وقيل: كفار عصره ﷺ (١).
وقوله: ﴿بِهَا﴾، بالثلاثة المذكورة؛ وهي: الكتاب والحكم والنبوة.
أو المراد بها: الشرائع التي دان بها هؤلاء الأنبياء ﵈؛ أي: ما اجتمعوا عليه من الملة، وهي أصول التوحيد.
وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: ٨٩] أي: بحفظها، ودعايتها، والعمل بها، والإيمان بها.
والمراد بالتوكيل التوفيق لهذه الأمور قوماً ليسوا بها بكافرين.
قال ابن عباس: هم الأنصار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
وروى نحوه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيِّب.
وقيل: هم والمهاجرون.
وقال قتادة: هم النبيون الثمانية عشر الذين قص الله تعالى على نبيه ﷺ . رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وغيرهما (٣).
وقيل: غيرهم من الأنبياء ليقتدوا بهم، ويدل عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ
стр. 247
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال أبو رجاء: هم الملائكة. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وغيرهما (١).
وعلى هذين القولين فالأنبياء، والملائكة ﵈ مأمورون بالتشبه بالصالحين، موكلون بالاستنان بسنتهم.
وقال بعضهم: هو عام في كل مؤمن من الإنس والجن والملائكة (٢).
فكلهم على هذا موكلون بإقامة سنة هؤلاء الأنبياء ﵈ من أصول التوحيد، ومكارم الأخلاق.
وهذا هو المختار عندي.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وصفهم بالهدى بعد أن وصف دينهم بأنه هدى الله، تأكيداً ومبالغة في تصديقهم، وتحريضاً على الاقتداء بهم؛ حيث ذيَّل وصفهم بالهدى، وبأن الله هداهم؛ أي: تولى هدايتهم بنفسه بالأمر بالاقتداء بهم، حيث يقول: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
والاقتداء: موافقة المقتدى به في أفعاله، وأقواله، وهو معنى التشبه به.
стр. 248
وقد استدل بعض العلماء بهذه على وجوب اتباع شرائع الأنبياء ﵈ فيما عدم فيه النص، كما في "صحيح مسلم"، وغيره أن ابنة الرَّبِيع أم حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: "الْقِصاصُ الْقِصاصُ"، فقالت أم الربِيع: أَيقتصُّ من فلانة! والله لا يقتصُّ منها، فقال النبي ﷺ : "سُبْحَانَ اللهِ يَا أُمَّ الرَّبِيع الْقِصَاصُ كِتابُ اللهِ"، قالت: والله لا يقتصُّ منها أبداً، فما زالوا حتى قَبِلَ الدِّية، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّه" (١).
فأحال ﷺ على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
وليس في كتاب الله تعالى نص على القصاص في السِّن إلا في هذه الآية، وهي خبر عن شرع التوراة، ومع ذلك فحكم بها، وأحال عليها؛ ذكره القرطبي، ثم قال: وإلى هذا ذهب معظم أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي.
قال: وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي، والمعتزلة؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 249
وقال: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل التقييد إلا فيما نص عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم (١).
قال في "صحيح البخاري": عن العوام قال: سألت مجاهد عن سجدة (ص)، فقال: سألت ابن عباس ﵄ قال بعد أن قرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]: فكان داود ﵇ ممن أمر بالاقتداء به (٢). انتهى.
وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى: والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها؛ فإنها ليست هدى مضافاً إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعًا فيها، فليس فيه دليل على أنه ﵇ متعئد بشرع من قبله (٣).
وقال شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى موضحاً لكلام القاضي، وزائداً عليه: [من الرجز]
فَبُهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ يُرِيْدُ مَا ... تَوَافَقُوْا عَلَيْهِ مِمَّا جَزَمَا
بِهِ مِنَ التَّوْحِيْدِ وَالأصُوْلِ ... لِلدِّيْنِ لا التَّحْرِيْمِ وَالتَّحْلِيْلِ
فِيْ أكثَرِ الأَشْيَا أَوِ الْفُرُوْعِ ... فَلا تَوَافُقٌ مِنَ الْجَمِيْعِ
كما في "الصحيح" (١).
والمراد: أن دينهم واحد من حيث أصل التوحيد، والتخلق بمكارم الأخلاق، والتأدب بمحاسن الآداب، وإلا فإنهم مختلفون في الشرائع، وكل نبي فشريعته ناسخة لما خالفها من شريعة من قبله، ومهما كانت الشريعة منسوخة لم يكن اتباعها في محل النسخ هدى - كما أشار إليه الشيخ الوالد رضي الله تعالى عنه في كلامه المذكور آنفاً -، وما أشار إليه في كلامه المتقدم - أيضاً - من أن أوصاف الكمال، ومحاسن الخصال لما كانت مُفَرَّقَة في الأنبياء ﵈ أراد الله تعالى أن يستتمها النبي ﷺ ليكون أكملهم، وأفضلهم، فامر بالاقتداء بهم في جميعها.
هذا من أحسن ما يقال في هذا المقام.
وممَّا يدل عليه قوله ﷺ : "بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ". رواه الإمام أحمد، وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وصححه الحاكم (٢).
ورواه البخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم - وصححه أيضاً -،
стр. 252
والبيهقي بلفظ: "إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صالح الأَخْلاقِ" (١)؛ أي: لأستتمها.
