وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].
ومن تتمات ما تقدم -أيضًا- أن التقرب إلى الله تعالى بالخير لا ينبغي أن يكون على سبيل النذر والتحريج عن النفس؛ فإنه قد يفضي إلى الضيق وعدم الوفاء، وقد ذمَّ الله تعالى من ابتدع الرهبانية من أمة عيسى ﵇ وما رعوها حق رعايتها.
ولذلك جزم النووي في "المجموع" بأن النذر مكروه (١)؛ أي: وإن كان يُصَيِّرُ التطوع فريضة فيعظم به الثواب، ونقله عن نص الشافعي في البويطي لصحة النهي عنه في "صحيح مسلم" وغيره عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن النذر، وقال: "إِنه لا يَأتِي بِخَيْر، وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن البَخِيْل" (٢).
وقوله: "لا يأتي بخير" يحتمل وجهين:
الأول: أنَّ النذر لا يأتي بخير لم يقدره الله تعالى؛ إذ لا يأتي بالخير حقيقةً إلا الله كما تدل عليه الرواية الأخرى: "النَّذْرُ لا يُقَدمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيْلِ"، وهو في "البخاري" بنحو هذا اللفظ (٣).
стр. 2207
والثاني: أن يكون معناه التنفير عن النذر، وأنه قد يكون سبباً لسوء العبد وشره من حيث إنه إذا التزم الطاعة التي لم تُفرض عليه بالنذر، فلم يأتِ بها عصى كما يعصي بترك الفريضة، وقد كان لو تركها قبل النذر لم يعص.
ويشبه أن يكون قوله ﷺ في النذر: "إِنَّهُ لا يَأتِي بَخَيْرٍ" على الضد من قوله ﷺ . "الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ"، وهو في "الصحيحين" من حديث عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ ﵄.
وفي رواية لمسلم: "الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ" (١).
وفي معناه قول الشاعر: [من الوافر]
فَلا وَاللهِ ما فِيْ الْعَيْشِ خَيرٌ ... وَلا الدُّنْيا إِذا ذَهَبَ الْحَياءُ (٢)
ولا يَرِدُ عليه أن الحياء قد يمنع من طلب العلم، ولذلك قيل: لا ينال العلم مُستحي (٣).
وقد يمنع الحياء من طلب الخير الذي لا يأذن الشارع في تركه لأنا نقول: إنَّ هذا ليس من الحياء، بل هو من باب الجبن وإن سُمي حياءً
стр. 2208
باعتبار أصل الإطلاق اللغوي، فإن حقيقة الحياء: الحِشْمة المتولدة من رؤية الآلاء ورؤية التقصير المانعة من اتباع الهوى فيما لا يُرضي، ولذلك قال ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُبُوَّةِ الأُوْلَى: إِذَا لَم تَستَحي فَاصْنع مَا شِئْتَ" (١).
وقال ﷺ : "مَن اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَليَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوى، وَلَيْذْكُرِ الْمَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيىَ مِنَ الله حَقَّ الْحَيَاءِ"، كما رواه الإِمام أحمد، والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ (٢).
***
стр. 2209
فَصْلٌ
من الأخيار الصديقين الأبدال، ولا يكونون أبدالاً حتى يكونوا صديقين لأنهم بُدلاء عن الأنبياء ﵈، فدلَّ ذلك أنَّ مرتبتهم بعد مرتبة الأنبياء، وهي مرتبه الصديقين كما عرفت، وليس كل صديق بدلًا، ولكنه قابل للبدلية.
واختلفوا في سبب تسميتهم أبدالًا (١):
فقيل: لأنهم بدلاء عن الأنبياء كما علمت.
وقيل: لأنهم يتبدلون في صور ومظاهر، ويتصرفون في أبدال متعددة (٢).
стр. 2210
وهذا غير منكر لأنه ممكن، وقد اتفق نظيره في الملائكة فإنهم يتمثلون، فكذلك كُمَّل الصديقين، ولا يتوقف في الإيمان بذلك إلا الذي يتوقف في كرامات الأولياء.
وقيل: سموا أبدالاً؛ لأن أخلاقهم تبدلت اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
فأحوال الأبدال معتبرة بهذه الآية فأرضُ نفوسهم مُنْدَكَّةٌ مبدلة من الأَمَّارِّيةِ إلى اللَّوَّامِيَّة إلى الطَّمَأنِينة، وكذلك سماء قلوبهم مُبدلة من القلبية إلى الروحية إلى السرية، فنفوسهم مطمئنة لأوامر الله تعالى، زاكية تحت أحكامه، وأسرارهم مشغوفة بمحبة الله تعالى، مشغولة بخدمته ليس فيها بقية لما سواه.
وكان أبو العباس المرسي ﵀ ينشد: [من الكامل]
لَوْ شاهَدَتْ عَيْناكَ يَوْمَ تَزَلْزَلَت ... أَرْضُ النُّفُوْسِ وَدُكَّتِ الأَجْبالُ
لَرَأَيْتَ شَمْسَ الْحَقِّ يَسْطَعُ ضَوْؤُها ... حِيْنَ التَزَلْزُلِ وَالرِّجالُ رِجالُ
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في جزء له جمع فيه من كلام أستاذه أبي علي الدقاق ﵀، وسمعته يقول: إن أردتَ أن تكون من جملة الأبدال فعليك بتبديل الأحوال، وتبديل الأحوال أن تبدل
стр. 2211
ما كان من أحوالك من أحوال الأبرار بحال أشرف منه وأكمل من أحوال الأخيار، أما تبديل الأحوال القبيحة بالأحوال الحسنة، فإنه مشروط في أصل التوبة وأعمال البر.
