← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الناس إليه أغنى نفسه (١). وروى هو في "المسند"، والأئمة الستة غير أبي داود عن أبي سعيد ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِن الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، ويَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّه" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن أم مبشر ﵂، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ عَلَى مَتْنِ فَرَسٍ يُخِيْفُ العَدُوَّ وَيُخِيْفُوْنهُ" (٣)، أَي: في سبيل الله. وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن أم مالك البَهَزِيَّة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ فِي الفِتْنَةِ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي مَالِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وُيؤَدِّي حَقَّهُ، ورُجلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ يُخِيْفُ العَدُوَّ، ويُخِيْفُوْنهُ" (٤). وروى الحاكم في "المستدرك" نحوه عن ابن عباس ﵄ (٥).

стр. 2032

وروى أبو نعيم عن معاذ ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أَحَبُّ العِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأتقِيَاءُ الأَخْفِيَاءُ؛ الَّذِيْنَ إِذَا غَابُوْا لَمْ يُفْتَقَدْوا، وإِذَا شَهِدُوْا لَمْ يُعْرَفُوْا، وأُوَلئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، ومَصَابِيْحُ العِلْم" (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الْمُسْلِمِيْنَ إِسْلامًا مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ مِن لِسَانِهِ ويَدهِ، وأَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ إِيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وأَفْضَلُ الْمُهَاجِرِيْنَ مَنْ هَجَرَ مَا نهى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وأَفْضَلُ الْمُجَاهِدِيْنَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللهِ". وروى البخاري في "أدبه"، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُم، خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم" (٢). وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ" (٣).

стр. 2033

وسبق حديث أبي أمامة: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالله مَن بَدَأَهُم بِالسَّلامِ" (١). وروى الطبراني عن أسامة بن شريك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ عِبَادِ اللهِ إِلَى اللهِ أَحْسَنُهُم خُلُقًا" (٢). وروى ابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ أَحْسَنُهُم خُلُقًا" (٣). وروى البخاري في "الأدب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُم إِسْلامًا أَحَاسِنُكُم أَخْلاقًا إِذَا فَقُهُوْا" (٤). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ أَحْسَنُهُم خُلُقاً" (٥). وروى أبو نعيم عن يزيد بن ميسرة ﵀ قال: كان المسيح ﵇ يقول: إن أحببتم أن تكونوا أصفياء الله، ونور بني آدم فاعفوا عن من ظلمكم، وعودوا من لا يعودكم، وأقرضوا من لا يقرضكم،

стр. 2034

وأحسنوا إلى من لا يحسن إليكم (١). وروى الإمام أحمد، والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُم أَطْوَلُكُم أَعْمَارًا، وأَحْسَنُكُم أَخْلاقًا" (٢). وروى الحاكم في "المستدرك" عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خِيَارُكُم أَطْوَلُكُم أَعْمَارًا، وأَحْسَنُكُم أَعْمَالاً" (٣). وفي كتاب الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢]. قال السدي في الآية: أيكم أكثر للموت ذكراً، وله أحسن استعدادا، ومنه أشد خوفاً وحذراً. رواه أبن أبي الدنيا في " الموت"، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤). وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]. قال قتادة في الآية: لنختبرهم أيهم أتم عملاً.

стр. 2035

وقال الحسن: أشدهم للدنيا تركاً. وقال سفيان: أزهدهم في الدنيا. رواها ابن أبي حاتم (١). فسر قتادة العمل بالباعث عليه وهو تمام العقل، وفسره الحسن وسفيان بما يعين على العمل وهو الزهد، وترك الدنيا كأنهم يشيرون إلى أن العمل المعتد بحسنه ما كان ناشئًا عن العقل التام غير مشوب بمطلوب دنيوي، وكلما كان عقل العامل أتم، وإخلاصه أبلغ كان أحسن. وحسن العمل هو ما يحبه الله من العباد، وإنما خلق زينة الدنيا وامتحن الخلق بها، وخلق الموت منغصًا والحياة جميلة؛ ليظهر تفاوت العباد في العبادة والعمل الصالح، فاستظهار الأخيار، وتمييز الخيار هو مقصود الله تعالى من الخلق. وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر ﵄ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "لِنَبْلُوَهُمْ أيَّهُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا، وأَوْرَعُ عَن مَحَارِمِ اللهِ، وأَسْرعُ فِي طَاعَةِ اللهِ " (٢). وأقول ملمحاً بما سبق: [من السريع]

стр. 2036

أَحْسِنْ فَإِنَّ اللهَ مَطْلُوْبُهُ ... مِنْ خَلْقِ هَذا الْخَلْقِ أَنْ يُحْسِنُوْا وَكلَّما أَحْسَنْتَ فِيْ طاعَةٍ ... ممَّا يُجازِيْكَ بِهِ أَحْسَنُ وَالْعُمْرُ إِنْ طالَ عَلَىْ مُحْسِنٍ ... فَالْفَضْلُ فِيْهِ ظاهِرٌ بَيِّنُ وإنْ يَطُلْ عُمْرُ مُسِيْءِ فَلا ... تَعْبَأ بِهِ إِذْ حالُهُ تُحْزِنُ لَوْ يَمْلِكُ الدُّنْيا بِأَطْرافِها ... مِنْ كُل شَيْء حَسَنٍ يُمْكِنُ فَإِنَّما عُقْباهُ سُوْءٌ بِما ... دانَ يُدانُ الْعَبْدُ لا يُغْبَنُ يَحْصُدُ ما يَزْرَعُ، يَكْتالُ ما ... كالَ وَيسْتَوْفيْ كَما يَخْزِنُ وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن بُسْر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ" (١).

