← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

والحذر مما يحذر. وهذا في زماننا هذا ضالة لا توجد، ويكفيك أن ابن عمر ﵁ قد امتنع عن تولية القضاء، والعازم عليه فيه عثمان بن عفان ﵁، والمقضي بينهم الصدر الأول والسلف الصالح لثقل أعباء القضاء كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التشبه بأهل الكتاب. وقد روى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ" (١). قال المنذري: ومعنى قوله: "فقد ذبح بغير سكين": أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها، فإذا ذُبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها. وقيل: إن الذبح لما كان في ظاهر العُرف وغالب العادة بالسكين دلَّ عدول رسول الله ﷺ عن ظاهر العُرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أنَّ مراده ﷺ بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه؛ ذكره الخطابي (٢). وقلت: وظهر لي في قوله ﷺ . "مَنْ وُلِّي القَضَاءَ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ" أنَّه مذبوح بالألسنة وإن عدل، وجرح اللسان كجرح اليد؛ فإنَّ

стр. 2277

قوله: "من ولي القضاء" شامل لمن وليّه فعدل، ومن وليّه فلم يعدل، فأما ذبح القاضي غير العادل فظاهر؛ لأن الناس يطلقون ألسنتهم فيه، ومن ورائه عذاب الله تعالى وهو أهلٌ لذلك لجوره وظلمه، وأما العادل فإنه مذبوح بلسان المحكوم عليه؛ لأن المنقادين إلى الحق والرجاعين إليه قليل، فقلَّ من يحكم عليه قاضٍ إلا قال: جار عليَّ القاضي ووقع فيه، فهذا وجه ذبحه، على أن العدل الآن مع العلم في غاية العِزَّة. ومما اتفق في زماننا: أن رجلًا دخل جامع دمشق، فذبح نفسه بسكين عظيمة كانت في يده ووقع ميتًا، فوقف الناس عليه ينظرون إليه وفيهم قاضٍ كان أول ما ولي القضاء، فجعل يتعجب من الرجل كيف ذبح نفسه، فقال له بعض الظرفاء: يا مولانا! ليس العجب من هذا فقد ذبح نفسه بسكين، إنما العجب ممن ذبح نفسه بغير سكين. ١٠ - ومن أعمال الأنبياء ﵈: مصابرة العبادة . قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. قال ابن عباس: الأيدي: القوة في العبادة، والأبصار: الفقه في الدين. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).

стр. 2278

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن كعب قال: كان لإبراهيم ﵇ بيت يتعبَّد فيه (١). وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. قال ثابت البناني رحمه الله تعالى: بلغنا أن داود ﵇ جزَّأ الصلاة على بيُوته على نسائه وولده، فلم يكن يأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يُصلي، فعمتهم هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] (٢). وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨]. وقال تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وروى ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة ﵂ قالت: ظلَّ رسول الله ﷺ صائمًا ثم طوى (٣)، ثم ظلَّ صائمًا ثم طوى، ثم ظل صائمًا، قال: "يَا عَائِشَةُ! إِنَّ الدُّنْيَاَ لا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ! إِنَّ الله لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلا بِالصَّبْرِ عَلَى

стр. 2279

مَكَرُوْهِهَا، والصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوْبِهَا، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إِلا أَنْ يُكَلِّفَنِي مَا كَلَّفَهُم، فَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، والَّذِي نَفْسِي بِيَده لأَصْبِرنَّ كَمَا صَبَرُوا جُهْدِي، وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ" (١). ١١ - ومنها: إقامة الصلاة، والمحافظة عليها وعدم التهاون بها . قال تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]؛ يعني: زكريا ﵇. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم عن كعب ﵀ قال: إنَّ إبراهيم ﵇ قال: يا رب! إنه ليحزنني أني لا أرى أحدًا في الأرض يعبدك غيري، فأنزل الله إليه ملائكةً يصلون معه (٢). وروى أبو نعيم عن وهب ﵀ قال: قرأت في بعض الكتب التي نزلت من السماء: أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵊: "أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ " قال: "لا يا رب"، قال: "لذل مقامك بين يدي في الصلاة" (٣). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن شهر بن حوشب ﵀

