تَكَلَّمَ تَوْفِيْقاً بِخَيْرِ لِسانِهِ ... يُصِيْبُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يُخْطِئُ فِيْ الْمَعْنَىْ
стр. 1978
الفهم الثاني: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]؛ أي: الذين تكرر منهم السبق إلى أعمال البر، وخصال الخير حتى صار ذلك لهم عادة وسنة؛ أولئك الذين يستحقون من فضل الله تعالى أن يقربهم من حظيرة قدسه، ويحادث أسرارهم بمناجاة أنسه.
وعلى هذا: فالسبق إلى الطاعة - ويعبر عنه بالتقرب - يكون سبباً للتقريب؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَي مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنْ اسْتَعَاذَني لأُعِيْذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (١).
فتقرب العبد إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل هو السبب في تقريب الله تعالى للعبد، وإن كان تقربه إليه بسابقة الحسنى التي سبقت له منه، فإذا كان العبد مبرزاً في أفعال الخير، وتكررت منه أفعال القربة، واستقام على ذلك، صار حينئذ في مقام الأحباب المقربين، فقد كان متقرباً محباً، ثم صار مقرباً حِبًّا فالتقرب على ذلك مقام الأبرار، والتقريب تحفة المصطفين الأخيار.
стр. 1979
فلذلك قال الله تعالى في السابقين الذين استقاموا على أعمال البر وأفعال الخير: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١]، ولم يقل: "المتقربون"؛ لأن المتقرب أعم من أن يكون سابقاً، أو غير سابق.
وروى أبو نعيم عن عبد (١) الله بن شميط بن عجلان قال: كان أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا مقرب.
ورجل ابتكر عمره بالذنوب، وطول الغفلة، ثم راجع بتوبته؛ فهذا صاحب يمين.
ورجل ابتكر الشر في حداثته، ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا صاحب شمال (٢).
وفي قوله: "وطول الغفلة" إشارة إلى أنَّ من لم يطول الغفلة بأن ألَمَّ بالذنب، ثم تاب من قريب، لا يقصر عن درجة المقربين، وكذلك هو.
وقد علمت مما سبق من التشبه بالمقربين تحصل بالاستقامة على أفعال البر، والسبق إلى الخيرات، وأعمال المقربين هي أعمال الأبرار، لكن مع المداومة والتكرار والاستقامة عليها في السر والإجهار.
وأفضل أعمال المقربين تأدية الفرائض، وهي لازمة للبر، إلا أنها تكون من المقرب أتم وأكمل، ثم يترقون في القربة على مقدار الترقي
стр. 1980
في التقرب بالنوافل للحديث؛ فإنَّما كانت من أنواع البر.
غير أنَّ من لطائف أعمال المقربين كثرة السجود مع الفَناء في مشاهدة المعبود لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
والحكمة في ذلك أن الصلاة محل المناجاة، وإنما يكون قرب المناجي على قدر تقربه، ولا يتقرب العبد إلى الله تعالى بشيء أبلغ من معرفته، وكلما عرف نفسه بالذل والضعة والافتقار عرف ربه بالعز والرفعة والغنى، ولا شيء في ضعة العبد لنفسه أبلغ من وضع جبهته - وهي من أشرف أعضائه - على الأرض.
وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِد؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" (١).
وروى ابن المبارك عن ضمرة بن حبيب رحمه الله تعالى مرسلاً عن النبي ﷺ قال: "مَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ أَقْرَبَ مِن سُجُوْدٍ خَفِىٍّ" (٢).
وفي "مسند الشهاب" للقضاعي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّلاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ" (٣).
стр. 1981
ومحل القربة من الصلاة السجود لما سبق.
ومن ثم أمر فيه بالدعاء؛ لأن الطلب يكون على قدر القربة.
[وكذلك] (١) قراءة القرآن؛ لأن القربة تابعة للمحبة، فالمقرب محبوب، والمحبوب محل المناجاة، ولا نجوى أحلى من كلام الحبيب.
روى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيْهِمَا، وَإِنَّ البِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ العَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ" (٢)؛ يعني: القرآن.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كان خَبَّاب بن الأَرَتِّ ﵁ لي جاراً، فقال لي يوماً: يا هنتاه! تقرَّب إلى الله تعالى ما استطعت، واعلم أنَّك لست تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه (٣).