стр. 2037

و [رووه] (١) والحاكم، وصححه هو، والترمذي، عن أبي بكرة ﵁ بزيادة: "وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ" (٢). وروى الديلمي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الْمُؤْمِنُ الْمُعَمَّرُ". وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن طلحة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ مِن مُعَمَّرٍ (٣) يُعَمَّرُ فِي الإِسْلامِ لِتَهْلِيْلِهِ، وتَكْبِيْرِه، وَتَسْبِيْحِهِ، وتَحْمِيْدهِ" (٤). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه ﵀ قال: قال: داود ﵇: رب! أي عبادك أحب إليك؟ فقال: مؤمن حسن الصورة (٥)، قال: فأي عبادك أبغض إليك؟ قال: كافر حسن الصورة؛

стр. 2038

شكر هذا، وكفر هذا، قال: رب! أي عبادك أبغض إليك بعد هذا؟ قال: عبد استخارني في أمر فخرت له، فلم يرض به (١). * فائِدةٌ: وفي قوله: "شكر هذا وكفر هذا" إشارة إلى أنه أراد بالكافر كافر النعمة، فيدخل فيه الفاسق، فبطل ما قد يزخرفه الشيطان لأهل الخذلان من الاحتجاج بمثل هذا الأثر على استحسان اللمح إلى المرد الحسان والنظر، وكذلك الجميل الصورة إذا كان بالغاً، ورضي بمعاشرة الرجال، لذلك كان من أبغض خلق الله تعالى إليه؛ لأنه كفر نعمة الجمال، بل كل من مكن من الاستمتاع بجماله من لا يحل له الاستمتاع به من أمرد بالغ، أو امرأة، كافرٌ لهذه النعمة، غيرُ شاكرٍ لها. ومن لطيف ما اتفق لي مع بعض خطباء العصر، وعلماء الوقت: أن ذُكِرَ له وأنا حاضر ما يفعله الفسقة من حمل المرد على الشرب من آنية القهوة البنية، ثم يشربون عقب الأمرد ويسمونه زمزمة، فأنكرت ذلك، فاعترضني الخطيب، وقال لي متعجباً: يا مولانا الشيخ! "سؤر المؤمن شفاء" (٢)، فلم أزده في الجواب على أن قلت له: وأين المؤمن؟ فحملت المؤمن في هذا اللفظ على تقدير أنه حديث على أن المراد به الكامل الإيمان.

стр. 2039

وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂، والطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن أبي حميد الساعدي ﵁؛ كلاهما عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الْمُوَفُّوْنَ الْمُطَيَّبُوْنَ" (١). وقوله: "الموفون" جمع موفى - بضم الميم وفتح الواو مع التشديد، وبإسكان الواو مع التخفيف، والأول أولى -: وهو من اتبع ملة إبراهيم حنيفاً حيث وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال ابن عباس: سهام الإسلام ثلاثون سهماً، لم يتمها (٢) أحد قبل إبراهيم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. رواه الحاكم وصححه، وابن مردويه (٣). وفي رواية له قال: وفى بسهام الإسلام كلها، ولم يوفها أحد غيره - يعني: قبله - قال: وهي ثلاثون سهماً؛ عشرة في براءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآيات كلها. وعشرة في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيات كلها.

стр. 2040

وستة في: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، من أولها الآيات كلها. وأربعة في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج: ١]، و ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٦، ٢٧] الآيات كلها، فذلك ثلاثون سهماً؛ فمن وافى الله بسهم منها فقد وافاه بسهم من سهام الإسلام، ولم يوافه بسهام الإسلام كلها إلا إبراهيم ﵇؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] (١). فالموفون هم الذين اجتمعت فيهم هذه الخصال، وهم المطيبون - بفتح الياء المثناة تحت - من طيبه: إذا زكاه؛ أي: المزكون في ألسنة الناس كما زكَّى الله تعالى إبراهيم ﵇ في ألسنة الناس، وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. قال مجاهد: يعني الثناء الحسن. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وغيرهما (٢). فهؤلاء لما كانوا على قدم إبراهيم ﵇، فوفوا بما وفى كما وفى، زكَّاهم الله تعالى على ألسنة الناس كما زكاه، وكانوا خيار الناس. كما روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارقطني في "الأفراد"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي، وغيرهم عن أبي زهير الثقفي ﵁ قال:

стр. 2041

خطبنا رسول الله ﷺ بالبناء، أو البناوة - قال: والبناوة في الطائف - قال: "يُوْشِكُ أَنْ تَعْرِفُوْا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِن أَهْلِ النَّارِ، وخِيَارَكُم مِن شِرَارِكُم"، قالوا: بم ذاك يا رسول الله؟ قال: "بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، والثَّنَاءِ السَيئِ؛ أَنتم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ بَعْضُكُم عَلَى بَعْضٍ" (١). وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁، وابن ماجه عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! كيف لي أن أعلم إذا أحسنت، أو أسأت؟ قال النبي ﷺ : "إِذَا سَمِعْتَ جِيْرَانَكَ يَقُوْلُوْنَ أَنْ قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وإِذا سَمِعْتَهُم يَقْوْلُوْنَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ" (٢). وعن كُلثوم الخزاعي (٣)، ولفظه: قال ﵁: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله! كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد أحسنت، وإذا أسأت أني قد أسأت؟ فقال رسول الله ﷺ : "إِذَا قَالَ جِيْرَانُكَ: إِنَّكَ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وإِذَا قَالُوْا: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ" (٤).