ومما يؤيد القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة: ما رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن أبي الدرداء ﵁ قال: إنَّ الأنبياء ﵈ كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوماً من أمة محمَّد ﷺ قال لهم الأبدال، لم يَفْضُلوا الناس بكثرة صومٍ ولا صلاةٍ ولا تسبيح، ولكن بحسن الخلق وبصدق الورع، وحسن النية وسلامة قلوبهم لجميع المسلمين (١).
قلت: في كلام أبي الدرداء ﵁ إيماء إلى القول الثالث -أيضًا- فإن حسن الخلق بدل عن سوء الخلق، وصدق الورع بدل عن ارتكاب الشُّبَهِ، والتخليط وحسن النية بدل عن العمل بلا قصد أو بالقصد السوء، وسلامة القلوب عن الحقد وإضمار السوء، فإن الاتصاف بهذه الأخلاق تدل عن الانفكاك عن أضدادها.
ويجوز أن تكون تسميتهم أبدالاً للوجهين بل للثلاثة المَحْكِيَّة في الأقوال الثلاثة.
وفي كلام أبي الدرداء -أيضًا- أن الأوتاد هم الأبدال.
واشتهر في عرف الصوفية أن الأوتاد من الأبرار وهم ثلاث مئة،
стр. 2212
وأن الأبدال من المقربين وهم أربعون، وقيل في عدتهم غير ذلك، والله الموفق.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن أبي الزناد رحمه الله تعالى قال: لما ذهبت النبوة، وكانوا -يعني: الأنبياء ﵈ أوتادَ الأرض، أَخْلَف الله مكانهم أربعين رجلًا من أمة محمَّد ﷺ يُقال لهم الأبدال، لا يموت الرجل منهم حتى يُنشئ الله مكانه آخر يَخْلُفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم على مثل يقين إبراهيم ﵇، لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام، ولا بحسن التخشع ولا بحسن "الحلية" ولكن بصدق الورع وحسن النية، وسلامة القلوب والنصيحة لجميع المسلمين ابتغاء مرضاة الله تعالى بصبرٍ وخير ولبٍّ حليم، وتواضع في غير مذلَّة ... إلى آخر كلامه، وسيأتي (١).
وقد جاء التصريح بأنَّ الأبدال من الصديقين فيما رواه ابن عساكر عن الحسن البصري قال: لن تخلوا الأرض من سبعين صديقًا وهم الأبدال، لا يهلك منهم رجل إلا أخلف الله مكانه مثله؛ أربعون بالشام وثلاثون في سائر الأرضين (٢).
وروى الخلال في "كرامات الأولياء"، وابن عساكر عن خالد بن معدان ﵀ قال: قالت الأرض: كيف تدعني وليس عليَّ نبي؟
стр. 2213
قال: سوف أفرغ عليكِ أربعين صديقًا بالشام (١).
وهي أنا قد بينا أنَّ الأبدال سموا بذلك لأنهم بُدلاء عن الأنبياء وخلف منهم، ولذلك كان مسكنهم الشام لأنها بلاد الأنبياء ﵈ إلا محمدًا ﷺ فإنه حجازي مكي، وهو قطب الأنبياء ﵈، ولذلك كان مركز قلب القطب بمكة المشرفة وإن كان ساكناً في غيرها.
وقد قيل: إنه لا يصلي الصلوات الخمس إلا بها.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجلٌ يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال علي ﵁: لا تسب أهل الشام جماً غفيراً؛ فإنَّ بها الأبدال، فإنَّ بها الأبدال، فإنَّ بها الأبدال (٢).
وروى الإِمام أحمد وسنده حسن، عن علي ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "الأَبْدَالُ [يكونون] بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُوْنَ رَجُلاً، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانه رَجُلاً؟ يُسْقَى بِهِمُ الغَيْثُ، وَيُنْصَرُ لَهُم عَلَى الأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ العَذَابُ" (٣).
стр. 2214
وروى الخلال في "كرامات الأولياء"، والديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَبْدَالُ أَرْبَعُوْنَ رَجُلًا وَأَرْبَعُوْن امْرَأَةً، كُلَّمَا مَاتَ رَجُل أَبْدَلَ اللهُ مَكَانهُ رَجُلاً، وَكُلَّمَا مَاتَت اِمْرَأة أَبْدَلَ اللهُ مَكَانهَا اِمْرَأة" (١).
وهذا الحديث فيه أنَّ في النساء أبدالاً، ولا يصح كونهن أبدالاً عن الأنبياء؛ لأن النساء لا نبيَّةَ فيهنَّ على الأصح، وإنما أبدالهن من تبدلت أخلاقهن الحسنة عن أخلاقهن السيئة.
ولا يعارض هذا حديث: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيْر وَلَمْ يَكْمُل مِنَ النِّسَاءِ إِلا أَرْبَع" (٢)؛ فإنَّ أبدال النسوة باعتبار ما يليق بحالهن، ولا يَبْلُغن من الكمال ما بلغ الرجال إلا قليلاً لغلبة الشهوة والهوى عليهن أكثر من غلبته على الرجال.
وروى الطبراني في "الكبير" عن عوف بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ
стр. 2215
أنه قال: "الأَبْدَالُ في أَهْلِ الشَّامِ، وَبِهِم يُنصَرُوْنَ وَبِهِم يُرْزَقُوْنَ" (١)؛ أي: أهل الشام هم مظنة الأبدال.
ومن شواهد هذا المعنى حديث عبد الله بن حوالة ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ؟ فَإِنَّهَا خِيْرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ".
الحديث رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه (٢).
وقد روى البزار نحوه من حديث أبي الدرداء، والطبراني من حديثه، ومن حديث العرباض بن سارية ﵁، وإسناداهما حسنان جيدان (٣).