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ للهِ أَهْلِيْنَ مِنَ النَّاسِ"، قيل: من هم
стр. 1982
يا رسول الله؟ قال: "أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ" (١).
ولا شك أنَّ الأهل والخاصة هم محل القربة، وأولى من غيرهم بها.
وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب في كتاب "الاستغناء بالقرآن"، وغيره عن عبد الله ابن الإمام أحمد ﵄ قال: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة في النوم؛ قلت: يا رب! ما أفضل ما تقرب المتقربون به إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، فقلت: يا ربي! بفهم، وبغير فهم؟ قال: بفهم، وغير فهم (٢).
ومن ألطف ما يتقرب به المتقرب إلى الله تعالى كثرة ذكره لأنَّه ناشئ عن المحبة؛ إذ من أحبَّ حبيباً أكثر من ذكره.
وإن كان القرآن أفضل أنواع الذكر، فإنَّ للذكر غير القرآن تأثيراً في التقريب.
وفي "مسند البزار" عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله ، قال: "أَنْ تَمُوْتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى" (٣).
стр. 1983
وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي" (١).
وفي رواية لمسلم: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِيْنَ يَذْكُرُنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".
وفي رواية لمسلم: "وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ هَرْوَلَةً" (٢).
وفي هذا الحديث دليل أن حسن الظن بالله من أعظم أسباب القربة، ومن ألطف القربات عند الله تعالى التقرب إلى أوليائه لأن أصل الولاية القرب، ومن تقرَّب إلى القريب قُرِّبَ، كما أنَّ من تقرب من البعيد بعد.
وروى أبو حفص بن شاهين في "أفراده" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِي، وَالْقَوْهُمْ بِوُجُوْهٍ مُكْفَهِرَّةٍ، وَالتَمِسُوْا رِضَى اللهِ بِسَخَطِهِم، وَتَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِالتَّبَاعُدِ مِنْهُم" (٣).
стр. 1984
ومن أبلغ القرب إلى الله تعالى الإنفاق في سبيله عن طيب نفس من غير أن يعد النفقة غرامة؛ لأنَّ المحبة لا تتحقق إلا ببذل ما سوى المحبوب في رضاه، والقربة على قدر المحبة، ومن ثمَّ قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].
فشهد لمن كان الباعث له على الإنفاق الإيمان وقصد القربة بالتقرب، وأنَّهُ حصل على القربة الحقيقية الموجبة للرحمة، كما شهد على المنافقين الذين يتخذون ما ينفقون مغرماً بأنَّ عليهم دائرة السوء حيث قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [التوبة: ٩٨].
فالتقرب إلى الله تعالى بالصدقات والنفقات على حسب الإيمان وحسن النية، ومن ثمَّ ليس كل متقرب أو مقرب مقرباً، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
ظهر شِرْكه في قوله: "لأقتلنَّك"؟ حَسِبَ أنَّ المانع من قبول قربانه وجود أخيه، فتوعده بالإعدام والقتل، فأثبت لنفسه - أيضاً - حولاً وقوةً، فنبهه أخوه على أن سبب قبول القربان ليس نفس تقديم القربان ولا غيره
стр. 1985
إلا تقوى الله بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وروى ابن جرير عن ابن عمر ﵄ قال: إنَّ ابني آدم اللذين قربا قرباناً كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنَّما أُمِرَا أن يُقرِّبا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبةً بها نفسه، وإنَّ صاحب الحرث قرَّبَ شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإنَّ الله تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه.
وايم الله! إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه (١).
واعلم أن المتقرب إليه عظيم لا يقبل إلا ما يليق أن يقابل به، وكل شيء يتقرب به إليه لا يليق للقربة إلا إذا قرَّبه إليه المتقرب به إليه وهو مستغفر لما قربه شاهد بعظمة من يتقرب به إليه، وباحتقار نفسه أن يكون أهلاً لهذه القربة، وحينئذٍ فقد أدى حق التقرب بإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقه؛ إذ حق الربِّ الاعتراف بربوبيته وعظمته، وحق العبد الاعتراف بعبوديته وضعته وحقارتِهِ، وحق ما من العبد إلى الله تعالى استصغاره واستحقاره؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عن كل شيء، وحق ما من الله إلى العبد استعظامه واستكثاره؛ لأنَّ العبد فقير إلى الله أبداً محتاج إليه في كل حال، فمتى شهد العبد نفسه، أو شهدَ ما منه واستعظَمَهُ، فقد خرجَ بذلك عن التقريب
стр. 1986
لأنه لم يؤدِّ حقوق التقرب.