стр. 2042

واللفظ الأول كان يدل على أن شرط ذلك سماع المشهود له بالإحسان أو بالإساءة، وأما اللفظ الثاني فإنه يدل على أن مجرد شهادة الجيران تكفي، سواء سمع أم لا، وهو كذلك. والمراد معظم الجيران، أو خيارهم وأتقياؤهم. وقد سبق عن سفيان: أنَّ الرجل إذا أثنى عليه كل جيرانه كان غير مرضي، ووجهه: أنه يمالئ كل واحد منهم على ما يكون عليه من حَسَن أو قبيح، فلو أنكر على من يقع منه المنكر منهم لغضب منه، فلم يتفقوا على الثناء عليه. وروى الطبراني في "الأوسط" ورجاله رجال الصحيح، عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ رَجُلٌ سَمْحُ البَيع، سَمْحُ الشِّرَاءِ، سَمْحُ القَضَاءِ، سَمْحُ الاقْتِضَاءِ" (١). وروى الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ له، فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله: "دَعُوْهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالاً"، ثم قال: "أَعْطُوْهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ"، قالوا: يا رسول الله! لا نجد إلا أمثلَ من سنه، قال: "أعطُوْهُ؛ فإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنَكُم قَضَاءً" (٢).

стр. 2043

وقد روي هذا الحديث من طرق، وبألفاظ. وفي بعض ألفاظه: "إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً" (١). وقال شيخ الإسلام والدي ﵁ عاقداً لهذا الحديث، مورِّياً بالقضاء بمعنى الحكم، وهو فهم لطيف كما تقدم نظيره عن ابن ميمون ﵁: [من الوافر] حَكَمْتَ فَلَمْ تَجُرْ فِيْ الْحُكْمِ يَوْماً ... وَقَدْ أَحْسَنْتَ فِيْ الْقَرْضِ الأَداءَ فَأَنْتَ مِنَ الْخِيارِ فَقَدْ رَويْنا ... خِيارُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضاءَ وقلت في حاكم جائر من شأنه الجحود والمطل بالحقوق: [من الوافر] حَكَمْتَ فَجُرْتَ ثُمَّ جَحَدْتَ حَقَّا ... وَلَمْ تُحْسِنْ عَنِ الْقَرْضِ الأَداءَ فَأَنْتَ مِنَ الشّرارِ لأَنَّ جَوْراً ... وَجَحْداً شَرُّ ما فِيْ الْمَرْءِ جاءَ وَمَفْهُوْمُ الْحَدِيْثِ كَما عَلِمْنا ... شِرارُ النَّاسِ أَسْوَؤُهُمْ قَضاءَ

стр. 2044

وروى الطبراني في "الأوسط" عن علي ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "خِيَارُ أُمَّتِيْ أَحِدَّاؤُهُمْ؛ الذِيْنَ إِذا غَضِبُوْا رَجَعُوْا" (١). وفي "الكبير" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحِدَّةُ تَعْتَرِي خِيَارَ أُمَتِي" (٢). وروى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحِدَّةُ لا تَكُوْنُ إِلا فِي صَالِحِيْ أُمَّتِي وَأَبْرَارِهَا، ثُمَّ تَفِيْءُ"؛ أَي: ترجع (٣). وروى ابن عدي عن معاذ بن جبل ﵁: أن النبي قال: "الْحِدَّةُ تَعْتَرِيْ حَمَلَةَ (٤) القُرْآنِ لِغَيْرَةِ (٥) القُرْآنِ فِيْ أَجْوافِهِمْ" (٦). وقد تقدم أن حملة القرآن خيار الناس. والحدة دون سوء الخلق، والفرق بين سوء الخلق والحدة: أن سوء

стр. 2045

الخلق لا يسلم صاحبه من الإثم بخلاف الحدة؛ فإنَّه يرجع قبل أن يدركه الإثم، كما قال ﷺ في حديث علي: "الَّذِيْنَ إِذَا غَضِبُوْا رَجَعُوْا"، وفي حديث معاذ: "ثُمَّ تَفِيْءُ"؛ أي: ترجع قبل أن يدركها الإثم. وفي "القاموس" تفسير الحد والحدة بالنزق، ثم فسر النزق بالطيش والخفة (١)، ولعلهما طيش وخفة مخصوصان بحال الغضب. لكن يرشد حال المحتد بخلاف سيئ الخلق؛ فإنه يعبِّر على حاله وينتقل من الخفة إلى التهور. ومن ثم قال النبي ﷺ : "سُوْءُ الخُلُقِ شُؤْمٌ". رواه أبو حفص بن شاهين في "أفراده" عن ابن عمر ﵄، والخطيب عن عائشة ﵂، وزاد فيه: "وَشِرَارُكُمْ أَسْوَؤُكُمْ خُلُقًا" (٢). وروى الإمام أحمد ورواته رواة الصحيح، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إِنَّ أَحَبكمْ إِليَّ وأَقْرَبَكُمْ مِنِّي فِي الآخِرَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا، وإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِليَّ وأَبْعَدَكُمْ مِنِّي فِي الآخِرَةِ أَسْوَؤُكُمْ أَخْلاقًا"، الحديث (٣).

стр. 2046

وهو وما قبله مع حديثي ابن عباس وأنس السابقين في الحدة: يدل على أن بينهما فرقاً، والفرق هو ما ذكرناه؛ لأن المحتد يرجع آخراً عما هم به أو وقع فيه بخلاف سيئ الخلق، كما وقع بيان ذلك فيما رواه الأصبهاني في "الترغيب" عن ميمون بن مهران ﵀ مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ ذَنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ سُوْءِ الخُلُقِ، وذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهُ لا يَخْرُجُ مِنْ ذَنْبِ إِلا دَخَلَ فِيْ ذَنْبٍ" (١). وروى الطبراني في "الصغير"، والأصبهاني بإسناد ضعيف، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ شَيْءِ إِلا لَهُ تَوْبَةٌ إِلا صَاحِبَ سُوْءِ الخُلُقِ؛ فإِنَّه لا يَتُوْبُ مِنْ ذَنْبِ إِلا عَادَ فِيْ شَرٍّ مِنْهُ" (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِيْ الذِيْنَ إِذَا أَسَاؤُوا اسْتَغْفَرُوا، وإِذَا أَحْسَنُوْا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَّرُوْا، وأفطَرُوْا" (٣)؛ يعني: أخذاً برخصة الله تعالى، وتيسيراً في الدين؛ لأن الدين يسر. وعليه يحمل ما رواه ابن لال في "مكارم الأخلاق" عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "أَفْضَلُ أُمَّتِيْ الذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ بِالرُّخَصِ" (٤).