стр. 2280

قال: خرج داود ﵇ إلى البحر في ساعة يصلي فيها، فنادته ضفدعة فقالت: يا داود! إنك حدَّثت نفسك أنك قدست في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني في سبعين ألف ضفدع كلها قائمة على رجل تُسبح الله تعالى وتقدسه (١). * تنبِيْهٌ: روى ابن أبي شيبة عن أبي العالية ﵀: أنه سُئِلَ: بأي شيءٍ كان الأنبياء ﵈ يستفتحون الصلاة؟ قال: بالتوحيد والتسبيح والتهليل (٢). وروى عبد الرزاق عن أبان قال: لم يُعْطَ التكبير أحد إلا هذه الأمة (٣). وروى ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله! كيف نقول إذا دخلنا الصلاة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نفتتح الصلاة بالتكبير (٤). * فائِدَةٌ: الصلوات الخمس على هذا الأسلوب الذي كلفت به هذه الأمة خاصة بها، وصلاة العشاء على الخصوص خاصة بهذه الأمة؛ بدليل

стр. 2281

ما رواه الطبراني في "معاجمه الثلاثة" عن المنكدر ﵁: أنَّ النبي ﷺ خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة، والناس ينتظرون في المسجد، فقال: "ما تنتظِرُوْنَ؟ " قالوا: ننتظر الصلاة، قال: "أَما إِنَّكمْ لَنْ تَزالُوْا فِيْ صَلاةٍ ما انتُظَرْتُمُوْها"، ثم قال: "أمَا إِنَّها صَلاةٌ لَمْ يُصَلها أَحَدٌ مِمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ". وذكر الحديث (١). وأول من صلَّى آدم ﵇، ثم أول من أنزل عليه الأمر بالصلاة ذات الأفعال وبالخشوع فيها والمداومة عليها، كما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب. وروى ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]؛ قال: البُكرة صلاة الفجر، وعشياً صلاة العصر (٢). وقد تواردت الآثار بأن الأمم -أو أكثرهم- كانوا يصلون أول النهار وآخره، إلا أنها ليست مشتملة على جميع ما اشتملت عليه صلاة هذه الأمة بجميع أركانها المعروفة، وشروطها المحفوظة، وأبعاضها المذكورة، وهيئاتها المعروفة. * فائِدَةٌ أخرى: روى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال:

стр. 2282

خرجت في عين (١) آدم شأفةٌ -يعني: بثرة -، فصلَّى صلاة فانحدرت إلى صدره، ثم صلى صلاةً فانحدرت إلى الحقو، ثم صلى صلاةً فانحدرت إلى الكف، ثم صلى صلاةً فانحدرت إلى الإبهام، ثم صلى صلاة فذهبت (٢). وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن عمرو -أيضًا- قال: إن آدم ﵇ خرجت به شأفة في إبهام رجله، ثم ارتفعت إلى أصل قدميه، ثم ارتفعت إلى ركبتيه، ثم ارتفعت إلى حقويه، ثم ارتفعت إلى أصل عنقه، فقام فصلى فنزلَتْ إلى منكبيه، ثم صلى فنزلت إلى حقويه، ثم صلَّى فنزلت إلى ركبتيه، ثم صلى فنزلت إلى قدميه، ثم صلَّى فذهبت (٣). قال في "القاموس": الشأفة: قرحة تخرج في أصل القدم، فتُكوى فتذهب، وإذا قُطعت مات صاحبها (٤). وعليه: فتكون الشأفة في العين مستعارة من الشأفة التي في القدم، سُميت باسمها لتشابههما. والمراد بها البثرة كما فسرها الراوي في أثر عبد الرزاق، ويجمع

стр. 2283

بينه (١) وبين أثر ابن المبارك بانهما واقعتان اتفقنا لآدم فحدَّث عبد الله بن عمرو تارة بقصة البثرة التي خرجت في عين آدم، وتارة بقصة الشأفة التي خرجت له في إبهام رجله، وفي الواقعتين استشفى آدم ﵇ بالصلاة. وفيه: أنَّ الصلاة تدفع البلاء، وتشفي من السَّقم، وتبُرئ العاهات، وأنَّ التداوي بالصلاة عادة نبوية. ١٢ - ومنها: الفزع عند الأمور المهمة إلى الصلاة، وطلب الرزق والحاجة بها . روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ثابت -هو البناني- مرسلاً قال: كان النبي ﷺ إذا أصاب أهله خصاصة نادى أهله بالصلاة: "صَلُّوْا صَلُّوْا" (٢). قال ثابت: وكانت الأنبياء ﵈ إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة (٣). قلت: ومما يدلُ على ما ذكره ثابت ما ذكرناه آنفاً عن آدم في

стр. 2284

الاستشفاء بالصلاة من الشأفة. وروى سعيد بن منصور، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" بسند صحيح، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] (١). قلت: لعل الحكمة في ذلك أنَّ الصلاة معراج المؤمنين إلى الله تعالى، وهي طريقهم للدخول عليه ، والقُرب منه كما في الحديث: "الصَّلاةُ قُرْبانٌ" (٢)، بل قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فالصلاة وسيلة العبد إلى الله تعالى بلا واسطة، لا يحتاج معها إلى ترجمان ولا إلى شفيع. وإنما قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]؛ لأنَّ من طلب حاجة من ملك احتاج إلى الصبر لا لضيق خزانة الملك، ولا لعدم نفوذ أمره فيها لكن لمهابة الملك ورعاية الأدب، فكيف بملك الملوك لا هيبة ولا جلالة ولا عظمة إلا له ، والعبد أحرى بسلوك الأدب معه -سبحانه - منه مع غيره، ومن ثم قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣].