أو نقول: في الحديث إشارة إلى أن مكارم الأخلاق - وإن كانت قد تخلق بها الأنبياء قبل النبي ﷺ كاحتمال نوح ويوسف، وصبر أيوب ويعقوب وزكريا، وسخاء إبراهيم، وشجاعة موسى، وحلم هارون ﵈ إلا أن الأخلاق الكريمة لم تتم إلا بمحمد ﷺ ، ومعلوم أنها لم تتم به حتى تمت له، وما تممها لغيره حتى استتمها لنفسه؛ إذ محال أن يامر نبيٌّ ببر لا يعمل به.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
ويوضح ما حررناه في ذلك: ما رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" من طريق جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِيْ بِتَمامِ مَكارِمِ الأَخْلاقِ، وَكَمالِ مَحاسِنِ الأَعْمالِ" (٢)، فقد علمت أن النبي ﷺ حيث استتم محاسن الأخلاق، وأتمها لأمته بما أمره الله تعالى به من الاقتداء بهدى الأنبياء ﵈ وبما زاده عليهم من الأخلاق والآداب والشرائع، فقد صار بذلك أكمل الأنبياء وأفضلهم، وصارت أمته أفضل الأمم وأتمهم شريعة، كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 253
فمن اقتدى به ﷺ وتشبه به فقد اكتفى عن التشبه بغيره؛ لأنه هو الإنسان الكامل، الجامع لجميع متفرقات الكمالات والفضائل، ومن تشبه بأحد ممن أمر بالتشبه بهم من الأنبياء والصالحين في خصلة من خصال الخير، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، فهو متشبه بالنبي ﷺ لما علمت من أن الأخلاق الكريمة قد اجتمعت كلها فيه، وتممت له وبه ﷺ ، فهو بهذا الاعتبار مراة الوجود التي يتمثل فيها جميع ما في الوجود من الأخلاق السَّنِية، والأوصاف الزكية، وكما قال البوصيري في "الهمزية" رحمه الله تعالى: [من الخفيف]
كَيْفَ تَرْقَىْ رُقُيَّكَ الأَنْبِيَاءُ ... يَا سَمَاءً ما طاوَلَتْها سَماءُ
لَمْ يُساوُوْكَ فِيْ عُلاكَ وَقَدْ حا ... لَ سَمنا مِنْكَ دُوْنهمْ وَسَناءُ
إِنَّما مَثَّلُوْا صِفَاتِكَ لِلنَّا ... سِ كَمَا مَثَّلَ النُّجُوْمَ الْماءُ
أَنْتَ مِصْباحُ كُلِّ فَضْلٍ فَما تَصْد ... دُرُ إِلاَّ عَنْ ضَوْئِكَ الأَضْواءُ
وحيث كان الأمر كذلك، فقد كان ينبغي أن لا يهتم بالأمر بالتشبيه بغيره ﷺ ، ولكن جاء الكتاب والسنة بالإرشاد إلى التشبه بمن نحن
стр. 254
ذاكروهم في هذا الكتاب، على طريقة التنويع في التشريع والإرشاد، والتوسيع في الطرق الموصلة إلى الخير والسداد، وأشارت إلى غَور بعيد من المعرفة، وهو أن الطرق - وإن تعددت - فإنها راجعة إلى طريقة واحدة، وهي طريقته ﷺ ، وكان سائر الطرق والشرائع، وجميع السبل والمشارع سواقٍ وجعافر (١)، وأنهار وغدائر، آخذة من البحر المحيط، راجعة إليه، صادرة عنه، واردة عليه، كما قال في البردة: [من البسيط]
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ مُلْتَمِسٌ ... غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ
ولا شك أن المتشبه بالأخيار والصالحين مقتبس من أنوارهم، مغترف من فيض بحارهم، ورُبَّ ضعيف يمنعه هول البحار، واختلاف أمواجها من الاستقاء منها، والارتواء من مائها، فإذا ورد ماء السواقي ظفر منها بالريِّ من نبعها، والبَلال من جرعها، ورُبَّ ضعيف عن احتمال أشعة الأنوار المحمديَّة، وشهب الأضواء المصطفويَّة يأتي إليه نصيبه منها على يدي بعض الورثة من العلماء والصلحاء، فلو حجر عليه أن لا يتلقى إلا من قِبَلِهِ ﷺ لضاق به الفضاء، وعاد من البحر المحيط بلا ارتواء.
ونظير ذلك أن الخفاش لضعف بصره لا يبصر في ضوء الشمس والقمر، ويبصر في الأضواء الضعيفة المستمدة من بعض الكواكب، أو
стр. 255
ما بقي في أطراف الليل من أنوار الشمس.
فكان التشبه بالصالحين والأخيار وسيلة موصلة للضعفاء إلى التشبه بالنبي ﷺ .
وأيضاً لا شك أن الداعي للعبد إلى التشبه بالصالحين إنما هو محبتهم، وانجذاب روحه إلى أرواحهم، وتحرك قلبه لما تحركت له قلوبهم، ورُبَّ روح تنجذب إلى بعض الصالحين دون بعض لمجانسة ظاهرة أو باطنة، ومشاكلة بادية أو كامنة، وتضعف عن الانجذاب إلى الروح المحمديَّة بلا واسطة لكمال نورها وقوة سلطانها في ظهورها (١)، فورد الشرع بالإرشاد إلى التشبه بالصالحين ليكون وسيلة للضعفاء إلى التشبه به ﷺ ، وإلى انجذاب أرواحهم إلى روحه، فلا يعودون منه بغير حظ، ولا يَرِدون الآخرة بلا نصيب.