وروى الترمذي عن أبي هريرة، والبيهقي في "الشعب" عن جابر، والطبراني في "الأوسط" عن عائشة؛ قالوا ﵃: قال رسول الله ﷺ : "السَّخِيُّ قَرِيْبٌ مِنَ اللهِ، قَرِيْبٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيْبٌ مِن الْجَنَّةِ، بَعِيْدٌ مِن النَّارِ، وَالبَخِيْلُ بَعِيْدٌ مِن اللهِ، بَعِيْدٌ مِن النَّاس، بَعِيْدٌ عِن الْجَنَّةِ، قَرِيْبٌ مِن النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيْلٍ" (١).
وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَدْناَهُم مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِل، وَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ، وَأَبْعَدُهُم مِنْهُ إِمَامٌ جَائِر" (٢).
وقوله: "وَأَدْناَهُم منه"؛ أي: أقربهم من محلِّ كرامته.
وإنما كان الإمام العادل أقرب إلى الله تعالى لتخلقه بخلقه الكريم من العدل في رعيَّته وولايته.
وروى أبو داود عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ
стр. 1987
أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَن بَدَأَهُم بِالسَّلامِ" (١).
ورواه الترمذي وحسنه، ولَفظهُ: قيل: يا رسول الله! الرجلان يلتقيان، أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: "أَوْلاهُمَا بِاللهِ" (٢)؛ أي: أقربهما إليه لأنه مِنْ وَلِيَ: إذا قَرُبَ.
وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قسوةُ القَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِن اللهِ القَلْبُ القَاسِي" (٣)؛ أي. ذو القلب القاسي.
ومفهومه أن القلب الرحيم اللين قريب من الله تعالى.
وكلما كان أرحم وأعطف كان أقرب، وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
فإذا كان المحسن قريباً من رحمة الله تعالى لإحسانه، فقربه من رحمته عين قربه منه.
وروى هنَّاد بن السَّري في "الزهد" عن عبيد بن عمير ﵀ مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا ازْدَادَ رَجُلٌ مِن السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلا ازْدَادَ عَن اللهِ بُعْدًا، وَلا كَثُرَتْ أتبَاعُهُ إِلا كَثُرَتْ شَيَاطِيْنُهُ، وَلا كَثُرَ مَالُهُ
стр. 1988
إِلا كَثُرَ حِسَابُهُ" (١).
وروى أبو داود، والبيهقي بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَدَا فَقَدْ جَفَا، وَمَن اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفِلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِن السُّلْطَانِ دُنُواً إِلا ازْدَادَ مِن اللهِ بُعْدًا" (٢).
وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: "وَمَن أَتَى أَبْوَابَ السَّلاطِيْنِ افْتُتِن، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِن السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلا ازْدَادَ مِنْ اللهِ بُعْدًا" وسنده صحيح (٣).
ويؤخذ منه أنه كلما أبعد عن السلطان قربه الله تعالى.
وروى أبو نعيم عن أبي حمزة البغدادي قال: قلت لعبد الله بن دينار الجعفي ﵀: أوصني، قال: اتق الله في خلواتك، وحافظ على أوقات صلواتك، وغض طرفك عن لحظاتك؛ تكن عند الله مقرباً (٤).
ولا شك أن التقوى محل القربة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
والقربة في دار الدنيا إنما تراد للقربة في دار الآخرة.
و(عند): اسم لمكان القرب.
стр. 1989
ثمَّ إنَّ الصلاة من أفراد التقوى، إلا أنه عطفها محطف الخاص على العام اعتناءً بالصلاة التي هي قربان كل تقي، ومن ثم قال ﷺ : "مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَن الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِن اللهِ إِلا بُعْدًا". أخرجه الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵄ (١).
فالصلاة إنما تكون قرباناً إلى الله تعالى إذا نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وذلك عين التقوى.
