← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

قال رسول الله ﷺ : "حدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرْوا أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا" (١). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: "حَدٌّ يُقَامُ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا" (٢). ووجه خيرية الحد: أنه يردع عن مواقعة الحدود، فتحفظ النفوس والأموال والأعراض، فأما المطر أربعين صباحاً فإنه قد يستغنى عنه بمطرٍ غيره، أو نفعه في عام وإذا لم يكن فقد لا يؤثر عدمه ضرراً، وقد يكون ضرره ارتفاع سعر، أو قلة النبت في موضع دون موضع فيستغنى عمَّا فات منه بالاجتلاب من موضع الخصب، أو بزيادة في السعر. وفي الحديث ترغيب في إقامة الحدود، وأنها من خير أنواع الخير وأنفعها في الدنيا والآخرة.

стр. 2172

خَاتمَة طلب الخير والرغبة فيه هو المقصود بخلق المخلوقات، وإنما خلق الله الشر ليكمل لأهل الخير خيرهم باجتنابه، وليتمَّ لأهل الشر شرهم باستبقاء الشر أو اجتناب الخير. وبالشر يكمل ظهور أسماء الله تعالى في مظاهرها؛ كالحليم، والصبور، والمنتقم، ألا ترى أنَّ في خلق الشيطان - وهو أبو الشر - إظهار حكم اسم الله التواب الرحيم في آدم ﵇، وإظهار لعنة الله تعالى في إبليس، وكل ملعون التي هي [ .... ] (١) أسمائه الملك، والحكم، والعدل، والمقسط، والعزيز، وغيرها إلى غير ذلك. ومما يُشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: على الحق، أو [إرادة] (٢) الخير ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: فبعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، وبعضهم يُريد الخير ويفعله، وبعضهم يريد الشر ويفعله، ﴿إِلَّا مَنْ

стр. 2173

رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، ولولا اختلافهم لم تتم هذه الكلمة؛ إذ لو كانوا كلهم على الحق والخير لم يدخل جهنم أحد منهم فضلاً عن أن تمتلئ منهم. وعليه: فقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] إشارة للاختلاف. قال الحسن: خلق هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، وهؤلاء لرحمته، وهؤلاء لعذابه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقال آخرون: إشارة للرحمة؛ أي: ولرحمته خلقهم (٢). وعليه: فالضمير ضمير الجماعة عائدٌ إلى (من) كما يشير إليه ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] قال: أهل الحق وأهل الباطل. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] قال: أهل الحق. قال: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، قال: للرحمة (٣).

стр. 2174

ولا شك أنَّ أهل الباطل الذين يموتون عليه مشركين لم يخلقوا للرحمة، إنما خُلقوا للعذاب إلا أن يراد رحمة الدنيا فإنها شاملة للرزق، والأجل المشترك فيه المؤمن والكافر. فإذا علمت أنَّ طلب الخير لهذه المثابة فقد روى البيهقي في "الأسماء والصفات"، وغيره عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُم كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوْا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ للهَ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيْبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوْا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُم، وُيؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُم" (١). وقد أخرجه في "الشعب" من حديثه، ومن حديث أبي هريرة ﵄. وحديث أنس أخرجه - أيضاً - ابن أبي الدنيا في "الفرج"، والحكيم الترمذي في "نوادره" وأبو نعيم (٢). وقوله: "اطلبوا الخير"؛ أي: فتشوا عنه، فإن وجدتموه

стр. 2175

فاتبعوه واعملوا به. أو المعنى: اطلبوا تيسيره من الله تعالى، وحصوله منه ودوامه. وهذا الطلب إما أن يكون بالطاعة والشكر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]؛ أي: لطرق الخير، وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ أي: من الخير والنعمة. وليس للخير تقييد أحسن من الطاعة والكف عن المعصية وهما حقيقة الشكر. ومن ثم قال شعيب ﵇: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]. وفي قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: سعة في الرزق، ورخص في السعر إشارة إلى أن من كان في خير لا يعرضه بالمعصية للزوال، بل يطلب بقاءه بالطاعة. وإن كان في المعصية استزاده من جنس ذلك الخير كالتطفيف، واختلاس أموال الناس وغصبها، فإنه استزادة في الحس ونقصان في المعنى، أو استزادة في الحال ونقص في المال، ولذلك قال لهم: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]؛ أي: ما يبقيه في أيديكم من ذلك على وجه الإباحة خير لكم مما تجمعونه أنتم. وإما أن يكون بالدعاء والسؤال من الله تعالى، سواء في ذلك خير

стр. 2176

الدنيا كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وخير الآخرة. بل قد أمرنا بالدعاء، والدعاء لا ينبغي أن يكون إلا بالخير بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]؛ عاب على من يطلب من الله الشر كما يطلب منه الخير. ومن ثم قد يُستجاب لمن دعا على ولده أو ماله بالشر عقوبة لطيشه وعجلته، وليس ذلك من باب الإحسان والفضل. ومن هنا تفهم معنى قوله ﷺ في دعاء الاستفتاح المروي في "صحيح مسلم" وغيره: "وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالْشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (١)؛ أي: ليس ينبغي أن يكون متوجهاً طلبه إليك؛ أي: لا ينبغي أن يُطلب منك. ويكون تقديره: ليس مطلوباً إليك؛ فإنهم يقولون: طلبت إليك؛ أي: رغبت. ومنه قول أبي الأسود الدؤلي ﵀: [من الكامل] وَإِذا طَلَبْتَ إِلَىْ لَئِيْمٍ (٢) حاجَةً ... فَلِقاؤُهُ يَكْفِيْكَ وَالتَّسْلِيْمُ وعندي أنَّ هذا أحسن ما يؤول به الحديث.

