← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمار بن ياسر ﵁: أنَّ أصحابه كانوا ينتظرونه، فلما خرج قالوا: ما أبطأك عنَّا أيها الأمير؟ قال: أما إني سوف أحدثكم أن أخاً لكم ممن كان قبلكم وهو موسى ﵇ قال: "يا رب حدثني بأحب الناس إليك"، قال: "ولم؟ " قال: "لأحبه بحبك إياه"، قال: "عبد في أقصى الأرض، أو في طرف الأرض سمع به عبد آخر في أقصى الأرض أو في طرف الأرض لا يعرفه، فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته، وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته، لا يحبه إلا لي، فذلك أحب خلقي إلي"، قال: "يا رب! خلقت خلقاً تدخلهم النار أو تعذبهم؟ " فأوحى الله إليه: "كلهم خلقي"، ثم قال: "ازرع زرعًا"، فزرعه، فقال: "اسقه"، فسقاه، ثم قال: "قم عليه"، فقام عليه أو ما شاء الله من ذلك، فحصده، ورفعه، فقال: "ما فعل زرعك يا موسى؟ " قال: "فرغت منه ورفعته" قال: "ما تركت منه شيئاً؟ " قال: "ما لا خير فيه، أو ما لا حاجة لي فيه"، قال: "كذلك أنا لا أعذب إلا ما لا خير فيه" (١). ومن لطائف ما يلحق بهذا الباب: ما رواه ابن الأنباري عن الأصمعي قال: خرج أعرابي من أهله مبكراً يغدو في حاجة له، فاجتاز بمسجد تقام فيه الصلاة، فدخل يصلي مع القوم تبركاً بالجماعة، فأطال الإمام القراءة والصلاة حتى استيأس الأعرابي من حاجته، وعلم أن قد فاته الذي غدا في طلبه، فلما قضيت الصلاة وجلس الإمام في محرابه جاءه الأعرابي حتى وقف بين يديه، ثم أنشأ يقول: [من الوافر]

стр. 2067

أَلا خَيْرُ الأَئِمَّةِ غَيْرَ شَكٍّ ... أَخَفُّهُمُ صَلاةً فِيْ تَمامِ أترْغَبُ فِيْ وَصِيَّةِ مَنْ عَلَيْهِ ... صَلاةُ اللهِ تُقْرَنُ بِالسَّلامِ أَما تَخْشَىْ الإلهَ وَتتَّقِيْهِ ... أَمْ أَنْتَ مُبَرَّأ مِنْ كُلِّ ذامِ لِنَفْسِكَ قُمْ إِذا صَلَّيْتَ حَتَّىْ ... يَدُقَّ اللهُ صُلْبَكَ بِالْقِيامِ وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ" (١). وأخرجه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس، وعن معاوية، والطبراني عن أم هانئ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن مكحول مرسلاً، وزاد فيه "ولَوْ عَلِمْتُ أَنَّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ رَكِبَتْ بَعِيْرًا مَا فَضَّلْتُ عَلَيْهَا أَحَدًا" (٢). وروى الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النِّسَاءِ الَّتِي تَسَرُّهُ إِذَا نَظَرَ - يعني:

стр. 2068

الزوج -، وتُطِيْعُهُ إِذَا أَمَرَ، ولا تُخَالِفُهُ فِيْ نَفْسِهَا وَلا مَالِهَا بَمَا يَكْرَهُ" (١) - يعني: ما لم يأمر بمعصية الله -، وَلا تَكْمُلُ خِيْرَتُهَا إِلاَّ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. وروى أبو القاسم البغوي في "معجمه"، والبيهقي في "سننه" عن أبي أذينة من أهل مصر - قال البغوي: ولا أدري صحبة أم لا - قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسَائِكُمُ الوَلُوْدُ الوَدُوْدُ، الْمُوَاتِيَةُ الْمُوَاسِيَةُ إِذَا اتَّقَيْنَ اللهَ، وشَرُّ نِسَائِكُمُ الْمُتَبَرِّجَاتُ الْمُتَخَيِّلاُتُ وهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلا مِثْلُ الغُرَابِ الأَعْصَمِ" (٢). وسبق تفسير الأعصم في التشبه بالصالحين. وقوله: "خَيْرُ نِسَائِكُمُ الوَلُوْد" يحتمل أن يكون هذا في كل وقت، ويحتمل أن يكون هذا في غير الزمان السوء؛ لما رواه أبو عمرو الداني في "الفتن" عن الأوزاعي معضلاً ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتِي زَمَانٌ خَيْرُ أَوْلادِكُمْ فِيْهِ البَنَاتُ، وخَيْرُ نِسَائِكُمُ العَقِيْمُ، وخَيْرُ دَوابَّكُمُ الْحَمِيْرُ" (٣). وعن معاوية بن يحيى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ سَنَةُ خَمْسِيْنَ ومِئَةِ فَخَيْرُ نِسَائِكُمْ كُلُّ عَقِيْمٍ" (٤).

