وفسر ابن عباس ﵄ الروح بالراحة، والريحان بالاستراحة (١).
ومجاهد [رحمه الله تعالى الروح بالفرح، والريحان بالرزق. رواهما ابن جرير] (٢).
وقال الحسن: أما والله إنهم ليبشرون بذلك عند الموت. روى ذلك عنهما عبد بن حميد، وغيره (٣).
وروى ابن المنذر عن ابن عباس قال: الريحان الرزق (٤).
وفي الآية تمييز المقربين عن أصحاب اليمين؛ فإنَّ أصحاب اليمين يسلمون من المكروهات عند الموت، ويشاركهم المقربون في السلامة، ويمتازون عليهم بالروح والريحان، وما لقيه الميت عند الموت فما بعده أبلغ من خير أو شر، إلا المؤمن العاصي فقد يخلص من ذنبه مما يلقاه عند الموت من كرب أو هول، وقد يبقى عليه بقية تكفر بما بعد الموت من الأهوال.
فأما أصحاب اليمين فإنَّهم يترقون فيما يجدونه عند الموت من الخير، والمقربون أولى بذلك.
стр. 1997
ولحصول القربة للعبد علامة في العبد، وعلامة من الله تعالى للعبد:
فأمَّا علامة القرب في العبد فمحبة لقاء الله تعالى، والطمأنينة بذكره لقوله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَه". رواه الشيخان، وغيرهما من حديث عبادة، وعائشة ﵄ (١).
ولما ادعى اليهود ولاية الله والقرب منه امتحنهم الله بتمني الموت، وعرَّفهم أنهم لا يتمنونه، وأكذبهم بعدم تمنيه، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٦، ٧]؛ أي: من المعاصي التي هي سبب البعد والعداوة.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦].
ادَّعوا القرب فأكذبهم، وعرفهم أنهم غير مشتاقين إلى لقاء الله، ويؤثرون طول العمر على لقائه، ولو كانوا متقربين إليه لأحبوا لقاءه، فلما لم يحبوا لقاءه، وأحبوا البقاء في دار الدنيا، علم أنهم عملوا أعمالًا
стр. 1998
أبعدتهم عنه، وطول العمر لو حصل لهم لم ينفعهم، ولم يزحزحهم عن البعد والتعذيب.
وإنما قال ﷺ : "لا يتَمَنَّيَن أَحَدُكُم الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بهِ" (١) من حيث إنَّ هذا التمني ليس الباعث عليه الشوق إلى لقاء الله، ولا القرب منه، وإنما هو التباعد عما لا يلائم النفس من الضر الذي يصيبه في الدنيا، ولعل ذلك الضر يكون سبباً في القرب من الله، ورفع المنزلة عنده.
وأمَّا الطمأنينة بذكر الله تعالى فلأنها ناشئة عن الأنس به، والأنس لا يتحقق إلا بتحقق القرب.
روى ابن جهضم عن أبي سعيد الخزَّاز قال: حدثني بعض العلماء قال: بينما عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵈ يسيران جرى ذكر شيء من العلم بينهما، فصاح يحى وقال: إن لله عباداً إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم، وكادت أن تتقطع أوصالهم.
فقال عيسى: إنَّ لله عباداً ألطف من هؤلاء، وأسكن؛ إذا ذكروا الله لم يصبهم ذلك لأنهم معه يسمعون كلامه من قرب لا من بعد، فبم يطيشون؟
فقال يحيى: لقد سقيتني بكأس أرويتني، وأزويت بعض خيري.
وعن الفتح بن شخرف ﵀ قال: رأيت سعدون قائماً على حلقة ذي النون رحمة الله عليهما، وعليه جبة صوفٍ ضيقة الكمين، على
стр. 1999
ظهره وصدره مكتوبٌ عليها: لا تباع ولا تشترى، وذو النون يتكلم على من حوله، فناداه سعدون: يا أبا الفيض! متى يكون القلب أميراً بعد ما كان أسيراً؟ فقال ذو النون: إذا اطَّلع الخبير على الضمير، فلا يرى إلا حبه اللطيف، فصرخ سعدون وخرَّ مغشياً عليه، فلما أفاق قال: يا أبا الفيض! أمن القلوب قلوبٌ تستغفر قبل أن تذنب؟ قال: نعم؛ تلك قلوب تُثَابُ قبل أن تطيع، فقال: اشرح لي، فقال: يا سعدون! أولئك قومٌ أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، وأنست أبصارهم بصدق الناظرين، ثمَّ ولَّى - يعني: سعدون - وهو يقول: [من البسيط]
أَهْلُ الْمَحَبَّةِ ما نالُوْا الَّذِيْ وَجَدُوْا (١) ... حَتَّىْ بِخِدْمَتِهِ فِيْ لَيْلٍ انْفَرَدُوْا
هُمُ الْمُرِيْدُوْنَ وَالْمَوْلَىْ مُرادُهُمُ ... وَهُمْ سِواهُ مِنَ الأَحْبابِ لَمْ يُرِدُوْا
حَثُّوْا الْمَطايا سِراعاً نحو سيِّدهمْ (٢) ... وَاستمسكوا بالمليك الحي واعتمدوا (٣)
وأما علامة القرب من الله تعالى للعبد فتوفيق العبد لطاعة أخرى سوى الطاعة التي تقرب إليه بها أولاً، ولطفه به، وتأييده فيها كما قال الله تعالى في حديث البخاري: "وَمَا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ... ".إلى آخره (١).
