← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

المنافق فإنه ينوي السوء - وإن عمل الخير ظاهراً - فيظلم قلبه. [وروى] (١) ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية" عن مالك بن دينار ﵀ قال: إنَّ للمؤمن نية في الخير [هي أمامه] (٢) لا يبلغها عمله [وإن للكافر] (٣) نية في الشر [هي أمامه] (٤) لا يبلغها عمله، والله يبلغ بكل ما نوى. [وعن داود الطائي قال] (٥): [رأيت الخير كله إنما] (٦) يجمعه حسن النية، فكفاك به خيراً وإن لم [تنصب] (٧) (٨). [وروى أبو نعيم عن إبراهيم النخعي قال: إن الرجل ليتكلم بالكلام على كلامه المقت، ينوي به الخير، فيلقي الله له العذر في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه إلا الخير، وإن الرجل ليتكلم الكلام الحسن لا يريد به إلا الخير، فيلقي الله في قلوب الناس حتى يقولوا: ما أراد بكلامه الخير] (٩).

стр. 2137

وروى الطبراني - بإسنادين أحدهما جيد - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِصُحُفٍ مَخَتَّمَةٍ، فتنْصَبُ بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى فَيقُوْلُ: ألقُوا هَذهِ وَأَلقُوا (١) هَذهِ، فتَقُوْلُ الْمَلائِكَةُ: وَعِزَّيكَ مَا رَأَيْنَا إِلا خَيْرًا، فَيَقُوْلُ اللهُ : إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيْرِ وَجْهِي وإِنِّي لا أَقْبَلُ [اليومَ مِنَ العملِ] إِلا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهِي" (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجون لي رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن الملائكة ﵈ تصف لكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر، فينادي الملك: "ألق تلك الصحيفة"، وينادي الملك: "ألق تلك الصحيفة"، قال: فيقولون: "ربَّنا! قالوا خيراً وحفظناه عليهم"، قال: فيقول: "إنهم لم يريدوا به وجهي، وإني لا أقبل إلا ما أُريد به وجهي"، قال: وينادي الملك الآخر: "اكتب لفلان بن فلان كذا وكذا"، قال: فيقول: "يا رب! إنه لم يعمله، يا رب! إنه لم يعمله" قال: فيقول: "إنه نواه، إنه نواه" (٣). [إن] (٤) حسن النية يؤول إلى خير في الدنيا كما يؤول إلى خير في

стр. 2138

الآخرة، ومن هنا قيل: العبد محمول على نيته، فكثيراً ما ينوي العبد الخير فيرى الخير، وينوي الشر فيرى الشر. [ثم إنَّه] (١) يثني عليه بما في نيته فربَّ عامل خير يثنى عليه بشر ثناء لأن نيته السوء، ورب مقصر في أعمال الخير يثنى عليه بخير ثناء لأن نيته (٢) الخير، فليس كل عمل مقبولاً عند الله ولا مطلقة به ألسنة عباده، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]؛ أي: فسيرى الله عملكم المقصود منكم، الموافق لحقيقة ما في سرائركم. وقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. قال الحسن: أي: على نيته. رواه هناد بن السري، وابن المنذر (٣). والمعنى: أنَّ عمل كل عامل على مقدار شاكلته ونيته في جزائه عند الله تعالى فيما يظهره الله تعالى من حاله على ألسنة الناس، وبهذا الطريق يُطلق الله ألسنة الناس بالثناء على العبد. وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ

стр. 2139

صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِناً مَا كَان" (١)؛ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ أَو شَرٍّ. والكوة - بفتح الكاف وضمها -: الخرق في الحائط، ويقال بغير هاء، أو يختص المذكر بالكبير، والمؤنث بالصغير كما في "القاموس" (٢). جمع ﷺ بين الباب والكوة مبالغة في أن لا منفذ لتلك الصخرة الصَّماء التي لو فرض أن الله تعالى خلق فيها آدمياً يعمل ويسَّر عمله لأخرج الله تعالى عمله للناس على ألسنة الناس. وروى ابن أبي الدنيا وغيره عن عثمان بن عفان ﵁ قال: ما من عبدٍ يسرُّ سريرةً إلا ردَّاه الله رداءها علانية؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر (٣). أي: إن كان ما يسره خيراً فرداؤه بين الناس خير، وإن كان ما يسره شراً فرداؤه شر.