وروى الخطيب في "تاريخه" عن أبي بكر الكتاني رحمه الله تعالى قال: "النقباء ثلاث مئة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعُمُدُ أربعة، والمغيث واحد، فمسكن النقباء المغرب،
стр. 2216
ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سائحون في الأرض، والعُمُدُ في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العُمُدُ، فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فلا تتم مسألته حتى تُجاب دعوته" (١).
والنقباء جمع نقيب، وهو التعريف والشاهد، وكأنه أطلق النقباء على الأوتاد، وقد سبق أنهم من الأبرار، ويحتمل أن منهم شهداء.
والنجباء جمع نجيب، وهو الكريم؛ سُمَّوا نُجباء لكرمهم وتقدمهم، وهم فوق الأوتاد إلا أنهم لم يبلغوا رتبة الأبدال.
واعلم أنه كما يطلب التشبه بالأنبياء والصديقين، فكذلك يطلب التشبه بالأبدال لأنهم خيار الصديقين كما علمت، وقد تقدم في كلام أبي الدرداء وأبي الزناد جملة من أخلاقهم التي يحسن التشبه بهم فيها مثل: حسن الخلق، وصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلب، والنصيحة للمسلمين ابتغاء مرضاة الله تعالى، ويدخل فيها الدعاء والتوسل إلى الله تعالى في أمورهم كما يشير إليه كلام الكتاني.
وقال أبو الزناد في بقية كلامه السابق في أوصافهم: وعلم ذلك أنهم لا يلعنون أحدًا، ولا يؤذون أحدًا، ولا يتطاولون على أحد تحتهم ولا يحتقرونه، ولا يحسدون أحدًا فوقهم، ليسوا بمتخشعين ولا متهاونين ولا معجبين، لا يحبون الدنيا, ولا يحبون للدنيا, وليسوا اليوم في
стр. 2217
وحشة وغداً في غفلة (١).
وروى ابن أبي الدنيا، والحكيم الترمذي عن الحسن ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ بُدَلاءَ أُمَّتِي لَم يَدْخُلُوْا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَصَلاةٍ، وَلَكِنْ دَخَلُوْهَا بِرَحْمَةِ اللهِ، وَسَلامَةِ الصُّدُوْرِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَالرَّحْمَةِ لِجَمِيع الْمُسْلِمِيْنَ" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا، والخلال عن علي ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأبدال فقال: "هُم ستُّوْنَ رَجُلاً"، فقلت: يا رسول الله! حلهم لي، قال: "لَيْسُوْا بِالْمُتَنَطّعِيْنَ ولا بِالْمُبْتَدِعِيْنَ وَلا بِالْمُتَعَجبيْنَ - وقال: الخلال عوض قوله: بالمتعمقين: ولا بِالْمُعْجَبِيْنَ - لَمْ يَنَالُوْا مَا ناَلُوْا بِكَثرةِ صَلاةٍ وَلا صِيَامٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنْ بِسَخَاوَةِ الأَنفسِ وَسَلامَةِ القُلُوْبِ، وَالنَّصِيْحَةِ لأُمَّتِهِم؛ إِنهم يَا عَلِيُّ في أُمَّتِي أقلَّ مِنَ الكَبْرِيْتِ الأَحْمَرِ" (٣).
وروى ابن عساكر عن الحارث بن رزين ﵀ أن الأبدال لا يكون منهم متهاون ولا طعَّان (٤).
стр. 2218
وروى أبو نعيم، وابن عساكر عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال -وذكر الأبدال- فقال: "بِهِم يُحْيِي وُيمِيْتُ، وُيمْطِرُ وَيُنْبِتُ وَيَدْفَعُ البَلاءَ" (١).
قيل لعبد الله: كيف بهم يُحيي وُيميت؟ قال: لأنهم يسألون الله تعالى إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء.
وروى ابن عساكر عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ دعاةَ أمتي عَصَبُ اليمنِ، وأبدالُ الشَّامِ، وهم أربعونَ رجلًا، كلَّما هلكَ رجل أبدلَ اللهُ مكانَه رجلًا، ليسوا بالمتماوتينَ ولا المُتَهالِكينَ ولا المُتَبارِينَ، لم يبلغوا ما بلغوا بكثرةِ صَومٍ ولا صَلاةٍ، وإنَّما بَلَغُوا ذاكَ بالسَّخَاء وصِحَّةِ القُلُوبِ، والنَّصيحةِ لجميعِ المُسْلمينَ" (٢).
وروى هو والطبراني وأبو نعيم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيارُ أُمَّتي في كلِّ قَرْنٍ خمسُ مئةٍ، والأبدالُ أربعونَ، فلا الخمسُ مئةٍ ينقصونَ، ولا الأربعون، كلَّما ماتَ رجلٌ أبدلَ اللهُ مكانَه آخرَ! قالوا: يا رسول الله! دلنا على أعمالهم،
стр. 2219
قال: "يعفُونَ عمَّنْ ظَلَمَهُم، ويُحْسِنونَ إلى مَنْ أَسَاءَ إِليهِمْ، ويتواسُون فيما آتاهمُ الله" (١).
وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "سنن الصوفية" والديلمي، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : "ثلاث مَنْ كُنَّ فيه فهو مِنَ الأبدالِ الذين بهم قَوَامُ الدُّنْيا وأهلُها: الرّضا بالقضاءِ، والصَّبرُ عَنْ مَحارِمِ الله، والغضبُ في ذَاتِ اللهِ" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن بكر بن خُنيس رحمه الله تعالى مرسلاً، عن النبي ﷺ قال: "علامةُ الأبدالِ أنّهَم لا يلعنونَ شَيئاً" (٣).