стр. 2285

١٣ - ومنها: الطهارة للصلاة . بل مطلق الطهارة والنظافة خلق نبوي، والأنبياء أولى بها من غيرهم، وكان الأولى تقديم الطهارة على ذكر الصلاة لأنها مقدمتها وشرطها إلا أنه كذلك اتفق الإملاء. وفي "الصحيح": حديث اغتسال موسى ﵇ مستتراً (١). وروى أبو نعيم عن سباع الموصلي رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: إلهي! أمرتني أن أُطهر لكَ يديَّ ورجليَّ بالماء لصلاتي، فبماذا أُطهر لك قلبي؟ قال: فأوحى الله إليه: "بالغموم والهموم" (٢). ١٤ - ومنها: وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء ﵁ قال: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة (٣). وعن الحسن ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَحْبَارِ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ وَاضِعِيْ أَيْمَانِهِمْ عَلَىْ شَمَائِلِهِمْ فِيْ الصَّلاَةِ" (٤).

стр. 2286

١٥ - ومنها: صلاة الضحى . روى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَتْ صَلاَةُ الضُّحَىْ أكثَرَ صَلاَةِ دَاوُد". وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أمرُّ بهذه الآية ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] فما أدري ما هي حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب ﵂: أنَّ النبي ﷺ دخل عليها يوم الفتح، فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلَّى الضحى، ثم قال: "يَا أُمَّ هَانِيء! هَذه صَلاَةُ الإِشْرَاقِ" (١). ١٦ - ومنها: الصلاة عند زوال الشمس . روى البزار عن ثوبان ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان يحب أن يُصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إني أراك تحب الصلاة هذه الساعة؟ قال: "تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَينْظُرُ اللهُ تَعَالَىْ بِالرَّحْمَةِ إِلَىْ خَلْقِهِ، وَهِيَ صَلاَةٌ كَانَ يُحافِظُ عَلَيْهَا آدَمُ وَنُوْحٌ وإبرَاهِيْمُ وَمُوْسَىْ وَعِيْسَىْ ﵈" (٢). قلت: ويحتمل أن تسبيح داود بالعشي كان في هذه السَّاعة لأن العشي والعشية ما بعد الزوال إلى آخر النهار.

стр. 2287

١٧ - ومنها: تعظيم يوم الجمعة . روى الحلبي في "فوائده"، وأبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: كان داود النبي ﵇ يصوم يوما ويفطر يومًا، فإذا وافق صومه يوم الجمعة أعظم فيه الصدقة ويقول: إنَّ صيامه يعدل خمسين ألف سنة كطول يوم القيامة، وكذلك سائر الأعمال تُضاعف فيه (١). ١٨ - ومنها: قيام الليل . وتقدم في الحديث: "عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دأبُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ" (٢)، والأنبياء أفاضل الصَّالحِين. وروى الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله ابن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "أَحَبَّ الصَّلاَةِ إِلَىْ اللهِ صَلاَةُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَىْ اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللِّيلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُوْمُ يَوْمَا وَيُفْطِرُ يَوْمًا" (٣). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في "البعث" عن مِسعر بن كدام ﵀ قال: لما قيل لآل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] لم تأتِ عليهم ساعة إلا وفيهم مُصلي (٤).

стр. 2288

وروى الفريابي، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵀ قال: قال داود لسليمان: قد ذكر الله الشكر فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل، قال: لا أستطيع، قال: فاكفني إلى صلاة الظهر، فكفاه (١). وفيه إشارة إلى أنَّ داود ﵇ وكان شيخاً كان يقوم الليل وبقية النهار، فهو أقوى على الطاعة من سليمان وهو شاب، وكان مقتضى قوة الشباب وجَلَدِه أن يكون سليمان أقوى إلا أن هذا جاء على أن الشيخ ينبغي أن يكون أقوى يقينًا وأقصر أملًا وأرغب في الطاعة، فبذلك يأتي من العبادة بما لم يأتِ به الشاب. وقد روى ابن ماجه، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في "الشعب" عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ لِسُلَيْمَانَ ﵈: يَا بُنَيَّ! لاَ تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ باللَّيْلِ تَدَعُ الرَّجُلَ فَقِيْرًا يَوْمَ القِيَامة" (٢). وقد قيل: [من الهزج] تَعَوَّدْ سَهَرَ اللَّيْلِ ... فَإِنَّ النَّوْمَ خُسْرانُ وقال آخر: [من الخفيف] يا طَوِيْلَ الرُّقادِ وَالْغَفَلاتِ ... كَثْرَةُ النَّوْمِ تُوْرِثُ الْحَسَراتِ