стр. 2140

استعار الرداء للثناء، والتردية للزوم ذلك الثناء ذلك العبد وسبوغه عليه كما يلزم الثوب لابسه، ويسبغ عليه. [وروى الدينوري عن مسعر ﵁: أنه قال: إذا المرء أخفى الخير مكتتماً له ... فلا بد أن الخير يوماً سيظهر ويكس رداءً بالذي هو عامل ... كما يرفع الثوب الرفيع المشهر] (١) وروى الحكيم الترمذي في "نوادره" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُل عَبْدٍ صِيْتٌ؛ فَإِنْ كَانَ صَالِحًا وُضعَ فِي السماء (٢)، وَإِنْ كَانَ مُسِيْئاً وُضعَ فِي الأَرْضِ" (٣). والصيت: الذكر الحسن، واقتصر عليه في "القاموس" (٤). ويحتمل أن يكون في الذكر السيئ أيضاً، والحديث يدلُّ عليه. ويحتمل أنه أُطلق على الذكر السيئ مجازاً على سبيل التهكم.

стр. 2141

وكذلك الثناء هو حقيقة في الخير، ومن أهل اللغة من يقول: هو حقيقة في الشر أيضاً، ومنهم من يقول: مجاز فيه. وإنما سُمي الصيت صِيْتاً لأن الأصوات ترفع به في الناس، وفي طبيعة كل إنسان محبة الثناء الحسن وحسن الصيت. وإنما يحسن هذا منه إذا أحبَّ أن يكون الثناء الحسن دليلاً على إرادة الله تعالى الخير فيحمد الله تعالى ويشكره، لا على وجه محبة المحمدة من الناس وطلب الإقبال لنفسه منهم عليه، فإنَّ هذا يدخل في حدود الرياء، وإذا كان هذا مما جُبل عليه الإنسان، وكماله أن يحبه لإخوانه المؤمنين أيضاً. كما يدخل ذلك في عموم قوله ﷺ : "لا يَسْتكمِلُ عَبْدٌ الإِيْمَانَ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" عن أبي مليكة الذِّماري ﵁ (١). فإذا علم من أحدٍ خيرًا، وعلم أن الثناء عليه بما يعلم منه ينفعه أو يدفع عنه شراً، فقد وجب عليه أن يثني عليه ويعرف حقه. روى أبو نعيم في "الحلية" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أَحْبَبْتُمْ خِيَارَكُم وَعَرَفْتُم لَهُم الْحَقَّ (٢)؛

стр. 2142

فَإنَّ العَارِفَ بِالْحَقِّ كَالعَامِلِ بِه" (١). وقوله ﷺ : "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُم"، وهو في "صحيح مسلم"، وغيره من حديث عائشة ﵂ (٢). لا يجوز لك أن تثني على أهل الشر بالخير؛ فإنَّ هذا جفاء، وعجز، ومُراءاة، وزُور، ونفاق خصوصاً إذا فضلت أهل الشر، وأظهرت مزيتهم على أهل الخير؛ فإنه مكابرة في الفسوق والنفاق، كما حكى الله تعالى ذلك عن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١].

стр. 2143

* تَذْنِيْبٌ: اعلم أنَّ رسول الله ﷺ نص على خيرية أمور من الأمور الدنيوية، إما من حيث إنَّ الخيرية فيها بمعنى الصلاحية والنفع، أو من حيث إنَّ تلك الأمور تكون معينة على أمور الآخرة فوصفت بالخيرية لذلك. [فمن ذلك] (١): ما رواه أبو داود عن عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ" (٢). ورواه الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "السنن"، ولفظه: "خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ" (٣). ووجهه أن الصداق إذا كان يسيراً على الزوج وصل إلى المرأة عن طِيْبِ نفسه، فتهنأ به وُيبارك لها فيه، وكذلك إذا كان النكاح يسير المؤنة كان أهنأ، وكانت المرأة عند الزوج أحظى، وبذلك تطيب العِشْرة وتتم المعونة بالنكاح على الدين. [ومن ذلك] (٤) ما رواه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن سُوَيْدُ بن هُبَيْرَةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ مَالِ الْمَرْءِ مُهْرَةٌ مَأْمُوْرَةٌ، أَو

стр. 2144

سِكَّةٌ مَأْبُوْرَةٌ" (١). قال في "القاموس": أي: مهرة كثيرة النتاج والنسل. والأصل مؤمرة، وإنما هو للازدواج (٢)؛ يعني: مع مأبورة؛ أي: مصلحة. والمهرة: أول ما ينتج من الفرس ومن غيره، أو ولد الفرس (٣)، والأول أولى. وإنما كان هذا لأن المستنتج والزارع ينتظران رحمة الله تعالى وما يفتح منها، والاستنتاج والزراعة أَلْيق بحال المتوكل من التجارة. ومن ذلك القبيل قوله تعالى حكايةً عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. قال مجاهد: من طعام. رواه ابن أبي شيبة وغيره (٤). وإنما كان الطعام خيراً لأنه ينتفع به في بقاء البنية، وبها يقوى العبد على الطاعة، ويكون صلاحه دنيا وأُخرى. وإذا كان الطعام بتيسير الله تعالى ومحض منته كان خيراً محضاً، ونفعاً صِرفاً، ولذلك لم يتعرض بالسؤال لغير الله تعالى، بل تولَّى إلى