فالمقرب المؤيد في الحركات والسكنات، ومحال أن يتقرب العبد إلى الله تعالى بإخلاص وصدق، ولا يتقرب الله منه لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
ولما رواه البخاري عن أنس، وعن أبي هريرة، والطبراني عن سلمان الفارسي ﵁ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ العَبْدُ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وإذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وإنْ أتانِي مَشْياً أتيْتُهُ هَرْوَلَةً" (٢).
وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ اللهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ! إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وإنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُم، وَإِنْ دَنْوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوتُ مِنْكَ ذرَاعًا،
стр. 2002
وإِنْ أتَيْتَنِي تَمْشِي أتيْتُكَ أُهَرْوِل" (١).
واعلم أنَّ التقرب ذراعاً أو باعاً، والهرولة في الحديثين ليس المراد بهما قرب المسافة، ولا الحركة؛ فانَّ الله تعالى منزه عن ذلك، ولكنه على سبيل التمثيل والتقريب، والتعبير عن سرعة ظهور الفضل من الله تعالى، والإحسان على العبد في مقابلة إقباله على الله تعالى، وتقربه منه سبحانه بأبلغ عبارة، وأوضحها في تأدية المقصود.
وفي "حلية أبي نعيم" عن ابن أبي الحواري: حدثني إسحاق بن خلف، قال: مرَّ عيسى بن مريم ﵉ بثلاثة من الناس قد نحلت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ قالوا: الخوف من النيران، قال: مخلوقاً خِفتم، وحقاً على الله أن يؤمن الخائف.
ثم جاوزهم إلى ثلاثة فإذا هم أشد تغير ألوان، وأشد نحول أبدان، فقال: ما الذي بلغ بلغكم ما أرى؟ قالوا: الشوق إلى الجنان، فقال: مخلوقاً اشتقتم، وحقاً على الله أن يعطيكم ما رجوتم.
قال: ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين، فإذا هم أشد نحول أبدان، وأشدُّ تغير أبدان، [كأن على وجوههم المرآة من النور] فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الحب لله، قال: أنتم المقربون، أنت المقربون (٢).
стр. 2003
قلت: كذلك التحقيق أن أهل هذه الأحوال الثلاث كلهم محمودون لأنهم كلهم في طاعة الله، وهم متصلون بالله؛ الأولون يخافون عذاب الله، والذين يلونهم يرجون رحمته، والآخرون يحبهم ويحبونه.
والخائف من النار مستجير بالله منها، مستعيذ به، وناهيك بمن هو في جوار الله تعالى، وقد أوصى بالجار.
ومن اشتاق إلى الجنة إنما يطلبها ويرجوها من الله تعالى، وقد قالوا: من قصد إلينا وجب حقه علينا.
ومن أحب الله أحبه الله؛ إذ ما جزاء من يحب إلا أن يُحب، غير أنَّ هؤلاء أعظم اتصالاً من الذين قبلهم، ثم قال عيسى ﵇ عنهم: أولئك المقربون، أولئك المقربون.
وروى ابن جهضم، وغيره عن أحمد بن أبي الحواري قال: سأل محمود أبا سليمان الداراني ﵁ وأنا حاضر: ما أقرب ما يتقرب به إلى الله؟ فبكى أبو سليمان، ثم قال: مثلي يسأل عن هذا؟ أقرب ما تقرب به إليه أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد من الدنيا والآخرة إلا إياه (١).