стр. 2047

أي: ولا يتحرجون في دينهم ولا يشادونه. وليس المراد منه تتبع كل رخصة من كل مذهب؛ فإن هذا حرام، والطريق الموصلة إلى الله تعالى حسنة بين السيئتين، وقصد بين الإفراط والتفريط، وهما الطرفان اللذان قيل فيهما: كلا طرفي قصدِ الأمورِ ذَميمُ (١) وروى ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" بسند ضعيف عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الأُمُوْرِ أَوْسَاطُهَا" (٢). وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة، وهو والبيهقي عن مطرِّف، وابن جرير عنه، وعن يزيد بن مرة الجعفي من طريقهم (٣). وروى أبو داود عن سراقة بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال:

стр. 2048

"خَيْرُكُمْ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيْرَتهِ مَا لَمْ يَأثَمْ" (١). وروى الخطيب عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ مَنْ لَمْ يتْرُكْ آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ، ولا دُنيَاهُ لآخِرَتهِ، ولَمْ يَكُنْ كَلًّا عَلى النَّاس" (٢). قلت: فيه إشارة إلى أن العبد إذا اكتفى عن الناس ولم يكن كلًّا على أحد منهم، فلا يضره في آخرته تناول دنياه، وإن كان ترك دنياه لآخرته أفضل إذا قدر على ذلك، واستقامت معه معيشته. وعلى ذلك فقوله: "ولم يكن كلًّا على الناس" جملة حالية من الضمير في قوله: "ولا دنياه لآخرته"، والواو للحال لا للعطف؛ فإنَّه لا كلام في تفضيل الزاهدين في الدنيا على الراغبين فيها، كما روى البيهقي في "الشعب" عن الحسن ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ أَزْهَدُكُمْ فِي الدُّنْيَا، وأَرْغَبُكُمْ فِي الآخِرَةِ" (٣). وروى الديلمي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبكُّم إِلى اللهِ أقلُّكُمْ طُعْمًا وأَخَفُّكُمْ بَدَناً".

стр. 2049

وروى أبو حفص بن شاهين، وأبو موسى المديني عن الجذع ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ أُمَّتِيْ الذِيْنَ لَمْ يُعْطَوْا فَيبَطَرُوْا، ولَمْ يُمْنَعُوْا فَيَسْألوْا". وفي رواية: "ولَمْ يُقتَّرْ عَليْهِمْ فَيَسْأَلوْا" (١). أي: لم يعطوا من الدنيا ما يبطرهم فيبطروا، ولم يمنعوا مما يحتاجون إليه، ولم يضيق عليهم في معيشتهم فيسألوا، بل رزقهم كفاف، ومعيشتهم على قدر كفايتهم. كما روى ابن أبي شيبة عن أبي الصَّهباء ﵀ قال: طلبت المال من حلِّه فأعياني إلا رزق يوم بيوم، فقلت: إنه قد خير لي؛ فأيم الله! ما من عبد أتى برزق يوم بيوم فلم يظن أنه قد خير له إلا كان عاجزاً أو غبي الرأي (٢). وروى الديلمي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ فَقِيْرٌ يُعْطَى جُهْدَه" (٣). وهو بفتح الجيم، وضمها، كما في "القاموس"؛ أي: طاقته (٤).

стр. 2050

فأما أنه يتكلف ما لا طاقة له به فليس هذا من شأن الأخيار؛ لما سبق أنَّ الأتقياء برآء من التكلف. وروى الإمام أحمد، والترمذي وصححه عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ وقف على ناس جلوس فقال: "أَلا أُخْبِرُكُم بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ " قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا، قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وُيؤْمَنُ شَرُّهُ، وشَرُّكُمْ مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة ﵀ قال: قيل للقمان: أي الناس خير؟ قال: المؤمن الذي إن احتيج إليه نفع، وإن استغني عنه اكتفى. وعن الحسن ﵀ مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ العِبَادِ إِلى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِه". وروى القضاعي في "مسند الشهاب" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ للنَّاسِ" (٢). وقال صاحبنا العلامة شهاب الدين أحمد بن أحمد بن أحمد بن بدر الطيبي إمام الجامع الأموي بدمشق، وابن إمامه تلميحاً بذلك مع قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "واللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ، مَا كَانَ العَبْدُ فِي

стр. 2051

عَوْنِ أَخِيْهِ" (١)، كما رواه مسلم، والأربعة: [من الطويل] وَخَيْرُ عِبادِ اللهِ أَنْفَعُهُمْ لَهُ ... رَواهُ عَنِ الأَثْباتِ كُلُّ نبَيْهِ وَإِنَّ إِلَهَ الْعَرْشِ ﷻ ... يُعِيْنُ الْفَتَىْ ما كانَ عَوْنَ أَخِيْهِ وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم وصححه، عن صهيب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ ورَدَّ السَّلام" (٢). وروى الديلمي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِي مَنْ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَلَيْسَ فِيْهِ رِيَاءٌ وَلا سُمْعَةٌ، ومَنْ أَطْعَمَ طَعَامًا فِيْهِ رِياءٌ وسُمْعَةٌ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالى ناَرًا فِي بَطْنِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الحِسَاب" (٣). ومن شواهد هذا المعنى حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا خَيْرَ فِيْ مَنْ لا يُضِيْف". رواه الإمام أحمد ورجاله رجال