стр. 2145

الظل، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]؛ أي: ما اخترته لي وأنزلته عليَّ بلا منة مخلوق، ولا سعي، ولم يقل ذلك حتى اضطر إلى ما يقيم صلبه. قال ابن عباس ﵄: ما سأل إلا الطعام. وقال مرة: سأل فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع. وقال أيضاً: لقد قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع. رواهما ابن أبي حاتم. وروى الأول - أيضاً - عنه عبد الله ابن الإمام أحمد، والثاني والثالث ابن المنذر، والثالث سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والضياء في "المختارة" (١). وهذا إيماء إلى أن الطعام وغيره مما يحتاج إليه العبد في معاشه لا يكون خيراً إلا إذا كان على قدر الحاجة، وما زاد على الحاجة لا يدل على الكرامة. ثم قد يكون من الخير أن ييسر الله تعالى ما هو الأنفع في قوام البدن حين صحته والأجَلَبُ للشفاء في حال مرضه؛ لأن البدن كلما كان أعدل كان في الطاعة أنشط. [ومن] (٢) هنا كان أحب الطعام إلى النبي ﷺ الثريد من الخبز،

стр. 2146

والثريد من الحيس (١) كما رواه أبو داود، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ (٢). ومحبته للثريد إنما كانت من حيث إنه خير من غيره، وأنفع منه، وأغنى في القوت. وروى ابن عدي في "الكامل" عن عائشة: أنه ﷺ قال: "خَيْرُ طَعَامِكُم [الخبز، وخير] (٣) فَاكِهَتِكُمُ العِنَب" (٤). وفي "الصحيح": "وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" (٥). وروى الديلمي من حديثه - أيضاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ طَعَامِكُمُ البَارِدُ الْحُلوُ، وَخَيْرُ شَرَابِكُم البَارِدُ الْحُلْوُ". وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن عائشة

стр. 2147

رضي الله عنها: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد (١). وعنها: كان أحب الشراب إليه العسل (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ اللبن (٣). رواهما أبو نعيم في "الطب". وكلٌّ منهما يُوصف بالحلاوة. [وروى أبو نعيم في "الطب" عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وصححه الحاكم بنحوه من حديث صهيب ﵁، ولفظه: "ألا إن سيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء"] (٤). وروى ابن قتيبة في "غريب الحديث"، والديلمي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الْمَاءِ الشَّبِمُ، وَخَيْرُ الْمَالِ الغَنَمُ، وَخَيْرُ الْمَرْعَى الأَرَاكُ وَالسَّلَمُ" (٥).

стр. 2148

الشبم - بفتح المعجمة، وكسر الموحدة -: البارد. والشبم - بفتحتين -: البَرد. ومن رواه بالفتح فهو على حذف مضاف؛ أي: ذو الشبم. وصفه بالمصدر مبالغة في برده لأن الماء كما برد لذَّ وأروى، ومن ثم قال النبي ﷺ : "إنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُصِحَّ جَسَدَكَ وَأَرْوِكَ مِنَ الْمَاءِ البَارِدِ؟ ". رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ (١). وقوله: "خَيْرُ الْمَالِ الغَنَمِ" يجمع بينه وبين قوله: "خَيْرُ الْمَالِ مُهْرَةٌ مَأمُوْرَةٌ" بأن الغنم خير المهرة المأمورة؛ أي: المنتجة. وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الإِدَامِ اللَّحْمُ، وَهُوَ سَيِّدُ الإِدَامِ" (٢). [ومن شواهده] (٣) حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سَيِّدُ طَعَامِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ". رواه أبو نعيم في "الطب" (٤).

стр. 2149

ولا معارضة بينه ويين حديث أنس: "سَيِّدُ إِدامِكُمُ الْمِلْحُ". رواه ابن ماجه، والحكيم الترمذي (١). لأن المراد تسييد الملح مطلقاً؛ لأن اللحم لا يتم تأديمه إلا به، فهو إدام مستقل، ومصلح لكل إدام. أو سيادة الملح من حيث الإصلاح، وسيادة اللحم من حيث الإغناء. وروى الإمام أحمد، والحاكم، وابن السني، وأبو نعيم؛ كلاهما في "الطب" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ مَا تَدَاويتُم بِهِ اللدُوْدُ (٢) والسَّعُوْطُ (٣) والْحِجَامَةُ والْمَشِيُّ (٤) " (٥). وروى أبو نعيم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ مَا تَدَاويتُم بِهِ الْحَجْمُ وَالفِصَادُ" (٦). وروى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الغِذَاءِ بَوَاكِرُهُ، وَأَطْيَبُهُ أَوَّلُه" (٧).