وروى ابن باكُويه الشيرازي في "الألقاب"، وغيره عن أبي القاسم الجنيد ﵀ قال: حججت على الوحدة، فجاورت بمكة، فكنت إذا جن الليل دخلت الطواف، فإذا بجارية تطوف وتقول: [من الطويل]
стр. 2004
أَبَىْ الْحبُّ أَن يَخْفَىْ وَكَمْ قَدْ كَتَمْتُهُ ... فَأَصْبَحَ عِنْدِي قَدْ أَناخَ وَطَنَّبا
إِذا اشْتدَّ شَوْقيْ هامَ قَلْبِيْ بِذِكْرِهِ ... فَإِنْ رُمْتُ قُرْباً مِنْ حَبِيْبِيْ تَقَرَّبا
وَيَبْدُوْ فَأَفْنَىْ ثُمَّ أَحْيَىْ بِهِ لَهُ ... ويُسْعِدُنِيْ حَتَّىْ ألَذَّ وَأَطْرَبا
قال: فقلت لها: يا جارية! أما تتقين الله في مثل هذا المكان تتكلمين بهذا الكلام؟ فالتفتت إليَّ وقالت: يا جنيد! [من مجزوء الرجز]
لَوْلا التُّقَىْ لَمْ تَرنيْ ... أَهْجُرُ طِيْبَ الْوَسَن
إِنَّ التُّقَىْ شَرَّدَنِيْ ... كَما تَرَىْ عَنْ وَطَنِي
أَهِيْمُ مِنْ وَجْدِيْ بِه ... فَحبُّهُ هَيَّمَنِيْ
ثم قالت: يا جنيد! تطوف بالبيت، أم برب البيت؟ فقلت: أطوف بالبيت، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: سبحانك! سبحانك! ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلقاً كالأحجار يطوفون بالأحجار، ثم أنشأت تقول: [من الطويل]
стр. 2005
يَطُوْفُوْنَ بِالأَحْجارِ يَبْغُوْنَ قُرْبةً ... إِلَيْكَ وَهُمْ أَقْسَىْ قُلُوْباً مِنَ الصَّخْرِ
وَتاهُوْا فَلَمْ يَدْرُوْا مِنَ التِّيْهِ مَنْ هُمُ ... وَحَلُّوْا مَحَلَّ الْقُرْبِ فِيْ باطِنِ النُّكْرِ (١)
فَلَوْ أَخْلَصُوْا فِيْ الْوُدِّ غابَتْ صِفاتُهُمْ ... وَقامَتْ صِفاتُ الْوُدِّ لِلْحَقِّ بِالذِّكْرِ
قال الجنيد: فغشي عليَّ من قولها، فلما أفقت لم أرها (٢).
وقد تكلمتُ على حال القرب في كتاب "منبر التوحيد" بما فيه مقنع، وليس عليه مزيد، ولي فيه أبيات لطيفة تشتمل على معان شريفة، وهي: [من مجزوء الرمل]
لِيْ إِلَىْ وَجْهِ حَبِيْبِي ... مِنْ صَلاةِ الْقُرْبِ وِرْدُ
لِيْ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ ... نِيَّةٌ حُسْنَىْ وَقَصْدُ
فَسُهُوْدِيْ فِيْ سُجُوْدِيْ ... بِوُجُوْدِيْ يَسْتَبدُّ
إِنْ تَجِدْ غَيًّا عَرانِي ... فَهْوُ فِيْ التَّحْقِيْقِ رُشْدُ
لا بِرَحْبِ الدَّهْرِ صَبًّا ... لِيْ إِلَىْ الْمَحْبُوْبِ وَجْدُ
فَهْوَ مَوْلايَ وإِنِّيْ ... بَيْنَ أَقْرانِيْ لَعَبْدُ
عِنْدَهُ قَلْبِيْ وَإِنِّيْ ... لَيْسَ لِيْ وَاللهِ عِنْدُ
وَلَهُ أَمْرِيْ وَكُلِّي ... قَبْلَ تَبْرِيْحِيْ وَبَعْدُ
يا حَبِيْبِيْ جُدْ بِهِ لِيْ ... إِنَّ شَوْقِيْ لا يُعَدُّ
* تتمة:
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١].
قال قتادة رحمه الله تعالى: عليّون فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى.
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠]؛ قال: رقم لهم بخير.
стр. 2008
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]؛ قال: المقربون من ملائكة الله. رواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر (١).
وروي [عن] ابن عباس: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]؛ كل أهل السماء (٢).
وقال ابن جريج: هم مقربو أهل كل سماء إذا بهم عمل المؤمن شيعه مقربو كل سماء حتى ينتهي العمل إلى السماء السابعة، فيشهدون حتى يثبت في السماء السابعة. رواه ابن المنذر (٣).
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨].
فروى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: تسنيم أشرف شراب أهل الجنة، وهو صِرف للمقربين، وممزوج لأصحاب اليمين، وأصحاب اليمين هم الأبرار، وهم سائر أهل الجنة ممن سوى المقربين (٤).
стр. 2009
وروي مثل ذلك عن ابن مسعود، ومالك بن الحارث، وقتادة، وغيرهم (١).
وروى ابن المنذر عن حذيفة ﵁ قال: تسنيم عين في عدن يشرب بها المقربون في عدن صرفاً، وتجري تحتهم أسفل منهم إلى أصحاب الممين، فتمزج بها أشربتهم كلها؛ الماء، والخمر، واللبن، والعسل، تطيب بها أشربتهم (٢).
وقد روي مما ذكر أنَّ المقربين في الآية الأولى غير المقربين في الآية الثانية؛ فالأولون الملائكة، والآخرون سادات أهل الجنة وسابقوهم.
وقد وصف الله الملائكة بالقربة في قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، والصفة تحتمل أن تكون لازمة فكل الملائكة مقربون كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]؛ يعني: الملائكهَ.
ويحتمل أن تكون مخصصة، وفسر مقربو الملائكة بالكَرُوبيين (٣)،
стр. 2010
وهم حملة العرش، أو هم ومن حوله.
وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى في قوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]؛ قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خرَّ ترعد فرائصه، حتى إنَّ إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه، ويقول: يا رب! لا أملك اليوم إلا نفسي (١).
وروى أبو نعيم عن كعب قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ونزلت الملائكة [فصارت] صفوفاً، فيقول الله لجبريل ﵇: اِيت بجهنم، فيأتي بها تقاد بسبعين ألف زمام، حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مئة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر، وتذهل العقول، فيفزع كل امرئٍ إلى عمله، حتى إنَّ إبراهيم يقول: بِخُلَّتِيْ لا أسألك إلا نفسي، ويقول موسى: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي، ويقول عيسى:
стр. 2011
بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم والدتي، ومحمد ﷺ يقول: "أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي، [إنما أسألك اليوم أمتي] "، فيجيبه الجليل ﷻ : "إنَّ أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فوعزتي [وجلالي] لأقرن عينك في أمتك"، ثم تقف الملائكة بين يدي الله ينتظرون ما يؤمرون (١).
ففي هذا الأثر، والذي قبله تقييد الملك بوصف التقريب، والأنبياء بوصف الرسالة إشارة إلى أنَّ غيرهم أولى بأن يرتاع لهذا الهول العظيم.
وفي أثر كعب تبشير لأهل القربة من هذه الأمة - وهم الأولياء - بأن لا خوف عليهم إذ ذاك ولا حزن.
وجعل الأستاذ أبو طالب المكي المقربين في قوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]، وفي قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] بمعنى واحد، وفسرهم في الآيتين بالمحبين لله تعالى، الذين أخلصوا وجودهم لله حقاً، فيعبدونه حقاً لأجله صرفاً، فنعيمهم في الجنة صرف.
قال: ﴿وَمِزَاجُهُ﴾؛ يعني: مزاج شراب الأبرار ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧، ٢٨] [أي: يشربها المقرَّبون] صرفاً، وممزوجاً لأصحاب اليمين، فما طاب شراب الأبرار إلا بمزاج من شراب المقربين.
стр. 2012
قال: فعبر عن جملة نعيم الجنان بالشراب، كما عبر عن العلوم والأعمال بالكتاب، فقال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، ثم قال: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١].
فما حسن عملهم (١)، ولا صفت أعمالهم، ولا علا كتابهم إلا بشهادة المقربين لما قرب كتابهم منهم، وحضروه، كذلك كانوا في الدنيا تحسن علومهم بعلومهم، وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم، ويجدون المزيد في مزيدهم (٢) بقربهم منهم (٣). انتهى.
وفيه سياق الآيتين على نسق واحد.
والمعنى أنَّ الأبرار لما كانوا يأخذون في الدنيا بسبب من أنفاس المقربين، وحبل من أعمالهم، غير أنهم لم يستقيموا كاستقامتهم؛ إذ لم يخلوا من تخليط ما في أعمالهم، نفعهم هذا الاتصال بالمقربين يوم الدين، فشهدوا أعمالهم، وزكوهم عند الله تعالى، وكانت شهادتهم لهم شفاعة لهم، ثم كانت عاقبتهم أن مزج شرابهم بشرابهم، وطاب نعيمهم بمزاح نعيمهم، ولو أخلصوا في حبهم في دار الدنيا؛ أعني: المحبة الخاصة التي تنشأ عن التعارف، وتثمر التآلف، لألحقهم الله بهم في كل ما لهم بدليل الحديث المتقدم: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"؛ فافهم!
стр. 2013
ولقد سبق قول شيخ الإسلام الجد ﵁ مقتبسا للحديث: [من الخفيف]
إِنْ تَكُنْ عَنْ مَقامِ الَّذِيْن اجْتَباهُمْ ... رَبُّهُمْ عاجِزاً وَتَطْلُبُ قُرْبا
حِبَّ مَوْلاكَ وَالَّذِيْن اجْتَباهُمْ ... تَبْقَ مَعْهُمْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبَّا
ثم اعلم أنَّ عليين اسم لأعلى الجنة فيه كتب الأبرار، وفيه مساكن المقربين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١].
وإنما يشهدوا به لأنه مستودع في مساكنهم، وإنما كانت كتب الأبرار عندهم ليشهدوا لهم، ويطلعوا على منازلهم لأن الأعمال تدل على المنازل والمقامات، فهم مطلعون على منازل الأبرار، ولا يطلع الأبرار على منازلهم، وليس لهم من علمها إلا الترائي إليها كما يتراءى أهل الأرض نجوم السماء.
وقد روى الإمام أحمد، والشيخان عن سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيتَرَاءَوْنَ أَهْلَ (١) الغُرَفِ كَمَا تَرَاءَوْنَ
стр. 2014
الكَوْاكِبَ (١) فِي السَّمَاء" (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري ﵁، والطبراني عن جابر بن سمرة ﵁، وابن عساكر عن ابن عمر، وعن أبي هريرة ﵁ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ العُلَى لَيَرَاهُمْ منْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُم كَمَا تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَ أَبَا بَكْرِ وَعُمَرَ مِنْهُم، وَأَنْعِمَا! " (٣).