стр. 2069

ومن شواهده: ما رواه ابن عساكر في "تاريخه" عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ : قال: "يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ أَفْضَلُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانُ كُلُّ خَفِيْفِ الْحَاذِ"، قيل: يا رسول الله! ومن خفيف الحاذ؟ قال: "قَلِيْلُ العِيَالِ" (١). وروى أبو يعلى، والبيهقي في "الشعب"، والخطيب، وابن عساكر عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُم فِيْ الْمِئتَيْنِ كُلُّ خَفِيْفِ الْحَاذِ"، قيل: يا رسول الله! وما الخفيف الحاذ؟ قال: "الَّذِي لا أَهْلَ لَهُ وَلا وَلَدَ" (٢). والحاذ - بالحاء المهملة، والذال المعجمة -: الظهر؛ كذا في "القاموس". وقال: وخفيف الحاذ: قليل المال والعيال (٣). وإنما فسره في الحديث بعدم الولد والأهل لأن خفة الظهر إنما تتحقق بذلك. وإذا كانت هذه الخيرية لم تتحقق لأحد في المئتين إلا بخفة الحاذ كما دل عليه الحديث - وإن كان ضعيفاً - فكيف بما بعد الألف بسنين،

стр. 2070

وقد غلب الشر على الناس إلا نادرًا، فهذا الزمان حريٌ بأن يغبط فيه الموتى فضلاً عن خفيف الحاذ! وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُم خِيَارَكُم، وأَغْنِيَاؤُكُم سُمَحَاءَكُمْ، وأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وإِذَا كَانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وأغنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وأُمُوْرُكُم إِلى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرُ لَكُمْ مِنْ ظَاهِرِهَا" (١)؛ يعني: إن الموت خير لكم حينئذ من الحياة. * تَنْبِيْهٌ: ما ذكرناه في هذا الفصل من الخصال التي وصف رسول الله ﷺ ذويها أنهم خير الناس، أو خيارهم، أو أفضلهم، أو أحبهم إلى الله تعالى ليس بينها تنافر عند العلماء المحققين، ولا تباين عند العلماء الموقنين، بل كان رسول الله ﷺ يخبر عن خيار هذه الأمة وأفاضل الناس مما يليق بالمقام، ويناسب حال السائل أو المخاطب، وكان يخبر عن الخير والأفضل تارة من قبل الأخلاق كما في قوله: "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ أَحَسَنُهُمْ خُلُقاً". وتارة من قبل الأعمال كما في قوله: "خِيَارُكُم ألْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلاةِ".

стр. 2071

وتارةً من قبل الآداب كما في قوله: "خَيْرُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَاَم ورَدَّ السَّلامَ". وتارة من قبل المروءة كما في قوله: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُم لأَهْلِهِ"، "خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُم قَضَاء"، "خَيْرُ الْجِيْرَانِ خَيْرُهُم لِجَاره" (١). وتارة من جهة العراقة في الدين كما في قوله: "أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ بَيْنِ كَرِيْمَيْنِ (٢) ". رواه الطبراني في "المعجم الكبير" من حديث كعب بن مالك ﵁ (٣). وتارة من جهة كرم الحسب ونزاهة النسب إذا انضم ذلك إلى الإسلام والدين، والفقه ونحوها من الفضائل كما في قوله: "خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا". رواه البخاري، وقوله: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ" الحديث. وتارة من قبل النفع وتعديه إلى غيره كما في قوله: "خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ" (٤).

стр. 2072

وقال بكر بن عبد الله المزني: لو انتهيت إلى المسجد وهو ملآن مغص بالرجال فقال لي قائل: أي هؤلاء خير؟ لقلت للسائل: أيهم أنصح لجماعتهم؟ فإذا قال: هذا قلت: هو خيرهم. ولو انتهيت إلى المسجد يوم الجمعة وهو ملآن مغص بالرجال فقال لي قائل: أي هؤلاء شر؟ لقلت: أيهم أغش لجماعتهم؟ فإذا قال: هذا قلت: هو شرهم. وما كنت لأشهد على خيرهم أنه مؤمن مستكمل الإيمان إذاً لشهدت أنه من أهل الجنة، وما كنت لأشهد على شرهم أنه منافق عديم من الإيمان إذاً لشهدت أنه من أهل النار، ولكن أخشى على محسنهم، وأرجو لمسيئهم، فما ظنك بمسيئهم إذا خشيت على محسنهم، وما ظنك بمحسنهم إذا رجوت لمسيئهم (١). وفي المعنى قول محمود الوراق ﵀: أَخافُ عَلَىْ الْمُحْسِنِ المتَّقِيِّ ... وَأَرْجُوْ لِذِيْ الْهَفَواتِ الْمُسِيْ فَذَلِكَ خَوْفِيْ عَلَىْ مُحْسِنِ ... فَكَيْفَ عَلَىْ الظَّالِمِ الْمُعْتَدِيْ عَلَىْ أَنَّ ذا الزَّيْغِ قَدْ يَسْتَقِيْمُ ... وَيَسْتَأنِفُ الزَّيْغَ قَلْبُ التَّقِيْ وروى أبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فأقبل راكب حتى أناخ بالنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أتيتك من مسيرة تسع، أضنيت راحلتي، وأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري لأسألك عن

