← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وصدْرُه أخرجه الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه" عن مِحْجَنٍ ابن الأدرَع، والطبراني في "الكبير" عنه، وعن عمران بن حصين، وفي "الأوسط" عن أنس ﵁ (١). وحديث أنس رواه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢)، فهو حديث حسن. وروى أبو الشيخ عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ دِينكُمُ الوَرَعُ" (٣). وورى الإمامان؛ مالك، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أسامة بن شَريك ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ خُلُق حَسَنٌ" (٤).

стр. 2102

وفي رواية لابن حبان: قالوا: يا رسول الله فما خير ما أُعطي الإنسان؟ قال: "خُلُقٌ حَسَنٌ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن رجل من جُهينة: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَشَرُّ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَلْبُ سُوْءٍ فِي صُوْرَةٍ حَسَنَةٍ" (٢). وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن جرير ابن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُحْرَمِ الرفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" بزيادة، ولفظه: "الرِّفْقُ بِهِ الزِّيَادَةُ وَالبَرَكَةُ، وَمَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ" (٤). وروى الإمام أحمد، والبخاري في "التاريخ"، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة، والبزار عن جابر ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ

стр. 2103

بِأَهْلِ بِيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ" (١). وعن عائشة ﵂ أخرجه البيهقي في "الشعب" بزيادة، ولفظه: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبِيْدٍ خَيْرًا رَزَقَهُمْ الرِّفْقَ فِي مَعَاشِهِم، وإذَا أَرَادَ بِهِمْ شَرًّا رَزَقَهُم الْخَرْقَ فِي مَعَاشِهِم" (٢). وروى الدارقطني في "الأفراد" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا فَقَّهَهُمْ فِي الدِّيْنِ، وَوَقَّرَ صَغِيْرُهُم كَبِيْرَهُم، وَرَزَقَهُمُ الرِّفْقَ فِي مَعَيْشَتِهِم، وَالقَصْدَ فِي نَفَقَاتِهِم، وَبَصَّرَهُمْ عُيُوْبَهُم، فَيتُوْبُوا مِنْهَا، وإِذَا أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَهُمْ هَمَلاً" (٣). وروى السِّجزي في "الإبانة" عن حيان (٤) بن أبي جبلة، والديلمي عن ابن عمر ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا أَكثَرَ

стр. 2104

فُقَهَاءَهُمْ، وَأقلَّ جُهَّالَهُمْ، فَإذَا تَكَلَّمَ الفَقِيْهُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وإذَا تَكَلَّمَ الْجَاهِلُ قُهِرَ، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بَقَوْمٍ شَرًّا أكْثَرَ جُهَّالَهُم، وَأقلَّ فُقَهَاءَهُمْ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وَإِذَا تَكَلَّمَ الفَقِيْهُ قُهِرَ" (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ (٢) منْهُ" (٣)؛ أي يستلبه ولداً، أو مالاً، أو منفعة ابتلاء ليصبر، فإذا صبر كان خيراً. وروى الإمام أحمد، ومسلم عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْس ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (٤). وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وروى البيهقي في "السنن" عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ

стр. 2105

قال: "خَيْرُ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ" (١)؛ أي: حيث يكون مطلوباً. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] إلى قوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١١]. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. يحتمل أنه إخبار عن خيرية مطلق الصدقة، فإنها من أعمال الخير وخيرها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ويحتمل - وهو الأقرب - أن يكون المعنى: وأن تصدقوا على المعسر ببراءته مما لكم عليه أو من بعضه خير لكم. وعليه: فخير: أفعل تفضيل؛ أي: خير لكم من الإنظار، ولا يلزم عليه أن لا يكون الإنظار خيراً. وقد روى مسلم، والترمذي عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلم يُوْجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوْسِرًا، وَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ تتَجَاوَزُوْا عَنِ الْمُعْسِرِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، تَجَاوَزُوْا عَنْهُ" (٢). وأما حديث "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁: أن النّبي ﷺ قال:

стр. 2106

"إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطْ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُوْل لِفَتَاهُ: إِذَا أتيْتَ مُعْسِرًا فتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ، فتَجَاوَزَ عَنْهُ" (١). فالمراد: أنه لم يعمل خيراً قط في اعتقاد نفسه، أو في اعتقاد الناس فيه، وإلا فإن التجاوز عن المعسر شامل لإنظاره والإعراض عن مطالبته إلى وقت ميسرته، وشامل لترك الحق له، وهو معنى الصدقة عليه التي هي خير بنص القرآن. قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ أي: من الإبداء - وإن كان في الإبداء خير - إلا أن الإخفاء أفضل - أي: في صدقة التطوع - وأما في الفرض فالإظهار خير من الإخفاء ليقتدي به غيره، وليعلم الناس أنه يؤدي الزكاة فلا يُطعن عليه بمنعها، فيأثم الطاعن. روى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: أنه قال في الآية: جعل صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً - قال: - وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (٢). وروى الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى

