← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

يسأله, فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليلٌ فاعله، كنت أردت أن أسألك، فسكتُّ حتى لقيتني (١). ولا شك أن الحكمة ممدوحة وهي علوم القرآن أو داخلة في علومه، ولا ينالها العبد إلا بالطاعة والإخلاص فيها، والزهد في الدنيا مع ملازمة الخوف، والعزلة عما لا ينبغي، والصمت عما لا يعني، كما قال ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُم الرجلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوْا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ". رواه ابن ماجه عن أبي خلاد ﵁ (٢). ورواه أبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" من حديثه، ومن حديث أبي هريرة ﵁ (٣). وقال ﷺ : "مَنْ أَخْلَصَ للهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا تَفْجرَت يَنَابِيع الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانه". رواه الإِمام أحمد في "الزهد" عن مكحول مرسلاً، ووصله في "الحلية" عنه، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ (٤).

стр. 2242

وما ذكرناه كله عين ما جاءت به الأنبياء ﵈، فمن أولى الحكمة لم يفته من مقامات الأنبياء ﵈ إلا مفاجأة الملك بالوحي والتشريع والتحدي بالمعجزات، كما قال ﷺ في الحديث السابق: "إِلا أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ"، وهذا ممنوع منه العبد، فختم النبوة بالنبي ﷺ فلم يبقَ له إلا الاقتداء بالأنبياء ﵈، والتشبه بهم فيما عدا ذلك ما لم يكن منسوخًا من شرائع الأنبياء، فذلك هو الحكمة المحمودة التي من جاء بها كان متشبهاً بالأنبياء وبالحكماء أيضًا. ومن خالف ما لم ينسخ من الشرائع فليس بحكيم، فإنما هو متفسق أو متزندق، أو شيطان رجيم، فإن اتفق أنَّه سمعتَ منه كلمة الحكمة الموافقة للكتاب والسنة كتبت عنه معِ التبري فيما عداها عنه لقوله ﷺ : "الكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِن، فحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا". رواه ابن ماجه، والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة ﵁، وابن عساكر من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (١).

стр. 2243

وروى العسكري في "أمثاله" عن ابن عباس ﵄: أنه قال: خذوا الحكمة ممن سمعتموها، فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير رامٍ (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء ﵁: أن الصلاة حضرته وإلى جانبه امرأة ترعى غنمًا لها، فأخذ أبو الدرداء مكاناً يُصلي فيه، قالت له المرأة: يا عبد الله! أذهب بك شيء؟ قال: لا والله، قالت: أراك تلتمس، قال: ألتمس مكانًا نقيًا أُصلي فيه، قالت: يا عبد الله! والله إن كان قلبك نقياً لا تبالي حيثما صليت، قال أبو الدرداء: خذها أبا الدرداء من غير فقيه (٢). ولا يكون المتكلم بالكلمة الواحدة والكلمتين من الحكماء، ولا ينال الفاسق مقام الحكيم. روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: لا يكون البطال من الحكماء، ولا يرث الزناة من ملكوت السماء (٣). ثم إنَّه ليس كل حكيم يخرج من عهدة العمل بمقتضى الحكمة إلا أن حكمته تظهر وعليها النور بقدر عمله بها وإخلاصه فيها وفيه وصدقه فيهما.

стр. 2244

وقد روى ابن جهضم عن حسين القزاز (١) قال: أربعة أشياء عزيزة في الخلق؛ عالم مستعمل لعلمه، وحكيم ينطق عن فعله (٢)، وواعظ ليس له طمع، ومتعبد ليس له علاقة (٣). وروى ابن النجار في "تاريخه" عن المهاجر بن حبيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله تَعَالَى يَقُوْلُ: إِنِّي لَسْتُ عَلَى كُلِّ كَلامِ الْحَكِيْمِ أُقْبِلُ، وَلَكِن أُقْبِلُ عَلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فيِ مَا يُحِبُّ اللهُ وَيرْضَى، جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا للهِ وَوَقَارًا وإنْ لَمْ يتكلَّمْ" (٤). وروى ابن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إن الله يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله أورثه الله الحكمة (٥). يُشير إلى أن التكبر حجاب لقلوب العلماء عن الحكمة والنطق بها. ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] الآية.

стр. 2245

وروى أبو الشيخ في "الثواب" عن أبي بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَوَاضَعُوْا لِمَنْ تَعَلَّمُوْنَ مِنْهُ، وَتَوَاضَعُوْا لِمَنْ تُعَلِّمُوْن، وَلا تَكُوْنُوْا مِنْ جَبَابِرَةِ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ جَهْلُكُم عِلْمَكُم" (١). وأين الحكمة مع غلبة الجهل، وإنما يغلب الجهل على العالم إذا تكبر أو تجبر، وكذلك إذا عاشر من لا تليق به عشرته من المبتدعة والفسقة. كما السلمي في "طبقاته" عن فضيل بن عياض ﵀ قال: من جلس مع صاحب بدعة لم يُؤتَ الحكمة (٢). ومن هنا كان أبعد الناس عن الحكمة والنطق بها الملوك لتجبرهم وكثرة مخالطتهم للفساق، فتجدهم بما هم عليه عن الحكمة معرضين، ولها غير متعرضين. وقد روى الإمامان ابن المبارك وابن حنبل؛ كلاهما في "الزهد" عن خلف (٣) بن حوشب ﵀ قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فلذلك دعوا لهم الدنيا (٤). وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁: أنه ذكر لقمان الحكيم