стр. 2177

وقد حكى النووي في "شرحي مسلم والمهذب" بعد أن قال: إنه مما يجب تأويله، خمسه أقوال ليس هذا منها. أحدها: لا يتقرب به إليك. والثاني: لا يضاف إليك على انفراده؛ لا يقال: خالق القردة، بل خالق كل شيء. والثالث: لا يصعد إليك. والرابع: والشر ليس شراً بالنسبة إليك. والخامس: إنه كقولك: فلان إلى بني فلان؛ أي: عداده فيهم (١). وأما قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [ال عمران: ٢٦]؛ أي: والشر، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد، فحذف الشر للعلم إيثاراً للأدب، ولأن المحل محل رغبة وطلب؛ أي: بيدك الخير الذي نحن بصدد طلبه لا بيد غيرك، فلا يقدر عليه أحد غيرك، فلا يُطلب إلا منك (٢). وفي "معجم الطبراني الكبير": عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ حَيِيٌ كَرِيْمٌ يَسْتَحْيِي أَنْ يَرْفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا لا خَيْرَ فِيهِمَا، فَإِذَا رَفَعَ أَحَدُكُم يَدَيْهِ فَلْيَقُل: يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ إِذَا رَدَّ يَدَيْهِ فَلْيُفْرِغْ [ذلك]

стр. 2178

الْخَيْرَ عَلَى وَجْهِهِ" (١)؛ أي: الخير المتوقع حصوله من الله تعالى برفع يديه وطلبه من الله تعالى؛ إذ لا يطلب منه إلا الخير، ولا يتوقع منه إلا الخير. ففي رد يديه إلى وجهه ومسحه بهما تفاؤل بأن الخير قد أفرغ على وجهه. ويجوز أن يكون إفراغاً حقيقياً؛ فإن الصادق الصدوق ﷺ أخبر أن الله تعالى يجعل الخير في يدي عبده إذا رفعهما إليه. وقد وقع في حديث أنس ﵁: "إِنَّ ربَّكُم حَيِيٌّ كَرِيْمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَجْعَلَ فِيْهِمَا خَيْرًا". رواه عبد الرزاق، والحاكم وصححه (٢). وفي حديث سلمان الفارسي ﵁: "إِنَّ اللهَ حَيِىٌّ كَرِيْمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِليْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا". وفي لفظ: "يَسْتَحْيِي أَنْ يَبْسُطَ العَبْدُ إِليْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه (٣).

стр. 2179

ثم إن كل ما تسأل الله تعالى من نعمة في الدنيا والآخرة، أو دفع بلاء فإنه خير، إلا أنه قد جاءت أحاديث بالتنصيص على طلب الخير بلفظه حتى في كل صباح ومساء. فروى أبو داود عن أبي مالك الأشجعي ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْن، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ هَذَا اليَوْمِ؛ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ، وَنُوْرَهُ وَبَرَكتَهُ وَهُدَاهُ, وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيْهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ, ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيقُل مِثْلَ ذَلِكَ" (١). وروى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" عن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوة إذا أصبح وإذا أمسى: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ فُجَاءَةِ الْخَيْرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ فُجاءَةِ الشَرِّ" (٢). وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: كان نبي الله ﷺ إذا أَمْسَى قال: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لا إِلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، له الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وهو على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْألكَ خَيْرَ ما في هذه اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ ما بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ من شَرِّ ما في هذه اللَّيْلَةِ وَشَرِّ ما بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ من الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ من عَذَابٍ

стр. 2180

في النَّارِ وَعَذَابٍ في الْقَبْرِ"، وإذا أَصْبَحَ قال ذلك أَيْضًا: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة ﵁، عن كعب - وهو من رواية الصحابة عن التابعين - قال: أجد في التوراة من قال حين يصبحُ: اللهمَّ إني أعوذُ باسمِكَ وبكلمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنَ الشَيْطَانِ الرَّجِيْمِ (٢)، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِاسْمِكَ وَبِكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ عَذَابِكَ وَشَرِّ عِبَادِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ بِاسْمِكَ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ خَيْرِ مَا تُسْأَل، وَمِنْ خَيْرِ مَا تُعْطِيْ، وَمِنْ خَيْرِ مَا تُبْدِيْ، وَمِنْ خَيْرِ مَا تُخْفِيْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِاسْمِكَ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا تُجَلِّي بِهِ النَّهَارَ، لَمْ تَطُفْ (٣) بِهِ الشَّيَاطِيْنُ وَلا شَيْءٌ (٤) يَكْرَهُهُ، وَإِذَا قَالَهُنَّ إِذَا أَمْسَى مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ يَقُوْلُ: مِنْ شَرِّ مَا دَجَى بِهِ اللَّيْلُ (٥). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ القَدَرِ، وَأَعُوْذُ