стр. 2073

خصلتين أسهرتاني، فقال له النبي ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ " قال: أنا زيد الخيل، قال: "بَلْ أَنْتَ زَيْدُ الْخَيْرِ، فَاسْأَلْ فَرُبَّ مُعْضِلَةٍ قَدْ سُئِلَ عَنْها"، قال: أسألك عن علامة الله فيمن يريد وعلامته في من لا يريد؟ فقال له النبي ﷺ : "كَيْفَ أَصْبَحْت؟ " قال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، وإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء خشيت الله (١)، فقال النبي ﷺ . "هَذِهِ عَلامَةُ اللهِ فِيْمَنْ يُرِيْدُ وَعَلامَتُهُ فِي مَنْ لا يُرِيْدُ، وَلَوْ أَرَادَكَ فِي الأُخْرَى هَيَّأَكَ لَهَا، ثُمَّ لا يُبَالِي فِي أَيِّ وَادٍ هَلَكْتَ" (٢). فقد أخبر ﷺ أنَّ علامة الله في من يريد - أي: يحب - من عباده أن يوفقهم للرغبة في الخير وأهله والعمل به، وعلامته في من لا يريد أن يمنعه ذلك، ويخذله عنه، أو يبعثه على الشر وفعله والرغبة في أهله. فمن رغب في الشر ورغب [عن] الخير وأعمال أهل الخير وأخلاقهم فهو من الأشرار. روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي شيخ قال: قال عيسى بن مريم ﵉: يا صاحب العلم! لا تغتر بالله، ولا تغتر بالناس؛ فإن الغرة بالله تركك أمر الله، والغرة بالناس اتباع أهوائهم. احذر من الله ما حذرك من نفسه، واحذر من الناس فتنتهم (٣)؛ فإن

стр. 2074

الأشقياء لا يرغبون فيما سعد به الأخيار قبلهم فيبعدون عن الأمر الذي شقي به من كان قبلهم. واعلم أن العبد لا يكون من خير الناس وهو يشهد الخيرية من نفسه. قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. قال القاضي ناصر الدين في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]: فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل (١). روى مسلم، وغيره عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي بَرَّةَ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة ﵂ وعن أبويها -: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم؛ سُمِّيت بَرَّةَ، فقال رسول الله ﷺ : "لا تُزكُّوْا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ البِرِّ مِنْكُم"، فقالوا: بما نسميها؟ قال: "سَمُّوْهَا زيْنَب" (٢). قال في "الكشاف": وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب والرياء، فأما من اعتقد أنَّ ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به الإعجاب والتمدح، لم يكن من المزكين أنفسهم لأن المسرة في الطاعة طاعة، وذكرها شكر، انتهى (٣).

стр. 2075

وهو حسن، غير أنه جعل النهي راجعاً إلى الإعجاب والرياء، والأولى أن يبقى على ظاهره من أنه نهي عن نفس التزكية. نعم، يستثنى منها ما كان بنية صالحة كأن يعرف فيسأل، أو يقتدى به، أو يظهر نعمة الله لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. وروى الطبراني عن أبي الأسود الدؤلي، وزَاذَانَ الكندي قالا: قلنا لعلي ﵁: حدثنا عن أصحابك، فذكر مناقبهم، قلنا: فحدثنا عن نفسك، قال: مهلا، نهى الله عن التزكية، فقال له رجل: فإن الله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]، قال: فإني أحدث بنعمة ربي: كنت والله إذا سئلت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت (١). قال في "الكشاف": وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف، وأن يقتدي به غيره، وأمن على نفسه الفتنة، والتنزه أفضل، ولو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفى به. انتهى (٢)، وهو كالتتمة لكلامه السابق. قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]: أي: لا تمدحوها وتثنوا عليها؛ فإنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الخشوع (٣). فقد علمت بذلك أنَّ شرط الخيرية في العبد أن لا يعتقد في نفسه الخيرية كما قال يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ﴾

стр. 2076

﴿بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. قال الحسن في قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]: خشي نبي الله ﵇ أن يكون زكى نفسه؛ قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (١). وروى عبد الرزاق، والإمام أحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه - أيضاً - قال: إنَّ عيسى ويحيى ﵉ التقيا فقال يحيى لعيسى: "استغفر لي، أنت خير مني"، فقال له عيسى: "بل أنت خير مني سلم الله عليك، وسلمت على نفسي"، قال: فعرف والله فضلهما (٢). ذهب بعض المحققين إلى أنه لا يكمل أحد حتى يعنته النقص في نفسه. وقد روى ابن الجوزي في "صفة الصفوة": أنَّ الفضيل بن عياض ﵀ أخذ بيد سفيان بن عيينة ﵀ وهما بمكة، فقال له: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه: أنَّ موسى عليه

стр. 2077

السلام قال لبني إسرائيل: "ائتوني بخيركم رجلًا"، فأتوه برجل، قال: "أنت خير بني إسرائيل؟ " قال: "كذلك يزعمون"، قال: "اذهب فائتني بشرهم"، قال: فذهب فجاء وليس معه أحد، فقال: "جئني بشرهم"، قال: "أنا ما أعلم من أحد منهم ما أعلم من نفسي"، قال: "أنت خيرهم" (١). * [تنبيه هو خاتمة] (٢) لهذا الفصل: خيار هذه الأمة خير من خيار غيرهم، وأفضل من سوى النبيين لمزية هذه الأمة وفضلها لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وروى أبو نعيم عن كعب ﵀ قال: إنَّ خيار هذه الأمة خيار الأولين والآخرين، إنَّ من هذه الأمة رجالاً إن أحدهم ليخر ساجداً لا يرفع رأسه حتى يغفر له، ولمن خلفه فضلاً عليه. وكان كعب يتحرى الصفوف المتأخرة رجاء أن يكون من أولئك (٣).