وهذا معلوم مما تقدم: أن الصدِّيق لا يكون لعانًا، والأبدال من الصديقين.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن حكيم بن حِزام رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه مضجعًا بين إخوانه وقد غطَّى وجهَه، فمر عليهم قِسٌّ سمين، فقالوا: اللهم العنه فما أغلظ رقبته، فقال أبو الدرداء: من هذا الذي لعنتم آنفاً، فأخبروه، فقال: لا تلعنوا أحدًا، لا ينبغي للَّعَّان أن يكون عند الله صدِّيقًا (٤).
стр. 2220
وروى أبو نعيم عن داود بن يحيى بن يمان رحمه الله تعالى قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله من الأبدال؟ قال: الذين لا يضربون بأيديهم شيئًا، وإنَّ وكيع بن الجراح منهم (١).
وعن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى قال: سمعت أبا سليمان -يعني الداراني- رضي الله تعالى عنه يقول: لم يبلغ الأبدال ما بلغوا بصوم ولا صلاة، ولكن بالسخاء وشجاعة القلب وسلامة الصدر وذمِّهم أنفسهم عند أنفسهم (٢).
وعن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: أنه سُئل عن التوكل فقال: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب، ثم فسره فقال: اضطراب بلا سكون: رجل ساكن إلى الله بلا حركة وهذا (٣) عزيز، وهو صفة الأبدال (٤).
وعن معروف الكرخي رحمه الله تعالى قال: من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة محمَّد، اللهم فرِّج عن أمة محمَّد، اللهم ارحم أمة محمَّد، كُتِبَ من الأبدال (٥).
وروى الطبراني في "الكبير" عن عبادة بن الصامت (٦) ﵁ قال:
стр. 2221
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلمُؤْمِنِيْنَ والْمُؤْمِنَاتِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً -أَحَدَ العَدَدينِ- كَانَ مِن الَّذِيْنَ يُسْتَجَابُ لَهُم وُيرْزَقُ بِهِم أَهْلُ الأَرْضِ" (١).
وهذه صفة الأبدال كما علم مما سبق.
وروى الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" عن أحمد بن حنبل ﵀: أنه سُئِلَ: هل في الأرض أبدال؟ قال: نعم، قيل: مَنْ هم؟ قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال ما أعرف لله أبدالاً (٢).
وروى الخطيب في كتاب "شرف أصحاب الحديث" عن صالح ابن محمَّد الرازي أنه قال -وسأله رجل-: إذا لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أدري من الأبدال.
وقال: هذا كلام يزيد بن هارون ذكره عن سفيان الثوري (٣).
стр. 2222
وقال الدينوري في "المجالسة": ثنا الحارث بن أبي أسامة قال: سُئِلَ يزيد بن هارون وأنا أسمع، فقيل له: مَنْ الأبدال؟ قال: أهل العلم (١).
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم عن أبي عبد الله النباجي رحمه الله تعالى قال: إذا أحببتم أن تكونوا أبدالاً فأحبوا ما شاء الله، ومن أحبَّ ما شاء الله لم يترك من مقادير الله شيئًا إلا أحبه (٢).
زاد في رواية: وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: ما استحثني أحدٌ لحاجة بمثل قوله: ما شاء الله (٣).
ويشهد لما حدث به عن موسى ﵇: ما رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يحيى بن سليم الطائفي، عن من ذكره قال: طلب موسى ﵇ من ربه ﵎ حاجة فأبطأت عليه وأكدت، فقال: "ما شاء الله" فإذا حاجته بين يديه؛ قال: "يا رب! أنا أطلب حاجتي منذ كذا وكذا، أعطيتنيها الآن؟ " قال: فأوحى الله إليه: "يا موسى! أما علمت أن قولك: ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج؟ " وقال: الكلمة التي تزجر بها الملائكة الشياطين حين يَسْتَرِقون السمع: ما شاء الله (٤).
стр. 2223
وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن أدهم ﵀ قال: ما سأل رجلٌ مسألة أنجح من أن يقول: ما شاء الله.
وعن عمرو بن مرة ﵀ قال: إنَّ من أفضل الدعاء قول الرجل: ما شاء الله (١).
وقد علمت أن الدعاء من أخص أحوال الأبدال، ولهم بهذه الكلمة مزيد خصوصية لأنهم يتشبهون بالملائكة في التبدل والتشكل على قول.
ولهذه الكلمة خصوصية في تصرف الملائكة.
وللأبدال من أُولي العزم من الرسل مواريث، وهذه الكلمة من ميراثهم من موسى ﵇.
وروى أبو نعيم، وابن الجوزي في "الصفوة" عن أبي سعيد بن عطاء: أن الجنيد ﵁ رأى فيما يرى النائم قومًا من الأبدال، فسأل: هل ببغداد أحد من الأولياء أو من الأبدال؟ فقالوا: نعم، أبو العباس ابن مسروق، قال: فقلت متعجبًا: أبو العباس بن مسروق؟ فقالوا: نعم، أبو العباس بن مسروق من أهل الأنس بالله (٢).
وفيه إشارة أن الأنس بالله تعالى من أحوال الأبدال.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي الدنيا، وأبو
стр. 2224
نعيم، والبيهقي، وابن عساكر عن جليس وهب بن منبه (١) قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله! أين بُدلاء أمتك؟ فأومَأ بيده نحو الشام، قلت: يا رسول الله! أما بالعراق منهم أحد؟ قال: بلى، محمَّد بن واسع، وحسان بن أبي شيبان، ومالك بن دينار الذي يمشي في الناس بزهد أبي ذر (٢).
وفيه إشارة إلى أن الزهد من أحوالهم أيضًا.
وقال حجة الإِسلام في "الإحياء": إنَّ بعضهم قال لبعض العلماء: من كل عمل قد أعطاني الله نصيبًا - حتى ذكر الحج والجهاد وغيرها -، فقال له: أين أنت من عمل الأبدال؟ قال: ما هو؟ قال: كسب الحلال والنفقة على العيال (٣).