стр. 2181

بِكَ مِنْ شَرِّ يَوْمِ الْحَشْرِ (١). وروى هو وأبو داود عن قتادة ﵀ مرسلاً: أن نبي الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "هِلالُ خَيْر وَرُشْدٍ، هِلالُ رَشُدٍ وَخَيْرٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ - ثَلاثاً -، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ هلال كَذَا وَكَذَا، وَجَاءَ بِهِلالِ كَذَا وَكَذَا" (٢). ورواه ابن السني عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٣). [وروى أبو داود عن أبي مالك الأشعريِّ رضي الله تعالى عنه [قال]: قال رسول الله ﷺ : "إذا وَلَجَ الرجلُ بيتَه فليقُلْ: اللهمَّ إنِّي أسألكَ خيرَ المُوْلَجِ، وخيرَ المَخْرَجَ، بسم الله وَلَجْنَا، وبسمِ اللهِ خَرَجْنَا، وعلى اللهِ توكَّلْنا، ثمَّ يُسَلِّمُ على أهْلِ بيتِهِ" (٤). وروى أبو داود، والترمذيُّ وحسَّنه، والنسائيُّ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجدَّ ثوباً سمَّاه باسمه عمامةً أو قميصاً، أو رداء ثم يقول: "اللهمَّ لكَ الحمدُ أنتَ كَسَوتَنِيهِ، أسألكَ خيرَهُ وخَيرَ ما صُنِعَ له، وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وشَرِّ

стр. 2182

ما صُنِعَ له" (١). قال النوويُّ في "الأذكار": صحيح (٢). وروى الحاكم عن بُريدةَ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل السوقَ قال: "بسمِ اللهِ، اللهمَّ إنِّي أسألك خيرَ هذه السوقِ وخيرَ ما فيها، وأعوذ بكَ مِنْ شَرِّها وشرِّ ما فيها، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ أَنْ أُصيبَ فيها يميناً فَاجِرَةً، أو صَفقةً خاسِرَةً" (٣)] (٤). وروى الترمذي وحسنه، عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أريد سفرًا فزودني، فقال: "زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى"، قال: زودني، قال: "وَغَفَرَ ذَنْبَكَ"، قال: زودني، قال: "وَيسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ" (٥). وروى النسائي وأبو داود عن صهيب ﵁: أن النبي ﷺ لم يرَ قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَالأَرَضِيْنَ السَّبْع وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِيْنِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرينَ! أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ

стр. 2183

أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا" (١). وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعاماً - ورواه ابن السني ولفظه: مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعاماً - فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيْهِ وَأَطْعِمْنا خَيْرًا منه، وإذا سُقِيَ لَبَنًا، فَلْيَقُلْ: اللهمَّ بَارِكْ لنا فيه، وَزِدْنَا منه؛ فإنه ليس شَيْءٌ يُجْزِئُ من الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلا اللَّبَنُ" (٢). وروى أبو داود والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة (٣)، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا رَفَّأَ الإِنْسَانَ، إذا تَزَوَّجَ، قال: "بَارَكَ الله لكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ" (٤). وقوله: "رَفَّأَ" أي هنأ إنساناً، وأصله الترفيه - بالفاء -؛ أن تقول للمتزوج: بالرفاء والبنين، ثم أطلق على التهنئة. والرِفاء - بالكسر -: الالتحام والاتفاق. وروى أبو داود، وابن ماجه وابن السني بأسانيد صحيحة (٥)،

стр. 2184

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُم امرَأة أَو اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيْرًا فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُل مِثْلَ ذَلِكَ" (١). وينبغي أن يقول ذلك إذا ملك فرساً أو غيره من الدواب، وكذلك إذا ملك داراً، وإذا كان الخادم ذكراً ذكر الضمائر. وروى الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، وابن السني، والدارقطني في "الأفراد"، والبيهقي في "الشعب" عن أسامة ابن زيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوْفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ" (٢). قلت: ووجه تضمن كلامه الثناء أنه حيث طلب له المجازاة بالخير فقد شهد له بالخير. وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفَت الريح قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيْهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ

стр. 2185

بِهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ" (١). وروى الترمذي وصححه، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الرِّيحَ؛ فَإِنْ رَأَيْتُم مَا تَكْرَهُوْنَ فَقُوْلُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيْحِ وَخَيْرِ مَا فِيْهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرّيْحِ وَشَرِّ مَا فِيْهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ" (٢). وروى أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن (٣)، [عن أبي هريرة] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرِّيْحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالعَذَابِ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُوْهَا فَلا تَسُبُّوْهَا". وفي لفظ: "لا تَسُبُّوْا الرِّيْحَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ رَوْحِ اللهِ تَعَالَى تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوْهَا فَلا تَسُبُّوَها، وَاسْأَلُوْا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيْذُوْا بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا" (٤). وأخرجه النسائي، والحاكم وصححه، من حديث أُبيٍّ بنحوه (٥).