стр. 2078

فَصْلٌ إنما سُميَ الصالحون والصديقون أخياراً وخياراً لفعلهم الخير، وإرادتهم إياه، وإيثارهم له على ما سواه. والخير ضد الشر، وحقيقة الخير ما يحبه العبد ويختاره، ويرضاه ويحمده، أو يحب منه، ويحمد من فعله أو صفته. والشر ما يكرهه العبد أو يكره منه. فالخير والشر إما أن يعود أثرهما على المتصف بهما، أو يكون منه لغيره، فطالب الخير لنفسه وموصله إلى غيره من الأخيار لأنه من أهل الخير، وطالب الشر لنفسه أو مريده لغيره أو موصله إليه من الأشرار لأنه من أهل الشر، وأي عبد مات على إحدى المنزلتين فهو من أهلها، إلا أن الناس متفاوتون في الخير والشر على حسب ما قسم لهم وقدر لهم أو عليهم لقوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقوله ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وكل إنسان فهو لافي ما قدمه من خير أو شر - قل أو كثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ

стр. 2079

ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وكل عبد فلا يخلو من حركة أو سكون، وحركته إما في خير وإما في شر كما قيل: [من الرجز] وإِنَّما النَّاسُ جَمِيْعاً عَمَلَة ... فِيْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيْعاً فَعَلَة (١) غير أنَّ الغالب عليهم الشر، والعامل بالخير قليل منهم، كما قال رسول الله ﷺ : "الْخَيْرُ كَثِيْرٌ، ومَنْ يَعْمَلْ بِهِ قَلِيْلٌ" (٢). وفي لفظ: "وَقَلِيْلٌ فَاعِلُهُ" (٣). رواه باللفظ الأول الطبراني في "الأوسط"، وباللفظ الثاني الخطيب؛ كلاهما عن عبد الله بن عمرو ﵄. وفي لفظ للعسكري: "وفَاعِلُهُ قَلِيْلٌ". وفي لفظ: "ومَنْ يَعْمَلهُ قَلِيْلٌ" (٤).

стр. 2080

ولبعض المتقدمين: [من الخفيف] افْعَلِ الْخَيْرَ ما اسْتَطَعْتَ وَإِنْ كا ... نَ قَلِيْلاً فَلَسْتَ مُدْرِكَ كُلِّهْ وَمَتَىْ تَفْعَلُ الْكَثِيْرَ مِنَ الْخيْـ ... ـرِ إِذا كُنْتَ تارِكا لأَقَلِّهْ (١) وقد أمر الله تعالى بفعل الخير وجعله مما يكون موصلاً للفلاح، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن زبيد ﵀ قال: قال ابن مسعود ﵁: قولوا خيراً تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله (٢). وروي عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود ﵁: تعوَّدوا الخير، فإنما الخير بالعادة (٣). روى ابن ماجه، والطبراني، وأبو نعيم، وغيرهم عن معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشرُ لجاجةٌ، ومَنْ يُرِدِ اللهِ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّههُ

стр. 2081

فِي الدِّيْن" (١)؛ أي: يفهمه في الدين. والتفهم أبلغ من الإفهام، وهو يشعر بتكرار الإفهام، وكأن معناه: يجعل الفقه عادته وديدنه. روى بعض السلف: عودوا ألسنتكم خيراً. وقال الشاعر: [من البسيط] عَوِّدْ لِسانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدْتَ مُعْتادُ مُوَكَّلٌ بِتَقاضِيْ ما سَنَنْتَ لَهُ ... فِيْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرْتادُ (٢) روى ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس ﵁ قال: مَرَّ بعيسى بن مريم ﵉ خنزير، فقال: "مر بسلام"، فقيل له: "يا روح الله! لهذا الخنزير تقول! " قال: "أكره أن أعود لساني الشر" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ

стр. 2082

الْخَيْرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَّقِ الشَرَّ يُوْقَهُ" (١). والتحري - بالحاء المهملة -: تعمد الخير، وطلبه لكونه أحرى؛ أي: أحق بأن يطلب. وروى ابن المبارك في "الزهد" عن أبي جعفر عبد الله بن مسور الهاشمي ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَدْتَ أَمْرًا فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ؛ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَأَمْضِهِ، وإِنْ كَانَ شَرًّا فَانتُهِ" (٢). وهذا نهي عن الشر مطلقاً - وإن قل -، وإرشاد إلى الخير، وإيذان بأنَّ العبد لا ينبغي أن يقدم على أمر لا يعلم أن عاقبته خير أو شر. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت"، والطبراني - بإسناد حسن - عن أسود بن أصرم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أوصني، قال: "تَمْلِكُ يَدَك؟ "، قلت: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: "تَمْلِكُ لِسَانَك؟ " قال: قلت: فماذا أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: "لا تَبْسُطْ يَدَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، ولا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلا مَعْرُوْفًا" (٣). وفي حديثي أبي هريرة، وأبي شريح الخزاعي ﵄: أن النبي ﷺ