стр. 2052

الصحيح إلا ابن لهيعة، وقد اختلف فيه (١). والمراد من يمتنع عن الضيافة بخلاً وشحاً. وإذا نفى عنه الخير ثبت الخير لمن يطعم الطعام ويضيف الضيفان. والضيافة وإكرام الضيف، وإطعام الطعام من أخلاق إبراهيم ﵇. وروى أبو نعيم عن وهب: أنَّ الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: "هل تدري يا داود من أسرع مَرًّا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكري، هل تدري يا داود أي المؤمنين أعظم منزلة عندي؟ الذي هو بما أعطى أشد فرحاً مما حبس، هل تدري أي الفقراء أفضل؟ الذين يرضون بحكمي وبقسمتي، ويحمدونني على ما أنعمت عليهم من المعاش، هل تدري أي المؤمنين أحب إلي أن أطيل حياته؛ الذي إذا قال: لا إله إلا الله اقشعرَّ جلده. فإني أكره لذلك الموت كما يكره الوالد لولده" (٢). وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكْمَلُ المُؤْمِنِيْنَ إِيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لنِسَائِهِم" (٣).

стр. 2053

وروى الترمذي، والحاكم وصححاه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنِيْنَ إِيْمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وأَلطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ" (١). والأهل: خاصة الرجل من زوجة، وولد، وقريب، وخادم. وروى ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني في "الكبير" عن معاوية ﵃ عن النبي ﷺ : أنَّهُ قال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْليْ" (٢). وأخرجه ابن عساكر عن علي ﵁، وزاد فيه: "مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلا كَرِيْمٌ، ولا أَهَانَهُنَّ إِلا لئِيْمٌ" (٣). وأخرج الحاكم حديث ابن عباس، ولفظه: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ للنِّسَاءِ" (٤).

стр. 2054

وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمرو ﵄، ولفظه: "خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لنِسَائِهِمْ" (١). والطبراني في "الكبير" عن أبي كَبشة الأَنْماري ﵁، ولفظه: "خِيَارُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لنِسَائِهِ ولبَنَاتِهِ" (٣). وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن ثوبان ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَفْضَلُ الدَّنَانِيْرِ دِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى عِيَالِهِ، ودِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى دَابَّتِهِ، ودِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيْلِ الله" (٤). قال أبو قلابة ﵀ وهو أحد رواته -: بدأ بالعيال، ثم قال: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال له صغار، ويعفهم

стр. 2055

الله به، ويغنيهم الله به (١). روى أبو الفرج بن الجوزي في "صفوة الصفوة" عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: لا يقع موقع الكسب على العيال شيء ولا الجهاد في سبيل الله (٢). وروى غيره عنه أنه كان في الغزو فبات ليلة هو وأصحابه كالِّين من قتال العدو، فقال عبد الله لهم: هل تعرفون أحداً بات في مثل هذا الليل على أفضل من عملنا هذا؟ قالوا: لا، قال: إني لأعرفه؛ رجل استيقظ فنظر إلى عيال له صغار وقد تكشف بعضهم، وتحول بعضهم عن فراشه - أي: وساده - فأصلح من شأنهم؛ فإنه على عمل أفضل مما نحن فيه. وروى الديلمي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِلمَمَالِيْك" (٣)؛ أي: أكثرهم نفعاً وإحساناً إليهم، وذلك بأن يطعمهم مما يأكل، ويلبسهم مما يلبس، ويرفق بهم، ولا يسيء إليهم، ولا يشتمهم، ويصونهم عن الفاحشة. فأما من يتخذ المماليك الذكور الحسان المرد للفاحشة فلا خير فيه أصلاً، بل هو شر مالك لمملوك - وإن ألبسه أفخر ملبوس، وأطعمه أطيب مطعوم - كما هو دأب فسَّاق المالكين مع المماليك في هذه

стр. 2056

الأعصار، وكم من مشتر لمملوك بهذه النية، ومقتن له بها عاد وَبَالُه عليه، وانقلب له عدواً ولو بعد حين، فربما ذهب بماله، وربما سطا على أحد جنى عليه فوصل ضر إلى سيده، أو فَسَقَ به فآل أمره إلى سوء، فسيء سيده به. والتاجر في المماليك - ولو واحداً - متعرض متسبب في الفسق، فإن باعه لمن يغلب على ظنه أنه يفسق به كان [قيادة] (١) وحرم عليه ذلك كما يحرم بيع العنب لمن يعصره خمراً، وإذا سامه منه تقيٌّ بشيء، وسامه منه فاسق بأكثر منه، فرغب في بيعه للفاسق، فقد أساء وعصى، ولهذا المقتضي الغالب في هذه الأزمنة قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ المَالِ (٢) فِي آخِرِ الزَّمَانِ المَمَاليِك" كما رواه أبو نعيم من حديث ابن عمر ﵄ (٣). ومن حمل المملوك على الفاحشة، أو باعه ممن يحمله عليها فقد أساء إليه، وكان سيئ الملكة. وقد روى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ سيَىِّءُ المَلكَةِ" (٤).

стр. 2057

وسيئ الملكة: من يسيء الصنعة إلى مماليكه كما نقله الأصبهاني في "ترغيبه" عن أهل اللغة في تفسير الحديث. وفي "القاموس": ساءَهُ سَوْءاً وسَوَاءً وسَوَاءَةً وسَوَايَةً [وسَوَائِيَةً] ومَسَاءَةً ومَسَائِيَةً: فَعَلَ به ما يَكْرَهُ (١). ويدخل في ذلك فعل الفاحشة، بل هي أسوء مكروه يفعل بالمملوك. والسوءة الفاحشة، والخلة القبيحة لأنها تسوء، كما سميت العورة سوءة لأنها تسوء الناظر والمنظور. فلو قيل: إن سيئ الملكة في الحديث من يفعل الفاحشة بالمملوك لم يبعُد، إلا أن التعميم أولى. قلت: [من البسيط] مَنْ رامَ فاحِشَةً مِنْ أَمْرَدٍ مَلَكَه ... فَذاكَ أَسْوَا عُبِيْدٍ سَيِّءِ الْمَلَكَةْ فَقَدْ باءَ بِالْعار ثُمَّ النَّار آخِرَةً ... وَوَرَّطَ النَّفْسَ بِالآثامِ فِيْ الْهَلَكَةْ لا تَعْبَأنَّ بِما يَلْهُوْ بِهِ زَمَناً ... عَلَىْ طَرِيْقٍ مِنَ الْعَمْياءِ قَد سَلَكَهْ