ثم عطف على المحافظة على الصلاة غض البصر؛ لأن إطلاق البصر يغرق القلب في مطالعة الأغيار، ثم يوقع العبد في مهاوي الأوزار، وبذلك يصد العبد عن مقام القرب.
واعلم أنَّ كل عمل صالح فهو قربة من الله تعالى إذا صحت فيه النية وخلا عن العجب والمن ورؤية العمل، وذلك حقيقة التقوى، وذلك لا يَعْدُو الفرائض والنوافل المشار إليها في حديث البخاري المتقدم.
ولمن أهم الفرائض الإخلاص في كل عمل، فأما إذا كان العمل مشوباً بإرادة غير الله تعالى فلا يكون صاحبه براً، فضلاً عن أن يكون
стр. 1990
صدِّيقاً مقرَّباً لأنه لم يتقرب في ذلك العمل إلى ذلك الغير؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ إذ ضمن السؤال الإرادة والطلب، فمن عمل لغير الله تعالى فإنما سأل وطلب شيئاً من ذلك الغير، فلا يكون الله منه قريباً.
ومعنى الإخلاص والصدق فيه لم يتم التقرب لمقرب حتى لا يرى نفسه أهلاً للقرب.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مسروق قال: قال رجل عند عبد الله - يعني: ابن مسعود ﵁: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إلي، قال: فقال عبد الله: لكن هاهنا رجل ود أنه إذا مات لم يبعث؛ يعني: نفسه (١).
ثم إنَّ التقرب إلى الله لا يكون إلا من حيث أمرك، لا من حيث تريد أنت وتستحسن، ومن ثم كان تقرب المشركين بأوثانهم بعداً أوجب لهم لعناً وطرداً كما حكى الله عنهم مشيراً إلى ذم ما هم عليه، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣]، أي: قالوا: ما نعبدهم، وهكذا كان يقرأها ابن عباس كما رواه سعيد بن منصور، وسعيد بن جبير
стр. 1991
كما رواه عبد بن حميد (١).
ومن حكمته في هؤلاء إذا ماتوا على ما زعموه قربةً من عبادة الأوثان أنه يحلهم دار الهوان، فإذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] أجابهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ومن هذا القبيل: من تقرَّب إلى الله تعالى بمعصية كالغناء، وضرب الآلة، أو بما لم يكن مشروعًا كمن يتقرب إلى الله تعالى بالسكوت الدائم أو بترك أكل اللحم تحرجاً، أو بسجود غير مشروع، أو بربط نفسه بحبل لئلا ينام؛ فإنَّ ذلك يوجب لمن عمله البعد من حيث يظن بالقرب؛ فإنَّ العبد لا يتم تقربه لسيده إلا بتنفيذ ما يأمره به سيده، سواء وافق مراد العبد، أو خالف مراده.
ولو تقرب إليه العبد بما يريده العبد، ولم يوافق رضى مولاه، لم يكن ذلك تقرباً، بل هو بالتبعد أشبه.
وإذا كان العبد لا تتم له العبودية إلا بالرضى بقضاء المعبود فيما يخص العبد، فكيف تتم له عبوديته بغير الرضا بقضاء المعبود فيما يختص بالمعبود؟
ولا يتحقق قرب العبد من الرب إلا بالتحقق بالعبودية، ولا تتحقق العبودية إلا بالرضا بقضاء المعبود في كل قضية.
وقد روى ابن جهضم عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى قال:
стр. 1992
إنَّ الله اصطنع إلى أوليائه ثلاث خصال؛ لا يطمعهم من حيث يطمعون، ويشوش عليهم تدبيرهم لأنفسهم، ولا يظفر بهم عدوهم (١).
يريد أن لا يرجو غيره، ولا يخافوا سواه؛ لأنه البار بهم، اللطيف الكريم.
والأولياء هم المقربون؛ لأنَّ أصل الولاية القرب، فإذا كان هذا عادة الله في المقربين، فعليهم أن يقطعوا الأطماع في سوى ما يرزقهم، ويدَعوا التدبير لأنفسهم، ويكلوا أمرهم إلى تدبيره لهم، وبذلك يتم قربهم، وتكمل ولايتهم، ولا يحققهم بذلك مثل علمهم بأنَّه أقرب إليهم من حبل الوريد، وأَعْلَم منهم بما يصلحهم؛ كما روى أبو نعيم عن وهب: أنه قرأ في بعض كتب الله: يا ابن آدم! ما أنصفتني؛ تذكر بي وتنساني، وتدعوا إلي (٢) وتفر مني، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك، ولا يزال ملك لهم (٣) قد صعد إلي منك بعمل قبيح.