стр. 2107

كَنْزٍ مِنْ كُنُوْزِ الْجَنَّةِ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ؛ فَإِنها كَنْز مِنْ كُنُوْزِ الْجَنَّةِ"، قلت: فالصلاة يا رسول الله؟ قال: "خَيْرٌ مَوْضُوْعٌ؛ فَمَنْ شَاءَ أقلَّ، وَمَنْ شَاءَ أكثَرَ"، قلت: فالصوم يا رسول الله؟ قال: "فَرْضٌ مَجْزِيٌّ"، قلت: فالصدقة يا رسول الله؟ قال: "أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ وَعِنْدَ اللهِ مَزِيْد"، قلت: فأيها أفضل؟ قال: "جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ، وَسِرٌّ إِلَىْ فَقِيْر" (١). قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وإذا كان الأمر بذلك خير فأولى أن يكون فعله من الخير، فصنائع المعروف كلها خير. روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن يحيى بن أبي كثير ﵀ قال: خصلتان إذا رأيتهما في رجل فاعلم أنَّ وراءهما خيرٌ منهما؛ إذا كان حابساً للسانه، يُحافظ على صلواته (٢). وروى [عن] عبد الرحمن بن شُريح ﵀ قال: لو أن عبداً

стр. 2108

اختار لنفسه ما اختار شيئاً أفضل من الصمت (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في خطبته: ليس فيما دون الصدق من الحديث خير، من كذب يفجر، ومن يفجر يهلك (٢). من الصدق ما استئناه الشرع؛ فإن الكذب فيه ما لم يمكن التعريض، والتورية خير، ففي الصحيح: "لَيْسَ بِالكَذَّابِ الَّذِيْ يُصْبحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَقُوْلُ خَيْرًا أَوْ يَنْمِي خَيْرًا" (٣). وروى ابن أبي الدنيا - أيضاً - عن ميمون بن مهران ﵀ قال - وعنده رجل من قراء أهل الشام -: إن الكذب في بعض المواطن خير، فقال الشامي: لا، الصدق في كل موطن خير، فقال: أرأيت لو رأيت رجلاً يسعى وآخر يتبعه بالسيف، فدخل داراً، فانتهى إليك، فقال: رأيت رجلاً؟ ما كنت قائلاً؟ ، قال: كنتُ أقول: لا، فهو ذاك (٤). بل قالوا: إنَّ الكذب في مثل ذلك واجب، ولو استحلفه حلف.

стр. 2109

وكذلك يستثنى من الصدق ما لا خير فيه؛ كالقذف، والغيبة، والنميمة. روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غَنْم (١)، والطبراني في "الكبير" عن عبادة ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "خِيَارُ أُمَّتِي الَّذِيْنَ إِذا رُؤُوْا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ أُمَّتِي الْمَشَّاؤُوْنَ بِالنَّمِيْمَةِ، الْمُفَرِّقُوْنَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُوْن للبُرَآءَ الْعَنَتَ (٢) " (٣). وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! عَدْلُ سَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّيْنَ سَنَة، قِيَامِ لَيْلِهَا وَصِيَامِ نهارِهَا، وَيا أَبَا هُرَيْرَةَ! جَوْرُ سَاعَةِ فِي حُكْمٍ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللُّهِ مِنْ مَعَاصِي سِتّيْنَ سَنَةً" (٤). ومن شواهده: ما أخرجه الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، و"الأوسط" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَوْمٌ مِنْ إمَامٍ

стр. 2110

عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّيْنَ سَنَةً، وَحَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ بِحَقِّهِ أَزْكَى فِيْهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا" (١). وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ﴾، أي: طاعة الله، والرسول، وأولي الأمر، ورد الأمر لهم ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. روى ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في "نوادره"، والمفسرون، والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله ﵁ في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: هم أولو الفقه وأولو الخير (٢). روى ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي العالية ﵀ قال: هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (٣). وفيه دليل على أن العالم إذا اختلف عليه أمر من أحكام الله تعالى

стр. 2111

لم يستطع أن يبلغ الحق فيه بفهمه ينبغي أن يردَّه إلى عالمه، وأنَّ ذلك خيرٌ له من ارتكاب التأويل والتكلف. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]؛ أي: تصديقاً، كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي (١). وفيه إشارة أنَّ من ألقيت إليه الموعظة فعمل بها كان على خير، وأنه إذا عمل بها كان أشد إيماناً بها وتصديقاً لها. وقال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]. والقول المعروف لإفادة العلم والإرشاد إلى الخير والنصيحة، فالدلالة على الخير وقولك للسائل: يفتح الله عليك. قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قال: ردُّ جميل، يقول: يرحمك الله، يرزقك الله، ولا ينتهره، ولا يغلظ له القول. رواه ابن المنذر (٢). وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار ﵀ مرسلاً قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: مَا مِنْ صَدَقَةٍ أَحَبُّ إِلى اللهِ مِنْ قَوْلٍ؛ أَلمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ

стр. 2112

تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (١). روى الحاكم وصححه، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قال: علموا [أنفسكم و] أهليكم الخير (٢). روى ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "العَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيْكَانِ فِي الْخَيْرِ (٣)، وَلا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ" (٤)؛ أي: بعدهما. وروى الترمذي وصححه، عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوْتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعلِّمِيْ النَّاسِ الْخَيْرَ" (٥). وروى البزار عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "مُعَلِّمُ

стр. 2113

الْخَيْر يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءِ حَتَّى الْحِيْتَانُ فِي البَحْرِ" (١). شامل لتعليم القرآن، والعلم، وتعليم الحرف، والصنائع التي يكف بها العبد وجهه، ويكفي عياله، وقد تقدم حديث: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْانَ وَعَلَّمَهُ"، وحديث: "فَضْلُ العِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ العِبَادَة"، وغيرهما. وفي كتاب الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والحكمة القرآن أو علومه، أو الفقه، أو الإصابة في القول، أو غير ذلك، أقوال (٢). وكان ابن مسعود ﵁ يقرئ الرجل الآية، ثم يقول: تعلمها؛ فإنها خيرٌ لك مما بين السماء والأرض، حتى يقول ذلك في القرآن كله. رواه ابن أبي شيبة، والطبراني (٣). وروى البزار عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ البَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيْهِ القُرْآنُ يَكْثُرُ خَيْرُهُ، وإنَّ البَيْتَ الَّذِي لا يُقْرَأُ فِيهِ القُرْآنُ يَقِلُّ خَيْرُهُ" (٤).