وفي التشبه بهم - أيضا - إيصال الخير إلى الوسائط مع حصول الغرض الأعظم بالتشبه بهم، وهو التخلق بالأخلاق المحمدية، والاتصاف بالأوصاف الأحمدية؛ لما علمت من أن التشبه بهم راجع إلى المُتَشَبَّه به ﷺ .
стр. 256
فَصْلٌ
قد ذكرنا من الآيات الواردة في الإرشاد إلى التشبه بالصالحين ما تيسر إيراده، وأما الأحاديث الواردة في ذلك فكثيرة جداً، وأكثرها مما صح، أو حَسُنَ إسناده.
فمن ذلك ما روى أبو داود، والترمذي - وقال: حسن صحيح -، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة"، واللالكائي في "السنة"، وغيرهم عن العِرْباض بن سَارية رضي الله تعالى عنه قال: وَعَظَنا رسولُ الله ﷺ موعظة وَجِلت منها القلوب، وذَرَفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مُودِّع، فأوصنا، قال: "أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَىْ اللهِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ - وإِنْ تأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ -، وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَىْ اخْتِلافاً كَثِيْراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِيْ، وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ؛ عَضُّوْا عَلَيْهَا بِالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ الأُمُوْرِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" (١).
стр. 257
وروى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَ أَحْسَنَ الْحَدِيْثِ كِتابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّد ﷺ ، وَشَرَّ الأمُوْرِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ ضَلالَةٌ" (١).
والهدي هو: المذهب، والطريقة.
وروى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال له: "بَلَغَنِيْ أَنَّكَ تَصُوْمُ النَّهارَ، وَتَقُوْمُ اللَّيْلَ، فَلا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقَّا، وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقَّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ وَأفطِرْ، صُمْ مِنْ كُل شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ"، فقلت: يا رسول الله! إن لي قوة، فقال: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇ صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً"، وكان يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة (٢).
ورويا عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَىْ اللهِ صِيامُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَىْ اللهِ صَلاةُ دَاوُدَ؛ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ، وَيَنامُ سُدُسَهُ، وَكانَ يُفْطِرُ يَوْماً، وَيَصُوْمُ يَوْماً" (٣).
وروى البخاري، وغيره عن المقدام بن مَعْدِي كَرب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدهِ، وَإِنَّ نبَيَّ اللهِ دَاوُدَ ﵇ كانَ يَأكُلُ
стр. 258
مِنْ عَمَلِ يَدهِ" (١).
وروى ابن ماجه، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد، واعْتُرِضَ في تصحيحه - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟ قال: "سُنَّةُ أَبِيْكُمْ إِبْراهِيْمَ ﵇"، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؛ قال: "بِكُلِّ شَعْرَة حَسَنَةٌ"، قالوا: فالصوف؟ قال: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوْفِ حَسَنةٌ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والبخاري عن سَلَمة بن الأَكْوع رضي الله تعالى عنه، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "ارْمُوْا بَنِيْ إِسْماعِيْلَ؛ فَإِنَّ أَباكُمْ كانَ رامِياً" (٣).
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وغيرهما عن أبي أيوب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ، الْحَياءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالنِّكاحُ، وَالسِّواكُ" (٤).
وروى أبو عوانة، وغيره - بإسناد صحيح - في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عتبة بن فَرقد - وهو أمير الجيش بأذربيجان - قال:
стр. 259
أَمَّا بَعْدُ فَاتَّزِرُوْا، وَارْتَدُوْا، وَألقُوْا الْخِفافَ، وَالسَّرَاويلاتِ، وَعَلَيْكُمْ بِلِباسِ أَبِيْكُمْ إِسْماعِيْلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتنَعُّمَ، وَزِيَّ الأَعَاجِمِ (١).
وروى الإمام ابن أبي حاتم الرازي، ومحيى السنة البغوي في "تفسيريهما" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ظَلَّ رسول الله ﷺ صائماً، ثم طوى، ثم ظل صائماً، ثم طوى، ثم ظل صائماً، قالَ: "يا عائِشَةُ! إِنَّ الدُّنْيا لا تنبَغِيْ لِمُحَمَّدٍ، وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّ اللهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُوْلِيْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَىْ مَكْرُوْهِها، وَالصَّبْرِ عَنْ مَحْمُوْدها، وَلَمْ يَرْضَ مِنِّيَ إِلَّا أَنْ يُكَلِّفَنِيْ ما كَلَّفَهُمْ؛ قالَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وإِني لا بُدَّ لِيْ مِنْ طاعَتِهِ، وإِني - وَاللهِ - لأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوْا جُهْدِيَ، وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ" (٢).
وروى مسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِما أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِيْنَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 260
آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكر الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَىْ السَّماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرامِ، فَأَنَّىْ يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ! " (١).
وهذا الحديث نص أن الله تعالى أوجب على المؤمنين أن يقتدوا بالمرسلين في أكل الطيب - وهو الحلال - وأن يتشبهوا بهم في ذلك، وفي العمل الصالح أيضاً.
وروى أبو داود، والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قُلْ كَما يَقُوْلُوْنَ، فَإِذا انتهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ" (٢).