стр. 2186

والروح - بفتح الراء - فسَّره النووي نقلاً عن العلماء برحمة الله بالعباد (١). ويظهر أنه أعم لقوله: "تَأْتِيْ بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِيْ بِالْعَذابِ". وفسره في "القاموس" بالراحة والرحمة ونسيم الريح (٢). فلو حمل الحديث على المعنى الأخير، وقد فسَّر في "القاموس" النسيم بنَفَسِ الريح؛ أي تنفسها؛ أي الريح من النفس والنسيم الذي خلقه الله وخزنه عنده ليكون جنداً من جنوده يروحه حيث يشاء، فيكون على قوم رحمة ويكون على قوم عقاباً. وروى ابن أبي شيبة عن زيد العَمِّي قال: لما رأى يوسف ﵇ عزيز مصر قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بقوتك من شره (٣). وعن ثابت البُناني ﵀ قال: كنَّا في مكان لا تنفذه الدواب، فقمت وأنا أقرأ هؤلاء الآيات: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣]، قال: فمرَّ بي شيخ على بغلة شهباء، قال: قل: يا غافر الذنب اغفر ذنبي، يا قابل التوب اقبل توبتي، يا شديد العقاب اعف عني عقابي، يا ذا الطَّوْل طُل علىَّ بخير، قال: فقلتها،

стр. 2187

ثم نظرتُ فلم أره (١). ورواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف" بنحوه (٢). وروى فيه عن هُشيم رحمه الله تعالى قال: كنت يوماً في منزلي، فدخل عليَّ رجلٌ فقال: الحمد لله على كل نعمة، وأستغفر الله من كل ذنب، وأسأل الله من كل خير، وأعوذ بالله من كل شر، ثم خرج فطلب فلم يُوجد، فكنا نراه الخضر ﵇ (٣). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄: أنه كان إذا نعق الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك (٤). وعن نافع بن جبير قال: قال كعب لعبد الله بن عمرو: هل تَطَيَّرُ؟ قال: نعم، قال: فما تقول؛ قال: أقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب [لنا] غيرك. فقال: أنت أفقه العرب (٥). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2188

"مَا خَابَ مَن اسْتَخَارَ، وَلا نَدِمَ مَن اسْتَشَارَ، وَلا عَالَ مَن اقْتَصَدَ" (١). وهو - وإن كان ضعيفاً - يُعمل به في فضائل الأعمال. وروى ابن السُّنِّي - بسند ضعيف - عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا أَنسَ! إِذَا هَمَمْتَ بأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيْهِ سَبع مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْظُر إِلى الَّذِي سَبَقَ إِلَى قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيْه" (٢). قوله: "فَاسْتَخِر رَبَّكَ"؛ أي: اطلب منه الخير فيه. وروى الترمذي وضعفه، عن أبي بكر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد الأمر قال: "اللَّهُمَّ خِرْهُ لِي وَاخْتَرْهُ لَهُ" (٣)؛ أي: اجعله خيراً. وفي لفظ: "خِرْ لي، وَاخْتَر لِي" (٤). قال في "القاموس": خار الله لك في الأمر: جعل لك فيه الخير (٥). وروى البخاري، والأربعة عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلمنا السورة من القرآن، يقول:

стр. 2189

"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُم بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَع رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيْضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيْرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيْمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوْبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَاجِلِهِ - فَاقْدُرْه لِي وَيسِّرُه لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَاجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُر لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، قَالَ: وُيسَمِّي حَاجَتَهُ" (١). قال النووي: الاستخارة مستحبة في جميع الأمور كما صرَّح به نص هذا الحديث الصحيح. قال: وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدرُه. قال: ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. قال: ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء. قال: ويستحب افتتاح الدعاء المذكور بالحمد لله والصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ ، انتهى (٢).

стр. 2190

قلت: وينبغي إذا استخار الله في أمر أن يرضى بما قدره له فيه، ويعتقد أنَّ الخير فيه. قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]. وروى الحاكم وصححه، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ إِلَى اللهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللهِ" (١). وروي أن موسى ﵇ قال: "يا رب! مَنْ أبغض خلقك إليك؟ " قال: "من يتهمني"، قال: "ومن يتهمك يا رب؟ " قال: "عبدٌ استخارني في أمر، فإذا أعطيته ما فيه خير دينه ودنياه اتهمني، فظن أني منعته ما سألني بخلاً" (٢). وأنشدوا: [من البسيط] الْحَمْدُ لِلَّهِ نِعْمَ الْقادِرُ اللهُ ... وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيْما يَحْكُمُ اللهُ

стр. 2191

لِلَّهِ فِيْ الْخَلْقِ ما اخْتارَتْ مَشِيْئَتُهُ ... ما الْخَيْرُ إِلاَّ الَّذِيْ قَدْ خارَهُ اللهُ وقال أبو العتاهية: [من الطويل] تَوَكَّلْ عَلَىْ الرَّحْمَنِ فِيْ كُلِّ حاجةٍ ... أَرَدْتَ فَإِنَّ اللهَ يَقْضِيْ وَيقْدُرُ مَتَىْ ما يُرِدْ ذُوْ الْعَرْشِ أَمْراً بِعَبْدِهِ ... يُصِبْهُ وَما لِلْعَبْدِ ما يَتَخَيَّرُ وَقَدْ يَهْلِكُ الإِنْسانُ مِنْ وَجْهِ أَمْنِهِ ... وَينْجُوْ لَعَمْرُ اللهِ مِنْ حَيْثُ يَحْذَرُ (١) وروى الشيخان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُم الْمَوْتَ لِضُرٍّ نزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي" (٢). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِح لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيْهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِح لِي آخِرَتِي الَّتِي فَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لي فِي