стр. 2114

وروى الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله في ﷺ "يَسِيْرُ الفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيْرِ العِبَادةِ، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ أَيْسَرُهَا" (١). وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي مسعود البدري ﵁: أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ يستحمله، فقال: إنه قد أبدع بي فاحملني، فقال رسول الله ﷺ : "ائْتِ فُلاناً" فأتاه فحمله، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" (٢). وروى ابن حبان نحوه عن ابن مسعود (٣). ورواه البزار مختصراً، ولفظه: "الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ" (٤). ورواه الطبراني بهذا اللفظ عن سهل بن سعد (٥). ورواه ابن أبي الدنيا، والبزار من حديث أنس، وزاد فيه: "واللهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ" (٦).

стр. 2115

وهو بهذا اللفظ وهذه الزيادة عند الإمام أحمد، وأبي يعلى في "مسنديهما" عن بريدة (١). وأورده الضياء المقدسي في "المختارة" (٢). وروى ابن ماجه وغيره عن سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ، [و] لِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ، فَطُوْبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ مِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَويلٌ لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحًا للشَّرِّ مِغْلاقاً لِلْخَيْرِ" (٣). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن حذيفة ﵁ قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ فأمسك القوم، ثم إن رجلاً أعطاه فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُوْرِ مَنْ تَبِعَهُ غَيْرَ مُنْتَقِصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنتقِصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً" (٤).

стр. 2116

وأخرج الإمام أحمد، وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة (١). وهو عند الإمامين؛ مالك، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بمعناه من حديث جرير (٢). وفي الباب عن واثلة، وأبي جحيفة، وغيرهما (٣). وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن كعب قال: يؤتى بالرئيس في الخير يوم القيامة فيقال له: أجب ربك، فينطلق إلى ربه لا يحتجب عنه، فيؤمر به إلى الجنة، فيرى منزلته ومنزلة أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويُعينونه عليه، فيقال له: هذه منزلة فلان، وهذه منزلة فلان، فيرى ما أعدَّ الله لهم في الجنة من الكرامة، وَيرى منزله أفضل من منازلهم، ويُكسى حُلَّة من ثياب الجنة، ويُوضع على رأسه تاج، ويغلفه من ريح الجنة، وشرق وجهه حتى يكون مثل القمر، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا قالوا: اللهم اجعله منهم حتى يأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويُعينونه، فيقول: أبشر يا فلان؛ فإن الله أعد لك في الجنة كذا وكذا، وأبشر يا فلان؛ فإن الله أعدَّ لك في الجنة كذا وكذا، فلا يزال يبشرهم بما أعدَّ الله لهم في الجنة من الكرامة حتى

стр. 2117

يعلو وجوههم من البياض مثل ما على وجهه، فيعرفهم الناس [ببياض] وجوههم (١). وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٤، ٣٥]، أي: ذلك المذكور من الإحسان إلى اليتيم، وكف الأذى عنه، والطمع عن ماله، والوفاء بالعهد، وفي الكيل والوزن خير وأحسن تأويلاً؛ أي: عاقبة. ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى أعم من ذلك من التوحيد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والبراءة من الوأد، والزنا، والقتل بغير حق، والإحسان إلى اليتيم، وما بعده؛ فإنها كلها من الخير. وروى ابن المبارك، والبخاري في "تاريخه"، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِيْنَ بَيْتٌ فِيْهِ يَتيْمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِيْنَ بَيتٌ فِيْهِ يَتِيْمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ، أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيْمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا"، وأشار بالسبابة والوسطى (٢). وروى أبو نعيم عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ بُيُوْتيهُمْ بَيْتٌ

стр. 2118

فِيْهِ يَتِيْمٌ مُكَرَّمٌ" (١). وروى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "الْخَيْرُ أَسْرعُ إِلى البَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيْهِ مِنْ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ البَعِيْرِ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي مالك الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ستُّ خِصَالِ مِنَ الْخَيْرِ؛ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللهِ بِالسَّيْفِ، وَالصَّوْمُ فِي يَوْمِ الصَّيْفِ، وَحُسْنُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْمُصِيْبَةِ، وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَأَنْتَ مُحِقُّ، وَتَبْكِيْرُ الصَّلاةِ فِي يَوْمِ الغَيْمِ، وَحُسْنُ الوُضُوْءِ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ" (٣). وقول: من الخير؛ أي: من الأفضل في الخير؛ إذ شاركها في الخير ما هو دونها؛ كصوم الشتاء، وحسن الوضوء في الصيف، والتبكير إلى الصلاة في يوم الصحو، إلا أن هذه أفضل. وروى ابن السني، والحاكم وصححه على شرط مسلم، عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذا أَوَىْ إِلَىْ فِراشِهِ ابْتَدَرَهُ مَلَكٌ وَشَيْطانٌ، فَيقُوْلُ الْمَلَكُ: اخْتِمْ بِخَيْرٍ، وَيَقُوْلُ الشَّيْطانُ: اخْتِمْ بِشَرٍّ، فَاِنْ