وروى أبو داود، والحافظ ضياء الدين في "الأحاديث المختارة" عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُوْنَ كَأَبِيْ ضَمْضَمَ! كانَ إِذا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلهِ قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِيَ عَلَىْ عِبادِكَ" (٣).
стр. 261
ورواه البزار، وابن السُّنِّي، ولفظه: "أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُوْنَ كَأَبِيْ ضَمْضَمَ؟ " قالوا: ومن أبو ضمضم يا رسول الله؟ قال: "كانَ إِذَا أَصْبَحَ قالَ: اللَّهُمَّ إِني قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِيَ وَعِرْضِيَ لَكَ، فَلا يَشْتُمُ مَنْ شَتَمَهُ، وَلا يَظْلِمُ مَنْ ظَلَمَهُ، وَلا يَضْرِبُ مَنْ ضَرَبَهُ" (١).
وفي رواية قيل: ماذا كان يصنع أبو ضمضم؟ قال: "كانَ رَجُلاً مِمَّنْ كانَ قَبْلَنا إِذا أَصْبَحَ قالَ: اللَّهُمَّ إِني قَدْ تَصَدَّقْتُ الْيَوْمَ بِعِرْضِيَ عَلَىْ مَنْ ظَلَمَنِيْ؛ فَمَنْ ضَرَيَنيْ لا أَضْرِبُهُ، وَمَنْ شَتَمَنِيْ لا أَشْتُمُهُ، وَمَنْ ظَلَمَنِيْ لا أَظْلِمُهُ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، فقال: "إِني لا أَدْرِيْ ما قَدْرُ مُقامِيَ فِيْكُمْ، فَاقْتَدُوْا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِيَ - وأشار إلى أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما - وَاهْتَدُوْا بِهَدْيِ عَمَّارَ، وَما حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ فَصَدِّقُوْه" (٣).
وروى البخاري، وغيره عن عبد الرحمن بن زيد قال: سألنا
стр. 262
حذيفة ﵁ عن رجل قريبِ السَّمْتِ والهَدْي من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه، فقال: ما أعلم أحداً أقربَ سمتاً، وهدياً، ودَلاًّ بالنبي ﷺ من ابن أُمِّ عبَد (١).
يعني: عبد الله بن مسعود ﵁.
والسَّمت: حسن الهيئة.
والهدي: المذهب، والطريقة.
والدَّل: الشكل والشمائل - كما أفاد شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى في معاني الألفاظ الثلاثة، وقرأته بخطه -.
وروى أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصفوة" عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: لم يكن في زمان سالم بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وجده - أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش منه؛ كان يلبس الثوب بدرهمين، ورآه سليمان بن عبد الملك، وراه حسن السَّحَنة (٢)، فقال له: أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته، قال له: أو تشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيَه (٣).
стр. 263
وروى أبو نعيم في "الحلية" في مناقب علقمة بن قيس النخعي رحمه الله تعالى: أن أبا معمر قال: دخلت على عمرو بن شرحبيل، فقال: انطلقوا بنا إلى أشبه الناس هدياً وسمتا بعبد الله بن مسعود ﵁، قال: فدخلنا على علقمة (١).
وروى - أيضاً - عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ﵂ قال: كان الربيع بن خُثَيم إذا دخل على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه، قال: فقال عبد الله: يا أبا يزيد! لو رآك رسول الله ﷺ لأحبَّك، وما رأيتُك إلا ذكرتُ المُخْبتينَ (٢).
أي: لِمَا أَراه منك من تحلِّيك بحُلاهم من الوَجَل، والصبر، وملازمة الصلوات، والإنفاق مما رزقت، كما قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].
وقال ابن عباس (٣)، وقتادة (٤): ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]: المتواضعين.
стр. 264
وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله (١).
وقال عمرو بن أويس: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا (٢).
فانظر كيف أثنى ابن مسعود ﵁ على الربيع بن خُثَيم رحمه الله تعالى، ومدحه بما يلوح عليه من آثار مَنْ هَذِهِ صِفاتُهم، ولولا تخلقه بأخلاقهم، وتشبهه بهم لم تلح عليه آثارهم، ولم يشهد له بها ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة": أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى سئل عن مالك رحمه الله تعالى فقال: مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في العلم والفقه، ثم قال: ومن مثل مالك؟ متبعٌ لآثار من تقدم مع عقل وأدب (٣).
وروى البخاري في "الصحيح" عن ابن أبي مُلَيكة: أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: وُضع عمر ﵁ على سريره، وقد كنفه الناس يدعون، ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجل أخذ بمنكبي، فإذا علي رضي الله تعالى عنه فترحَّم على عمر، وقال: ما خلَّفتَ أحدًا أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت أظن أن يجعلك الله
стр. 265
مع صاحبيك، إني كنت كثيراً أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبْتُ أَنَا وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ" (١).
وروى ابن الجوزي عن جعفر بن محمد رحمهما الله تعالى، عن أبيه قال: لما غسل عمر، وكفن، وحمل على سريره، وقف عليٌّ ﵁ فقال: والله ما على الأرض رجل أحبُّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المُسَجَّى بالثوب (٢).
فانظر في تمني علي رضي الله تعالى عنه أن يلقى الله بعمل مثل عمل عمر رضي الله تعالى عنه وصحيفة مثل صحيفته؛ فإنه من أعظم الأدلة على استحباب موافقة الصالحين في أعمالهم وخلائقهم.
وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيِّب قال: مات ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يوم مات، وما في الأرض أحد أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منه (٣).
وروى ابن الجوزي عن تميم بن خُرَيم قال: جالست أصحاب النبي ﷺ أبا بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، ما رأيت أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أحب إلي أن كون في مسلاخه (٤) من
стр. 266
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه (١).
وروى أبو نعيم عن سليمانَ التَّيمي قال: ما أجد أحب إلي أن ألقى الله بمثل صحيفته إلا محمد بن واسع رحمه الله تعالى (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عبيدة بن مسعود أنه قال: ما من الناس من - أحمر ولا أسود، ولا عبد عجمي أو فصيح - أعلم أنه أفضل مني بتقوى إلا أحببت أن أكون في مسلاخه (٣).
وروى عبد الله - ابنه - في "زوائد الزهد" عن أبي إسحاق - يعني: السَّبيعي - قال: كان الحسن البصري يُشبه أصحابَ النبي ﷺ (٤).
وروي فيه عن ابن الشَّعبي: أن أباه والحسن اجتمعا لما أتيا ابن هُبيرة، فنزلا منزلاً، فجعل الشعبي يخف للحسن ويعاطيه، فقال له ابنه: يا أبتاه! إني أراك تصنع مع هذا الشيخ شيئاً لم أرك تصنعه بأحد؟ قال: يا بني! أدركت سبعين من أصحاب النبي ﷺ ، فلم أر أحداً أشبه بهم
стр. 267
من هذا الشيخ (١).
وقال أبو طالب المكي: روينا عن أبي إسحاق الفزاري قال: زارنا الثوري، فحدثنا، ثم قمت إلى المرأة، فقلت: أخلصي لنا عصيدة (٢)، قال: فقدمتها إليه في قصعة، وقلت: كل يا أبا عبد الله، فقال: لولا أني صائم لأحببت أن آكل معك، فقلت: اسمع حتى أحدثك عن أخيك إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: زارني يوماً، فقعد في موضعك هذا، فقمت إلى المرأة، فأمرتها أن تصنع لنا مثل هذا، ثم قدمته إليه، وقلت: كل يا أبا إسحاق، فأكل، فلما أراد أن يخرج قال: أما إني كنت صائماً، ولكني أفطرت لأجلك، قال: فوضع سفيان يده في القصعة تأسِّياً بإبراهيم (٣).
وروى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة عن كُلْثوم بن جبر قال: كان المتمني بالبصرة يقول: فقهُ الحسنِ، وورعُ محمد بن سيرين، وعبادةُ طَلْق بن جبيب، وحِلْمُ ابن يَسَار (٤).
وروى أبو نعيم عن سعيد بن جُبير قال: لو خيرت عبداً لله أكون في
стр. 268
مسلاخه لاخترت زبيداً اليَامي (١).
وروى هو من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد، عن سَلَمة بن كُهَيل قال: ما بالكوفة أحد أكون في مسلاخه أحب إلي من ابن أَبجر (٢).
يعني: الإمام التابعي عبد الملك بن سعيد الكوفي، وكان من الورعين البكَّائين من خشية الله تعالى.
وروى ابن الجوزي عن محمد بن فضيل قال: سمعت ابن شُبْرُمَة يقول: [من البسيط]
لَوْ شِئْتَ كُنْتَ كَكُرْزٍ فِيْ تَعَبُّدهِ ... أَوْ كَابْنِ طارِقَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ
قَدْ حالَ دُوْنَ لَذِيْذِ الْعَيْشِ خَوْفُهُما ... وَسارَعا فِيْ طِلابِ الْفَوْزِ وَالْكَرَمِ (٣)
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم عن محمد بن فضيل، قال: رأيت ابن طارق في الطواف قد انفرج له أهل الطواف، وعليه نعلان مطرقتان، فحزر طوافه في ذلك الزمان،
стр. 269
فإذا هو يطوف في اليوم والليلة عشرة فراسخ (١).
صرويا عنه عن أبيه فُضيل بن غزوان قال: دخلت على كُرز بن وَبْرة بيته، فإذا عند مصلاه حفيرة قد ملأها تِبناً، وبسط عليها كساءً من طول القيام، وكان يقرأ في اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات (٢).
ورويا عنه عن أبيه قال: كان لكرز عِذْقٌ عند المحراب يعتمد عليه إذا نَعِس (٣).
وروى أبو نعيم عنه، عن أبيه: أن كرز بن وبرة الحارثي دخل على ابن شبرمة يعوده وهو مبرسم، فتفل في أذنه، فبرئ (٤).
وروى أبو نعيم - أيضاً - عن ابن شبرمة قال: سأل كرز بن وبرة ربه أن يعطيَه اسمه الأعظم على أن لا يسأل به شيئاً من الدنيا، فأعطاه الله ذلك، فسأل أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث ختمات (٥).
ومن هنا أرشد ابن شبرمة - في كلامه المتقدم - إلى التشبه بكرز بن وبرة، وابن طارق رحمهم الله تعالى أجمعين.
стр. 270
وأمثال ذلك ما ورد من الآثار في الإرشاد إلى التشبه بالصالحين كثير لا يحصى، ولا يكاد لكثرته يستقصى.