стр. 2192

كُلِّ خَيْرٍ، واجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كْلِّ شَرٍّ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! قُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَل سَرِيْرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلانِيَتِي، وَاجْعَل عَلانِيَتِي صَالِحَةً" (٢). وروى الحاكم وصححه، والأصبهاني عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو يقول: "اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيْهِ، وَاخْلُف عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ" (٣). وروى الحاكم وصححه، وغيره عن بُريدة الأسلمي ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال له: "يَا بُرَيْدَةُ! أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا عَلَّمَهُ إِيَّاهُنَّ، ثُمَّ لَمْ يُنْسِهِ إيَّاهُنَّ أَبَدًا؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعِيْفٌ فَقَوِّ فِي رِضَاكَ ضَعْفِي، وَخُذْ إِلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيَتِي، وَاجْعَلِ الإِسْلامَ مُنْتَهَى رِضَاي، اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعِيْفٌ فَقَوِّنِي، وَإِنِّي ذَلِيْلٌ فَأَعِزَّنِي، وَإِنِّي فَقِيْرٌ فَأَغْنِنِي" (٤).

стр. 2193

وروى ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "الدعوات" عن هاشم بن عبد الله بن الزبير: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أصابته مصيبة، فأتى رسول الله ﷺ ، فشكى إليه ذلك، وسأله أن يأمر له بوسْقٍ من تمر، فقال رسول الله ﷺ : "إِنْ شِئْتَ أَمَرْتُ لَكَ بِوسْقٍ، وإنْ شِئْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَاتٍ هِيَ خَيْر لَكَ مِنْه"، قال: علمنيهن، ومُرْ لي بوسق [فإنيِّ ذو حاجة إليه]، قال: "أَفْعَلُ"، قال: "فَقُلْ: اللهُمَّ احْفَظْنِي بالإِسْلامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلامِ رَاقِدًا، وَلا تُطِعْ فِيَّ عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيتهِ، وَأَسْألكَ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي بِيَدِكَ كُلّهِ" (١). وروى الحاكم وصححه على شرط مسلم، والبيهقي في "الدعوات" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهُمَّ احْفَظْنِي بِالإِسْلامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلامِ رَاقِدًا، وَلا تُشَمِّتْ بِي عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا، اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرِّ خَزَائِنُهُ بِيَدِك" (٢). وروى أبو داود الطيالسي، والطبراني في "الكبير" عن جابر بن سمرة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ

стр. 2194

مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّر كُلهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم" (١). وروى الترمذي واللفظ له، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال: على شرط مسلم، عن شداد بن أوس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا أن نقول: "اللَّهُمَّ إِني أَسْألكَ الثبَاتَ في الأَمْر، وَأَسْألكَ عَزِيْمَةَ الرَّشَدِ، وَأَسْألكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْألكَ لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَليْمًا، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَا تَعْلَمُ، إِنكَ أَنْتَ عَلامُ الغُيُوْبِ". زاد الحاكم فيه: "وَخُلُقًا مُسْتَقِيْمًا" (٢). وروى ابن ماجه واللفظ له، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ علَّمها هذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إِني أَسْألكَ مِن الْخَيْرِ كُلهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّر كُلهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَألكَ عَبْدُكَ وَنبِيكَ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَر مَا عَاذَ بِه عَبْدُكَ وَنبِيكَ، اللهُمَّ إِني أَسْألكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ

стр. 2195

النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْألكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا" (١). وروى الحاكم وصححه، عن أم سلمة ﵂ قالت: هذا ما سأل محمَّد ﷺ ربه : "اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ الْمَسْألةِ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ وَخَيْرَ العَمَلِ وَخَيْرَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْحَيَاةِ وَخَيْرَ الْمَمَاتِ، وَثَبتنِي وَثَقِّل مَوَازيني، وَحَقِّقْ إِيْمَانِي وَارْفَعْ درَجَتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاتِيْ وَاغْفِرْ خَطِيْئَتِي، وَأَسْألكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ؟ آمِيْنَ. اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ؛ آمِين. اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى مِن الْجَنَّةِ؛ آمين"، الحديث (٢). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ أبا بكر ﵁ كان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الخير في عافية، اللهم اجعل آخر ما تعطيني الخير ورضوانك، والدرجات العُلى من جنات النعيم (٣).

стр. 2196

وروى ابن أبي شيبة عن المطلب بن عبد الله: أنَّ أبا بكر ﵁ كان يقول: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك. قال: وكان عمر ﵁ يقول: اللهم اعصمني بحبلك، وارزقني من فضلك، واجعلني أحفظ أمرك (١). وروى الأصفهاني في "الترغيب" عن أنس بن مالك ﵁ قال: قلَّ ما صلى أبو بكر ﵁ إلا وأنا بين أذنيه، وكان إذا سلم قال: اللهم اجعل خير عمري آخره، اللهم اجعل خواتيم عملي رضوانك، اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك (٢). وروى أبو نعيم عن وهب قال: لما أهبط آدم ﵇ إلى الأرض استوحش لفقد أصوات الملائكة ﵈، فهبط عليه جبريل فقال: "يا آدم! هذا أُعلِّمك شيئًا تنتفع به في الدنيا والآخرة؟ " قال: "بلى، قال: "قل: اللهم أَدِمْ لي النعمة حتى تهنئني المعيشة، اللهم اختم لي بخير حتى لا يضرني هوى، اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول في