يا ابن آدم! إن أحب ما تكون إلي، وأقرب ما تكون مني إذا كنت راضياً بما قسمت لك، وأبغض ما تكون إلي، وأبعد [ما تكون مني إذا
стр. 1993
كنت] (١) ساخطاً لاهياً عما قسمت لك.
يا ابن آدم! أطعني فيما أمرتك، ولا تعلمني بما يصلحك؛ إني عالم بخلقي، أنا أُكرم من أكرمني، وأهين من كان عليه أمري، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي (٢).
وقد روى ابن جهضم عن سهل قال: من نظر إلى الله قريباً منه بعد عن قلبه كل شيء سوى الله، ومن طلب مرضاته أرضاه الله، ومن أسلم قلبه تولى الله جوارحه (٣).
وعن حال الرضا والتحقق فيه [عبّر ذو النون المصري رحمه الله تعالى بقوله: من تقرب إلى الله بتلف نفسه، حفظ الله عليه عليه نفسه، كما رواه ابن جهضم، فعبر بتلف النفس عن محوها في مرضاة الله تعالى، وعدم الاعتداد] (٤) بها، والالتفات إلى ما تريد وتهوى، ومن ثمَّ كان الشهيد حياً عند الله تعالى مرزوقاً؛ لأنه أتلف نفسه في طلب رضى الله تعالى، وإنما يكون تلف النفس سبباً لحفظها إذا أتلفها صاحبها من حيث أُمر لا من حيث نهي، ألا ترى أنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؟
стр. 1994
ثمَّ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١].
وقد تعد النفس منعها عن شهواتها ومراداتها تلفاً وهلاكاً، فإنَّ منعها من حيث منعها الله تعالى فقد أحياها عند الله، وإن أماتها في نظرها.
ومتى فنيت في نظرها، وبقيت عند الله تعالى، فقد تحققت بمقام المقرب، وعاشت في دار المقامة، وحييت بالنعمة والكرامة.
* تنبِيْهٌ:
دليل التشبه بالمقربين معروف من أدلة التشبه بالصالحين والصديقين والسابقين.
وروى ابن جهضم عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: إن الله ندب العباد إلى طلب القربة إليه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]؛ قال: والإيمان بهذه العصابة من أفضل القربات؛ يعني: الإيمان بطريق الصوفية.
قال في "القاموس": الوسيلة والوسالة: المنزلة عند الملك، والدرجة، والقربة.
ووسل إلى الله توسيلاً: عمل عملاً يقرب إليه؛ كتوسل (١).
فهذه الآية دليل على إرشاد المؤمنين إلى طلب درجة المقربين،
стр. 1995
[ ..... ] (١) الترغيب في طلب مقام المقربين مما أعده الله لهم عند الموت بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٨٦ - ٩١].
قال الربيع بن خُثَيم رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]، قال: هذا عند الموت، ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩]؛ قال: تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث.
وفي قوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٢، ٩٣]، قال: هذا عند الموت، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]، قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" (٢).
وقال أبو العالية ﵀: لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم يقبض. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣).
стр. 1996
وفسر ابن عباس ﵄ الروح بالراحة، والريحان بالاستراحة (١).
ومجاهد [رحمه الله تعالى الروح بالفرح، والريحان بالرزق. رواهما ابن جرير] (٢).
وقال الحسن: أما والله إنهم ليبشرون بذلك عند الموت. روى ذلك عنهما عبد بن حميد، وغيره (٣).
وروى ابن المنذر عن ابن عباس قال: الريحان الرزق (٤).
وفي الآية تمييز المقربين عن أصحاب اليمين؛ فإنَّ أصحاب اليمين يسلمون من المكروهات عند الموت، ويشاركهم المقربون في السلامة، ويمتازون عليهم بالروح والريحان، وما لقيه الميت عند الموت فما بعده أبلغ من خير أو شر، إلا المؤمن العاصي فقد يخلص من ذنبه مما يلقاه عند الموت من كرب أو هول، وقد يبقى عليه بقية تكفر بما بعد الموت من الأهوال.