стр. 2150

وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيْهِ طَعَامٌ مِنَ الطُّعْمِ، وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقَمِ" (١). وروى الإمامان؛ مالك، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الْخَيْلِ الأَقْرَحُ الأَدْهَمُ الأَرثَمُ، ثُمَّ الْمُحَجَّلُ الثَّلاثِ مُطْلَقُ اليَمِيْنِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذهِ الشِّيَةِ" (٢)؛ أي: العلامة. وهذه الخيرية إما من حيث إنه أقوى وأشد وأثبت، وإما من حيث إنه يتيمن به، ويتبارك به. والأقرح: الذي في وجهه قُرحة - بالضم - وهي دون الغرة. وفيه دليل على أن الأقرح خير من الأغر. والمحجل: مبيض القوائم الثلاث. مطلق اليمين شامل لليد والرجل. - والكميت - على مثال المُصَغَّر -: الذي خالط حمرتَه سوادٌ.

стр. 2151

وروى العقيلي عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ طِيْبِ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيْحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرُ طِيْبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيْحُهُ" (١). ووجهه أن الزينة بالنساء أليق. وروى ابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ ثِيَابِكُمُ البَيَاضُ؛ فَكَفِّنُوْا فيْهَا مَوْتَاكُمْ، وَأَلبِسُوْهَا أَحْيَاءكُم، وَخَيْرُ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدُ يُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَيَجْلو البَصَرَ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير"، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ البِقَاعِ الْمَسَاجِدُ، وَشَرُّ البِقَاعِ الأَسْوَاقُ" (٣). وروى الإمام أحمد، والبيهقي في "السنن" عن أم سلمة رضي الله

стр. 2152

عنها أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتهِنَّ" (١). وروى الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "لا طِيرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَألَ"، قيل: يا رسول الله! وما الفأل؟ قال: "الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُم" (٢). ورويا عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وُيعْجِبُنِي الفَألُ؛ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، الكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ" (٣). قال البغوي: الفأل مهموز، وجمعه فُؤُل (٤)، والفأل قد يكون فيما يحسن ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء. قال: وإنَّما أحبَّ النبي ﷺ الفأل لأن فيه رجاء الخير والعائدة، ورجاء الخير أحسن بالإنسان من اليأس وقطع الرجاء عن الخير (٥). وقال صاحب "القاموس": الفأل ضد الطِيرَة؛ كأن يسمع مريض: يا سالم، أو طالب: يا واجد، ويستعمل في الخير والشر، وجمعه فؤول

стр. 2153

وأفؤل، انتهى (١). قلت: ففي عبارته أنَّ للفأل استعمالين ضد الطِيرَة، فلا يكون إلا في الخير، وبمعنى توقع ما يَسُر أو يسوء، فيكون في الخير والشر، وقد أخذ ﷺ في الحديث الأول بالاستعمال الأول، وهو الغالب، وبه يكون الفأل محموداً مطلقاً. وروى الدينوري في "المجالسة" عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: كنا عند ابن عمر وعنده ابن عباس ﵃، فمرَّ غراب يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر (٢). أشار إلى كراهية التطير، وأنَّ الغراب وكذا كل ما تشاءم الناس به لا ينسب إليه خير ولا شر، أو لا يكون إلا ما قدره الله تعالى من خير أو شر. وروى البيهقي عن جابر ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "خَيْرُ خَلِّكُم خَلُّ خَمْرِكُمْ" (٣)؛ يعني: إنه يكن أزكى طعماً، وأذكى حموضة، وأنفع للأبدان.

стр. 2154

وروى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، وغيرهم، وصححه الحاكم، عن أبي سعيد ﵁، وأخرجه الحاكم وصححه أيضاً، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ المْجَالِسِ أَوْسَعُهَا" (١). وروى الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ (٢) الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةُ" (٣). وهذه الخيرية من حيث الفضيلة، وهي في الحديث المتقدم من حيث الرفق، وجمع العيال، وتحضير الأثاث. وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: "الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأةُ الصَّالِحَةُ" (٤). وروى ابن عدي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ

стр. 2155

لَهْوِ الْمُؤْمِنِ السِّبَاحَةُ، وَخَيْرُ لَهْوِ الْمَرْأَةِ المِغْزَلُ" (١). وإنما كانت السباحة خير لهو المؤمن؛ لأنه تنفعه عند الحاجة إليه، وينبغي أن يكون كذلك لهوه بسهمه وركض فرسه. وروى البزار، والطبراني في "الأوسط" عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "عَلَيْكُم بِالرَّمْي؛ فَإِنَّهُ مِنْ خَيْرِ لَهْوِكُم" (٢). وروى أبو عوانة عنه - موقوفاً - قال: "تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ؛ فَإِنَّهُ خَيْرُ لَعِبِكُم" (٣). وقال ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقُوْدٌ فِي نَوَاصِيْهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". رواه الإمام مالك، وابن أبي شيبة، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر. وابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عروة البارقي. ومسلم، وابن أبي شيبة عن أبي هريرة. وهما والنسائي عن جرير.