стр. 2083

قال: "ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُت" (١). وروى ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري ﵀ قال: قالوا لعيسى ابن مريم ﵉: "دلنا على عمل ندخل به الجنة"، قال: "لا تنطقوا أبدا"، قالوا: "لا نستطيع ذلك"، قال: "فلا تنطقوا إلا بخير" (٢). وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: يا لسان! قل خيراً تغنم، أو اسكت عن شر تسلم (٣). وعن خالد بن أبي عمران ﵀ مرسلاً: أن النبي ﷺ أمسك لسانه طويلاً، ثم قال: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا قَالَ خَيْرًا فَغَنِمْ، أَوْ سَكَتَ عَنْ سُوْءٍ فَسَلِمْ" (٤). وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" كذلك، وأبو الشيخ في "الثواب" عن أبي أمامة ﵁، ولفظه: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا قَالَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ" - بحذف المفعول -. والبيهقي عن أنس، ولفظه: "رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَكَلَّمَ فَغَنِمْ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمْ - ثلاث مرات -" (٥).

стр. 2084

وفي كتاب الله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وروى البيهقي في "الشعب" عن مكحول: أنَّ رسول الله ﷺ قال لمعاذ ﵁ في حديث: "إِنَّكَ بِخَيْرٍ مَا كُنْتَ سَاكِتًا، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ فَلَكَ أَوْ عَلَيْكَ" (١). وروى الطبراني في "الصغير"، وأبو الشيخ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أوصني قال: "عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ فَإنَّها جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ فَاِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ، وعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ وتلاوَةِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ نُوْرٌ لَكَ فِي الأَرْضِ، وذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، واخزُنْ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ" (٢). وقوله: "عليك بِتَقْوى اللهِ فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ" أي: كل عمل صالح كما فسر به قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ قال ابن زيد: الأعمال الصالحات. رواه ابن جرير (٣). وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عكيم قال:

стр. 2085

خطبنا أبو بكر الصديق ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة؛ فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (١). يشبه أن يكون استدل أبو بكر ﵁ بالآية على جميع ما أوصاهم به من التقوى والثناء، وخلط الرغبة بالرهبة من حيث إنَّ المسارعة إلى الخيرات هي التقوى، أو نتيجة التقوى التي هي جماع كل خير. وقال تعالى ممتناً على إبراهيم وآله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] أي: وحي نبوة؛ أي: أرسلناهم لفعل الخيرات والدعوة إليها. ويحتمل أن يكون المراد وحي الإلهام؛ أي: ألهمناهم وألقينا في قلوبهم فعل الخيرات؛ إذ لا يكون فعل الخير إلا بتوفيق من الله تعالى وإلهام، ولذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يسأله فعل الخيرات. وروى الترمذي وصححه، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة"، والطبراني، والحاكم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: احتبس عنَّا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس،

стр. 2086

فخرج سريعاً، فثوب بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ، فلما سلم دعا بصوته فقال: "عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ" ثُم انْفَتَلَ إلينَا، ثُم قالَ: "أَمَا إِنيِّ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُم الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، ونَعِسْتُ فِي صِلاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُوْرَة، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد! قَلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّى، قَالَ: فِيْمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي، قَالَهَا ثَلاثاً، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوُجِدَ بَرْدُ أَناَمِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وعَرَفْتُهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَقَالَ: مَا الدَّرَجَاتِ؟ فَقُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وإِفْشَاءُ السَّلامِ، وَالصَّلاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا الكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ: إِسْبَاغُ الوُضُوْءِ فِي السَّبُرَاتِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعَدَ الصَّلاةِ، ونَقْلُ الأَقْدَامِ إِلى الْجُمُعَاتِ، قَالَ: صدَقْتَ، سَلْ يَا مُحَمَّدْ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِيْنِ، وأَنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي، وإِذَا أَرَدْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ وأَناَ غَيْرُ مَفْتُوْنٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ حُبَّكَ وحُبَّ مَنْ أَحَبَّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلى حُبِّكَ". قال النَّبِيُّ ﷺ : "تَعَلَّمُوْهُنَّ وادْرُسُوْهُنَّ؛ فَإِنَّهُنَّ حَقٌّ" (١).

стр. 2087

وروى عبد الرزاق، والترمذي وحسنه، ومحمد بن نصر، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُوْرَةٍ - أَحْسِبُهُ قَالَ: فِي الْمَنَامِ - قَالَ: يَا مُحَمَّدْ هَلْ تَدْرِي فَيْمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لا - أَيْ: لا أَدْرِي -، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْييَّ - أَوْ فِي نَحْرِيْ - فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاواتِ ومَا فِي الأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدْ! هَلْ تَدْرِي فِيْمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ، والْكَفَّارَاتُ الْمُكْثُ فِيْ الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، والْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَات، وإِبْلاغُ الوُضُوْءِ فِي الْمَكَارِهِ، ومَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، ومَاتَ بِخَيْرٍ، وكَانَ مِنْ خَطِيْئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وقَلْ يَا مُحَمَّد إِذَا صَلَّيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ الْخَيْرَاتِ، وتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وحُبَّ الْمَسَاكِيْنِ، وإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتَوْنٍ. قَالَ: والدَّرَجَاتُ إِفْشَاءُ السَّلامِ، وإطْعَامُ الطَّعَامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيَامٌ" (١). وقوله في هذه الرواية: "أَسْأَلُكَ الْخِيْرَاتِ" يحتمل أنه أراد التوفيق