فأما أصحاب اليمين فإنَّهم يترقون فيما يجدونه عند الموت من الخير، والمقربون أولى بذلك.
стр. 1997
ولحصول القربة للعبد علامة في العبد، وعلامة من الله تعالى للعبد:
فأمَّا علامة القرب في العبد فمحبة لقاء الله تعالى، والطمأنينة بذكره لقوله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَه". رواه الشيخان، وغيرهما من حديث عبادة، وعائشة ﵄ (١).
ولما ادعى اليهود ولاية الله والقرب منه امتحنهم الله بتمني الموت، وعرَّفهم أنهم لا يتمنونه، وأكذبهم بعدم تمنيه، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٦، ٧]؛ أي: من المعاصي التي هي سبب البعد والعداوة.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦].
ادَّعوا القرب فأكذبهم، وعرفهم أنهم غير مشتاقين إلى لقاء الله، ويؤثرون طول العمر على لقائه، ولو كانوا متقربين إليه لأحبوا لقاءه، فلما لم يحبوا لقاءه، وأحبوا البقاء في دار الدنيا، علم أنهم عملوا أعمالًا
стр. 1998
أبعدتهم عنه، وطول العمر لو حصل لهم لم ينفعهم، ولم يزحزحهم عن البعد والتعذيب.
وإنما قال ﷺ : "لا يتَمَنَّيَن أَحَدُكُم الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بهِ" (١) من حيث إنَّ هذا التمني ليس الباعث عليه الشوق إلى لقاء الله، ولا القرب منه، وإنما هو التباعد عما لا يلائم النفس من الضر الذي يصيبه في الدنيا، ولعل ذلك الضر يكون سبباً في القرب من الله، ورفع المنزلة عنده.
وأمَّا الطمأنينة بذكر الله تعالى فلأنها ناشئة عن الأنس به، والأنس لا يتحقق إلا بتحقق القرب.
روى ابن جهضم عن أبي سعيد الخزَّاز قال: حدثني بعض العلماء قال: بينما عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵈ يسيران جرى ذكر شيء من العلم بينهما، فصاح يحى وقال: إن لله عباداً إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم، وكادت أن تتقطع أوصالهم.
فقال عيسى: إنَّ لله عباداً ألطف من هؤلاء، وأسكن؛ إذا ذكروا الله لم يصبهم ذلك لأنهم معه يسمعون كلامه من قرب لا من بعد، فبم يطيشون؟
فقال يحيى: لقد سقيتني بكأس أرويتني، وأزويت بعض خيري.
وعن الفتح بن شخرف ﵀ قال: رأيت سعدون قائماً على حلقة ذي النون رحمة الله عليهما، وعليه جبة صوفٍ ضيقة الكمين، على
стр. 1999
ظهره وصدره مكتوبٌ عليها: لا تباع ولا تشترى، وذو النون يتكلم على من حوله، فناداه سعدون: يا أبا الفيض! متى يكون القلب أميراً بعد ما كان أسيراً؟ فقال ذو النون: إذا اطَّلع الخبير على الضمير، فلا يرى إلا حبه اللطيف، فصرخ سعدون وخرَّ مغشياً عليه، فلما أفاق قال: يا أبا الفيض! أمن القلوب قلوبٌ تستغفر قبل أن تذنب؟ قال: نعم؛ تلك قلوب تُثَابُ قبل أن تطيع، فقال: اشرح لي، فقال: يا سعدون! أولئك قومٌ أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، وأنست أبصارهم بصدق الناظرين، ثمَّ ولَّى - يعني: سعدون - وهو يقول: [من البسيط]
أَهْلُ الْمَحَبَّةِ ما نالُوْا الَّذِيْ وَجَدُوْا (١) ... حَتَّىْ بِخِدْمَتِهِ فِيْ لَيْلٍ انْفَرَدُوْا
هُمُ الْمُرِيْدُوْنَ وَالْمَوْلَىْ مُرادُهُمُ ... وَهُمْ سِواهُ مِنَ الأَحْبابِ لَمْ يُرِدُوْا
حَثُّوْا الْمَطايا سِراعاً نحو سيِّدهمْ (٢) ... وَاستمسكوا بالمليك الحي واعتمدوا (٣)