стр. 2119

ذَكَرَ اللهَ باتَ الْمَلَكُ يَكْلَؤُهُ" (١)؛ أي: يحفظه ويحرسه. وروى الترمذي، والبيهقي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللهِ مَا حَفِظَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نهَارٍ فَيَجِدُ اللهُ فِي أَوَّلِ الصَّحِيْفَةِ وَفِي آخِرِهَا خَيْراً إِلا قَالَ لِلْمَلائِكَةِ ﵈: أُشْهِدُكُمْ أَنَيّ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفِي الصَّحِيفَةِ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" - قال المنذري: وإسناده حسن - عن عبد الله بن بُسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَفْتَحَ أَوَّلَ نهَاره بِخَيْرٍ وَخَتَمَهُ بِخَيْرٍ قَالَ اللهُ لِمَلائِكَتِهِ: لا تَكْتبوْا عَلَيْهِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوْبِ" (٣). وروى الخرائطي في "مكارمه" عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى قال: من قال حين يُصبح ثلاث مرات: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٩] لم يفته خير كان قبله من

стр. 2120

الليل، ولم يدركه يومئذٍ شر، ومَنْ قال حين يُمسي: لم يفته خير كان قبله، ولم يدركه ليلته شر. قال: وكان إبراهيم خليل الرحمن ﵇ يقولها ثلاث مرات إذا أصبح، وثلاث مرات إذا أمسى (١). ما ذكره آخراً ثبت في الحديث المرفوع عن معاذ بن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيْمَ خَلِيْلَهُ الَّذِيْ وَفَّى؟ لأَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى قَالَ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨] " (٢). وقد تقدم أن المؤمنين المطيعين خيار الناس، وبينَّا أن وجه خيريتهم أنهم اتبعوا إبراهيم ﵇ في الوفاء، وهم إنما يوفون الله تعالى ما وعدوه من أنفسهم أن يُطيعوه، فكل طاعة وفاء بخير، وهذا الذكر من أحسن أنواع الخير، وأحسن ما يكون صباحاً ومساءً، وهو قرآن وذكر، ولا شك أن القرآن خير جميع الكلام. وروى البيهقي في "الشعب" عن علي بن أبي طالب ﵁: أن

стр. 2121

النبي ﷺ قال: "مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ لَهَا عَن الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ تَرَقَّبَ الْمُوْتَ هَانَتْ عَلَيْهِ اللَّذَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيْبَاتِ" (١). روى البخاري، وغيره عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال في حديث: "إِنّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِيْنٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِيْني وَأتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْر، أَوْ أتيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِيْني" (٢). روى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن عبد الرحمن ابن سَمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ! لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وإنْ أُوِتيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (٣). وهذا الحديث والذي قبله دليل على اختيار خير الخيرين إذا تعارضا. وقال أبو حبيب الصفدي في "تائتيه": [من البسيط]

стр. 2122

وَاتْرُكِ الْخَيْرَ عَلَيْهِ الشَرُّ يَرْبُوْ وَجِدْ ... خَيْراً سِواهُ فَكَمْ لِلْخَيْرِ وَسْماتُ والخير الذي يتولد منه الشر ويربو عليه - أي: يزيد به - ليس إلا الخير الدنيوي المحض، أو الخير الأُخروي الذي لم تصح فيه النية، وهو دنيوي، ولذلك قال النبي ﷺ : "لا يَأتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرِ" (١). ففي "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أكثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ"، قيل: ما بركات الأرض؟ قال: "زَهْرَةُ الدُّنْيَا"، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي ﷺ حتى ظننا أنه ينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه قال: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حمدنا حين طلع ذلك، قال: "لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ؛ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإنَّ كُلَّ مَا أَنبَتَ الرَّبِيع يَقْتُلُ حَبَطًا، أَوْ يُلِمُّ، إِلا آكِلَةَ الْخَضِرَةِ تأكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتُهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَمْسَ فَاجْتَرَّتْ، وَتَلَطَّتْ وَبَالَتْ، ثمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، وإنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ؛ مَنْ أَخَذهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَة هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ" (٢). وقوله: "لا يأتي الخير إلا بالخير" هو في "الصحيح" مرة. وفي رواية الدارقطني أنه كرره ثلاث مرات، وهو جواب قول

стр. 2123

القائل: "هل يأتي الخير بالشر؟ " (١). وفي رواية: "إِنَّهُ لا يَأْتِيْ الْخَيْرُ بِالشَّرِّ" (٢). ووقع في رواية سعيد بن منصور عن سعيد المقبري مرسلاً: "أَوَ خَيْر هُوَ؟ " ثلاث مرات (٣)، وهو استفهام إنكاري؛ أي: إن المال أو ما هو أعم منه من زهرة الدنيا ليس خيراً حقيقياً - وإن سُمِّيَ خيراً - كما في قوله تعالى حكايةً عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وإنما يكون خيراً حقيقياً فيما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أنه شر حقيقي فيما يعرض له من البخل به عمن يستحقه، والإمساك عن الحق، أو من الإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع. ثم قال: "إِنَّ هَذا الْمالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ". وفي رواية الدارقطني "وَلَكِنَّ هَذا الْمالَ"؛ أي: وغيره من زينة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ" إشارة إلى أن سورة الدنيا حسنة مؤنقة للنفوس، لاهية كالبقلة الخضراء الحلوة، لكنها قد يحصل منها الضرر، فالعاقل لا يغتر بحسنها وزخرفها خشْيةً من ضررها وسمِّها، كما أوضح ذلك بقوله: "وإِنَّ