وروى ابن عساكر عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ أَهْلَ عِلِّيِّيْنَ لَيَشْرُفُ أَحَدُهُم إِلَى الْجَنَّةِ فَيُضِيءُ وَجْههُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا يُضِيْءُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ لأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنَ أَبَا بَكْرِ وعُمَرَ مِنْهُم، وَأَنْعِمَا! " (٤).
стр. 2015
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: إنَّ لأهل عليين كوى يشرفون منها، فإذا أشرف أحدهم أشرقت الجنة، فيقول أهل الجنة: قد أشرف رجل من أهل عليين (١).
وعن محمد بن كعب ﵀ قال: يرى في الجنة كهيئة البرق، فقيل: ما هذا؟ قيل: رجلٌ من أهل عليين تحول من غرفة إلى غرفة (٢).
وروى الشيخان عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيراءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِن فَوْقهِم كَمَا تتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِن الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُم"، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يدخلها غيرهم؟ قال: "بَلى، وَالَّذِي نفسِي بِيَدهِ، رِجَالٌ آمَنُوْا بِاللهِ، وَصَدَّقُوْا الْمُرْسَلِيْنَ" (٣).
وروى ابن أبي الدنيا عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَةِ فِي الْجَنَّةِ يَقُوْلُ الَّذِيْنَ أَسْفَلَ مِنْهُم: أَي رَبِّ! بِمَ بَلَغَ عِبَادُكَ هَذهِ الكَرَامَةَ كُلَّهَا؟ فَيُقَالُ لَهُم: كَانُوْا يُصَلُّوْنَ بِاللَّيْلِ وَكُنْتُم تَنَامُوْنَ، وَكَانُوْا يَصُوْمُوْنَ وَكُنتم تأكلُوْن، وَكَانُوْا يُنْفِقُوْنَ وَكُنْتُم تَبْخَلُوْن، وَكَانُوْا يُقَاتِلُوْن وَكُنْتُم تَجْبُنُوْن" (٤).
стр. 2016
وروى ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةَ يَرْفَعْهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَمَنْ يَتَكَبَّرْ عَلَى اللهِ دَرَجَةً يَضَعْهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِيْنَ" (١).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن أبي المتوكل الناجي - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الدَّرَجَةَ فِي الْجَنَّةِ فَوْقَ الدَّرَجِةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَرْفَعُ بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ بَرْقٌ يَكَادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ، فَيَفْزَعَ لِذلِكَ، فَيَقُوْلُ: مَا هَذَا؟ فَيقالُ: هَذَا نُوْرُ أَخِيْكَ فُلان، فَيَقُوْلُ: أَخِي فُلان؟ كُنَّا نَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا جَمِيْعًا، وَقَد فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ عَمَلاً، ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قَلْبِهِ الرِّضَا حَتَّى يَرْضَى" (٢).
قلت: وهذه أعظم نعمة في الجنة على كل واحد من أهلها أن يلقيَ اللهُ الرِّضا في قلبه حتى يرضى بمقامه ومنزلته فيها، وهذا أثر من آثار رضوان الله تعالى عنهم، ومن ثمَّ وصف الله تعالى أهل ولايته وتقريبه بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨].
وأقول في هذا المعنى، والحجة عليه قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] [من الخفيف]
فَصْلٌ
ويقال للصديقين: أخيار، وخيار، وقد يقال ذلك لعامة الصالحين.
ويقال للصديقين: خيار الخيار، وأخيار الأخيار، وصفوة الصفوة، وخلاصة الخلاصة، وخاصة الخاصة.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٨].
ولا يختص ذلك بالأنبياء ﵈ لأنَّ ذا الكفل مختلف في نبوته، والأقوى أنه غير نبي إلا أنه صديق (١).
стр. 2019
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وآخرون من طريق سعيد مولى طلحة، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "كَانَ ذُوْ الكِفْلِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيْلَ" (١).
ورواه ابن مردويه عن نافع، عن ابن. عمر، ولفظه: "كَانَ ذُوْ الكِفْلِ مِن بَنِي إِسْرَائِيْلَ لا يَتَورَّعُ مِنْ ذَنْب عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأةٌ، فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِيْنَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ أَرْعَدَت، وَبَكَتْ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيْكِ؟ أَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلا الْحَاجَةُ، فَقَالَ: تَفْعَلِيْنَ أَنْتَ هَذَا وَمَا فَعَلْتِ؟ اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ، وَقَالَ: وَاللهِ لا أَعْصِي اللهَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَمَاتَ مِن لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوْباً عَلَى بَابِهِ: إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِلكِفْلِ، أَوْ قَالَ: لِذِي الكِفْلِ (٢)(٣).