стр. 2246

فقال: ما أوتي ما أوتي من أهل ومال، ولا حسب ولا جمال، ولكنه كان رجلاً صمصامة سكِّيتًا، طويل التفكر عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يُعيد منطقًا نطق به إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه، وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبكِ عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أُوتي ما أوتي (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت"، وابن جرير عن عمرو بن قيس قال: مر رجلٌ بلقمان والناس عنده فقال: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني (٢). وروى ابن جهضم عن أبي بكر بن أبي داود قال: إذا جالست العلماء والجهال فأنصت لهم؛ فإنَّ في إنصاتك للعلماء زيادة في علمك، وفي إنصاتك للجّهال سلامة، والزم الصمت تعد حكيمًا، عالمًا كنت أو جاهلًا. وروى أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن مِمْشاذُ الدينوري

стр. 2247

قال: الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر (١). وروى أبو نعيم عن الحسن قال: إنَّ أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استيقظت قلوبهم فنطقت بالحكمة (٢). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي عن سيار أبي الحكم قال: قيل للقمان: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني (٣). وروى إسحاق الختلي في "الديباج" عن محمَّد بن جُحادة قال: أُتيَ لقمان في فائدة قالها، فقيل له: هل لك في أن تكون خليفة؟ قال: إن تُجبرني فسمعًا وطاعة، وإن تُخبرني أَخْتار العافية، فقيل له: وما عليك أن تكون خليفة فتعمل بالحق؟ قال: وإن أعمل بالحق فبالحري أن أنجو، وإن أخطئ الحق أُخطِئْ طريق الجنة، وإنّه من يبع الآخرة بالدنيا يخسرهما جميعًا، وأن أعيش ذليلاً حقيراً أحبَّ إليَّ من أن أعيش قوياً عزيزاً، فشكَرَ الله مقالتَه فغطَّه في الحكمة غطَّةً فأصبح وهو أحكم الناس، وكان يعتاده داود ﵇ لحكمته، وكان يقول: انظروا إلى رجلٍ أوتي الحكمة ووقيَ الفتنة.

стр. 2248

وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول بها عن أبي مسلم الخولاني ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لُقْمَانَ كَانَ عَبْداً كَثِيْرَ التَّفَكُّرِ، حَسَنَ الظَّنِّ، كَثِيْرَ الصَّمْتِ، أَحَبَّ الله فَأَحَبَّهُ اللهُ فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ، نُوْديَ بِالْخِلافَةِ قَبْلَ داوُدَ ﵇ فَقِيْلَ لَهُ: يَا لُقْمَانُ! هَلْ لَكَ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ خَلِيفَةً في الأَرْضِ، تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ؟ قَالَ لُقْمَانُ: إِن أَجْبَرَنِي رَبِّي قَبِلْتُ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِي أَعَاننِي وَعَلَّمَنِي وَعَصَمَنِي، وَإِنْ خَيَّرَنِي رَبِّي قَبِلْتُ العَافِيَةَ وَلَمْ أَسْأَلِ البَلاءَ فَقَالتِ الْمَلائِكَةُ [بصوتٍ لا يَراهم] (١): يَا لُقْمَانُ لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّ الْحَاكِمَ بَأَشَدِّ الْمَنَازِلِ وَأكدَرِهَا يَغْشَاهُم الظّلْمُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُخْذَلُ أَوْ يُعَان، فَإِنْ أَصَابَ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْجُوَ، وَإِنْ أَخْطَأَ أَخْطَأَ طَرِيْقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ يَكُوْنُ في الدُّنْيَا ذَلِيْلًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكْوْنَ شَرِيْفًا ضَائِعًا، وَمَن يَخْتَارُ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فاتَتْهُ الدُّنْيَا وَلا يَصِيْرُ إِلَى مُلْكِ الآخِرَةِ، فَعَجِبَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ حُسْنِ مَنْطِقِهِ، فَنَامَ نَوْمَةً فَغطَّ بِالْحِكْمَةِ غَطًّا فَانتبهَ فتكَلَّمَ بِهَا، ثمَّ نُوْدِيَ داوُدُ ﵇ بَعْدَهُ بِالْخِلافَةِ فَقَبِلَهَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَرْطَ لُقْمَان، فَأَهْوَى في الْخَطِيْئَةِ فَصَفَحَ اللهُ عَنْهُ وَتَجَاوَزَ، وَكَانَ لُقْمَانُ يُؤَازِرُهُ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَقَالَ داودُ: طُوْبى لَكَ يَا لُقْمَانُ، أُوْتيْتَ الْحِكْمَةَ فَصُرِفَتْ عَنْكَ البَلِيّةُ، وَأُوْتي داودُ الْخِلافَةَ فَابْتُليَ بِالذَّنْبِ (٢) وَالْفِتْنَةِ" (٣).

стр. 2249

وروى الختلي عن الفضيل قال: من عامل الله بالصدق ورثه الله الحكمة (١). وقال الختلي: ثنا أبو عبد الله مردويه الصائغ قال: قال لي عبد الله ابن المبارك ﵀: إنَّ الفضيل بن عياض صدق الله، فأجرى الحكمة على لسانه، والفضيل ممن نفعه علمه (٢). وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ الرازي ﵀ قال: مثل الحكيم بمنزلة الصياد يصيد العباد من أفواه الشياطين، فالدنيا بحره، والحكمة شبكته، والناس صيده، فلو لم يصِدْ في عمره إلا واحدًا لكان قد أتى خيراً كثيرًا (٣). وفي حديث "الصحيح": "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ" (٤). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وأبو نعيم عن شُمَيْطِ بن عَجْلاَنَ قال: إنَّ الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: إنك إن استنقذت هالكاً من هَلَكَتِه سميتُكَ جِهْبِذاً (٥).