стр. 2058

فَقَدْ يَرَىْ [عبد] (١) فِيْما يَرَىْ حَزَناً ... إِذا أَدارَ عَلَيْهِ دَهْرُهُ فَلَكَهْ فَكَمْ فَتًى كانَ ذا أَصْلِ وَذا حَسَبٍ ... فَصارَ بِالْفِسْقِ فِيْ أَقْرانِهِ هَلَكَةْ إِنَّ التَّقِيْ لَضِياءٌ يُسْتضاءُ بِهِ ... وَفِيْ الْهَوَىْ ظُلْمَةُ الْخِذْلانِ وَالْحَلَكَة فَارْبَأ بِنَفْسِكَ عَنْ سَفْسافِ كُلِّ هَوَىَ ... حَتَّىْ تَكُوْنَ بِما زَكَّيْتَها مَلَكَة وَاتْرُكْ مِنَ الذنْبِ ما تَخْشَىْ عَواقِبَهُ ... إِنَّ السَّعِيْدَ مِنَ الأَشْخاصِ مَنْ تَرَكَه وَلا تَمِلْ عَنِ التَّقْوَىْ لِطُوْلِ مَدًى ... إِنَّ التُّقَىْ فِيْهِ كُلُّ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَة وَسَلْ مِنَ اللهِ تَوْفِيْقاً إِلَىْ عَمَلِ ... حَتَّىْ تَكُوْنَ حَمِيْدَ السَّعْيِ وَالْحَرَكَة إِنَّ الْمُوَفَّقَ قَدْ تَمَّتْ سَعادَتُهُ ... مُسَدَّدُ الأَمْرِ فِيْ الأَفْعالِ وَالْمَلَكَة

стр. 2059

روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْراً اسْتَعْمَلَهُ"، قيل: كيف يستعمله؟ قال: "يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ المَوْت، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَليْهِ" (١). وروى الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ قال: مر رجل على النبي ﷺ ، فقال لرجل عنده جالس: "ما رَأْيُكَ فِيْ هَذا؟ " فقال: رجل من أشراف الناس، هذا حَرِيٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل فقال رسول الله ﷺ : "مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " قال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال لا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلِ هَذَا" (٢). وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" عن أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَغْبَطَ النَّاسِ عِنْدِيْ لَمُؤْمِنٌ خَفِيْفُ الْحَاذِ ذُوْ حَظٍّ مِنَ الصَّلاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وأَطَاعَهُ فِيْ السِرِّ، كَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لا يُشَارُ إِليْهِ بِالأَصَابعِ، وكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا،

стр. 2060

عُجلَتْ مَنِيِّتُهُ، وقَلَّ تُرَاثُهُ، وقَلَّتْ بَوَاكِيْهِ" (١). روى ابن أبي الدنيا في "العزلة" عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَعْجَبَ النَّاسِ إِليَّ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ ورَسُوْلهِ، ويُقِيْمُ الصَّلاةَ، وُيؤْتِيْ الزَّكَاةَ، وُيعَمرُ مَالَهُ، ويَحْفَظُ دِيْنَهُ، وَيعْتَزِلُ النَّاسَ" (٢). وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: "مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ"، قال: "ثم من؟ " قال: "رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ". وفي رواية: "يَتَّقِي اللهَ، ويَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ" (٣). وقد سبق بلفظ آخر. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه قال: قال موسى ﵇: "أي ربِّ! أي عبادك أحب إليك؟ " قال: "من أُذْكَرُ برؤيته"، قال: "ربِّ! أي عبادك أحب إليك؟ " قال: "الذين يعودون المرضى، ويعزون الثَّكلى، ويشيعون الهلكة" (٤).

стр. 2061

ويجمع بين هذا وبين ما ورد في فضل العزلة بأن العزلة عند خوف الفتنة، والاختلاط عند حصول الفائدة. وروى ابن أبي شيبة عن عروة: أنَّ موسى ﵇ قال: "يا رب! أخبرني بأكرم خلقك عليك" قال: "الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يَكْلَف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه؛ فإنَّ النمر إذا غضب لم يبال أَكَثُر الناس أم قلوا" (١). وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وأَدْناَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَام عَادِلٌ، وأَبْغَضُ النَّاسِ إِلى اللهِ تَعَالى وأَبْعَدُهُم مِنْهُ إِمَامٌ جَائِرٌ" (٢). وروى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِيْنَ تُحِبُّونَهُم ويُحِبُّوْنَكُم، وتُصَلُّوْنَ عَلَيْهِم وُيصَلُّوْنَ عَلَيْكُم، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِيْنَ تُبْغِضُوْنَهُم وُيبْغِضُونَكُم، وتَلْعَنُونَهُم وَيَلْعَنُونَكُم"، قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا، مَا أقامُوا فِيْكُمُ الصَّلاةَ، وإِذَا رَأَيْتُم مِنْ وُلاتِكُم شَيْئاً تَكْرَهُوْنهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، ولا تَنْزِعُوا يَداً مِنْ طَاعَةٍ" (٣).