стр. 2020
وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ما كان ذو الكفل نبياً، ولكنه كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مئة صلاة، فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مئة صلاة، فسمي ذا الكفل (١).
روى ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ [ص: ٤٨]؛ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، فسمي ذا الكفل (٢).
وقال بعض العلماء: سمي ذا الكفل لأنه تكفل بأن لا يغضب، فامتحنه الشيطان، فلم يغضب، ووفى بما كفل.
وروى المفسرون، وابن أبي الدنيا في ذلك آثاراً (٣).
стр. 2021
وهذا الفصل يغني عن عقد باب، أو فصل مستقل في التشبه بذي الكفل لأنه في جملة الصديقين والأخيار.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧، ٨].
قالت عائشة ﵂: قلت: يا رسول الله! من أكرم الخلق على الله؟ قال: "يا عائِشَةُ! ما تَقْرَئيْنَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]؟ ". رواه ابن مردويه (١).
وقال أبو هريرة ﵁: أتعجبون من منزلة الملائكة عند الله؟ والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]. رواه ابن أبي حاتم (٢).
استنبط أبو هريرة ﵁ من الآية تفضيل أخيار بني آدم على الملائكة، أو على بعضهم من هذه الآية؛ لأنها في سياق التقسيم بين المؤمنين وأنهم خير البرية، والمشركين وأنهم شرُّ البرية، ولا يكون القسمان موجودين إلا في الثقلين، فأمَّا الملائكة فتمحضوا للإيمان، وأما الشياطين
стр. 2022
فتمحضوا للشرك.
وهذه الآية قاضية بأنَّ خيار الناس والخلق أهل الإيمان والعمل الصالح، إلا أنَّ ثمَّ أخباراً وآثاراً ناصَّةَ على أن خيار الناس ذوو أعمال خاصة، وقد أحببت أن أصرد منها هنا جملة صالحة لمناسبتها لهذا المقام.
فروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَفْضَلُ العِبَادِ درَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الذَّاكِرُوْن اللهَ كَثِيْرًا" (١).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عباس ﵂ قال: قال موسى ﵇: أي ربِّ! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكراً، قال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته، قال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم على نفسه ما يحكم على الناس (٢).
وروى الإمام أحمد عن أبي عمرو الشيباني رحمه الله تعالى قال:
стр. 2023
سأل موسى ﵇ ربه : أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكراً، قال: فأي عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته، قال: أي عبادك أعدل؟ قال: من دان نفسه (١).
وروى آدم بن [أبي] إياس عن ابن مسعود ﵁: أنَّ موسى ﵇ قال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: ربِّ! أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنع بما يؤتى، قال: ربِّ! أي عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يتبع الهوى، قال: ربِّ! أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال: ربِّ! أي عبادك أحب إليك عملاً؟ قال: الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه، قال: ربِّ! ثم أي على أثر هذا؟ قال: قلب مؤمن في خلق حسن.
قال: ربِّ! أي عبادك أبغض إليك؟ قال: قلب كافر في خلق سيء، قال: ثم أي على أثر هذا؟ قال: جيفة بالليل، بطَّال بالنهار (٢).
وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس ﵄ قال: ما تعدون الكرم وقد بيَّن الله الكرم؟ فأكرمكم عند الله أتقاكم، وما تعدون
стр. 2024
الحسب؟ أفضلُكم حسباً أحسنُكم خلقاً (١).
وروى في "الصحيح" هو، والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أكرم؟ قال: "أكرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أتقَاهُمْ"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فَأكرَمُ النَّاسِ يُوْسُفُ نبَيُّ اللهِ بنُ يَعْقُوْبَ نبِيِّ اللهِ بْنِ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلِ اللهِ"، قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: "فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُوني؟ " قالوا: نعم، قال: "خِيَارُهُم فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا" (٢).
وروى الحافظ عبد الغني عن زر بن حبيش ﵀: أنَّ ابن مسعود ﵁ قال يوماً لابن أخيه: يا ابن أخي! ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقي.
ثم قال: يا ابن أخي! ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم (٣).
وروى الحكيم الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُكُمُ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى لِرُؤْيَتِهِم".
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن أسماء بنت يزيد رضي الله
стр. 2025
عنها: أنه ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُم بِخِيْارِكُمْ؟ خِيَارُكُمُ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ الله" (١).
وروى أبو نعيم، والخطيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا، وخِيَارُ عُلَمَائِهَا فُقَهَاؤُهَا (٢)، أَلا وإِنَّ اللهَ لَيَغْفِرُ لِلعَالِمِ أَرْبَعِيْنَ ذَنْبًا قَبْلَ أَنْ يَغْفِرَ لِلجَاهِلِ ذَنْبًا وَاحِدًا، أَلا وَإِنَّ العَالِمَ الرَّحِيْمَ يَجِيْءُ يَوْمَ القِيَامَةِ وإِنَّ نُوْرَهُ قَدْ أَضَاءَ يَمْشِي فِيْهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، كَمَا يُضِيءُ الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ" (٣).