стр. 2124

كُلَّ ما يُنْبِتُ الرَّبِيع"، ونسبة الإنبات إلى الربيع مجازي، والمنبت حقيقةً هو الله تعالى اختبار أو ابتلاء. "يَقْتُلُ حَبَطا، أَوْ يُلِمُّ". والحبط - بفتح الحاء المهملة، والباء الموحدة، وبالطاء المهملة -: انتفاخ البطن من كثرة الأكل. مَثَّلَ المنغمس في زهرة الدنيا بالدابة التي أصابت مرعى طيباً فلا زالت تأكل حتى امتلأ بطنها وانتفخ، فماتت، أو قاربَتْ أن تموت، ومع حصول الضرر والمحن من الدنيا لأهلها، كذلك يحصل لأهلها، جيل بعد جيل مزيد الرغبة فيها، وشدة المحبة لها لغلبة الهوى على العقل. وقد قيل: [من الرجز] وَآفَةُ الْعَقْلِ الْهَوَىْ فَمَنْ عَلا ... عَلَىْ هَواهُ عَقْلُهُ نالَ الْعُلا (١) (٢) وهذا قليلٌ في الناس، والأكثرون تغلب أهويتهم على عقولهم، فيميلون مع الدنيا فتميل معهم وبهم، ثم تميل عليهم. ومن ثم قال بعض الحكماء: عجبت ممن يرى الدنيا، ويرى صَنِيْعها بأهلها، ثم يغتر بها.

стр. 2125

ولقد أخبر الله تعالى عن شدة تعلق الإنسان بالدنيا وزهرتها بحيث تحول بينه وبين طاعة ربه، وذكره وشكره بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٦ - ٨]؛ الكنود: الكفور. روى ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، ورواه عنهم عبد الرحمن وغيره (١)، ورُوِيَ مرفوعاً من حديث أبي أمامة ﵁ (٢). روى سعيد بن منصور، وابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قال: لكفور يعدد المصيبات وينسى النعم (٣). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني: الإنسان ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾ أي من نفسه ﴿لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧]، قال محمد بن كعب: أي شاهد على نفسه. رواه ابن أبي حاتم (٤). قلت: وشهادته على نفسه ككنوده، أما عند النظر والتحقيق يرى نفسه مقصراً في الشكر ناسياً للنعم، وأمَّا عند المصائب والشدائد يعلم أنه

стр. 2126

كان في نعمه لا يشكرها ولا يرعاها، فيعترف بالكُفران، ويُعاتب نفسه على ترك الشكران، ثم يرجع إلى الضراعة ويلوذ بالشفاعة، فإذا رُحِمَ وكُشِفَ عنه البلاء، ثم خول في النعماء عاد إلى الكنادة، وتعرض للنكاية، واغترَّ بالخير، وطلبه لنفسه، وضنَّ به عن أبناء جنسه، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩]. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]. وهذا حال من غلب عليه الشر - وهم الأكثرون - بخلاف أهل الخير - وهم أقل قليل - فإنهم في المصائب والنوائب أقرب إلى الله تعالى في المقاصد والمطالب حتى تحصل لهم منه الفوائد والمطالب، وفي الرخاء والنعماء على وَجَلٍ وإشفَاق من أن يكون ذلك مكراً بهم أو نقصاً مما يرجونه من ثواب الله تعالى، لم يغترُّوا بزخرف الدنيا العاجل، ولا بخيرها المتواتر المتواصل، بل علموا أنها وإن اتصلت إلى انفصال، وطالت إلى زوال، وأنَّ الدار الآخرة هي الحيوان، وإليها مرجع كل إنسان، فإن كان قد زرع في الدنيا خيراً حصد خيراً وكرامة، وإن كان قد زرع شراً حصد شراً وندامة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]؛ أي: فكانت رأفته سبباً في هذا

стр. 2127

التحذير، لم يدعكم غفلاً بلا بشير ولا نذير. قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] قال: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبدًا يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وسبب مودته أن لا يرى عمله أنه كشف له عن حقيقة قبحه، وأنَّهُ كان شراً محضاً وإن كان يراه خيراً، كما أن سبب استلذاذه لمعصيته موافقتها لهواه فزينها له الهوى، وزخرفتها له الدنيا حتى عمي عن ضررها، وُحُمِيَ بسُكْر شهوته من شررها، فتمادى في طغيانه، وانغمس في خذلانه، وكلما قربت الآخرة من الخلق كما بعدت منها أحوالهم، وطالت في الدنيا آمالهم حين طال عليهم العهد حتى كادوا أن ينكروا، بل نسُوا بالكلية الوعيد والوعد، فقست قلوبهم، وتشابهت أسرارهم، فتوافقت أعمالهم، وتشاكلت أشكالهم، فقل الخير فيهم، وكثر الشر منهم لكلمة سبقت من الله تعالى: أن السَّاعة لا تقوم إلا على شرار الناس (٢). ثم قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُصُ إِلا الشَّرُّ؛ فَإِنَّهُ يُزَادُ فِيْهِ".