وقد فتح الله تعالى علينا بأبيات ملائمة لهذا المقام، حَرِيَّةٍ بالإثبات في سلك هذا النظام، وهي: [من المتقارب]
عَلَيْكَ بِسُنَّةِ خَيْرِ السَّلَفْ ... فَكُنْ لَهُمُ مِنْ خِيارِ الْخَلَفْ
بِحُسْنِ اتِّباعٍ لآثارِهِمْ ... فَشابِهْ وَلا تَكُ مِمَّنْ وَصَفْ
وَما يَنْفَعُ الْوَصْفُ مِنْ واصفٍ ... إِذا كانَ عَنْ فِعْلِ خَيْر وَقَفْ
فَحاوِلْ مُشابَهَةَ الصَّالِحِيـ ... ـنَ إِنْ كُنْتَ يا صاحِ مِمَّنْ عَرَفْ
فَمَنْ يَتَحَلَّىْ حِلاهُمْ ينا ... لُ مِنْ نيلِهِمْ فِيْ عَوالِيْ الْغُرَفْ
وإِنِّيْ أُحِبُّ لَوَاَنِّيْ فَتًى ... تَحَلَّىْ بِأَوْصافِهِمْ وَاتَّصَفْ
فَمِنْ دُوْنِ هَذا الْمَقامِ السَّنا ... ءُ وَمَنْ لِلْمُلُوْكِ بِهَذا الشَّرَفْ
مَقامٌ إِذا مَا ارْتَقاهُ الْفَتَىْ ... يُلاقِيْ الْمُنَىْ فِيْ مَراقِيْ الزُّلَفْ
وَيَظْفَرُ بِالدُّر مَهْما يَحُمْ ... سِوَاهُ مِنَ النَّاسِ حَوْلَ الصَّدَفْ
فَشَابِهْ خِيارَ الْبَرايا تَكُنْ ... مَعَ الْقَوْمِ فِيْ ظِلِّ عَرْشٍ وَرَفْ
وَيَهْتِفُ بِالسْمِكَ فِيْهِمْ إِذا ... دَعاهُمْ مُنادِيْ النَّدَىْ أَوْ هَتَفْ
فَيا لِسَبِيْلِ الْهُدَىْ وَالرِّضَا ... وَطُوْبَىْ لِعَبدٍ إِلَيْهَا عَطَفْ
يُحاوِلُ راحاً بِحاناتِها ... مِنَ الْغُرِّ كُلُّ نَدِيْمٍ عَكَفْ
стр. 271
عَلَىْ دَنِّ خَمْرِ الْهَوَىْ خَاطِباً ... عَرائِسَ أَبْكار غِيْدَ التُّحَفْ
يُواصِلُ فِيْ الشُّرْبِ أَوْقاتَهُ ... وَعَمَّا سِوَىْ حبِّ سُعْداهُ كَفْ
فوقفت بعد نظم هذه الأبيات بمدة طويلة على كلام لطيف في المعنى رواه الخطيب أبو بكر البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" عن الأوزاعي: أنه قال: عليك بآثار من سلف كان رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال كان زخرفوه بالقول؛ فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم (١).
والآثار في عرف أصحاب الحديث عبارة عن الأخبار المروية عن الصحابة فمن بعدهم موقوفةً عليهم.
ومنهم من جعلها أعم من ذلك، فأطلقها على الحديث المرفوع - أيضاً -، ولكنا في هذا المقام نحملها على أعم مما ذكر.
فالمراد بآثار السلف كلامهم وأعمالهم وأخلاقهم وآدابهم. وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
والأثر في أصل اللغة: بقية الشيء، ولكنه يطلق على ما يدل على الشيء من خُلُقِ، أو عمل أو غير ذلك؛ لأنه بدلالته عليه كان بعضه.
وقد قلت: [من الكامل]
فَصْلٌ
اعلم أن المقصود بالتشبه بالصالحين والأخيار إنما هو الفلاح والفوز بدار القرار، وذلك حاصل للمؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
لكن فلاح المؤمن إنما يكون بقدر ترقيه في الإيمان، فالتشبه بالمؤمنين مطلوب على كل حال ولو في أصل الإيمان، فإنه إن لم يحصل له الفلاح والفوز من دخول النار، فإنه يحصل له الفوز من الخلود فيها.
وبالجملة فـ "لن يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له فيه" (١) - كما ورد في الحديث -، ولكن كما يقال: الكمال في الكمال.
ولما قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وصفهم بصفات كاشفات لما أراد بالمؤمنين الموصوفين بالفلاح بقوله تعالى:
стр. 274
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
روى ابن أبي الدنيا عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَلَقَ اللهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدهِ لَبِنَةً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ، وَلَبِنَةً مِنْ ياقُوْتَةٍ حَمْراءَ، ولَبِنَةً مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، بَلاطُهَا مِسكٌ، حَشِيْشُها الزَّعْفَرانُ، حَصْباؤُها اللُّؤْلُؤُ، تُرابُها الْعَنْبَرُ، ثُمَّ قالَ لَهَا: انْطِقِيْ، فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، فَقالَ اللهُ ﵁: وَعِزَّتِيْ وَجَلالِيَ لا يُجَاوِرَني فِيْكِ بَخِيْلٌ".
ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (١).
ففي هذا الحديث إشارة إلى أن المفلحين من المؤمنين إنما هم
стр. 275
كُمَّلُهُمْ، وهم الذين وقوا شُحَّ أنفسهم.