стр. 2062

وفي رواية: "أَلا مَنْ وَلِي عَلَيْهِ وَالٍ فَرآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيُنْكِرْ مَا يَأتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعةٍ" (١). وروى ابن النجار في "تاريخه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيارُ أُمَّتِيْ مَنْ دَعا إِلَىْ اللهِ وَحَبَّبَ عِبادَهُ إِلَيْهِ، وَشِرارُ أُمَّتِيْ التجَّارُ؛ مَنْ كَثُرَتْ أَيْمانُهُ وَإِنْ كانَ صادِقاً" (٢). وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] الآية. وروى أبو داود، والبيهقي في "السنن" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُمْ أليَنُكمْ مَنَاكِبَ (٣) فِيْ الصَّلاةِ" (٤). وروى البيهقي في "الشعب"، والديلمي عن علي ﵁ قال: قال

стр. 2063

رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُمْ كُلُّ مُفْتَنٍّ تَوَّابٍ (١) " (٢). وروى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ القَانِعُ، وَشَرُّهُمُ الطَّامعُ" (٣). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححاه - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِيْنَ التَّوَابُوْنَ" (٤). وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم عن ابن أبي أوفى ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِيْنَ يُرَاعُوْنَ الشَّمْسَ، وَالقَمَرَ، وَالنُّجُوْمَ، وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى" (٥).

стр. 2064

وروى الطبراني في "الكبير" - أيضًا - عن عمران بن حصين ﵁: أنه ﷺ قال: "إِن أَفْضَلَ عِبادِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الحَمَّادُوْنَ" (١). وروى ابن ماجه، وغيره عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ ذُوْ القَلْبِ الْمَحْمُوْمِ (٢)، واللسَانِ الصَّادِقِ"، قيل: قد عرفنا اللسان الصادق، فما القلب المحموم؛ قال: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لا إِثْمَ فِيْهِ، ولا بَغْيَ وَلا حَسَدَ"، قيل: فمن على أثره؟ قال: "الَّذِي يَشْنأُ الدُّنْيَا، وُيحِبُّ الآخِرَةَ"، قيل: فمن على أثره؟ قال: "مُؤْمِنٌ فِي خُلُقٍ حَسَنٍ" (٣). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "قضاء الحوائج"، وأبو الشيخ عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللهِ إِلى اللهِ مَنْ حُبِّبَ إِليْهِ المَعُرُوفُ، وَحُبِّبَ إِليْهِ أَفْعَالُه" (٤). وروى ابن أبي شيبة عن يزيد بن ميسرة ﵀ وكان قد قرأ

стр. 2065

الكتب -: إنَّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: "إن أحب عبادي إلي الذين يمشون لي في الأرض بالنصيحة، والذين يمشون على أقدامهم إلى الجمعات، والمستغفرون بالأسحار؛ أولئك إن أردت أن أصيب أهل الأرض بعذاب، ثم رأيتهم كففت عذابي، وإنَّ أبغض عبادي إلي الذي يقتدي بسيئة المؤمن، ولا يقتدي بحسنته" (١). وروى عبد الرزاق عن معمر عن جماعة (٢): أنَّ النبي ﷺ قال: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِيْ إِلَيَّ الْمُتَحَابِّيْنَ فِيَّ، الَّذِيْنَ يَعْمُرُونَ مَسَاجِدِي، وَيَسْتَغْفِرُوني بِالأَسْحَارِ؛ أَوَلئِكَ الَّذِيْنَ إِنْ أَرَدْتُ خَلْقِي بِعَذَابٍ ذَكَرْتُهُم، فَصَرَفْتُ عَذَابِيَ عَنْ خَلْقِي" (٣). وقوله: "المتحابين في" كذا في نسختي من مصنف عبد الرزاق، وهي نسخة صحيحة قديمة، وهو محمول على أنه صفة لعبادي، وخبر أنَّ ما بعده. وروى عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن خالد بن معدان ﵀ قال: قال الله تعالى: "إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِليَّ الْمُتَحَابُّوْن بِحُبِّي، والْمُعَلَّقَةُ قُلُوْبُهُم فِي الْمَسَاجِدِ، والْمُسْتَغْفِرُوْنَ بِالأَسْحَارِ؛ أَوَلَئِكَ الَّذِيْنَ إِنْ أَرَدْتُ أَهْلَ الأَرْضِ بِعُقُوْبَةٍ ذَكَرْتُهُم، فَصَرَفْتُ العُقُوْبَةَ عَنْهُم بِهِم" (٤).

стр. 2066

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمار بن ياسر ﵁: أنَّ أصحابه كانوا ينتظرونه، فلما خرج قالوا: ما أبطأك عنَّا أيها الأمير؟ قال: أما إني سوف أحدثكم أن أخاً لكم ممن كان قبلكم وهو موسى ﵇ قال: "يا رب حدثني بأحب الناس إليك"، قال: "ولم؟ " قال: "لأحبه بحبك إياه"، قال: "عبد في أقصى الأرض، أو في طرف الأرض سمع به عبد آخر في أقصى الأرض أو في طرف الأرض لا يعرفه، فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته، وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته، لا يحبه إلا لي، فذلك أحب خلقي إلي"، قال: "يا رب! خلقت خلقاً تدخلهم النار أو تعذبهم؟ " فأوحى الله إليه: "كلهم خلقي"، ثم قال: "ازرع زرعًا"، فزرعه، فقال: "اسقه"، فسقاه، ثم قال: "قم عليه"، فقام عليه أو ما شاء الله من ذلك، فحصده، ورفعه، فقال: "ما فعل زرعك يا موسى؟ " قال: "فرغت منه ورفعته" قال: "ما تركت منه شيئاً؟ " قال: "ما لا خير فيه، أو ما لا حاجة لي فيه"، قال: "كذلك أنا لا أعذب إلا ما لا خير فيه" (١). ومن لطائف ما يلحق بهذا الباب: ما رواه ابن الأنباري عن الأصمعي قال: خرج أعرابي من أهله مبكراً يغدو في حاجة له، فاجتاز بمسجد تقام فيه الصلاة، فدخل يصلي مع القوم تبركاً بالجماعة، فأطال الإمام القراءة والصلاة حتى استيأس الأعرابي من حاجته، وعلم أن قد فاته الذي غدا في طلبه، فلما قضيت الصلاة وجلس الإمام في محرابه جاءه الأعرابي حتى وقف بين يديه، ثم أنشأ يقول: [من الوافر]