стр. 2128

رواه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" بإسناد جيد، من حديث أبي الدرداء ﵁ (١). [وقد] (٢) اتفق لي قديماً مع بعض الوجوه الأكابر، وكنت قد رأيت منه ما شاكل أمثاله وأقرانه، وناسب وقته وزمانه أنه قال لي: يا مولانا! ما أكثر الشر في هذا الزمان! فقلت له: لا تعجب من الشر في هذا الزمان فإنه زمانه، ولكن إذا رأيت أحداً يعمل الخير فتعجب منه، فإنَّ هذا هو العجب، فقال لي: صدقت والله. وقد روي قريباً من هذا المعنى ما رواه أبو نعيم عن المعافى قال: سمعت سفيان يقول: من العجز أن يظنَّ بأهل الشر الخير (٣). قلت: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ينايسب مَا قدمناه أن زمان الشر لا يطلب من أهله الخير، فإنه لا يكون منهم إلا على وجه تسخيرهم من قبل الله تعالى لمن يشاء من أوليائه لحكمةٍ باهرة خفية أو ظاهرة. والثاني: أن من كان من عادته الظلم والفسق لا ينبغي أن يُحسن

стр. 2129

الظن به ويرجو الخير منه، فإنه إلى الشر أقرب منه إلى الخيرة فإن التمر والعناب لا يجتنيان من العلقم والصاب (١)، وإن اعتبرت أكثر أهل هذا الزمان وجدت الشر غالباً عليهم، والسبب ذلك موت الأخيار، وانقطاع الخلف منهم. روى ابن أبي شيبة عن الحسن رحمه الله تعالى قال: من أشراط الساعة، أو من اقتراب الساعة أن يأتي الموت خياركم، فيلقطهم كما يلقط أحدكم أطايب التمر من الطبق (٢). وحاصل هذا التشبيه: أن الملتقط من الطبق يلتقط خير ما فيه وأجوده، ثم خير ما بقي، ثم خير ما بقي حتى يبقى شره وأرذله، وكذلك الموت يلتقط خير الناس، ثم خير من بقي منهم وإن كان يأخذ غيرهم، فإنه ولو أخذ من الأشرار ألوفاً وممن لا غناء لهم ألوفاً لا يكاد الناس يحسُّون بهم، ولا يفتقدونهم بخلاف الأخيار إذا مات واحدٌ منهم كأنه لم يمت غيره حتى يرى الناس أنه التقط خير الموجودين، ثم خير من بعدهم، حتى قيل: [من المتقارب] والْمَوْتُ نُقادُ عَلَىْ كَفِّهِ ... جَواهِرَ يَخْتارُ مِنْها الْجِيادَ وقد ألمَّ النبي ﷺ بهذا المعنى وبينه بمثالٍ عظيم منطبق وصفه على وصفه، فمثل اختيار الموت خيار الناس بالمغربل، يختار خيار الحَب،

стр. 2130

ثم خياره حتى لا يبقى إلا حفالته ورذله، فقال ﷺ : "يَذْهبُ الصَّالِحُوْنَ الأَوَّلُ فَالأوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيْرِ أَو التَّمْرِ لا يُبَالِيْهِمُ اللهُ تَعَالَى بَالَةً". رواه الإمام أحمد، والبخاري عن مِرْداسٍ الأسلمي ﵁، والطبراني في "الكبير" عن المستورد بن شداد ﵁ (١). وأخرج الرامهرمزي في "أمثاله" حديث مرداس، ولفظه: "يَذْهَبُ الصَّالِحُوْنَ أَسْلافاً الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ حَتَى لا يَبْقَى إِلا حُثَالةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيْرِ لا يُبَالِي اللهُ بِهِم" (٢). المراد بالأسلاف - جمع سلف -: الفَرَط الذي يتقدم القوم لتهيئة مائهم، وذلك أن الصالح والخير إذا مات تاسف الناس عليه وتألموا لفقده، وإنما يقدمه الله تعالى ليكون سلفاً وفرطاً لأهله، أو لأصحابه، أو للمسلمين بعده. وقوله: "الأول فالأول"؛ أي: مرتبين يتقدم الخيِّر ثم الخيِّر، والأصلح ثم الأصلح. وقوله: "حتى لا يبقى" غاية لهذه العادة الجارية والسنة الماضية؛ أي: إنَّ هذه سنة الله تعالى في اصطفاء الأخيار إلى دار القرار حتى لا يبقى