стр. 2156

والنسائي، عن سلمة بن نفيل، ﵃ (١). وفي الباب عن غيرهم. وروى الترمذي، وابن ماجه، وضعفه البيهقي، عن أبي أمامة، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن عبادة: قالا ﵄: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الأُضْحِيَةِ الكَبْشُ الأَقْرَنُ، وَخَيْرُ الكَفَنِ الْحُلَّةُ" (٢). وروى أبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه" عن جابر ﵁ قال:

стр. 2157

قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ مَسْجِدِي هَذَا وَالبَيْتُ العَتِيْقُ" (١). وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ"، الحديث (٢). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ يَومٍ تَحْتَجِمُوْن فِيْهِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرُوْنَ"، الحديث (٣). وروى أبو نعيم عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نَوْمٌ عَلَى عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاةٍ عَلَى جَهْل" (٤). وروى الإمام أحمد، وسعيد بن منصور في "سننه" - بسند صحيح كما قال السيوطي (٥) - عن محمود بن لَبيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اثْنتَانِ

стр. 2158

يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِن الفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ المَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الموت" عن أبي الدرداء ﵁ قال: ما أهدى إلي أخ هدية أحب إليَّ من السلام، ولا بلغني عنه خبر أحب إليَّ من موته (٢). عن جعفر الأحمر ﵀ قال: من لم يكن له في الموت خير، فلا خير له في الحياة (٣). وروى ابن المبارك في "الزهد"، وابن أبي شيبة عن الربيع بن خُثيم رحمه الله تعالى قال: ما من غائبٍ ينتظره المؤمن خير له من الموت (٤). وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن مسروق رحمه الله تعالى: ما من شيء خيرٌ للمؤمن من لحدٍ قد استراح من هموم الدنيا، وأمن من عذاب الله تعالى (٥). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن علي ﵁ قال: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير

стр. 2159

ميراث، ولا وحشة أشد من العجب (١). وروى ابن الجوزي في "الصفوة" عن أبي الحسن بن سمعون ﵀ قال: الخير كله في هذا الزمان: تركُ ما الناس عليه، ومصُّ النَّوى، وسَفُّ (٢) الرمل (٣). وروى أبو بكر بن لال في "مكارم الأخلاق" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "جُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الرَّبْعَةِ" (٤). ووَجهه أَن الرَّبْعَةَ أقرب إلى الاعتِدَالِ من الطَّويْل ومن القصير؛ لأن اعتِدَالَ الْجَسَدِ يَدل على اعتدَالِ الخلقِ والخلق، ولذلك كان النبي ﷺ رَبعة في الرجال. ولو قيل: إنَّ الألف واللام في الحديث للعهد، وإن المراد بالربعة هو ﷺ لم يبعد. وكذلك ينبغي أن تعلم أن خير ما يكون العبد إذا كان كهلاً في سن الأربعين. ومن هنا تنبأ بها الأنبياء ﵈. وإذا بلغ المرء الأربعين ولم يعتدل، دلَّ ذلك على فساد مزاجه

стр. 2160

وسوء خلقه، ومن ثم قيل: إذا بلغ الإنسان الأربعين ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار (١). وروى أبو يعلى، والطبراني في "الكبير" عن واثلة، والبيهقي في "الشعب" عن أنس، وعن ابن عباس، وابن عدي في "الكامل" عن ابن مسعود ﵃: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ شَبَابِكُم مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُولكُم، وَشَرُّ كُهُولكُم مَنْ تَشَبَّبَ" (٢). وسيأتي الكلام على ذلك في موضع مبيناً إن شاء الله تعالى. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي المِنهال ﵀ قال: ما جاور العبد في قبره جارٌ خيرٌ له من استغفار كثير. وروى ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ مَا يَخْلُفُ الإنْسَانَ مِنْ بَعْدِهِ ثَلاثٌ؛ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، وَصَدَقَةٌ تَجْرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا، وَعِلْمٌ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدِهِ" (٣).