стр. 2088

إلى فعل الخيرات؛ أي: الأعمال الموصلة إلى خيرات الآخرة، ويدل عليه رواية معاذ: "فِعْلَ الْخِيْرَاتِ". ويحتمل أنه أراد: أسألك الخيرات من النعم في الدنيا والآخرة؛ فإن نعم الدنيا لا تتيسر إلا بفضل الله وبكرمه، فلا ينبغي لمن يسرت له أن يشهدها، بل يشهد ميسرها وتيسيره إياها، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وفد فسر فضل الله بالقرآن، وبالعلم، وبالإسلام. والأولى التعميم، حتى يدخل فيه الفرح بكل نعمة من حيث إنَّها من الله تعالى. وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]؛ أي: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، واللالكائي في "السنة" عن ابن عباس ﵄ (١). أي: اختباراً لقلوبكم قوة وضعفاً، وصبراً وجزعاً، ورضاً وسخطاً، وهل تشهدون النعم والخير من الله تعالى فتشكروه عليها، وهل تشهدون البلاء منه تمحيصاً فتصبروا عليه، أم تُبطركم النعم وتشغلكم عن المنعم

стр. 2089

فتكفروها، أم يحملكم الجزع من البلاء على جحد ما سبق من النعم، وسخط قدره الله فيكم، فالخير الدنيوي لا يكون خيراً حقيقةً إلا إذا قاد صاحبه إلى خير الآخرة، وقد سمِّي المال خيراً في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] إما باعتبار أنه خير عند أهله، وإما باعتبار ما يؤول إليه من الخير إذا أنفقه في وجوه الخير، وأما باعتبار أنه يلهي ويطغي فلا خير فيه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، ثم قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]. وقد اشتهر تفسير ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ بالأذكار المشهورة، وسيأتي قريباً. والأحسن تعميمها في كل عمل صالح، [قال قتادة] (١) كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات. وسئل قتادة عن الباقيات الصالحات فقال: كل ما أريد به وجه الله. رواهما ابن أبي حاتم (٢).

стр. 2090

وأخرج هو وغيره معنى الأول عن ابن عباس كما سيأتي. وقال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال الله : ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]. وأخرج الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ مَفْتُوْحٌ لأُمَّتِي بَعْدِي فَسَرَّنِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤] (١). كأنه أشار بالآية إلى أنه لا ينبغي السرور بشيء من الدنيا قل أو جلَّ، لأنها فانية، والآخرة خير منها لأنها باقية. وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. خص في هذه الآية خيرية الآخرة بأهل التقوى. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا﴾

стр. 2091

عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٤، ٣٥]. قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣]: لولا أن يكون الناس أجمعون كفاراً فيميلوا إلى الدنيا لجعل الله لهم الذي قال، وقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك، فكيف لو فعل؟ رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير (١). وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٢ - ٥٦]. قال قتادة ﵀: مكر بالقوم في أموالهم وأولادهم، فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح. وقال يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى: أجد فيما أنزل الله على موسى ﵇: أيفرح عبدي المؤمن أن أبسط له الدنيا وهي أبعد له مني، أو يجزع عبدي المؤمن أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني، ثم تلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، الآية. رواهما ابن أبي حاتم (٢).

стр. 2092

وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]؛ يعني: قارون. قال قتادة: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾: في حشمه، ذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء، وعلى دوابهم قطائف الأرجوان. وقال زيد بن أسلم: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات. وكان ذلك أول يوم في الأرض رُئيت المعصفرات فيها. وقال ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان ومعه ثلاث مئة جارية على بغال شُهُب عليهنَّ ثياب حمر. وقال السدي: خرج في جَوارٍ بيض على سروج من ذهب، عليهن ثياب حمر وحلي ذهب. رواها ابن أبي حاتم (١). قال تعالى: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]. وكانوا أناساً من أهل التوحيد، كما رواه ابن أبي حاتم عن قتادة (٢)، إلا أنهم كانوا يريدون الدنيا. وفيه دليل على أن إرادة الدنيا لا تنقص التوحيد، إلا أنها تناقض المقال في الآخرة.

стр. 2093

قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]؛ أي: عن إرادة الدنيا، وطلب نعيمها، وأنتم مؤمنون، وأعمالكم صالحة، فلا ينبغي لكم أن ترغبوا عن ثواب الله الذي آمنتم به وعملتم رغبةً فيه. ثم قال تعالى بعد أن ذكر الخسف بقارون: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢]؛ أي: قضاءً وقدراً، لا لكرامة توجب البسط فيبسط، ولا لهوان يوجب القدر فيقدر، فلا ينبغي للعبد أن يتحرَّ خلف ما اختاره الله تعالى له كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فقد يختار العبد البسط في الرزق ويكون فيه سوءه، ولذلك قالوا: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]، أي: لنعم الله تعالى، أو المكذبون لرسله. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ﴾؛ أي: المحمودة وهي عاقبة الخير ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، وهي الانتهاء إلى الجنة. ثم قال تعالى عقب ذلك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]؛