стр. 2131

بعدهم من الناس إلا حثالة. وفي "الصحيح": حفالة - كلاهما بالحاء المهملة، وإحداهما بالمثلثة، والأخرى بالفاء -: ما لا خير فيه، أو الردي مما بقي من تمر أو شعير، أو الزؤان (١) ونحوه يكون في الطعام. وقوله: "لا يُباليهم الله بالة": فَعْلَة من المبالاة، وهي الاكتراث بالشيء؛ أي: لا يعتني بشأنهم، ولا يكترث بأمرهم، بقوا أو ماتوا. فهذا من طرق تمحض الناس للشر حتى تقوم عليهم الساعة. ومن طرقه: أنَّ العبد يسمع بالخير وأهله، ومقامهم وثوابهم، فيرغب في طريقهم، ويتحرى الخير وأعمال الخير، فبينا هو في سيره إذ عرض له شاغل هوى فألهاه، وهذا حال كثير من الناس بل أكثرهم، ولذلك خاطبهم الله تعالى بقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أو مانع منعه عمَّا هو فيه من مرض، أو بلاء، أو حاجة [ .... ] (٢) ويجزع ويسخط فيهلك، والله تعالى من عادته امتحان عباده بذلك حتى يظهر خالصهم من زيفهم. روى الترمذي، وغيره عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُم، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (٣). أو تأوُّلٌ يتَأَوَّلُ به ما لا يحل بما بقربه، ويحِلُّه ويرخص فيه كالمعتزل

стр. 2132

عن شر الناس فيتأول أو يؤول له الدخول على الملوك، أو مخالطة التجار أو معاشرة الفجار، فإذا هو قد مُكِر به، فينقلب خيره شراً، أو يرجع يداه منه صِفراً، ولما كان أعظم وجوه التأويل في معاشرة الأشرار قصد نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر رخصَ الشارع ﷺ في ترك ذلك - كان كان في الأصل فرضاً - وذلك من باب ترك ما هو أدون الخيرين لتحصيل أعظمهما وخيرهما كما سبقت الإشارة إليه. روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في "الشعب" عن أنس ﵁ قال: قيل: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إِذَا ظَهَرَ فِيْكُم مَا ظَهَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيْلَ قَبْلَكُم"، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "إِذَا كَانَ الادِّهانُ فِي خِيَارِكْم، وَالفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُم (١)، وَتَحوَّلَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُم وَالفِقْهُ - وفي رواية: والعِلْمَ - فِي رِذالِكُمْ" (٢). وفي معنى حديث أنس ﵁ حديث أبي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ﵀ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني ﵁ فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؛ قلت: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ

стр. 2133

ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدنْيَا مُؤْثَرَةً، وإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيِ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ؛ أيَّامَ الصَّبْرِ، الصَابِرُ فِيْهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ". رواه ابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، وآخرون (١)، وهو حديث ثابت صحيح، من عمل به وفِّق إلى الخير والعمل به. وروى نعيم بن حماد في "الفتن"، وأبو أحمد العسكري في "المواعظ"، وغيرهما عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تَزَالُ يَدُ اللهِ عَلَى هَذهِ الأُمَّةِ وَفِي كَنَفِهِ مَا لَمْ يَمِلْ قُرَّاؤُهُم إِلَى أُمَرَائِهِم، وَمَا لَمْ يُوَقِّرْ خِيَارُهُم شِرَارَهُمْ، وَمَا لَمْ يُعَظِّمْ أَبْرَارُهُم فُجَّارَهُم، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ رَفَعَها عَنْهُم، وَقَذَفَ فِي قُلُوْبِهُمُ الرُّعْبَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الفَاقَةَ، وَسَلَّطَ عَلَيِهِم جَبَابِرَتَهُم فَسَامُوْهُم سَوْءَ العَذَابِ". قال: وقال حذيفة: لا يأتهم أمر يضحكون منه إلَّا رَدِفَهم أمر يشغلهم عن ذلك (٢).

стр. 2134

* تَتِمَّةٌ: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠]. أراد بالخير الأول الإيمان والإخلاص، وهما لم يكونا إذ ذاك في قلوب الأسارى، وإنما المراد منه الإيمان وقصده، فإن فيهم من كان يتلجلج الإيمان [في قلبه] (١)؛ كالعباس ﵁، فإذا كانت إرادة الكافر للإيمان وقصده إياه مؤثراً في تحصيل الخير، فما ظنك بالمؤمن إذا أراد الخير ونواه؟ [وقد روى] (٢) ابن جهضم عن عبد الله ابن الإمام أحمد ﵁ قال: قلت لأبي يوماً: أوصني يا أبه، فقال: يا بني! اِنْوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويْتَ الخير (٣). وروى الدينوري عن عبد الله (٤) بن زبيد - يعني: اليامي - قال: كان أبي يقول: يا بني! انو في كل شيء تريده الخير حتى خروجك إلى الكناسة (٥).

стр. 2135

وأخبرنا والدي رحمه الله تعالى عن مشايخه مشايخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، وأبي إسحاق البرهان بن أبي شريف، وأبي إسحاق البرهان القلقشندي، والعلامة شهاب الدين القسطلاني، عن شيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: أنه أنشد لنفسه بعد إملاء حديث: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ" في معناه: [من الرمل] إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّةِ فِيْ ... كُلِّ أَمْرٍ أَمْكَنَتْ فُرْصَتُهُ فَانْوِ خَيْراً وَافْعَلِ الْخَيْرَ فَإِنْ ... لَمْ تُطِقْهُ أَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ وفي الحديث: "نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ (١) مِنْ عَمَلِهِ". رواه البيهقي في "الشعب" عن أنس ﵁ (٢). وهو عند الطبراني في "الكبير" عن سهل بن سعد ﵁، إلا أنه زاد فيه: "وَعَمَلُ الْمُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، [وكلٌّ يعملُ على نيته] (٣)، فَإِذَا عَمِلَ الْمُؤْمِنُ نارَ فِي قَلْبِهِ نُوْرٌ" (٤)؛ أي: بسبب نيته الخير في عمله بخلاف