والمقصود أن أهل الفلاح الكامل هم أهل الإيمان الكامل،
وقال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥]؛ أي: الفلاح الكامل، لا غيرهم.
وروى البخاري في "تاريخه "، والطبراني في "معجمه الكبير" عن قُرَّة بن هُبيرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا" (١).
وأخرجه البيهقي في "الشعب" بلفظ: "قَدْ أَفْلَحَ ... " (٢).
وقد: للتحقيق.
واللب: هو العقل.
والعقل الممدوح إنما هو العقل النافع الذي لا يدخل صاحبه النار، ولا يوقع صاحبه في الندم، والأسف كما يقع لأهل النار فيها كما قص الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠، ١١].
стр. 276
والمراد بالذنب الذي اعترفوا به: أنهم لم يستعملوا عقولهم فيما خلقت له من الطاعة التي هي سبب النجاة من النار، فالعاقل اللبيب هو الطائع المجيب، وكلما بالغ في الطاعة والتخلق بالأخلاق المرضية كان أتم عقلاً، وأكمل لباً، فيكون أكثر فلاحاً، وأكمل فوزاً ونجاحا من حيث إنه تجنب أعمال أهل النار بعقله، وأقبل على أعمال أهل الجنة، ولم تغرَّه الحياة الدنيا، ومن ثَمَّ خص أهل العقول بالخطاب في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠].
والتقوى إنما تتم بالطاعة، واجتناب المعصية، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وفي هذه الآية إشارة إلى أن الفوز الحقيقي والفلاح المعتد به إنما هو في الدار الآخرة دون الدنيا - وإن زعم أهل الدنيا أن ما فيها من رخاءٍ وعافيةِ ويسرٍ فوزٌ ونعيمٌ - فإنه لا حقيقة له لزواله، بخلاف نعيم الجنة لبقائه.
ومن ثَمَّ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]؛ أي: وأصحاب النار هم الهالكون، وإن نالوا من الدنيا ما نالوا.
ولذلك نودي في الأذان، والإقامة: (حي على الفلاح)، فأطلق الفلاح على الصلاة لأنها عماد الدين، وأم الأعمال الصالحة، ومن حافظ عليها كان على غيرها أشد محافظة، ومن ضيعها كان لغيرها أكثر إضاعة.
стр. 277
أو المراد بالفلاح كل عمل صالح، وفعل خير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وإنما أتى بالفلاح في الأذان والإقامة معرَّفًا باللام التي هي للعهد أو للاستغراق؛ إشارة إلى أن العمل الصالح هو الفلاح الحقيقي، أو أن كل فلاخ وفوز فهو في العمل الصالح، ودفعاً لما يتوهمه أهل الدنيا من أن الفلاح إنما هو في تحصيل الدنيا ومتاجرها والإمساك عليها.
ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
وقال الله تعالى مشوقاً إلى سعادة الآخرة، معبراً عنها بالتجارة التي هي سبيل أهل الدنيا إليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
وصف هذه التجارة بصفة فارقة بينها، وبين متاجر الدنيا بقوله: ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]؛ فإن تجارة الدنيا ليست كذلك، بل قد تكون سبباً للعذاب الأليم، وغاية ما فيها أن صاحبها إذا كان سعيداً خرج منها رأساً برأس، بخلاف هذه التجارة التي لا تَبِعَةَ فيها.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية: أنها لما نزلت قال المسلمون: لو علمنا هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال والأهلين (١).
стр. 278
فبين لهم التجارة فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، ولا تتحقق التجارة إلا ببائع ومشترٍ، فالبائع المؤمنون، والمشتري هو الله تعالى؛ بدليل قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
وإنما سماه الفوز العظيم؛ لأنه أوجب لهم أعظم المطالب وهو الجنة وما فيها وقد فصل ما أجمله في هذه الآية في الآية السابقة فقال: ﴿ذلِكَم﴾؛ أي: الإيمان بالله تعالى ورسوله والجهاد في سبيله المعبر عنه بالتجارة المنجية من العذاب الأليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: من تجارة الدنيا ومكاسبها التي هي مظنة التَّبِعات، المأخوذ بها صاحبها في دار الآخرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إن كنتم من أهل العلم المكتسب من اللب الذي هو أصل كل فلاح، كما قال ﷺ : "أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا" (١).
ثم بين سبحانه ما في تجارة الآخرة من الخيرات فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ أي: بسبب الإيمان والجهاد.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] والتوبة إحدى الحسنات، وهي من أسباب الفلاح كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
стр. 279
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، والتوبة من الإيمان، ومن جهاد النفس - وهو من أعظم الجهاد - قال: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢].
وإنَّما طابت تلك المساكن بسبب خلوَّها من كدورات الدُّنيا من تعب ونَصَب ومرض وحزن ومَلال وقَنَر وغيرِ ذلك.
وأعظم شيءٍ طيَّبها جوار الله تعالى ورضوانه، وتَجلَّي وجهه لهم مع الخلود لأن العدن هو الإقامة.
ثمَّ قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ أي: دون ما تعدونه في الدنيا فوزاً من مكالسب ومغانم وغيرها؛ لانصرامه وفنائه، والفوز العظيم إنَّما هو ما كان من إقامة وخلود، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]؛ يعني: الجنة مع الخلود فيها.