стр. 2250

قال في "القاموس": الجهبذ -بالكسر-: النقَّاد الخبير (١). وروى ابن جهضم عن أبي حمزة البغدادي أنه قال: [من المتقارب] كَلامُ الْحَكِيْمِ شِفاءُ الْقُلُوْبِ ... طَوِيْلُ السَّخاءِ غِياثُ الأُمَم بِنُطْقِ الْحَكِيْمِ يُداوَى السَّقِيْمُ ... وَصَمْتُ الْحَكِيْمِ وِعاءُ الْحِكَم حَياةُ الْحَكِيْمِ كَضَوْءِ الشُّمُوْسِ ... وَمَوْتُ الْحَكِيْمِ بَعِيْدُ الظُّلَم وروى الأستاذ أبو القاسم في "الرسالة" عن رويم ﵀ قال: من حكم الحكيم أن يوسع على إخوانه في الأحكام ويضيق على نفسه؛ فإن التوسعة عليهم اتباع للعلم، والتضييق على نفسه من حكم الورع (٢). وعن سهل بن عبد الله التستري ﵀ قال: لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع المعصية والجهل، وجعل في الجوع العلم والحكمة (٣). وروى أبو نعيم عن منصور بن عمار ﵀ قال: إنَّ الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق، وفي قلوب الزاهدين بلسان

стр. 2251

التفضل (١)، وفي قلوب العباد بلسان التوفيق، وفي قلوب المريدين بلسان التفكر (٢)، وفي قلوب العلماء بلسان التذكير. قال: ومن جَزِعَ من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه (٣). وروى ابن جهضم عن إبراهيم الخواص ﵀ قال: إنَّ الحكمة تنزل من السماء فلا تسكن قلبا فيه أربعة أشياء؛ الرُّكون إلى الدنيا، وهمُّ غدٍ، وحب فضول الدنيا، وحسد أخ (٤). وعن أبي عبد الله بن الجلاء ﵀ قال: إنَّ الله ينطق بالحكمة في كل زمان بما شاكل أعمال ذلك الزمان. وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن محمَّد بن جحادة ﵀ قال: قال لقمان: يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حكيم (٥). وروى أبو نعيم عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عُلَمَاؤُهَا فِتْنه (٦) وَحُكَمَاؤُهَا فِتْنةٌ (٧)،

стр. 2252

تَكْثُرُ الْمَسَاجِدُ وَتَقِلُّ (١) القُرَّاءُ حَتَّى لا يَجِدُوْنَ عَالِمَا إِلا الرَّجُلَ بَعْدَ الرَّجُلِ" (٢). ولعل المراد بالحكماء في هذا الحديث من يتظاهرون بالنطق بالحكمة، أو الحكماء حقيقة، إلا أنهم قد تقتضي الحكمة أن يظهر منهم ما يُوجب الافتتان بهم لفساد الزمان كأن يروا منكرًا فيسكتون عنه لعذر، فيحسبهم بعض من يراهم أنهم أقروه أو يدخلوا في شيء من الرُّخص لحكمة، فيغترَّ بهم من يراهم فيقتدي بهم ولم يعرف طريق القدوة، أو يُعاشر أحدهم بالمعروف من لا بد له من معاشرته، فيظن بعض من يراهم أنَّ ذلك تساهل في الدين أو تهاون في الأمر. وقد روى الحاكم في "تاريخه"، وأبو الشيخ عن ابن المبارك معضلاً، [عن أبي فَاطِمَةَ الإِياديِّ] قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ بِحَكِيْمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوْفِ مَنْ لا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتهِ بُدًّا حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا" (٣).

стр. 2253

وأخرجه أبو نعيم، والديلمي من قول محمَّد بن الحنفية رحمه الله تعالى (١). وقال الشيخ عبد القادر بن حبيب الصفدي ﵀ في "تائيته": [من البسيط] إِنَّ الْحَكِيْمَ الَّذِيْ يُعْطِيْ لِكُل مَقا ... مِ ما يَلِيْقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خَلْطاتِ وروى الحاكم في "المستدرك" وصححه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حَكِيْمَ إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ، وَلا حَلِيْمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ" (٢). وهذا من حيث الغالب، وقد يكون الله تعالى على عبدٍ بالنطق بالحكمة والعمل بها من غير تجربة، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، والمراد بالحُكم الحكمة؟ وروى أبو نعيم، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] قال: "أُعْطِيَ الفَهْمَ وَالعِبَادَةَ وَهُوَ ابنُ سَبع سِنِيْنَ" (٣).

стр. 2254

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" وغيره عن معمر بن راشد ﵀ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى بن زكريا ﵉: اذهب بنا نلعب، قال: ما للعب خُلقت (١)، فهو قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] (٢). وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة (٣) قال: جاء الغلمان ليحيى ابن زكريا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للعب خُلِقْت، قال: فأنزل الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] (٤). ورواه ابن عساكر عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا (٥). وروى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ الغِلْمَانُ لِيَحْيى بنِ زَكَرِيَّا: اذهب بِنَا نَلعَبْ، فَقَالَ يَحْيىَ: أَلِلَّعِبِ خُلقْنَا؟ اذهبُوْا نُصَلِّي؛ فَهُوَ قَوْلُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] " (٦). وروى ابن أبي حاتم عنه موقوفًا، والبيهقي في "شعبه" مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ فَهُوَ مِمَنْ أُوتيَ

стр. 2255

الْحُكْمَ صَبِيًّا" (١). وروى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵁ قال: ضمَّني النبيُّ ﷺ إلى صدره وقال: "اللهُمَّ عَلمْهُ الْحِكْمَةَ" (٢). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الوهاب ابن غيث (٣) المكي قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَي! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله ليحيي [القلوب] (٤) بنور الحكمة كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء (٥). وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَي! عَلَيْكَ بِمُجَالَسَةِ العُلَمَاءِ وَاسْتَمعْ كَلامَ الْحُكَمَاءِ؛ فَإِنَّ الله يُحْيِي القَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُوْرِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيي الأَرْضَ الْمَيِّتةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ (٦). وروى أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحِكْمَةُ

стр. 2256

تَزِيْدُ الشَّرِيْفَ شَرَفًا، وَتَرْفَعُ العَبْدَ الْمَمْلُوْكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوْكِ" (١). ورواه آخرون من كلام لقمان. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. فكما أنَّ العبد ينبغي له أن يتلبس بالحكمة ينبغي له أن يدعو بها لأنها أحكم في اجتلاب النفوس إلى طاعة القدوس، وأبلغ في جذب الأرواح إلى جناب الفتاح، والدعاء إلى الله تعالى بالحكمة خلق من أخلاق الله تعالى. وقد قالت الملائكة ﵈: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وقال تعالى حكايةً عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. وفي قرنه -سبحانه - بين العزيز والحكيم إشارة إلى أن الحكمة يعزُّ ذووها، أو من شأن الحكمة أن يكون صاحبها عزيزاً كما يُشير إليه -أيضا - حديث أنس المذكور آنفًا. وكما أنَّ إلقاء الحكمة خلق رباني فتلقيها وقبولها والاستماع إليها

стр. 2257

خلق نبوي، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وليس من كلام الله تعالى إلا حكيم، وسبق في الحديث "الكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالةُ الْمُؤْمِنِ". وكلما كان قلب المؤمن قابلاً لتلقي الحكمة كان أقرب لوراثة الحكمة النبوية، وكلما كانت القلوب أصفى كانت للحكم أصغى كما قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: إنَّ الطبيعة الطيبة التقية هي التي تكفيها من العظة رائحتها، ومن الحكمة إشارتها، فأما القلوب القاسية فإنَّهَا عن قبول الحكمة قاصية، كما أنَّ الأرض السبخة لا تحفظ الماء، ولا تنبت الكلأ. كما قيل: [من البسيط] إِذا قَسا الْقَلْبُ لَمْ تَنْفَعْهُ مَوْعِظَةٌ ... كَالأَرْضِ إِنْ سَبِخَتْ لَمْ يَنْفَعِ الْمَطَرُ (١) وأقبح ممن يسمع الحكمة ولا يقبلها من يسمع كلام الحكيم فلا يحفظ عنه إلا شر ما يسمع منه، وقد مثله ﷺ بمثالٍ عجيب، فقال: "مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَلا يحدث عَنْ صِاحِبِهِ إِلا شَرَّ مَا يَسْمَعُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى رَاعِيَا فَقَالَ: يَا رَاعِي اجْزُرْ لِي بشَاةٍ مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا شَاةً، فَذهبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الغَنَمِ". رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ (٢).

стр. 2258

وعلى من يعلِّم الحكمة أن لا يلقنها إلى غير أهلها كما روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عكرمة قال: قال عيسى بن مريم للحواريين: يا معشر الحواريين! لا تُلْقُوا اللؤلؤ للخنزير فإنه لا يصنع به شيئًا، ولا تعطوا الحكمة من لا يُريدها فإنَّ الحكمة أحسن من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير (١). وعلى من يعلِّمها ويمليها ومن يسمعها ويستمليها أن لا يقصدا غير وجه الله تعالى، ولا يتطلعا لغرض نفساني ولا غرض دنياوي. وروى أبو نعيم عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] قال: لا تأخذ على ما علمت أجرًا؛ فإنَّما أجر العلماء والحكماء على الله. قال: وهم يجدونه مكتوبًا عندهم: يا ابن آدم علم مجانًا كما عُلمت مجاناً (٢). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عمران الكوفي قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: لا تأخذوا من الناس على ما تعلمون إلا مثل ما أعطيتموني (٣). وروى الديلمي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2259

"الْهَدِيَّةُ تُعْوِرُ عَيْنَ الْحَكِيْمِ" (١). والمعنى أنها تعور عين بصيرته، فتبرز حكمته كاسفة. وقد انتهى الكلام على الحكمة والتشبه بالحكماء، وقد علمت أنه داخل في التشبه بالأنبياء ﵈. وقد استغنينا بذلك عن عقد باب أو فصل للتشبه بالحكماء. واعلم أن التشبه بالأنبياء والحكماء والصديقين والشهداء في هذا الزمان في غاية العزة والقلة لا يكاد يتفق أصلًا، وإن اتفق وقوعه في كل قرن أو قريب منه من أحد فإنه يكون غريبا. وعلى كل حال فالخير في هذه الأمة لا ينقطع ببركة نبيها ﷺ وإن أكثر الخبث، ولكن يتضاعف أجر التمسك بالدين في هذه الأحايين أضعافًا كثيرة. وقد روى الترمذي، وابن ماجه، وغيرهما عن أبي أمية الشَّعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ " قال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "ائتمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَر حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مَطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدنْيَا مُؤْثَرَةً، وإِعْجَابَ كُلِّ في رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدع عَنْكَ العَوَامَّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَبْر، الصَّبْرُ فِيْهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيْهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ

стр. 2260

خَمْسِيْنَ رَجُلاً يَعْمَلُوْنَ مِثْلَ عَمَلِهِ" (١). وزاد أبو داود في روايته: قيل: يا رسول الله! أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِيْنَ مِنْكُم" (٢). وروى الخطيب من حديث سعيد بن زيد -وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ وأقبل على أسامة بن زيد ﵄. ورواه الحارث بن أبي أسامة عن أبي هريرة ﵁، وأسامة بن زيد ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "أَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ طَالَ جُوْعُهُ وَعَطَشُهُ وَحُزْنُهُ في الدُّنْيَا، الأَخْفِيَاءُ الأتقِيَاءُ الَّذِيْنَ إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوْا، وإنْ غَابُوْا لَمْ يُفْتَقَدُوا، تَعْرِفُهُم بِقَاعُ الأَرْضِ، وَتَحُفُّ بِهِم مَلائِكَةُ السَّمَاءِ، نَعِمَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَنَعِمُوا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، افْتَرَشَ النَّاسُ الفُرُشَ وافْتَرَشُوْا الْجِباهَ وَالرُّكَبَ، ضَيَّعَ النَّاسُ صُنع النَبِيِّيْنَ وَأَخْلاقَهُم وَحَفِظُوْا هم، تَبْكِي الأَرْضُ إِذَا فَقَدَتْهُم، وَيسْخَطُ اللهُ عَلَى كُلِّ بَلْدةٍ لَيْسَ فِيْهَا مِنْهُم أَحَدٌ، لَمْ يتكَالَبُوْا عَلَى الدُّنْيَا تَكَالُبَ الكِلابِ عَلَى الْجِيَفِ، أكَلُوْا الفِلَقَ وَلَبِسُوْا الْخِرَقَ، شُعْثا غُبْرًا، يَرَاهُمُ النَّاسُ يَظُنُّوْنَ بِهِم دَاءً وَمَا بِهِم دَاء، يُقَالُ: قَدْ خُوْلطُوْا وَذَهَبَتْ عُقُوْلُهُم، وَلَكِنْ نَظَرَ القَوْمُ بِقُلُوْبِهِم إِلَى أَمْرٍ أَذْهَب عَنْهُمُ الدُّنيا، فَهُم عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا يَمْشُوْن بِلا عُقُوْلٍ، عَقَلَوْا حَيْثُ ذهبَتْ عُقُوْلُ

стр. 2261

النَّاسِ، لَهُمُ الشَّرَفُ في الآخِرَةِ، يَا أَسَامَةُ! إِذَا رَأَيْتَهُم في بَلْدةٍ فَاعْلَم أَنَّهم أَمَانٌ لِتِلْكَ البَلْدَةِ، لا يُعَذِّبُ اللهُ تَعَالَى قَوْمَا هُمْ فِيْهِم، عَسَى أَنْ تنجُو بِهِم، إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَأتِيَكَ الْمَوْتُ وَبَطْنُكَ جَائِعٌ وَكَبِدُكَ ظَمْآنٌ فَإِنَّكَ تُدْرِكُ بِذَلِكَ شَرَفَ الْمَنَازِلِ، وَتَحُلُّ مَعَ النَّبِييْنَ، وَتَفْرَحُ بِقُدُوْمِ رُوْحِكَ الْمَلائِكَةُ، وَيُصَلي عَلَيْكَ الجبارُ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن أُبي بن كعب ﵁ قال: عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ليس عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشيته فمسته النار أبدًا، وليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الله فاقشعرَّ جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح، فتحاتَّت ورقها عنها إلا تحاتت خطاياه كما يتحاتُّ عن هذه الشجرة ورقها، وإن اقتصاداً في سنَّة وسبيل خيرٌ من اجتهاد في غير سنة وسبيل، فانظروا أعمالكم فإن كانت اقتصاداً واجتهاداً أن تكونوا على منهاج الأنبياء وسنتهم (٢). ١ - فمنها: العلم وطلبه، والرحلة في طلبه والاستزادة منه . قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].

стр. 2262

وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وقال: ﴿عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. وقال في الخضر ﵇: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. وقال في داود ﵇: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقال فيه وفي أبيه داود ﵉: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٥، ١٦]. وقال تعالى حكايته عن موسى والخضر ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى حكايةً عن يوسف ﵇: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]. وجميع الأنبياء ﵈ علماء بأحكام الله تعالى، عارفون بصفاته تعالى، وعنهم يُورث العلم ويؤخذ. وفي الحديث المتقدم: "إنَّ العُلَمَاءَ وَرثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوْا دِيْنَارًا وَلا دِرْهَمًا، وإنَّمَا وَرَّثُوْا العِلْمَ" (١).

стр. 2263

وقال ابن عباس ﵄: إن سليمان ﵇ خُيِّر بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال والملك (١). وروى الطبراني في "الأوسط" من حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جَاءَهُ أَجَلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ العِلْمَ لَقِيَ اللهَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّيْنَ إِلا دَرَجُةُ النّبُوَّةِ" (٢). وروى الدينوري في "المجالسة" عن معن بن بجير ﵀ قال: أوحى الله إلى داود ﵇: "يا داود! اتخذ نعلين من حديد وعصا من حديد، واطلب العلم حتى تنخرق نعلاك وتنكسر عصاك" (٣). وقال رسول الله ﷺ : "أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ دَرَجَةِ النُّبُوَةِ أَهْلُ العِلْمِ وَأَهْلُ الْجِهَادِ، أَمَّا أَهْلُ العِلْمِ فَدَلوا النَّاسَ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْجِهَادِ فَجَاهَدُوا بِأسْيَافِهِم عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل". رواه

стр. 2264

أبو نعيم في "فضل العالم العفيف" عن ابن عباس ﵄ (١). وأورده أبو طالب المكي في كتاب "القوت" من حديث معاذ بن جبل ﵁ (٢). ومن لطائف النكت: ما رواه الخطيب عن أبي صالح بن محمَّد البغدادي قال: كان ببغداد شاعران أحدهما صاحب حديث والآخر معتزلي، فاجتاز بي المعتزلي يومًا فقال لي: يا بني! كم تكتب يذهب بصرك، ويحدودب ظهرك، ويزداد فقرك؟ ثم أخذ كتابي وكتب عليه: [من مجزوء الكامل المرفل] إِنَّ الْقِراءَةَ وَالتَّفَقْـ ... ـهَ وَالتَّشاغُلَ بِالْعُلُوْمِ أَصْلُ الْمَذَلَّةِ وَالإِضا ... قَةِ وَالْمَهانَةِ وَالْهُمُوْمِ قال: ثم ذهب وجاء الآخر، فقرأ هذين البيتين، فقال: كذب عدو نفسه، بل يرتفع ذكرك، وينتشر علمك، ويبقى اسمك مع اسم رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ثم كتب هذين البيتين: [من مجزوء الكامل المرفل] إِنَّ التَّشاغُلَ بِالدَّفا ... تِرِ وَالْكِتابَةِ وَالدِّراسَة أَصْلُ التَّفَقُّهِ وَالتَّزَهْ ... هُدِ وَالرِّئاسَةِ وَالسِّياسَة (٣)