стр. 2161

قلت: وهذا الخير المخلف بعده هنا غير الخير المتروك في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]؛ فإنَّ الخير في الآية هو المال، أو المال الكثير. وقد روى ابن أبي شيبة، والمفسرون، وغيرهم، وصححه الحاكم، عن عروة: أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ دخل على مولى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم، فقال: ألا أوصي؛ قال: لا، إنَّما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك (١). ولا تكون الصدقة المتروكة بعده خيراً إلا إذا سلمت من الإثم في جميع ما يتصدق به أولاً، ثم في الإخلاص في التصدق به، ثم في ترك المضاررة لأحد من ورثته من بعده؛ فإنَّ الإضرار في الوصية من الكبائر كما رواه ابن أبي شيبة، والنسائي، وغيرهما عن ابن عباس (٢)، فلا خير في الوصية إلا إذا سلمت من ذلك. وقد روى الأئمة مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه مرض مرضاً أُشفيَ

стр. 2162

منه، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: "لا"، قال: فالشطر؟ قال: "لا" قال: فالثلث؟ قال: "الثُّلُثُ، وَالثلُثُ كَثِيْرٌ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْر مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِيْنَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى حَافَ فِي وَصَيَّتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بَعَمَلِ أَهْلِ الشَّر سَبْعِيْنَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ في وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ له بِخَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ" (٢). وقال الدينوري: حدثنا إبراهيم الحربي، قال: كتب يعقوب بن داود إلى بعض العباد بالقدوم عليه، فأتى محمد بن النضر الحارثي ﵀ فاستشاره، وقال: لعل الله أن يقضي ديني، فقال له: لا تفعل؛ لأن تلقى الله تعالى وعليك دينٌ ولك دِيْن، خيرٌ من أن تلقاه وقد قضيت

стр. 2163

دَيْنك، وذهب دِيْنك (١). ومن لطائف عمر بن الخطاب ﵁ ما أخرجه الدينوري - أيضاً - أنه قال: من اتَّجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه، فليتحرر منه إلى غيره (٢). قال: وقال لرجلٍ: إذا اشتريت بعيراً فاشتره عظيم الخلق، فإن أخطأك خيره لم يخطئك سوقُه (٣). وهو معنى قول الناس: اشتر لنفسك وللسوق (٤). * تَذْيِيْلٌ: قد يطلق على أحد الشرين أنَّهُ خير من الآخر؛ بمعنى أنه أهون منه وأخف ضرراً، فإذا كان لابد من ارتكاب أحدهما فارتكاب الأخف خير - أي: أولى - من ارتكاب الآخر. وبالجملة: فإطلاق الخير على الأخف مجاز ظاهر، وقد وقع من ذلك كثير في كلام النبي ﷺ . فمن ذلك حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "ما تَقُوْلُوْنَ فِي الزِّنَا؟ " قالوا: حرام، حرَّمه الله ورسوله، فهو

стр. 2164

حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْنِي بِحَلِيْلةِ جَارِهِ". رواه البخاري في "تاريخه"، والإمام أحمد - ورواته ثقات -، والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" (١). وفي رواية: "أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِه" (٢). وهي مفسِّرة لمعنى الخيرية في الرواية؛ إذ لا خيرية في الزنا أصلاً. وكذلك حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لأنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمْرَةٍ، فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ". رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٣). فإنَّ الجلوس على الجمر لا خير فيه عقلاً ولا شرعاً من حيث إنه يعرض لإتلاف ماله وجسده، وقد يؤدي إلى قتل نفسه، إلا أنه أراد أن يُعظم أمر انتهاك حرمة القبر إشارة إلى أن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حيًّا، فلا تنتهك حرمته.

стр. 2165

وكذلك حديث عبد الله بن مغفَّل ﵁، عن النبي ﷺ : "لأنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُم بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيْدٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ". رواه الطبراني في "الكبير" (١). وحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "لأَنْ يَجْعَلَ أَحَدُكُم فِي فِيْهِ تُرَابًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ فِي فِيْهِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ". رواه البيهقي في "الشعب" (٢). وحديثه عن النبي ﷺ قال: " [قال داود النبي ﵇: ] إِدْخَالُكَ يَدَكَ فِي فَمِ التِّنِّيْن إِلَى أَنْ تَبْلُغَ الْمِرْفَقَ فَيَقْضِمَهَا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَسْأَلَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ كانَ". رواه أبو نعيم (٣). وحديثه عن النبي ﷺ أنه قال: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا حتى يَرِيَهُ، خَيْرٌ له من أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". رواه الإمام أحمد، والستة إلا النسائي (٤) (٥).