وروى ابن النجار عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِي مِن دَعَا إِلَى اللهِ، وحَبَّبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ".
ورواه أبو نعيم، ولفظه: "إِنَّ أَخْيَارَ الصِّدِّيقِينَ مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ، وَحَبَّبَ عَبَادَهُ إِلَيْهِ، وَمِنْ شَرِّ الفُجَّارِ مَنْ كَثُرَتْ أَيْمَانُهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ" (٤).
وروى أبو يعلى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِي
стр. 2026
مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ، وحَبَّبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ".
وروى أبو يعلى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الأَجْوَدِ؟ اللهُ الأَجْوَدُ، وأَناَ أَجْوَدُ وَلَدِ آدَمَ، وأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِيْ رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَ عِلْمَهُ؛ يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى أُمَّةً وَحْدَهُ، وَرَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يُقْتَلَ" (١).
وروى الحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُمْ مَن ذَكَّركُمْ بِاللهِ رُؤْيتُهُ، وَزادَ فِيْ عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، ورَغَّبَكُمْ فِي الآخِرَةِ عَمَلُهُ" (٢).
ورواه هو وعبد بن حميد، والخرائطي عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "خَيْرُ جُلَسَائِكُم" (٣).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان" عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الأَصْحَابِ صَاحِبٌ إِذَا ذَكَرْتَ اللهَ أَعَانَكَ، وإِذَا
стр. 2027
نَسِيْتَ ذَكَّرَكَ؛ خِيَارُهُمُ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ الله" (١).
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، وابن حبان، والحاكم
وصححاه، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُم لِصَاحِبِهِ، وخَيْرُ الْجِيْرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُم لِجَارهِ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن دُرَّة بنت أبي لهب ﵂: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُم، وأَفْقَهُهُم فِي دِيْنِ اللهِ، وأتْقَاهُم للهِ، وآمَرُهُم بِالْمَعْرُوْفِ، وأَنْهَاهُم عَنِ الْمُنْكَرِ، وأَوْصَلُهُم للرَّحِمِ" (٣).
وروى البخاري، والترمذي عن علي ﵁، والإمام أحمد، وأبو
داود، والترمذي، والإمام مالك، وابن ماجه عن عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ" (٤).
стр. 2028
قال أبو عبد الرحمن - يعني: السلمي الراوي عن عثمان -: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا؛ وعلم القرآن في زمان عثمان حتى بلغ الحجاج (١).
ورواه ابن ماجه عن سعد، ولفظه: "خِيارُكُمْ" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير"، وابن الضِّرِّيس، وابن مردويه عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُكُم - وفي رواية: خِيَارُكُم - مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وأَقْرَأَهُ" (٣).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي أمامة ﵁ زاد فيه: "إِنَّ لِحَامِلِ
стр. 2029
القُرْآنِ دَعْوَةَ مُسَتَجَابَةَ يَدْعُوْ بِهَا فَيُسْتَجَابُ لَه" (١).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؛ خَيَارُهُمْ فِي الْجَاهِليَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا" (٢).
وفي هذا الحديث اعتبار التفضيل بالنسب والعلم، فإذا انفردا فالتقديم بالعلم.
وروى الدارمي عن الأحوص بن حكيم، عن أبيه ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن الشر؟ فقال: "ألا تَسْألوْني عَن الشَّرِّ، وسَلَونِي عَن الْخَيْرِ" - يقولها ثلاثا - ثم قال: "أَلا إِنَّ شِرَارَ الشَّرِّ شِرَارُ العُلَمَاءِ، وإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ العُلَمَاء" (٣).
وروى سيدي الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال في حديث: "وخَيْرُ أُمَّتِي العُلَمَاءُ، ثُمَّ الْمُتَعَلِّمُوْنَ، وطُوْبَى لِمَنْ حَدَّثَ حَدِيْثًا حَتَّى يَبْلُغَ فِيَّ، وإنَّهَا حُجَّةٌ لَكُم عِنْدَ رَبِّكُم يَوْمَ القِيَامَةِ".
والمراد بالعلماء هنا خيارهم، كما في حديث حكيم، وإلا فإنَّ علماء السوء شر من الجهلاء.
стр. 2030
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن محمد بن عيسى الزجاج قال: سمعت أبا عاصم - يعني: النبيل - يقول: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى الأمور؛ فيجب أن يكون خير الناس (١).
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الْمُسْلِمِيْنَ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيدهِ" (٢).
وكان الشيخ العارف بالله سيدي علي بن ميمون المغربي رحمه الله تعالى يفهم أن (من) في الحديث المذكور للسببية؛ أي: من سلم المسلمون بلسانه بالتعليم، والتأديب، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وييده بالتأديب، والذب عن المسلمين في الجهاد، ودفع الصائل، وإزالة المنكر، وقيادة الأعمى، وتنحية الأذى عن الطريق، وغير ذلك.