стр. 2265

٢ - ومنها: تعليم العلم وإفادته، وإرشاد الناس إلى الخير . روى الدينوري وأبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: إنَّ معاذاً كان أمة قانتًا، فقال رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن ما الأمة؟ قال: الذي يعلم الناس الخير، فقال: وما القانت؟ قال: الذي يطيع الله. ثم قال ابن مسعود للرجل: إنا كنا نشبِّهه بإبراهيم ﵇ (١). ورواه أبو نعيم عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود ﵁: إن معاذ بن جبل ﵁ كان أمةً قانتاً لله حنيفاً، فقيل: إنَّ إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً، فقال: هل تدري ما الأمة وما القانت؟ فقلت: الله أعلم، قال: الأمة الذي يُعلم الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله، وكان معاذ بن جبل يُعلم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ولرسوله (٢). وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي عن عبد العزيز بن ظبيان ﵀ قال: قال المسيح ﵇: من تعلَّم وعمل وعلَّم فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماء (٣).

стр. 2266

٣ - ومنها: النطق بالحكمة . قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. اللام في قوله: "لما آتيتكم" توطئة للقسم؛ لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف كأنه استحلفهم بما آتاهم من الكتاب والحكمة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وينصروه إن بُعِثَ وهم أحياء. ففي الإقسام بالحكمة على هذا الأمر العظيم تفخيم لأمر الحكمة، وجميع الأنبياء ينطقون بالحكمة، ولم يكن لقمان نبيًا ولكن كان حكيمًا، فأثنى الله عليه باسمه في القرآن العظيم كما أثنى على الأنبياء ﵈ بأسمائهم، ولقد قال: ألا إنَّ يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلم أحدهم إلا ما هيَّأَ الله له. رواه الإِمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان؛ فذكره (١). وقد أشبعنا الكلام في الحكمة في صدر هذا الباب. ٤ - ومنها: النصيحة . قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢].

стр. 2267

وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. وعن صالح وشعيب ﵉: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩] و [الأعراف: ٩٣]. وفي الحديث الصحيح: "الدِّيْنُ النَّصِيْحَة" (١)، وهي كلمة جامعة لجملة إرادة الخير. وروى عبد الله بن المبارك، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أَحَبُّ مَا يَعْبُدُنِي بِهِ عَبْدِي النُّصْحُ لِي" (٢). وروى أبو الحسن بن جهضم عن إبراهيم بن أدهم ﵀: أنه ساح في بداية أمره، فلقيه [رجل] حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فقال له: يا غلام! من أين وإلى أين؟ قال إبراهيم: من الدنيا إلى الآخرة، قال له: يا غلام أنت جائع؟ قال: نعم، فقال لي الشيخ: فصلى ركعتين خفيفتين وسلم، فإذا عن يمينه طعام وعن شماله ماء، قال: فقال: كُلْ، فأكلت بقدر شبعي، وشربت بقدر ربي، فقال لي الشيخ: اعقل وافهم، لا تحزن ولا تستعجل؛ فإنَّ العجلة من الشيطان، وإيّاك والتمرد على الله تعالى؛ فإنَّ العبد إذا تمرَّد على الله

стр. 2268

أورث الله قلبه الظلمة والضلالة مع حرمان الرزق، ولا يبالي الله في أي وادٍ هلك، يا غلام! إنَّ الله تعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً جعل له في قلبه سراجاً يفرق به بين الحق والباطل والناس فيهما متشابهون، يا غلام! إني معلمك اسم الله الأكبر -أو قال: الأعظم-، فإذا أنت جُعْمتَ فادع الله حتى يُشبعك، وإذا عطشت فادع الله حتى يرويك، وإذا جالست الأخيار فكن لهم أرضا يطؤونك؛ فإن الله يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم، يا غلام! خذ كذا حتى آخذ كذا، قال إبراهيم: فلم أبرح، فقال الشيخ: اللهم احجبني عنه واحجبه عني، فلم أدرِ أين ذهب، فأخذت في طريقي ذلك، وذكرت الاسم الذي علمني، فلقيني رجل حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب، فأخذ بحجزتي وقال: حاجتك ومن لقيت في سفرك هذا؟ قلت: شيخاً من صفته كذا وكذا، وعلمني كذا وكذا، فبكى، فقلت: أقسمت عليك بالله مَنْ ذاك الشيخ؟ فقال: ذاك إلياس ﵇ أرسله الله إليك ليعلمك أمر دينك، فقلت له: فأنت يرحمك الله مَنْ أنت؟ قال: أنا الخضر (١). وهذه الحكاية من لطائف نصائح الأنبياء ﵈، وفيها إشارة إلى حياة إلياس والخضر (٢) ﵉.

стр. 2269

والذي عليه المحققون أنَّ أربعة من الأنبياء أحياء إلى قيام الساعة؛ اثنان في السماء وهما إدريس وعيسى ﵉، واثنان في الأرض وهما إلياس والخضر ﵉ (١). وقد روى أبو حفص بن شاهين عن خصيف ﵀ قال: أربعة من الأنبياء أحياء؛ اثنان في السماء: عيسى وإدريس، واثنان في الأرض: الخضر وإلياس، فأما الخضر فإنه في البحر، وأما صاحبه فإنَّه في البر (٢).