стр. 2197

القيامة حتى تدخلني الجنة" (١). وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ عَافِنِي في قُدْرتكَ، وَأَدْخِلنِي في رَحْمَتِكَ، وَاقْضِ أَجَلِي في طَاعَتِكَ، وَاخْتِم لِي بِخَيْرِ عَمَلي، وَاجْعَل ثَوَابَهُ الْجَنَّةَ" (٢). أخبرنا أبي رحمه الله تعالى عن مشايخه شيوخ الإِسلام؛ زكريا، والقلقشندي، وابن أبي شريف، والقسطلاني، عن حافظ الإِسلام أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمهم الله تعالى أنه أنشدهم لنفسه: [من الطويل] ثَلاثٌ مِنَ الدُّنْيا إِذا هِيَ حُصِّلَتْ ... لِشَخْصٍ فَلا يَخْشَى مِنَ الضُّرِّ وَالضَّيْرِ غِنًى عَنْ بَنِيْها وَالسَّلامَةُ مِنْهُمُ ... وَصِحَّةُ جِسْمٍ ثُمَّ خاتِمَةُ الْخَيْرِ (٣) وأخبرنا والدي رحمه الله تعالى قال: أخبرني شيخنا شيخ الإِسلام تقي الدين الزرعي -يعني: ابن قاضي عجلون - أنا الشيخ المسند أبو الحسن علي بن إسماعيل بن بردس البعلي، أنا أبو حفص بن أميلة، أنا

стр. 2198

الفخر بن البخاري، ثنا الموفق بن طبرزذ، أنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، أنا المشايخ الثلاثة أبو عامر الأزدي، وأبو نصر الترياقي، وأبو بكر الغُورَجِي، قالوا: أنا أبو محمَّد عبد الجبار بن محمَّد الجرَّاحي، أنا أبو العباس محمَّد بن أحمد المحبوبي، أنا الإِمام أبو عيسى الترمذي، ثنا عمر بن حفص، أنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُوْنَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ". قال الترمذي: "حسنٌ غريب". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١). وقلت في معناه: [من السريع] لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ ... يَسْمَعُهُ ما دامَ فِيْ يسَيْرِ حَتَّىْ إِلَى دارِ الرضَا يَنتهِيْ ... مِنْ دُوْن ما بُؤْسٍ وَلا ضَيْرِ مشاهدة للهِ سُبْحانهُ ... لَيْسَ بِمُحْتاجٍ إِلَى غَيْرِ ومن الفوائد المتممة لما سبق: ما رواه الإِمام أحمد في "الزهد" عن حوشب ﵀ مرسلاً: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ دنيَا تَمْنَعُ خَيْرَ الآخِرَةِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَمَل يَمْنَعُ خَيْرَ العَمَلِ،

стр. 2199

وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ حَيَاةٍ تَمْنعُ خَيْرَ الْمَمَاتِ" (١). وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني: ابن مسعود -: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]؛ قال: إن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فلْيَقُم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا؛ قولوا - وفي رواية: قالوا: يا أبا عبد الرحمن علمنا قال: قولوا -: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة! إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنَّك إن تكِلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة؛ إنَّك لا تُخلف الميعاد (٢). وروى الحكيم الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَالَ في دُبُرِ الصَّلاةِ بَعَدَ مَا سَلَّمَ هَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ كَتَبَهُ

стр. 2200

لَهَا ملكٌ في رِقٍّ فَخَتَمَ بِخَاتَمٍ ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَإِذَا بَعَثَ اللهُ العَبْدَ مِنْ قَبْرِهِ جَاءَ الْمَلَكُ وَمَعَهُ الكِتَابُ يُنَادِي: أَيْنَ أَهْلُ العُهُوْدِ حَتَّى تُدْفَعَ إِلَيْهِم، وَالكَلِمَاتُ أَنْ تَقُوْلَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيْمَ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ في هَذه الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نفسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لا أَثِقُ إِلا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَل رَحْمَتَكَ لِي عَهْدًا عِنْدَكَ تُؤَدِّيْهِ إِلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيْعَاد" (١). وعن طاوس أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه (٢). وروى الطبراني بسند صحيح، عن الأعمش، عن ابن مسعود ﵁ -قيل: ولم يدركه - موقوفًا: والذي لا إله غيره، لا يُحسن عبدٌ بالله الظن إلا أعطاه الله ظنه، وذلك لأن الخير في يده (٣). قلت: [من الرمل] إِنْ تُحَسِّنْ بِإِلَهِ الْعَرْشِ ظَنًّا ... يُعْطِكَ الْمَظُنْونَ إِحْساناً وَمَنَّا في يديه الخير يُعْطِيْ ما يَشاءُ ... قَدْ رَويناهُ صَحِيْحاً فَارْوِ عَنَّا

стр. 2201

لا تُرَجِّي الْخَيْرَ إِلا مِنْ إِلَهٍ ... يَقْبَلُ الأَعْمالَ بِالإِحْسانِ مِنَّا بَدَأَ الْعَبْدَ بِإِنْعامٍ كَثِيْرٍ ... قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ ثُمَّ ثنَّى ثُمَّ قَدْ أَرْشَدَنا نَسْأَلُ مِنْهُ ... فَنَنالُ بِالسُّؤلِ ما نتَمَنَّى (١) وروى الطبراني في "الأوسط"، والخطيب في "الجامع" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا تَنَازَعْتُم إِلَى الْخَيْرِ فَامْشُوْا حُفَاةً؛ فَإِنَّ الله يُضَاعِفُ أَجْرَهُ عَلَى المُنْتَعِلِ" (٢). وهذا يحتمل أن يكون من باب الكرامة. وفي كتاب الله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]. قال عكرمة: كي تمس قدميك الأرض الطيبة. وقال ابن أبي نجيح في قوله: ﴿طُوًى﴾: طَأِ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافيًا؛ يقول: من بركة الوادي. قال: وهذا قول سعيد بن جبير. رواهما عبد بن حميد، وابن أبي حاتم (٣).