стр. 2136

المنافق فإنه ينوي السوء - وإن عمل الخير ظاهراً - فيظلم قلبه. [وروى] (١) ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية" عن مالك بن دينار ﵀ قال: إنَّ للمؤمن نية في الخير [هي أمامه] (٢) لا يبلغها عمله [وإن للكافر] (٣) نية في الشر [هي أمامه] (٤) لا يبلغها عمله، والله يبلغ بكل ما نوى. [وعن داود الطائي قال] (٥): [رأيت الخير كله إنما] (٦) يجمعه حسن النية، فكفاك به خيراً وإن لم [تنصب] (٧) (٨). [وروى أبو نعيم عن إبراهيم النخعي قال: إن الرجل ليتكلم بالكلام على كلامه المقت، ينوي به الخير، فيلقي الله له العذر في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه إلا الخير، وإن الرجل ليتكلم الكلام الحسن لا يريد به إلا الخير، فيلقي الله في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه الخير] (٩).

стр. 2137

وروى الطبراني - بإسنادين أحدهما جيد - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِصُحُفٍ مَخَتَّمَةٍ، فتنْصَبُ بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى فَيقُوْلُ: ألقُوا هَذهِ وَأَلقُوا (١) هَذهِ، فتَقُوْلُ الْمَلائِكَةُ: وَعِزَّيكَ مَا رَأَيْنَا إِلا خَيْرًا، فَيَقُوْلُ اللهُ : إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيْرِ وَجْهِي وإِنِّي لا أَقْبَلُ [اليومَ مِنَ العملِ] إِلا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهِي" (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجون لي رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن الملائكة ﵈ تصف لكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر، فينادي الملك: "ألق تلك الصحيفة"، وينادي الملك: "ألق تلك الصحيفة"، قال: فيقولون: "ربَّنا! قالوا خيراً وحفظناه عليهم"، قال: فيقول: "إنهم لم يريدوا به وجهي، وإني لا أقبل إلا ما أُريد به وجهي"، قال: وينادي الملك الآخر: "اكتب لفلان بن فلان كذا وكذا"، قال: فيقول: "يا رب! إنه لم يعمله، يا رب! إنه لم يعمله" قال: فيقول: "إنه نواه، إنه نواه" (٣). [إن] (٤) حسن النية يؤول إلى خير في الدنيا كما يؤول إلى خير في

стр. 2138

الآخرة، ومن هنا قيل: العبد محمول على نيته، فكثيراً ما ينوي العبد الخير فيرى الخير، وينوي الشر فيرى الشر. [ثم إنَّه] (١) يثني عليه بما في نيته فربَّ عامل خير يثنى عليه بشر ثناء لأن نيته السوء، ورب مقصر في أعمال الخير يثنى عليه بخير ثناء لأن نيته (٢) الخير، فليس كل عمل مقبولاً عند الله ولا مطلقة به ألسنة عباده، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]؛ أي: فسيرى الله عملكم المقصود منكم، الموافق لحقيقة ما في سرائركم. وقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. قال الحسن: أي: على نيته. رواه هناد بن السري، وابن المنذر (٣). والمعنى: أنَّ عمل كل عامل على مقدار شاكلته ونيته في جزائه عند الله تعالى فيما يظهره الله تعالى من حاله على ألسنة الناس، وبهذا الطريق يُطلق الله ألسنة الناس بالثناء على العبد. وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ

стр. 2139

صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِناً مَا كَان" (١)؛ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ أَو شَرٍّ. والكوة - بفتح الكاف وضمها -: الخرق في الحائط، ويقال بغير هاء، أو يختص المذكر بالكبير، والمؤنث بالصغير كما في "القاموس" (٢). جمع ﷺ بين الباب والكوة مبالغة في أن لا منفذ لتلك الصخرة الصَّماء التي لو فرض أن الله تعالى خلق فيها آدمياً يعمل ويسَّر عمله لأخرج الله تعالى عمله للناس على ألسنة الناس. وروى ابن أبي الدنيا وغيره عن عثمان بن عفان ﵁ قال: ما من عبدٍ يسرُّ سريرةً إلا ردَّاه الله رداءها علانية؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر (٣). أي: إن كان ما يسره خيراً فرداؤه بين الناس خير، وإن كان ما يسره شراً فرداؤه شر.

стр. 2140

استعار الرداء للثناء، والتردية للزوم ذلك الثناء ذلك العبد وسبوغه عليه كما يلزم الثوب لابسه، ويسبغ عليه. [وروى الدينوري عن مسعر ﵁: أنه قال: إذا المرء أخفى الخير مكتتماً له ... فلا بد أن الخير يوماً سيظهر ويكس رداءً بالذي هو عامل ... كما يرفع الثوب الرفيع المشهر] (١) وروى الحكيم الترمذي في "نوادره" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُل عَبْدٍ صِيْتٌ؛ فَإِنْ كَانَ صَالِحًا وُضعَ فِي السماء (٢)، وَإِنْ كَانَ مُسِيْئاً وُضعَ فِي الأَرْضِ" (٣). والصيت: الذكر الحسن، واقتصر عليه في "القاموس" (٤). ويحتمل أن يكون في الذكر السيئ أيضاً، والحديث يدلُّ عليه. ويحتمل أنه أُطلق على الذكر السيئ مجازاً على سبيل التهكم.
следующие страницы →