وهو الفلاح؛ فإنَّ الفلاح هو البقاء في الخير، كما في "القاموس" (١).
ونقله أبو بكر بن الأنباري في كتاب "الزاهر" عن جماعة من أهل اللغة، وقال: معنى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]: هم الباقون في الجنَّة.
ومنه قول الراجز: [من المنسرح]
لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُوْمِ سَعَهْ ... وَالْمَسْي وَالصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ
стр. 280
قال ابن الأنباري: أراد: لا بقاء ولا خلود (١).
ومن ثَمَّ جاء في دعاء النَّبيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ صِحَّةً فِيْ إِيْمانٍ، وإيْمانًا فِيْ حُسْنِ خُلُقٍ، وَنَجاحاً يَتْبَعُهُ فَلاحٌ"، كما رواه الطبراني في "الأوسط" (٢).
النجاح: الظَّفَرُ بالخير.
والفلاح: البقاء فيه.
وكأن في هذه الآيات رداً على قول المتخلف المبطئ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٢، ٧٣] فبيَّن الله تعالى بقوله، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] وقوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
أنَّ الفوز إنَّما هو فوز الآخرة دون مغانم الدُّنيا ومكاسبها.
على أنَّ أهل الآخرة لا يحرمون من عاجل فضل الله تعالى، ولذلك
стр. 281
قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٩، ٢٠]؛ أي: علامة يعلمون بها أنَّهم من الله تعالى بمكان، كأنَّه يشير إلى أنَّه كما أنجز لهم ما وعدهم في الدُّنيا كذلك ينجز لهم موعود الآخرة.
وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التوبة: ٨٨]؛ أي: لهم منافع الدارين؛ النصرة والغنيمة في الدُّنيا، والجنَّة والكرامة في الآخرة.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٩]؛ أي: - وإن نالوا من خيرات الدُّنيا - فإنَّ ما لهم في الآخرة هو الفوز العظيم.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾ [التوبة: ٢٠، ٢١].
وإذا كان المتخلِّف عن القوم في الدُّنيا يندم على ما فاته في الدُّنيا من الغنائم التي تفضَّل الله تعالى عليهم بها، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]، فكيف ندمه وأسفه على ما يفوته
стр. 282
من نعيم الآخرة مع ما يلحقه من الإهانة والعذاب والخلود فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، والمعصية المشار إليها في هذه الآية شاملة للكفر والشرك، كما أنَّ الطاعة في قوله تعالى في الآية السَّابقة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ [النساء: ١٣] شاملة للإيمان والتوحيد.
فحقيقة الفلاح والفوز إنَّما هو في الطاعة والإيمان، والفوات والخيبة في المعصية والكفر، وإنَّما يظهر ذلك في الدَّار الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨، ٩].
وإنَّما قال: ﴿خَسِرُوا﴾؛ لأنَّه شبَّه أعمال العبد بالمتاجر؛ فمن ثقلت موازينه بالإيمان والعمل الصالح ربح في تجارته وأفلح، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، ومن خفَّت موازينه - إذ لا إيمان له بالكليَّة، أو لا عمل صالح، أو له معاص لا كفارة لها - فقد خسرت تجارته، وخاب مسعاه، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، وقال تعالى:
стр. 283
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى بعد ذكر المنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
وهذا معيار لا شبهة فيه: أنَّ الإيمان والعمل الصالح سبب الفلاح، والكفر والعمل السيء سبب الخسران والخذلان.
وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ذرِّ رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي كل ﷺ قال: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ للإيمانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيْماَّ، وَلِسانهُ صادِقا، وَنفسَهُ مُطْمَئِنَةً، وَخَلِيْقَتَهُ مُسْتَقِيْمَةً، وَأُذُنهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ ناظِرَةً" (١).
وروى هو، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِما آتاهُ" (٢).
стр. 284
وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "شعب الإيمان" من حديث ابن عمر ﵄ وقال: "وَصَبَرَ عَلَىْ ذَلِكَ" (١) موضعَ قوله: "وَقنَّعَهُ اللهُ بِما آتاهُ".
وروي نحوه من حديث فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه (٢).
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥].
قال عطاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾؛ أي: آمن.
وقال قتادة: بعمل صالح.
رواهما ابن أبي حاتم (٣).
وروى البزَّار، عن جابر، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾؛ قال: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَخَلَعَ الأَنْدادَ، وَشَهِدَ أَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ"، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾؛ قال: "هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِنَّ" (٤).
стр. 285
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: بالطاعة، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: دنَّسا بالمعصية.
وقال تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، والعمل الصالح شامل لسائر الطَّاعات.
وقال تعالى حكاية عن هود ﵇: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] إنَّما رجالهم الفلاحَ بذكر الآلاء؛ لأنَّ ذكر آلاء الله تعالى يدعوه إلى طاعته، وترك معاصيه، وذلك عين النجاح والفلاح.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، ؛ أي: في الدُّنيا بما يُجعل لكم من فضل الله تعالى، وفي الآخرة بما يحصل لكم من ثواب الذكر والعمل الصَّالح.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وفيه لطيفة: وهي أنَّ الثبات مع الله تعالى في دار الدُّنيا بالجهاد، ومصابرة العدو، وكثرة الذكر على سائر الحالات يكون سبباً للثبات مع الله تعالى والبقاء معه في المعاد، وهو معنى الفلاح ليكون الجزاء من جنس العمل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