стр. 2166

وقوله: "حتى يريه"؛ أي: يفسده، يقال: ورى القيح جوفه: أفسده؛ كذا في "القاموس" بفتح أوله (١). وهذا يحتمل أن يكون من قبيل ما تقدم. والمعنى: أنَّ فساد الجوف بالمرض المحسوس في الدنيا أهون من أن يمتلئ شعراً فيُعاقب عليه في الآخرة. ويحتمل أن يكون المعنى: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ودماً - أي: يتناوله - خيرٌ - أي: أهون وأخف إثماً - من أن يمتلئ شِعْراً. والمراد به الشعر المذموم بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]؛ فإنه مستثنى من قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]. وقال النبي ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْراً، وَإِنَّ مِنَ الشعْرِ حُكْماً". رواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث ابن عباس (٢). وهو عند ابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود ﵁ نحوه (٣). والجملة الأخيرة عنده من حديث بريدة ﵁ (٤).

стр. 2167

وروى ابن عدي عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا أوْ دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا مِمَا هَجَيْتَ بِهِ" (١). وروى الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ يَأْكُلَ أَحَدُكُم مِنْ جِيْفَةٍ حَتَّى يَشْبَعَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيْهِ الْمُسْلِم" (٢). وروى هو وابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، والبخاري في "الأدب" عن عمرو بن العاص ﵁: أنه مرَّ على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه، فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل من لم رجل مسلم (٣). وتمثيل الغيبة بأكل لحم الميت وقع في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. ولقد عجبت من كثير من العلماء يقولون: إنَّ أكل لحم الميتة لغير المضطر كبيرة، ثم يتوقف في أن الغيبة كبيرة أو يقول: هي صغيرة، وقد ساوى الله تعالى في كتابه بينهما، ولا يفهم من الآية كون أكل الميتة أخف

стр. 2168

من الغيبة، وإنما هو منصوص عليه في الحديث والأثر. ووجهه أن لم ميتة يُباح للمضطر بخلاف الغيبة؛ فإنَّ أكل لحم الميتة ذنب بين العبد وبين الله تعالى، فهو من ظلم النفس الذي يُرجى أن يغفر، والغيبة بين العبد وبين أخيه فهو من المظلمة التي لا تترك. ومن وجه من جعلها صغيرة لكثرة دورانها على الألسنة وتنازع ألسنة الناس إليها. يرد عليه أنَّ الناس قد تنازعت ألسنتهم إلى التقاذف والفتن، ولا قائل بأنَّ ذلك صغيرة، ولا بأنَّ ذلك يصير بالتهافت فيه صغيرة (١). وروى عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير" عن نوفل بن معاوية، عن أبيه ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "لأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُم أهلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقْتُ صَلاةِ العَصْرِ" (٢)؛ أي: ولم يُصَلِّها. ويقال: وتره ماله - بالمثناة -: إن نقصه إياه. والمعنى: إنَّ نقصان مال المرء وأهله خير له من فوات الصلاة؛ لأنَّ في نقصان المال والأهل ثواب الصبر، واحتمال مشقة البلاء، ثم قد يجمع شمله بهم في الآخرة بخلاف فوات الصلاة؛ فإنَّ فيه فوات ثوابها ولا عوض منه.

стр. 2169

وروى الإمام أحمد، والشيخان عن الزبير بن العوام ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ فَيَجِيءَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيْعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بَهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوْهُ" (١). والمعنى: إن ارتكاب مشقة الاحتطاب والاكتساب أخف من ارتكاب ذل السؤال. أو المعنى: إن الاكتساب بالاحتطاب ونحوه خير من الاكتساب بالسؤال؛ لأنَّ السؤال خطر العاقبة من حيث إنه قد تكون المسألة مأثمة، بل الاكتساب بالنية الصالحة خير وإن كان مع الغنى، أما السؤال مع الغنى فإنه حرام. وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُم ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَه" (٢). وروى البيهقي في "الشعب"، ولفظه: "لأَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ مِنْ أَلوَانٍ شَتَّى - أَيْ: مُخْتَلِفَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَدِيْنَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ قَضَاؤُهُ" (٣).

стр. 2170

ومعناه: إن احتمال مشقة النفس وانقباضها من الثوب الخَلِقِ المرقع ترقيع ضرورة واحتياج أخفُّ وأحمدُ عاقبة من احتمال المنن وارتكاب الديون؛ فإنَّ الأيام تنقضي بالخلق، وينقضي انقباض النفس له بانقضائها، بخلاف الدين، فإنَّ صاحبه سيطلبه، وقد لا يتيسر له وفاؤه، أو يتأخر عن وقت حُلُولهِ، فيطلبه صاحبه فيخجل المدين لطلبه، وربما شدد عليه فيحصل له مشقة وذل. وقد جاء في الحكمة: إن الدَّين همٌّ بالليل مذلَّةٌ بالنهار (١). وقد يموت ولا يوفيه فيتعلق بذمته، فلو اكتفى بالخَلِقِ لكان خيراً مما فعل بنفسه في العافية. وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارمي، وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "لأَنْ يَقُوْمَ أَحَدُكُم أَرْبَعِيْنَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي" (٢). ووجه الخيرية أنَّ قيامه لا إثم فيه، ولا تخشى عاقبته، بخلاف المرور بين يدي المصلي فإنه يأثم بن وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 2171