ونقل أبو طالب المكي في "القوت" عن بعضهم أنه قال في وصف الأبدال: أكْلُهم فاقة، وكلامهم ضرورة، ونومهم غلبة (٤).
ونقلاً عن سهل بن عبد الله التستري ﵁ أنه قال: صارت الأبدال أبدالاً بأربعة؛ قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، واعتزال الأنام (٥).
стр. 2225
وتكلم الشيخ محيي الدين بن العربي ﵀ على هذه الأربعة في "فتوحاته"، ثم أفرد الكلام عليها في مؤلف لطيف سمَّاه "حلية الأبدال"، وحكى فيه وفي "الفتوحات" عن صاحبٍ له كان بمراشانة الزيتون ببلاد الأندلس اسمه عبد المجيد بن سلمة، وكان فقيهًا ورعاً، أنَّه اجتمع برجل من الأبدال في قصة طويلة، وسمَّاه ابن العربي معاذ بن الأشرس، قال عبد المجيد: فقلت: يا سيدي! بماذا تصير الأبدال أبدالاً؟ فقال لي: بالأربعة التي ذكرها أبو طالب المالكي في "القوت": الصمت, والعزلة، والجوع، والسهر، انتهى (١).
وقال شيخ الإِسلام الجد في منظومته المسماة بِـ: "الدرر اللوامع": [من الرجز]
وَحِلْيَةُ الأَبْدالِ مِثْلُ ما اشْتَهَرْ ... صَمْتٌ وَعُزْلَةٌ وَجُوْعٌ وَسَهَرْ
* تنبِيْهٌ:
قال سهل التستري: الخليفة إذا كان صالحًا فهو من الأبدال.
وبعضهم ينقل عنه أنه قال: السلطان إن كان جائراً فهو من الأبدال، وإن كان عادلاً فهو القطب (٢).
قال أبو طالب المكي: قوله: "من الأبدال" يعني: أبدال
стр. 2226
المسلك (١) كما حدثنا عن جعفر الصادق ﵀ قال: أبدال الدنيا سبعة على مقاديرهم يكون الناس [في كل زمان] (٢) من العلماء، والعباد، والتجار، والخليفة، والوزير، وأمير الجيش، وصاحب الشرطة، والقاضي وشاهداه (٣)، انتهى (٤).
[وقسم] (٥) من ذلك -مع ما تقدم - الأبدال على قسمين:
- أبدال عن الأنبياء: وهم أبدال الملكوت، ولا يكونون إلا صديقين مقربين عارفين بالله.
- وأبدال الملك: وهم أبدال الدنيا لا تقوم عمارة الدنيا إلا بهم ولا بدَّ للناس منهم؛ سُمُّوا أبدالاً لأنهم كلما فقد واحد منهم أبدل مكانه غيره، ثم عيَّن جعفر الصادق مراتبهم، وسماهم الخليفة والوزير، وأمير الجيش وصاحب الشرطة، والقاضي وشاهداه، والعلماء يشترطون في هؤلاء الكمال كل واحد بما يليق به، وهو بالرحمة والعدل والشجاعة.
ثم لكل واحد منهم أوصاف وآداب تليق به، فالكمالُ مشروطٌ فيهم، لكن يكفيهم منه أن يكونوا أبرارًا وإن لم يبلغوا درجة الصديقين.
ثم إن كانوا -أو أحدهم- بخلاف ذلك نفذت أحكامهم للضرورة،
стр. 2227
وانقادت الناس لهم خيفة من تفرق الكلمة، فالرعية مأمورون بالطاعة وهم مأزورون بالجور والخروج عن حد الاعتدال في الدين.
وهذا بخلاف القسم الأول -أعني: الأبدال عن الأنبياء-؛ فإنهم لا يكونون إلا صديقين، وعدتهم أربعون كما سبق، وهؤلاء عدتهم سبعة.
ومن ثم نفهم معنى قول أبي يزيد البسطامي حين قيل له: أنت من الأبدال السبعة؟ فقال: أنا كل الأبدال السبعة (١)؛ لأنَّ الصديق قد استوفى جميع أخلاق الأبرار، والسبعة المشار إليهم قد يتمحضون أبراراً، فالصديق واحد يقوم مقامهم بل يفوق عليهم.
فقوله: "أنا كلُّ السبعة"؛ أي: أنا قائم مقام السبعة، وهذا منه من باب التحديث بالنعمة (٢).
стр. 2228
وأيضًا، فإن العبد إذا قام في مقام الصديقية استغنى عن هؤلاء السبعة؛ لأن من أخلاقه الإنصاف من نفسه، فقد قام منه في كل مقام من الإنصاف ما أغناه عن الاحتياج إلى الخليفة فمن دونه من هؤلاء السبعة؛ لأنَّ هؤلاء السبعة إنما كانوا للتوصل إلى الإنصاف، فقد قام له في كل مقام من إنصافه ما أغناه عن مراجعة أحد من هؤلاء السبعة فيما بينه وبين الخلق، فإنه ينصف من نفسه ويعفو عن حقوقه ويُسامح بها، فلا يحتاج هو ولا من يخالطه إلى أحد من هؤلاء الأبدال، فقد قام مقام السبعة وأغنى نفسه وغيره عنهم كلهم، فبهذا الاعتبار قال أبو يزيد: أنا كل الأبدال السبعة.
* تنبِيْهٌ:
ما تقدم في الأخبار أن الأبدال لم ينالوا ما نالوا لكثرة صلاة ولا كثرة صيام ولا كثرة صدقة، ولكن بالسخاء وسلامة الصدور والنصيحة والرحمة، هذا فيه إشارة إلى أن أعمالهم قلبية وهممهم عليَّة، وإن لم يكن لهم كثير عمل ولا مزيد اجتهاد، وأن نقصان العمل بعد تأدية الفرائض لا يضرُّهم ولا يحط من مرتبتهم.