стр. 2067

أَلا خَيْرُ الأَئِمَّةِ غَيْرَ شَكٍّ ... أَخَفُّهُمُ صَلاةً فِيْ تَمامِ أترْغَبُ فِيْ وَصِيَّةِ مَنْ عَلَيْهِ ... صَلاةُ اللهِ تُقْرَنُ بِالسَّلامِ أَما تَخْشَىْ الإلهَ وَتتَّقِيْهِ ... أَمْ أَنْتَ مُبَرَّأ مِنْ كُلِّ ذامِ لِنَفْسِكَ قُمْ إِذا صَلَّيْتَ حَتَّىْ ... يَدُقَّ اللهُ صُلْبَكَ بِالْقِيامِ وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ" (١). وأخرجه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس، وعن معاوية، والطبراني عن أم هانئ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن مكحول مرسلاً، وزاد فيه "ولَوْ عَلِمْتُ أَنَّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ رَكِبَتْ بَعِيْرًا مَا فَضَّلْتُ عَلَيْهَا أَحَدًا" (٢). وروى الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النِّسَاءِ الَّتِي تَسَرُّهُ إِذَا نَظَرَ - يعني:

стр. 2068

الزوج -، وتُطِيْعُهُ إِذَا أَمَرَ، ولا تُخَالِفُهُ فِيْ نَفْسِهَا وَلا مَالِهَا بَمَا يَكْرَهُ" (١) - يعني: ما لم يأمر بمعصية الله -، وَلا تَكْمُلُ خِيْرَتُهَا إِلاَّ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. وروى أبو القاسم البغوي في "معجمه"، والبيهقي في "سننه" عن أبي أذينة من أهل مصر - قال البغوي: ولا أدري صحبة أم لا - قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسَائِكُمُ الوَلُوْدُ الوَدُوْدُ، الْمُوَاتِيَةُ الْمُوَاسِيَةُ إِذَا اتَّقَيْنَ اللهَ، وشَرُّ نِسَائِكُمُ الْمُتَبَرِّجَاتُ الْمُتَخَيِّلاُتُ وهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلا مِثْلُ الغُرَابِ الأَعْصَمِ" (٢). وسبق تفسير الأعصم في التشبه بالصالحين. وقوله: "خَيْرُ نِسَائِكُمُ الوَلُوْد" يحتمل أن يكون هذا في كل وقت، ويحتمل أن يكون هذا في غير الزمان السوء؛ لما رواه أبو عمرو الداني في "الفتن" عن الأوزاعي معضلاً ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتِي زَمَانٌ خَيْرُ أَوْلادِكُمْ فِيْهِ البَنَاتُ، وخَيْرُ نِسَائِكُمُ العَقِيْمُ، وخَيْرُ دَوابَّكُمُ الْحَمِيْرُ" (٣). وعن معاوية بن يحيى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ سَنَةُ خَمْسِيْنَ ومِئَةِ فَخَيْرُ نِسَائِكُمْ كُلُّ عَقِيْمٍ" (٤).

стр. 2069

ومن شواهده: ما رواه ابن عساكر في "تاريخه" عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ : قال: "يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ أَفْضَلُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانُ كُلُّ خَفِيْفِ الْحَاذِ"، قيل: يا رسول الله! ومن خفيف الحاذ؟ قال: "قَلِيْلُ العِيَالِ" (١). وروى أبو يعلى، والبيهقي في "الشعب"، والخطيب، وابن عساكر عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُم فِيْ الْمِئتَيْنِ كُلُّ خَفِيْفِ الْحَاذِ"، قيل: يا رسول الله! وما الخفيف الحاذ؟ قال: "الَّذِي لا أَهْلَ لَهُ وَلا وَلَدَ" (٢). والحاذ - بالحاء المهملة، والذال المعجمة -: الظهر؛ كذا في "القاموس". وقال: وخفيف الحاذ: قليل المال والعيال (٣). وإنما فسره في الحديث بعدم الولد والأهل لأن خفة الظهر إنما تتحقق بذلك. وإذا كانت هذه الخيرية لم تتحقق لأحد في المئتين إلا بخفة الحاذ كما دل عليه الحديث - وإن كان ضعيفاً - فكيف بما بعد الألف بسنين،

стр. 2070

وقد غلب الشر على الناس إلا نادرًا، فهذا الزمان حريٌ بأن يغبط فيه الموتى فضلاً عن خفيف الحاذ! وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُم خِيَارَكُم، وأَغْنِيَاؤُكُم سُمَحَاءَكُمْ، وأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وإِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وأغنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وأُمُوْرُكُم إِلى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرُ لَكُمْ مِنْ ظَاهِرِهَا" (١)؛ يعني: إن الموت خير لكم حينئذ من الحياة. * تَنْبِيْهٌ: ما ذكرناه في هذا الفصل من الخصال التي وصف رسول الله ﷺ ذويها أنهم خير الناس، أو خيارهم، أو أفضلهم، أو أحبهم إلى الله تعالى ليس بينها تنافر عند العلماء المحققين، ولا تباين عند العلماء الموقنين، بل كان رسول الله ﷺ يخبر عن خيار هذه الأمة وأفاضل الناس مما يليق بالمقام، ويناسب حال السائل أو المخاطب، وكان يخبر عن الخير والأفضل تارة من قبل الأخلاق كما في قوله: "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ أَحَسَنُهُمْ خُلُقاً". وتارة من قبل الأعمال كما في قوله: "خِيَارُكُم ألْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلاةِ".
следующие страницы →