قال رسول الله ﷺ : "حدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرْوا أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا" (١). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: "حَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا" (٢). ووجه خيرية الحد: أنه يردع عن مواقعة الحدود، فتحفظ النفوس والأموال والأعراض، فأما المطر أربعين صباحاً فإنه قد يستغنى عنه بمطرٍ غيره، أو نفعه في عام وإذا لم يكن فقد لا يؤثر عدمه ضرراً، وقد يكون ضرره ارتفاع سعر، أو قلة النبت في موضع دون موضع فيستغنى عمَّا فات منه بالاجتلاب من موضع الخصب، أو بزيادة في السعر. وفي الحديث ترغيب في إقامة الحدود، وأنها من خير أنواع الخير وأنفعها في الدنيا والآخرة.

стр. 2172

خَاتمَة طلب الخير والرغبة فيه هو المقصود بخلق المخلوقات، وإنما خلق الله الشر ليكمل لأهل الخير خيرهم باجتنابه، وليتمَّ لأهل الشر شرهم باستبقاء الشر أو اجتناب الخير. وبالشر يكمل ظهور أسماء الله تعالى في مظاهرها؛ كالحليم، والصبور، والمنتقم، ألا ترى أنَّ في خلق الشيطان - وهو أبو الشر - إظهار حكم اسم الله التواب الرحيم في آدم ﵇، وإظهار لعنة الله تعالى في إبليس، وكل ملعون التي هي [ .... ] (١) أسمائه الملك، والحكم، والعدل، والمقسط، والعزيز، وغيرها إلى غير ذلك. ومما يُشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: على الحق، أو [إرادة] (٢) الخير ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: فبعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، وبعضهم يُريد الخير ويفعله، وبعضهم يريد الشر ويفعله، ﴿إِلَّا مَنْ

стр. 2173

رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، ولولا اختلافهم لم تتم هذه الكلمة؛ إذ لو كانوا كلهم على الحق والخير لم يدخل جهنم أحد منهم فضلاً عن أن تمتلئ منهم. وعليه: فقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] إشارة للاختلاف. قال الحسن: خلق هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، وهؤلاء لرحمته، وهؤلاء لعذابه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقال آخرون: إشارة للرحمة؛ أي: ولرحمته خلقهم (٢). وعليه: فالضمير ضمير الجماعة عائدٌ إلى (من) كما يشير إليه ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] قال: أهل الحق وأهل الباطل. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] قال: أهل الحق. قال: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، قال: للرحمة (٣).

стр. 2174

ولا شك أنَّ أهل الباطل الذين يموتون عليه مشركين لم يخلقوا للرحمة، إنما خُلقوا للعذاب إلا أن يراد رحمة الدنيا فإنها شاملة للرزق، والأجل المشترك فيه المؤمن والكافر. فإذا علمت أنَّ طلب الخير لهذه المثابة فقد روى البيهقي في "الأسماء والصفات"، وغيره عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُم كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوْا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ للهَ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيْبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوْا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُم، وُيؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُم" (١). وقد أخرجه في "الشعب" من حديثه، ومن حديث أبي هريرة ﵄. وحديث أنس أخرجه - أيضاً - ابن أبي الدنيا في "الفرج"، والحكيم الترمذي في "نوادره" وأبو نعيم (٢). وقوله: "اطلبوا الخير"؛ أي: فتشوا عنه، فإن وجدتموه

стр. 2175

فاتبعوه واعملوا به. أو المعنى: اطلبوا تيسيره من الله تعالى، وحصوله منه ودوامه. وهذا الطلب إما أن يكون بالطاعة والشكر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]؛ أي: لطرق الخير، وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ أي: من الخير والنعمة. وليس للخير تقييد أحسن من الطاعة والكف عن المعصية وهما حقيقة الشكر. ومن ثم قال شعيب ﵇: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]. وفي قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: سعة في الرزق، ورخص في السعر إشارة إلى أن من كان في خير لا يعرضه بالمعصية للزوال، بل يطلب بقاءه بالطاعة. وإن كان في المعصية استزاده من جنس ذلك الخير كالتطفيف، واختلاس أموال الناس وغصبها، فإنه استزادة في الحس ونقصان في المعنى، أو استزادة في الحال ونقص في المال، ولذلك قال لهم: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]؛ أي: ما يبقيه في أيديكم من ذلك على وجه الإباحة خير لكم مما تجمعونه أنتم. وإما أن يكون بالدعاء والسؤال من الله تعالى، سواء في ذلك خير
следующие страницы →