ويؤيده ما اشتهر حتى كاد أن يكون مجمعًا عليه عند المحققين من الصوفية: أن العارف لا يَضرُّه قلة العمل إذ يكون سره قلبيًا وإلا لم يكن متحققًا بالمعرفة، والأبدال رؤوس العارفين.
وقال الجد ﵁ في "الدرر اللوامع": [من الرجز]
стр. 2229
وَصاحِبُ الْعِرْفانِ لا يُبالِي ... إِذا ابْتُلِيْ بِقِلَّةِ الأَعْمالِ
قلت: وقد ظفرت لذلك بدليلٍ من الحديث، وهو ما رواه الطبراني في "الكبير" رحمه الله تعالى عن عبد اللُّه بن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ قال: "يا ابْنَ مَسْعُوْدٍ! أَيُّ عُرَى الإِيْمَانِ أَوْثَقُ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: لا أَوْثَقُ عُرَى الإِيْمَان الوِلايَةُ للهِ، وَالْحُبُّ في اللهِ، وَالبُغْضُ في اللهِ".
ثم قال: "يا ابْنَ مَسْعُوْدٍ! "، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "أتدري أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فَإنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ أَفْضَلُهُم عَمَلاً إِذَا فَقهُوْا في دِيْنهِم". ثم قال: "يَا ابْنَ مَسْعُوْدٍ! "، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "أتدْرِي أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُهُم بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ وإنْ كَانَ مُقَصِّرًا في عَمَلِهِ، وإنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتِهِ زَحْفًا"، الحديث (١).
وقد أخرجه جماعة غير الطبراني؛ منهم عبد بن حميد في "تفسيره"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وأبو يعلى في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" وصححه، والبيهقي في "شعبه"، وابن عساكر
стр. 2230
في "تاريخه" (١).
وهو حديث حسن، وله طرق يعضد بعضها بعضًا.
وقلت في المعنى: [من الخفيف]
أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... إِذا ما رَأَيْتَ فِيْ النَّاسِ خُلْفا
ذاكَ ما ضَرَّهُ كَما قَدْ رَوينا ... نَقْصُ أَعْمالِهِ وَلَوْ سارَ زَحْفا
ومن أتمِّ ما وصف به الأبدال: ما أخبرنا شيخ الإِسلام الوالد عن أبي يحيى الأنصاري، عن العز بن الفرات الحنفي، عن أبي حفص عمر ابن الحسن المراغي، وجماعة قالوا: أنا الفخر أبو الحسن علي بن أحمد ابن عبد الواحد المقدسي -عُرف بابن البخاري- عن أبي المكارم أحمد ابن محمَّد اللبان، وأبي الحسن مسعود بن محمَّد (٢) بن أبي منصور الكمال (٣) قالا: أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أنا أبو
стр. 2231
نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمَّد ابن مقسم، نا العباس بن يوسف الشكلي، حدثني محمَّد بن عبد الملك قال: قال عبد الباري: قلت لذي النون رحمه الله تعالى: صف لي الأبدال، قال: إنك لتسألني عن دياجي الظلم لأكشفها لك، عبد الباري! ؛ هم قومٌ ذكروا الله بقلوبهم تعظيماً له لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله على خلقه، ألبسهم النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته، وطهر أدرانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته (١)، وكساهم حُلَلًا من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مسرته، ثم أودعَ القلبَ من ذخائر الغيوب فهي معلقة بمواصلته، فهمومهم إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة، وقد أعانهم على باب النظر من قُربه، وأحلهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال: إن أتاكم عليلٌ من فقدي فداووه أو مريضٌ من فرقي (٢) فعالجوه، أو خائفٌ مني فأمنوه، أو آمنٌ مني فحذروه، أو راغبٌ في مواصلتي فهنؤوه، أو راحلٌ نحوي فزودوه، أو جبانٌ في متاجرتي فشجعوه، أو آيسٌ من فضلي فعِدُوه، أو راجٍ لإحساني فبشروه، أو حَسَنُ ظن فيَّ (٣) فباسطوه، أو محب لي فواظبوه، أو معظم لقدري فعظموه، أو مستوصفكم نحوي فأرشدوه، أو مسيءٌ بعد إحسانٍ فعاتبوه، ومن واصلكم فيَّ فواصلوه، ومن غاب عنكم
стр. 2232
فافتقدوه، ومن ألزمكم جنايةً فاحتملوه، ومن قصر في واجبِ حقي فاتركوه، ومن أخطأ خطيئةً فناصحوه، ومن مرض من أوليائي فعودوه، ومن حزن فبشروه، وإن استجار بكم ملهوفٌ فأجيروه.
يا أوليائي! لكم عاتبت، وفيَّ إياكم رغبت، ومنكم الوفاء طلبت، ولكم اصطفيت وانتخبت، ولكم استخدمت واختصصت لأني لا أحب استخدام الجبارين، ولا مواصلة المتكبرين، ولا مصافاة المخلطين، ولا محاورة (١) المخادعين، ولا قرب المعجبين، ولا مجالسة البطالين، ولا موالاة الشرهين.
يا أوليائي!
جزائي لكم أفضل الجزاء، وعطائي لكم أجزل العطاء، وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم أفضل الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد المطالبة، أنا مُحيي (٢) القلوب، وأنا علاَّم الغيوب، أنا مُراقب الحركات، أنا ملاحظ اللحظات، أنا المشرف على الخواطر، أنا العالم بمجال الفكر، فكونوا دُعاة إليَّ لا يفزعنكم دون سلطاني سواي (٣)، فمن عاداكم عاديته، ومن والاكم واليته، ومن آذاكم أهلكته، ومن أحسن إليكم جازيته، ومن هجركم قَلَيته (٤).