وهذا الفهم في غاية اللطف، وإن كان خلف المتبادر من الحديث.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي قلابة ﵀: أنه قيل للقمان ﵇: أي الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه، قال: فأي الناس أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى، قيل: فأي الناس خير؟ قال: المؤمن الغني، قال القوم: من المال؟ قال: لا، بل من العلم؛ فإن احتاجوا إليه وجدوا عنده علماً، وإن لم يحتج
стр. 2031
الناس إليه أغنى نفسه (١).
وروى هو في "المسند"، والأئمة الستة غير أبي داود عن أبي سعيد ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِن الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، ويَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّه" (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أم مبشر ﵂، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ عَلَى مَتْنِ فَرَسٍ يُخِيْفُ العَدُوَّ وَيُخِيْفُوْنهُ" (٣)، أَي: في سبيل الله.
وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن أم مالك البَهَزِيَّة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ فِي الفِتْنَةِ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي مَالِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وُيؤَدِّي حَقَّهُ، ورُجلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ يُخِيْفُ العَدُوَّ، ويُخِيْفُوْنهُ" (٤).
وروى الحاكم في "المستدرك" نحوه عن ابن عباس ﵄ (٥).
стр. 2032
وروى أبو نعيم عن معاذ ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أَحَبُّ العِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأتقِيَاءُ الأَخْفِيَاءُ؛ الَّذِيْنَ إِذَا غَابُوْا لَمْ يُفْتَقَدْوا، وإِذَا شَهِدُوْا لَمْ يُعْرَفُوْا، وأُوَلئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، ومَصَابِيْحُ العِلْم" (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الْمُسْلِمِيْنَ إِسْلامًا مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ مِن لِسَانِهِ ويَدهِ، وأَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ إِيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وأَفْضَلُ الْمُهَاجِرِيْنَ مَنْ هَجَرَ مَا نهى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وأَفْضَلُ الْمُجَاهِدِيْنَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللهِ".
وروى البخاري في "أدبه"، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُم، خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم" (٢).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ" (٣).
стр. 2033
وسبق حديث أبي أمامة: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالله مَن بَدَأَهُم بِالسَّلامِ" (١).
وروى الطبراني عن أسامة بن شريك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ عِبَادِ اللهِ إِلَى اللهِ أَحْسَنُهُم خُلُقًا" (٢).
وروى ابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ أَحْسَنُهُم خُلُقًا" (٣).
وروى البخاري في "الأدب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُم إِسْلامًا أَحَاسِنُكُم أَخْلاقًا إِذَا فَقُهُوْا" (٤).
وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ أَحْسَنُهُم خُلُقاً" (٥).
وروى أبو نعيم عن يزيد بن ميسرة ﵀ قال: كان المسيح ﵇ يقول: إن أحببتم أن تكونوا أصفياء الله، ونور بني آدم فاعفوا عن من ظلمكم، وعودوا من لا يعودكم، وأقرضوا من لا يقرضكم،
стр. 2034
وأحسنوا إلى من لا يحسن إليكم (١).
وروى الإمام أحمد، والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُم أَطْوَلُكُم أَعْمَارًا، وأَحْسَنُكُم أَخْلاقًا" (٢).
وروى الحاكم في "المستدرك" عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خِيَارُكُم أَطْوَلُكُم أَعْمَارًا، وأَحْسَنُكُم أَعْمَالاً" (٣).
وفي كتاب الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢].
قال السدي في الآية: أيكم أكثر للموت ذكراً، وله أحسن استعدادا، ومنه أشد خوفاً وحذراً. رواه أبن أبي الدنيا في " الموت"، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤).
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
قال قتادة في الآية: لنختبرهم أيهم أتم عملاً.
стр. 2035
وقال الحسن: أشدهم للدنيا تركاً.
وقال سفيان: أزهدهم في الدنيا. رواها ابن أبي حاتم (١).
فسر قتادة العمل بالباعث عليه وهو تمام العقل، وفسره الحسن وسفيان بما يعين على العمل وهو الزهد، وترك الدنيا كأنهم يشيرون إلى أن العمل المعتد بحسنه ما كان ناشئًا عن العقل التام غير مشوب بمطلوب دنيوي، وكلما كان عقل العامل أتم، وإخلاصه أبلغ كان أحسن.
وحسن العمل هو ما يحبه الله من العباد، وإنما خلق زينة الدنيا وامتحن الخلق بها، وخلق الموت منغصًا والحياة جميلة؛ ليظهر تفاوت العباد في العبادة والعمل الصالح، فاستظهار الأخيار، وتمييز الخيار هو مقصود الله تعالى من الخلق.
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر ﵄ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "لِنَبْلُوَهُمْ أيَّهُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا، وأَوْرَعُ عَن مَحَارِمِ اللهِ، وأَسْرعُ فِي طَاعَةِ اللهِ " (٢).
وأقول ملمحاً بما سبق: [من السريع]