стр. 2094

أي: أحسن منها، أو خير حاصل له منها - أي: بسببها -، فالخير إنما يحصل لعمال الخير بأعمال الخير. وقد سبق في الحديث أنَّ جماع الخير في التقوى. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. روى الطبراني في "الكبير" عن جرير ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تتَزَوَّدْ فِي الدُّنْيَا - يَعْنِي: مِنَ العَمَلِ الصَّالح والتقْوَى - يَنْفَعْهُ فِي الآخِرَةِ" (١). روى الإمام أحمد، والبغوي في "معجمه"، والبيهقي في "سننه" عن رجل من أهل البادية قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله، فكان فيما حفظت عنه أن قال: "إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئاً اتِّقاءَ اللهِ إِلاَّ أَعْطاكَ خَيْراً مِنْهُ" (٢). قال السخاوي: رجاله رجال الصحيح (٣). روى أبو نعيم عن الشعبي قال: ما ترك أحد شيئاً لله في الدنيا، إلا عوضه الله في الآخرة ما هو خير منه (٤).

стр. 2095

وروى هو وابن عساكر عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مَا تَرَكَ عَبْدٌ شَيْئاً للهِ لا يَتْرُكُهُ إِلا لَهُ، إِلا عَوَّضَهُ اللهُ مِنْهُ مَا هَوَ خَيْرٌ لَهُ فِي دِيْيهِ وَدُنْيَاهُ" (١). روى أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى، وَخَيْرُ مَا ألقِيَ فِي القَلْبِ اليَقِيْنُ". وروى أبو نعيم عن عبد الله بن بُسر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ العَمَلِ أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ" (٢). وروى الترمذي وحسَّنه، عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خيْرُ الدّعَاءِ [دعاء] يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيّوْنَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ" (٣). وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦]، قال: هي ذكر الله: لا إله

стр. 2096

إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصلاة، والصيام، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة (١). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اسْتكْثِرُوْا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَات"، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "التكْبِيْرُ، وَالتَّهْلِيْلُ، وَالتَّسْبِيْحُ، وَالتَّحْمِيْدُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ" (٢). وروى ابن النجار في "تاريخه"، والديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الكَلامِ أَرْبَعٌ لا يَضُرُّكَ بأَيَّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أكبَرُ؛ لا يَضُرُّكَ بِأَيهِنَّ بَدَأْتَ" (٣). وروى الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "شعبه" عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الذّكْرِ

стр. 2097

الْخَفِيُّ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي" (١). وروى الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الدُّعَاءِ الاستِغْفَارُ، وَخَيْرُ العِبَادةِ لا إِلَهَ إِلا اللهُ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن سياه ﵀ قال: إذا أراد الله بعبد خيراً حبَّب إليه ذكره (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن قال: تفكر ساعة خير من قيام الليل (٤). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن أبي الدرداء، وأبو الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس قالا: قال رسول الله ﷺ : "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ" (٥). بل في "العظمة" عن أبي هريرة مرفوعاً: "فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ

стр. 2098

سِتيْنَ سَنَةً" (١). وروى الحاكم في "المستدرك"، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الأَعْمَالِ وَأَقْرَبُهَا إِلى اللهِ الصَّلاةُ فِي أوَّلِ وَقْتِهَا" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر ﵄، وأبو يعلى، والحاكم عن بريدة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَلا أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُعَلمُهُنَّ إِيَّاهُ، ثُمَّ لا يُنْسِيْهِ أَبَدًا؛ قُل: اللَّهُمَّ إنِّى ضَعِيْفٌ فَقَوِّ فِي رِضَاكَ ضَعْفِي، وَخُذْ إِلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيتَي، وَاجْعَلِ الإِسْلامَ مُنتْهَى رضَائِي، اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعَيْفٌ فَقَوِّني، وَإِنِّي ذَلِيْلٌ فَأَعِزَّنِي، وَإِنِّى فَقَيْرٌ فَارْزُقْنِي" (٣). وروى البيهقي في "الشعب" عن بعض الصحابة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "العِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ العَمَلِ، وَخَيْرُ الأَعْمَالِ أَوْسَاطُهَا، وَدِيْنُ اللهِ بَيْنَ القَاسِيْ وَالغَالِي، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِئتَيْنِ، لا تَنَالُهَا إِلا بِاللهِ، وَشَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ" (٤). وروى أبو الشيخ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2099

"العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، وَمَلاكُ الدِّيْنِ الوَرَعُ، وَالعَالِمُ مَنْ يَعْمَلُ". ورواه ابن عبد البر في "العلم" من حديث أبي هريرة دون قوله: "وَالعَالِمُ مَنْ يَعْمَل" (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَليْلُ العِلْمِ خَيْر مِنْ كَثِيْرِ العِبَادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِقْهًا إِذَا عَبَدَ اللهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً إِذَا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ، وإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ مُؤْمِنٌ وَجَاهِلٌ، فَلا تُؤْذِي الْمُؤْمِنَ، وَلا تُجَاوِرِ الْجَاهِلَ" (٢). روى الإمام أحمد، والشيخان عن معاوية، والإمام أحمد، والدارمي، والترمذي وصححه عن ابن عباس، وابن ماجه عن أبي هريرة، والطبراني في "الأوسط" عنه وعن عمر ﵁ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَهْهُ فِي الدِّيْنِ" (٣).