• • •
стр. 2233
(٦) باب التشبه بالنبيين صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين
стр. 2234
(٦) باب التشبه بالنبيين صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين
اعلم أن الله تعالى ذكر في سورة الأنعام ثمانية عشر نبيًا، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]
وفي "صحيح البخاري" عن مجاهد قال: قلت لابن عباس ﵄: أسجد في ص؟ فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] حتى أتى إلى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فقال ابن عباس: نبيُّكم ممن أُمر أن يقتدى بهم (١)، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقد تقدم الكلام على ذلك.
ومن المعلوم أنَّ جميع ما ذكرناه من خصال الخير إنما هو مأخُوذٌ من الأنبياء ﵈ إما فِعْلاً، وإما قولًا، أمراً، أو إرشاداً، ولا خفاء أن جميع أخلاق الصالحين والشهداء والصديقين مندرجة
стр. 2235
تحت أخلاق الأنبياء ﵈، وجميع أخلاق النبيين مندرجة في أخلاق النبي ﷺ كما علمت ذلك مما تقدم.
وقد أثنى الله تعالى على خلقه ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وروى مسلم عن سعيد بن هشام، قال: دخلت على عائشة ﵂ فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقُه القرآن (١).
وقد ظهر بذلك أنَّ من عمل بالقرآن العظيم وتَخَلق بما فيه كان متشبهاً بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقد روى وكيع في "تفسيره": أن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ فَقَد أُدْرِجَتِ النُبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنه لا يُوْحَى إِلَيْهِ" (٢).
ورواه الطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي من حديث عبد الله ابن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَقَدْ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظمَ مَا صَغَرَ اللهُ وَصَغَرَ مَا عَظَّمَ اللهُ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ القُرْآنِ أَنْ يَجِدَّ مَعَ مَنْ جَدَّ، وَلا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ جَهِلَ وَفِي جَوْفِهِ كَلامُ اللهِ" (٣).
стр. 2236
وقوله: "من قرأ القرآن" أي: حقَّ قراءته كما قال تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] لا مجرد إدارته على اللسان مع العمل بخلافه؛ فإنَّ هذا يستوي فيه البر والفاجر.
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وغيرهما عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل؛ قال: فتعلمنا العلم والعمل (١).
وبهذا فسرت الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقوله في رواية وكيع: "من حفظ القرآن" المراد ضبط حدوده، وحلاله وحرامه، والعمل بما فيه، وهذا حقيقة الحكمة.
وقال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢] فسمَّى الله تعالى القرآن حكيما لاشتماله على الحكمة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قال ابن عباس ﵄: الحكمة علم القرآن، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثال ذلك.
стр. 2237
أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
وروى الثاني عن أبي الدرداء ﵁ في الآية قال: قراءة القرآن والفكر فيه (٢).
وروى ابن جرير عن أبي العالية، وعن إبراهيم قالا: الكتاب والفهم فيه.
وعن ابن عباس قال: الفقه في القرآن (٣).
وروى عبد بن حميد عن مجاهد قال: الحكمة الإصابة في القول (٤).
ومضمونه أن الإصابة لا تعدو أحكام القرآن.
وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن في الآية قال: الحكمة الورع (٥).
والورع مما جاء به القرآن العظيم.
стр. 2238
وروى ابن أبي حاتم عن مالك ﵁ قال: قال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: إنَّ الحكمة العقل.
قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أنَّ الحكمة الفقه في دين الله، وأمرٌ يُدخله الله القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك ترى الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله (١).
وروى الشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حَسَدَ إِلا في اثْنتَينِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلَمُهَا" (٢).
وفيه تلويحٌ أن الحكمة بمعنى الحكم بالحق، ولذلك فسَّرها في "القاموس" بالعدل (٣).
وروى ابن أبي حاتم عن مطر الوراق ﵀ قال: بلغنا أنَّ الحكمة خشية الله والعلم به (٤)؛ أي: المعرفة.
стр. 2239
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن ثابت الربعي قال: وجدت فاتحة زبور داود: أنَّ رأس الحكمة خشية الرب (١).
وروى ابن المنذر عن سعيد بن جبير ﵀ قال: الخشية حكمة؛ من خشي الله فقد أصاب أفضل الحكمة (٢).
وروى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن لال في "مكارمه" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الله" (٣).
وروى القرطبي عن مالك: أن الحكمة السُّنَّة (٤).
ولا شك أن السُّنة أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله، والعمل بالسُّنة عين التشبه بالنبي ﷺ ، وفيه يندرج التشبه بالأنبياء ﵈ كما تقدم.
وروى ابن المنذر عن عروة بن الزبير قال: كان يُقال: الرفق رأس الحكمة (٥).
وروى أبو نعيم عن يونس بن ميسرة ﵀ قال: قالت
стр. 2240
الحكمة: يا ابن آدم تلتمسني وأنت تجدني في حرفين؛ تعمل بخير ما تعلم، وتدع شر ما تعلم؟ (١)
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢]؛ ففسر الحكمة بالشكر، والشكر هو الطاعة، والأنبياء ﵈ أطوع البشر لله تعالى، فالمطيع كلما ازداد طاعةً لله تعالى كلما كان متشبهًا بالنبيين ﵈ مقتديًا بهم.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: العقل والفهم، والإصابة في القول في غير نبوة (٢).
وعليه: فقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ على حذف حرف الجر؛ أي: بأن اشكر لله.
وروى ابن عدي وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحِكْمَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنْهَا في العُزْلَةِ، وَوَاحِدٌ في الصَّمْتِ" (٣).