стр. 2270

٥ - ومنها -وهو من أخص أعمالهم وأغلب أحوالهم-: الدعاء إلى الله والإرشاد إليه . قال الله تعالى حكايةً عن نوح ﵇ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦]. والآيات في ذلك كثيرة. وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن العوام بن حوشب ﵀ قال: ما أشبه الحسن -يعني: البصري- إلا بنبي أقام في قومه ثلاثين عامًا يدعوهم إلى الله (١). ٦ - ومنها: التوحيد، والإِسلام، والإيمان، والإحسان . وهذا هو الدين الواحد الذي أجمع عليه الأنبياء ﵈، وهو المشار إليه في قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إِنَّا نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أَوْلادُ عَلاَّت، أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِيْنُهُم وَاحِدٌ" (٢)؛ يعني: التوحيد والإيمان.

стр. 2271

وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ : أنه قال: "خَيْرُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنا وَالنَّبِيِّوْنَ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْرٌ" (١). وقال الله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣١]. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وروى الدينوري وأبو نعيم عن سفيان الثوري ﵀ قال: لما جاء البشير إلى يعقوب ﵇ قال: على أي دينٍ تركت يوسف ﵇؟ قال: على الإِسلام، فقال: الآن تمت النعمة (٢).

стр. 2272

٧ - ومنها: شهود الأفعال من الله تعالى على وجه الحكمة . روى الدينوري عن أبي سليمان الداراني ﵀ قال: بينما عيسى ﵇ يمشي في يومٍ صائف وقد مسَّه حرُّ الشمس والعطش، فجلس في ظل خيمة، فخرج إليه صاحب الخيمة فقال: يا عبدُ! قم من ظلنا، فقام عيسى فجلس في الشمس، وقال: ليس أنت الذي أقمتني، إنما أقامني الذي لم يُرد أن أُصيب من الدنيا شيئًا (١). وروى ابن أبي حاتم، وأبو نعيم، وابن عساكر عن يزيد بن ميسرة ﵀ قال: لما ابتلى الله تعالى أيوب ﵇ بذهاب المال والأهل والولد فلم يبقَ له شيء أحسنَ الذكرَ والحمدَ لله رب العالمين، ثم قال: أحمدك رب الذي أحسنت إلي، قد أعطيتني المال والولد فلم يبقَ من قلبي، شعبة إلا قد دخلها ذلك، فأخذت ذلك كله مني وفرغت قلبي، فليس يحوله بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس الذي صنعت إليَّ حَسَدني، فلقي إبليس من هذا شيئًا منكرًا (٢). ٨ - ومنها: القيام بالحقوق وتأدية الأمانات . قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]؛ يعني: آدم

стр. 2273

عليه السلام كما قال ابن عباس، وأبو العالية، وأبو حازم، وابن جريج، ومجاهد، وقتادة، وعامة المفسرين مع تفسيرهم الأمانة بالدين وتأدية الفرائض (١). وروى إسحاق الختلي، ومن طريقه الأصفهاني في "الترغيب" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَدَاءُ الْحُقُوْقِ وَحِفْظُ الأَمَاناَتِ دِيْني وَدِيْنُ النَّبِيِّيْنَ مِنْ قَبْلِي"، الحديث (٢). * تنبِيْهٌ: الأنبياء ﵈ معصومون لا يجوز في حقهم منع الحقوق ولا الخيانة أصلًا، بل يحرم عليهم خائنة الأعين زيادةً في إكرامهم، ومبالغة في تحققهم بالعدل والإنصاف. وقد روى أبو داود، والنسائي، وغيرهما، وصححه الحاكم - قال ابن حجر: وإسناده صالح - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ حديثاً فيه قصة الذين أمر رسول الله ﷺ بقتلهم يوم فتح مكة، وأن منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأنَّ عثمان ﵁ استأمن له النبي ﷺ فأبى أن يبايعه ثلاثًا ثم بايعه، ثم قال لأصحابه: "أَمَا كَانَ فِيْكُم رَجُلٌ رَشِيْدٌ

стр. 2274

يَقوْمُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدَي عَنْهُ فَيَقْتُلَهُ"، قالوا: وما يُدرينا ما في نفسك يا رسول الله، هلاَّ أومأتَ إلينا بعينك، قال: "إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ" (١). وفي حديث آخر أخرجه أبو داود، والترمذي عن أنس ﵁ في قصة رجل من الكفار كان نذر بعض الصحابة أن يضرب عنقه، ثم جاء الرجل تائبًا، فأمسك النبي ﷺ لا يبايعه، وتوقف الذي كان نذر عن قتله، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يفعل شيئًا بايعه، فقال الرجل: نذري؟ فقال: "إِنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مِنْذُ اليَوْم إِلا لِتُوْفِي بِنَذْرِكَ"، فقال: يا رسول الله! ألا أومضت إلي؟ فقال: "إِنَّهُ لَيَسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ" (٢). وفي حديث أخرجه ابن سعد عن سعيد بن المسيب - مرسلاً - في قصة ابن أبي سرح وتوقف النبي ﷺ عن مبايعته ليقتله أنصاري كان نذر أن يقتله، ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: "فَهَلا وَفَّيْتَ بِنَذْرِكَ"، قال: يا رسول الله! انتظرتك فلم تُومض لي، فقال: "الإِيْمَاءُ خِيَانةٌ، وَلَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُوْمِئَ" (٣). يقال: أومض الرجل: أشار إشارةً خفية كما في "القاموس" (٤).