стр. 2202

وكأنه فسَّر طوى أنه اسم عبراني بمعنى: اطوِ الأرض، وطأها بقدميك حافيين. وقيل: [من الطويل] وَنَمْشِي حُفاةً في ثَراها تَأَدُّبًا ... نرى أَنَّنَا نَمْشِي بِوادٍ مُقَدَّسِ ويحتمل -وهو الأظهر- أن المعنى في الحديث: إن في نزع النعل والحفاء راحة للقدمين، فيكون أبلغ في التسارع؛ بمعنى: أنكم لا تمهلوا حتى تنتعلوا بل بادروا حفاةً. والمراد به تمثيل المبالغة في الإسراع إلى الخير، وهو أولى من حمله على ظاهره؛ فإن الانتعال قد يكون أحفظ للقدمين فيكون أمتن في المشي. وروى الإمامان ابن المبارك وأحمد؛ كلاهما في "الزهد" عن حكيم ابن عمير مرسلاً، قال ﵀: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فُتِحَ لَهُ بَاب مِنَ الْخَيْرِ فَلْيَنْتَهِزْهُ؛ فَإِنّهُ لا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ" (١). وروى ابن جرير في "تهذيبه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فتحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ مَسْألةِ فتحَ اللهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ فتحَ بَابَ عَطِيَّةِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرَ

стр. 2203

الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (١). فأما الجملة الأولى فروى الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه عن أبي كبشة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثَلاثٌ أُقْسِمَ عَلَيْهِنَّ: ما نقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَة صَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا، وَلا فتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْألةٍ إِلا فتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ" (٢). وروى الإِمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ثَلاثٌ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ إِنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ: لا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فتَصَدَّقُوْا، وَلا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلا زَادهُ اللهُ بِهَا عِزًّا، وَلا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَة إِلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ" (٣). وإنما كانت المسألة عقوبتها الحرمان والفقر لأنَّه لا ينبغي أن نسأل الخير إلا لمَنْ بيده الخير ويملكه، ولا يملك الخير حقيقة إلا الله، فمسألة ثوابها حصول الخير المطلوب أو ما يقوم مقامه، ومسألة غيره عقابها عدم الحصول بالكلية أو حصول ما شاء الله أن يحصل منه إما منتقصاً بمَنٍّ، وإما مَشُوباً بشرٍّ، وإما غير مُبارك فيه.

стр. 2204

فأمَّا ما يأتي العبد من أخيه بغير مسألة ولا شبهة فقد ترى النفوس القوية أنَّ فيه ذُلًا فتأنَفُ عن قبوله، وترى أن التنزه عنه خيرٌ من أخذه، وليس كذلك بل في قبوله تنفيذ لحصول غرض أخيه وإدخال للسرور على قلبه، ومعونة له على الطاعة، ثم إن شاء كافأه عليه. فقد روى مالك ﵁، عن عطاء بن يسار ﵀: أنَّ رسول الله ﷺ أرسل إلى عمر بن الخطاب ﵁ بعطاء فردَّه عمر، فقال له رسول الله ﷺ : "لِمَ رَدَدتَهُ؟ " فقال: يا رسول الله! أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا أن لا يأخذ من أحدٍ شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إِنما ذَلِكَ عَلَى الْمَسْألةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ عنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ فَإنما هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ الله"، فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا يأتيني شيء من عبد مسلم إلا أخذته (١). وفي "الصحيحين" عن ابن عمر ﵄: أنَّ عمر قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، قال: فقال: "خُذْهُ؛ إِذَا جَاءَكَ مِنَ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأنتَ غَيْرَ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإِنْ شِئْتَ كُلْهُ وَإِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وما لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ" (٢). قال سالم بن عبد الله: فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يردُّ شيئًا أعطيه (٣).

стр. 2205

وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن خالد بن عدي الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ بَلَغَهُ عَنْ أَخِيْهِ مَعْرُوْفٌ مِنْ غَيْرِ مَسْألةٍ وَلا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلا يَرُدَّهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ" (١). وأما الجملة الثانية فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قال قتادة في الآية: محفوظٌ ذلك عند الله عالمٌ به شاكرٌ له، وأنه لا شيء أشكر من الله، ولا أجزى لخير من الله. رواه ابن أبي حاتم (٢). قلت: في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] إشارة إلى أن النفقة لا تكون خيراً إلا إذا كانت لوجه الله تعالى، وما كان لوجه الباقي ينبغي أن يكون باقيًا، فلذلك كان ثواب من أعطى لوجه الله تعالى خير الدنيا والآخرة، وحقيقته مقابلته بالخير الدائم في مقابلة الإنفاق للوجه الدائم.