وروى الحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس ﵁: أنَّ لقمان كان عند داود ﵉ وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب ويريدُ أن يسأله وتمنعه حكمته أن
стр. 2241
يسأله, فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليلٌ فاعله، كنت أردت أن أسألك، فسكتُّ حتى لقيتني (١).
ولا شك أن الحكمة ممدوحة وهي علوم القرآن أو داخلة في علومه، ولا ينالها العبد إلا بالطاعة والإخلاص فيها، والزهد في الدنيا مع ملازمة الخوف، والعزلة عما لا ينبغي، والصمت عما لا يعني، كما قال ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُم الرجلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوْا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ". رواه ابن ماجه عن أبي خلاد ﵁ (٢).
ورواه أبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" من حديثه، ومن حديث أبي هريرة ﵁ (٣).
وقال ﷺ : "مَنْ أَخْلَصَ للهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا تَفْجرَت يَنَابِيع الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانه". رواه الإِمام أحمد في "الزهد" عن مكحول مرسلاً، ووصله في "الحلية" عنه، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ (٤).
стр. 2242
وما ذكرناه كله عين ما جاءت به الأنبياء ﵈، فمن أولى الحكمة لم يفته من مقامات الأنبياء ﵈ إلا مفاجأة الملك بالوحي والتشريع والتحدي بالمعجزات، كما قال ﷺ في الحديث السابق: "إِلا أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ"، وهذا ممنوع منه العبد، فختم النبوة بالنبي ﷺ فلم يبقَ له إلا الاقتداء بالأنبياء ﵈، والتشبه بهم فيما عدا ذلك ما لم يكن منسوخًا من شرائع الأنبياء، فذلك هو الحكمة المحمودة التي من جاء بها كان متشبهاً بالأنبياء وبالحكماء أيضًا.
ومن خالف ما لم ينسخ من الشرائع فليس بحكيم، فإنما هو متفسق أو متزندق، أو شيطان رجيم، فإن اتفق أنَّه سمعتَ منه كلمة الحكمة الموافقة للكتاب والسنة كتبت عنه معِ التبري فيما عداها عنه لقوله ﷺ : "الكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِن، فحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا". رواه ابن ماجه، والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة ﵁، وابن عساكر من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (١).
стр. 2243
وروى العسكري في "أمثاله" عن ابن عباس ﵄: أنه قال: خذوا الحكمة ممن سمعتموها، فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير رامٍ (١).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁: أن الصلاة حضرته وإلى جانبه امرأة ترعى غنمًا لها، فأخذ أبو الدرداء مكاناً يُصلي فيه، قالت له المرأة: يا عبد الله! أذهب بك شيء؟ قال: لا والله، قالت: أراك تلتمس، قال: ألتمس مكانًا نقيًا أُصلي فيه، قالت: يا عبد الله! والله إن كان قلبك نقياً لا تبالي حيثما صليت، قال أبو الدرداء: خذها أبا الدرداء من غير فقيه (٢).
ولا يكون المتكلم بالكلمة الواحدة والكلمتين من الحكماء، ولا ينال الفاسق مقام الحكيم.
روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: لا يكون البطال من الحكماء، ولا يرث الزناة من ملكوت السماء (٣).
ثم إنَّه ليس كل حكيم يخرج من عهدة العمل بمقتضى الحكمة إلا أن حكمته تظهر وعليها النور بقدر عمله بها وإخلاصه فيها وفيه وصدقه فيهما.
стр. 2244
وقد روى ابن جهضم عن حسين القزاز (١) قال: أربعة أشياء عزيزة في الخلق؛ عالم مستعمل لعلمه، وحكيم ينطق عن فعله (٢)، وواعظ ليس له طمع، ومتعبد ليس له علاقة (٣).
وروى ابن النجار في "تاريخه" عن المهاجر بن حبيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله تَعَالَى يَقُوْلُ: إِنِّي لَسْتُ عَلَى كُلِّ كَلامِ الْحَكِيْمِ أُقْبِلُ، وَلَكِن أُقْبِلُ عَلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فيِ مَا يُحِبُّ اللهُ وَيرْضَى، جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا للهِ وَوَقَارًا وإنْ لَمْ يتكلَّمْ" (٤).
وروى ابن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إن الله يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله أورثه الله الحكمة (٥).
يُشير إلى أن التكبر حجاب لقلوب العلماء عن الحكمة والنطق بها.
ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] الآية.
стр. 2245
وروى أبو الشيخ في "الثواب" عن أبي بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَوَاضَعُوْا لِمَنْ تَعَلَّمُوْنَ مِنْهُ، وَتَوَاضَعُوْا لِمَنْ تُعَلِّمُوْن، وَلا تَكُوْنُوْا مِنْ جَبَابِرَةِ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ جَهْلُكُم عِلْمَكُم" (١).
وأين الحكمة مع غلبة الجهل، وإنما يغلب الجهل على العالم إذا تكبر أو تجبر، وكذلك إذا عاشر من لا تليق به عشرته من المبتدعة والفسقة.
كما السلمي في "طبقاته" عن فضيل بن عياض ﵀ قال: من جلس مع صاحب بدعة لم يُؤتَ الحكمة (٢).
ومن هنا كان أبعد الناس عن الحكمة والنطق بها الملوك لتجبرهم وكثرة مخالطتهم للفساق، فتجدهم بما هم عليه عن الحكمة معرضين، ولها غير متعرضين.
وقد روى الإمامان ابن المبارك وابن حنبل؛ كلاهما في "الزهد" عن خلف (٣) بن حوشب ﵀ قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فلذلك دعوا لهم الدنيا (٤).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁: أنه ذكر لقمان الحكيم