стр. 2275

٩ - ومنها: القضاء بالحق . قال الله تعالى في داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]؛ أي: علم القضاء؛ قاله السُّدِّي، وغيره. وقال قتادة: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. رواهما ابن جرير (١). وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]. وإنما يحصل التشبه في ذلك بالأنبياء ﵈ بالعدل والحكم بالحق عن علم، والتجنب عن الجور والميل إلى أحد المتخاصمين مع كف النفس عن أموالهما، وما ينجر إليه من قبل أحد منهما من هدية أو مساعدة في أمر، أو إعارة جاء، أو مزيد إكرام، ومع عدم الخوف والخشية من أحدهما أو ممن يتجوه به أحدهما أو ينتسب إليه، ولا بد للقاضي من قطع طمعه عن الدنيا في قضائه بالكلية مع ملازمة الآداب

стр. 2276

والحذر مما يحذر. وهذا في زماننا هذا ضالة لا توجد، ويكفيك أن ابن عمر ﵁ قد امتنع عن تولية القضاء، والعازم عليه فيه عثمان بن عفان ﵁، والمقضي بينهم الصدر الأول والسلف الصالح لثقل أعباء القضاء كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التشبه بأهل الكتاب. وقد روى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ" (١). قال المنذري: ومعنى قوله: "فقد ذبح بغير سكين": أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها، فإذا ذُبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها. وقيل: إن الذبح لما كان في ظاهر العُرف وغالب العادة بالسكين دلَّ عدول رسول الله ﷺ عن ظاهر العُرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أنَّ مراده ﷺ بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه؛ ذكره الخطابي (٢). وقلت: وظهر لي في قوله ﷺ . "مَنْ وُلِّي القَضَاءَ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ" أنَّه مذبوح بالألسنة وإن عدل، وجرح اللسان كجرح اليد؛ فإنَّ

стр. 2277

قوله: "من ولي القضاء" شامل لمن وليّه فعدل، ومن وليّه فلم يعدل، فأما ذبح القاضي غير العادل فظاهر؛ لأن الناس يطلقون ألسنتهم فيه، ومن ورائه عذاب الله تعالى وهو أهلٌ لذلك لجوره وظلمه، وأما العادل فإنه مذبوح بلسان المحكوم عليه؛ لأن المنقادين إلى الحق والرجاعين إليه قليل، فقلَّ من يحكم عليه قاضٍ إلا قال: جار عليَّ القاضي ووقع فيه، فهذا وجه ذبحه، على أن العدل الآن مع العلم في غاية العِزَّة. ومما اتفق في زماننا: أن رجلًا دخل جامع دمشق، فذبح نفسه بسكين عظيمة كانت في يده ووقع ميتًا، فوقف الناس عليه ينظرون إليه وفيهم قاضٍ كان أول ما ولي القضاء، فجعل يتعجب من الرجل كيف ذبح نفسه، فقال له بعض الظرفاء: يا مولانا! ليس العجب من هذا فقد ذبح نفسه بسكين، إنما العجب ممن ذبح نفسه بغير سكين. ١٠ - ومن أعمال الأنبياء ﵈: مصابرة العبادة . قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. قال ابن عباس: الأيدي: القوة في العبادة، والأبصار: الفقه في الدين. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).

стр. 2278

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن كعب قال: كان لإبراهيم ﵇ بيت يتعبَّد فيه (١). وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. قال ثابت البناني رحمه الله تعالى: بلغنا أن داود ﵇ جزَّأ الصلاة على بيُوته على نسائه وولده، فلم يكن يأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يُصلي، فعمتهم هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] (٢). وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨]. وقال تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وروى ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة ﵂ قالت: ظلَّ رسول الله ﷺ صائمًا ثم طوى (٣)، ثم ظلَّ صائمًا ثم طوى، ثم ظل صائمًا، قال: "يَا عَائِشَةُ! إِنَّ الدُّنْيَاَ لا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ! إِنَّ الله لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلا بِالصَّبْرِ عَلَى

стр. 2279

مَكَرُوْهِهَا، والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوْبِهَا، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إِلا أَنْ يُكَلِّفَنِي مَا كَلَّفَهُم، فَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، والَّذِي نَفْسِي بِيَده لأَصْبِرنَّ كَمَا صَبَرُوا جُهْدِي، وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ" (١). ١١ - ومنها: إقامة الصلاة، والمحافظة عليها وعدم التهاون بها . قال تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]؛ يعني: زكريا ﵇. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم عن كعب ﵀ قال: إنَّ إبراهيم ﵇ قال: يا رب! إنه ليحزنني أني لا أرى أحدًا في الأرض يعبدك غيري، فأنزل الله إليه ملائكةً يصلون معه (٢). وروى أبو نعيم عن وهب ﵀ قال: قرأت في بعض الكتب التي نزلت من السماء: أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵊: "أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ " قال: "لا يا رب"، قال: "لذل مقامك بين يدي في الصلاة" (٣). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن شهر بن حوشب ﵀

стр. 2280

قال: خرج داود ﵇ إلى البحر في ساعة يصلي فيها، فنادته ضفدعة فقالت: يا داود! إنك حدَّثت نفسك أنك قدست في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني في سبعين ألف ضفدع كلها قائمة على رجل تُسبح الله تعالى وتقدسه (١). * تنبِيْهٌ: روى ابن أبي شيبة عن أبي العالية ﵀: أنه سُئِلَ: بأي شيءٍ كان الأنبياء ﵈ يستفتحون الصلاة؟ قال: بالتوحيد والتسبيح والتهليل (٢). وروى عبد الرزاق عن أبان قال: لم يُعْطَ التكبير أحد إلا هذه الأمة (٣). وروى ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله! كيف نقول إذا دخلنا الصلاة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نفتتح الصلاة بالتكبير (٤). * فائِدَةٌ: الصلوات الخمس على هذا الأسلوب الذي كلفت به هذه الأمة خاصة بها، وصلاة العشاء على الخصوص خاصة بهذه الأمة؛ بدليل
следующие страницы →