стр. 2206

وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠]. ومن تتمات ما تقدم -أيضًا- أن التقرب إلى الله تعالى بالخير لا ينبغي أن يكون على سبيل النذر والتحريج عن النفس؛ فإنه قد يفضي إلى الضيق وعدم الوفاء، وقد ذمَّ الله تعالى من ابتدع الرهبانية من أمة عيسى ﵇ وما رعوها حق رعايتها. ولذلك جزم النووي في "المجموع" بأن النذر مكروه (١)؛ أي: وإن كان يُصَيِّرُ التطوع فريضة فيعظم به الثواب، ونقله عن نص الشافعي في البويطي لصحة النهي عنه في "صحيح مسلم" وغيره عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن النذر، وقال: "إِنه لا يَأتِي بِخَيْر، وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن البَخِيْل" (٢). وقوله: "لا يأتي بخير" يحتمل وجهين: الأول: أنَّ النذر لا يأتي بخير لم يقدره الله تعالى؛ إذ لا يأتي بالخير حقيقةً إلا الله كما تدل عليه الرواية الأخرى: "النَّذْرُ لا يُقَدمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيْلِ"، وهو في "البخاري" بنحو هذا اللفظ (٣).

стр. 2207

والثاني: أن يكون معناه التنفير عن النذر، وأنه قد يكون سبباً لسوء العبد وشره من حيث إنه إذا التزم الطاعة التي لم تُفرض عليه بالنذر، فلم يأتِ بها عصى كما يعصي بترك الفريضة، وقد كان لو تركها قبل النذر لم يعص. ويشبه أن يكون قوله ﷺ في النذر: "إِنَّهُ لا يَأتِي بَخَيْرٍ" على الضد من قوله ﷺ . "الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ"، وهو في "الصحيحين" من حديث عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ ﵄. وفي رواية لمسلم: "الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ" (١). وفي معناه قول الشاعر: [من الوافر] فَلا وَاللهِ ما فِيْ الْعَيْشِ خَيرٌ ... وَلا الدُّنْيا إِذا ذَهَبَ الْحَياءُ (٢) ولا يَرِدُ عليه أن الحياء قد يمنع من طلب العلم، ولذلك قيل: لا ينال العلم مُستحي (٣). وقد يمنع الحياء من طلب الخير الذي لا يأذن الشارع في تركه لأنا نقول: إنَّ هذا ليس من الحياء، بل هو من باب الجبن وإن سُمي حياءً

стр. 2208

باعتبار أصل الإطلاق اللغوي، فإن حقيقة الحياء: الحِشْمة المتولدة من رؤية الآلاء ورؤية التقصير المانعة من اتباع الهوى فيما لا يُرضي، ولذلك قال ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُبُوَّةِ الأُوْلَى: إِذَا لَم تَستَحي فَاصْنع مَا شِئْتَ" (١). وقال ﷺ : "مَن اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَليَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوى، وَلَيْذْكُرِ الْمَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيىَ مِنَ الله حَقَّ الْحَيَاءِ"، كما رواه الإِمام أحمد، والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ (٢). ***

стр. 2209

فَصْلٌ من الأخيار الصديقين الأبدال، ولا يكونون أبدالاً حتى يكونوا صديقين لأنهم بُدلاء عن الأنبياء ﵈، فدلَّ ذلك أنَّ مرتبتهم بعد مرتبة الأنبياء، وهي مرتبه الصديقين كما عرفت، وليس كل صديق بدلًا، ولكنه قابل للبدلية. واختلفوا في سبب تسميتهم أبدالًا (١): فقيل: لأنهم بدلاء عن الأنبياء كما علمت. وقيل: لأنهم يتبدلون في صور ومظاهر، ويتصرفون في أبدال متعددة (٢).

стр. 2210

وهذا غير منكر لأنه ممكن، وقد اتفق نظيره في الملائكة فإنهم يتمثلون، فكذلك كُمَّل الصديقين، ولا يتوقف في الإيمان بذلك إلا الذي يتوقف في كرامات الأولياء. وقيل: سموا أبدالاً؛ لأن أخلاقهم تبدلت اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. فأحوال الأبدال معتبرة بهذه الآية فأرضُ نفوسهم مُنْدَكَّةٌ مبدلة من الأَمَّارِّيةِ إلى اللَّوَّامِيَّة إلى الطَّمَأنِينة، وكذلك سماء قلوبهم مُبدلة من القلبية إلى الروحية إلى السرية، فنفوسهم مطمئنة لأوامر الله تعالى، زاكية تحت أحكامه، وأسرارهم مشغوفة بمحبة الله تعالى، مشغولة بخدمته ليس فيها بقية لما سواه. وكان أبو العباس المرسي ﵀ ينشد: [من الكامل] لَوْ شاهَدَتْ عَيْناكَ يَوْمَ تَزَلْزَلَت ... أَرْضُ النُّفُوْسِ وَدُكَّتِ الأَجْبالُ لَرَأَيْتَ شَمْسَ الْحَقِّ يَسْطَعُ ضَوْؤُها ... حِيْنَ التَزَلْزُلِ وَالرِّجالُ رِجالُ وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في جزء له جمع فيه من كلام أستاذه أبي علي الدقاق ﵀، وسمعته يقول: إن أردتَ أن تكون من جملة الأبدال فعليك بتبديل الأحوال، وتبديل الأحوال أن تبدل
следующие страницы →