стр. 2100

زاد الإمام أحمد في حديث أبي هريرة: "وإِنَّما أَنا قاسِمٌ وَيُعْطِيْ اللهُ" (١). وهذه الزيادة بمعناها في حديث معاوية في رواية لمسلم، وغيره. وروى الطبراني في "الكبير" حديثه، ولفظه: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وُيلْهِمْهُ رُشْدَهُ" (٢). وبهذا اللفظ رواه أبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ (٣). وروى البزار حديثه، ولفظه: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّيْنِ، وَألهَمَهُ رُشْدَهُ" (٤). وروى البيهقي في "الشعب" عن محمد بن كعب ﵀ مرسلاً، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵁: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّيْنِ، وَزَهَّدهُ فِي الدُّنْيَا، وَبَصَّرَهُ عُيُوْبَهُ" (٥). وروى ابن عبد البر عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ دِيْنكُمْ أَيْسَرَهُ، وَخَيْرُ العِبَادَةِ الفِقْهُ" (٦).

стр. 2101

وصدْرُه أخرجه الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه" عن مِحْجَنٍ ابن الأدرَع، والطبراني في "الكبير" عنه، وعن عمران بن حصين، وفي "الأوسط" عن أنس ﵁ (١). وحديث أنس رواه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢)، فهو حديث حسن. وروى أبو الشيخ عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ دِينكُمُ الوَرَعُ" (٣). وورى الإمامان؛ مالك، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أسامة بن شَريك ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ خُلُق حَسَنٌ" (٤).

стр. 2102

وفي رواية لابن حبان: قالوا: يا رسول الله فما خير ما أُعطي الإنسان؟ قال: "خُلُقٌ حَسَنٌ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن رجل من جُهينة: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَشَرُّ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَلْبُ سُوْءٍ فِي صُوْرَةٍ حَسَنَةٍ" (٢). وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن جرير ابن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُحْرَمِ الرفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" بزيادة، ولفظه: "الرِّفْقُ بِهِ الزِّيَادَةُ وَالبَرَكَةُ، وَمَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ" (٤). وروى الإمام أحمد، والبخاري في "التاريخ"، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة، والبزار عن جابر ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ

стр. 2103

بِأَهْلِ بِيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ" (١). وعن عائشة ﵂ أخرجه البيهقي في "الشعب" بزيادة، ولفظه: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبِيْدٍ خَيْرًا رَزَقَهُمْ الرِّفْقَ فِي مَعَاشِهِم، وإذَا أَرَادَ بِهِمْ شَرًّا رَزَقَهُم الْخَرْقَ فِي مَعَاشِهِم" (٢). وروى الدارقطني في "الأفراد" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا فَقَّهَهُمْ فِي الدِّيْنِ، وَوَقَّرَ صَغِيْرُهُم كَبِيْرَهُم، وَرَزَقَهُمُ الرِّفْقَ فِي مَعَيْشَتِهِم، وَالقَصْدَ فِي نَفَقَاتِهِم، وَبَصَّرَهُمْ عُيُوْبَهُم، فَيتُوْبُوا مِنْهَا، وإِذَا أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَهُمْ هَمَلاً" (٣). وروى السِّجزي في "الإبانة" عن حيان (٤) بن أبي جبلة، والديلمي عن ابن عمر ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا أَكثَرَ

стр. 2104

فُقَهَاءَهُمْ، وَأقلَّ جُهَّالَهُمْ، فَإذَا تَكَلَّمَ الفَقِيْهُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وإذَا تَكَلَّمَ الْجَاهِلُ قُهِرَ، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بَقَوْمٍ شَرًّا أكْثَرَ جُهَّالَهُم، وَأقلَّ فُقَهَاءَهُمْ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وَإِذَا تَكَلَّمَ الفَقِيْهُ قُهِرَ" (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ (٢) منْهُ" (٣)؛ أي يستلبه ولداً، أو مالاً، أو منفعة ابتلاء ليصبر، فإذا صبر كان خيراً. وروى الإمام أحمد، ومسلم عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْس ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (٤). وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وروى البيهقي في "السنن" عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ

стр. 2105

قال: "خَيْرُ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ" (١)؛ أي: حيث يكون مطلوباً. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] إلى قوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١١]. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. يحتمل أنه إخبار عن خيرية مطلق الصدقة، فإنها من أعمال الخير وخيرها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ويحتمل - وهو الأقرب - أن يكون المعنى: وأن تصدقوا على المعسر ببراءته مما لكم عليه أو من بعضه خير لكم. وعليه: فخير: أفعل تفضيل؛ أي: خير لكم من الإنظار، ولا يلزم عليه أن لا يكون الإنظار خيراً. وقد روى مسلم، والترمذي عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلم يُوْجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوْسِرًا، وَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ تتَجَاوَزُوْا عَنِ الْمُعْسِرِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، تَجَاوَزُوْا عَنْهُ" (٢). وأما حديث "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁: أن النّبي ﷺ قال:
следующие страницы →