стр. 2289

إِنَّ فِيْ الْقَبْرِ إِنْ نزَلْتَ إِلَيْهِ ... لَرُقاداً يَطُوْلُ بَعْدَ الْمَماتِ وَمِهاداً مُمَهداً لَكَ فِيْهِ ... بِذُنُوْبٍ عَمِلْتَ أَوْ جَنَّاتِ أأمِنْتَ الْبَياتَ مِنْ مَلَكِ الْمَوْ ... تِ وَكَمْ نالَ آمِناً بِبَياتِ (١) وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن ثابت -يعني: البناني رحمه الله تعالى قال: كان داود النبي ﵇ يُطيل الصلاة من الليل، فيركع الركعة ثم يرفع رأسه إلى أديم السماء، ثم يقول: إليك رفعتُ رأسي يا عامر السماء نظرَ العبيدِ إلى أربابها (٢). وروى أبو نعيم عن سفيان بن عيينة قال: رأيت منصور بن المعتمر -يعني: في المنام- فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: كدت أن ألقى الله بعمل نبي، قال سفيان: إن منصوراً أقام ستين سنة يقوم ليلها ويصوم نهارها (٣). وروى الدينوري عن أحمد بن أبي الحواري، عن علي بن أبي الحسن قال: شبع يحيى بن زكريا ﵉ ليلةً شبعة من خبز الشعير، فنام عن جزئه حتى أصبح، فأوحى الله إليه: يا يحيى! هل وجدت دارًا خيراً لك من داري، وجواراً خيراً لك من جواري؟ لو

стр. 2290

اطلعت في الفردوس اطلاعةً لذاب جسمك، وذهبت نفسك اشتياقاً، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعةً لبكيت الصديد بعد الدموع، ولبست الحديد بعد المسوح (١). ١٩ - ومنها: الصدقة، والخروج عما يشغل عن طاعة الله تعالى لوجه الله تعالى . قال الله حكايته عن إخوة يوسف ﵈: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]. وروى أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي في كتاب "شرف الفقراء" عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ احتذى نعلاً فأعجبه حسنها، فسجد وقال: "تَواضَعْتُ لِرَبِّي كَيْلًا يَمْقُتَنِي"، ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه، ثم أمر عليًّا أن يشتري نعلين سبتيتين حمراوين (٢) (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣٠، ٣١]؛ يعني الخيل، وكانت ألف فرس ورثها من أبيه أو غنمها، وقيل: عشرين ألفًا،

стр. 2291

﴿قَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]؛ يعني: المال عن ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ يعني: عن الصلاة (١). قال علي ﵁: الصلاة التي فرط فيها سليمان صلاة العصر (٢). ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]؛ يعني: الشمس كما دلَّ عليها قوله: بالعشي ﴿بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]؛ يعني: غربت، ﴿رُدُّوهَا﴾ [ص: ٣٣]؛ يعني: الخيل ﴿عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. روى الطبراني، وابن مردويه بإسناد حسن، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الآية: "قَطَعَ سُوْقَهَا وَأَعَنَاقَهَا بِالسَّيْفِ" (٣). قال العلماء: فعل ذلك تقربًا إلى الله تعالى، وكان ذلك مباحًا في شريعته كما أُبيحت لنا بهيمة الأنعام. قال الحسن وغيره: فعوضه الله خيراً من الخيل الريح غُدوها شهرٌ ورواحها شهرٌ تجري بأمره رُخاءً حيث أصاب (٤). وفي "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ

стр. 2292

كان عليه خميصة معلَّمة، فصلَّى وهي عليه، فلما فرغ من صلاته نزعها وقال: "أَلْهَتْنِي"؛ يعني: عن الصلاة (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عمر ﵄: أنَّ عمر خرج إلى حائط له، فرجع وقد صلَّى الناس العصر، فقال: إنما خرجت إلى حائطي فرجعت وقد صلَّى الناس، حائطي على المساكين صدقة. قال ليث رحمه الله تعالى: إنما فاتته في الجماعة؛ أي: لم تفته بالكلية، إنما فاتته الجماعة فيها كما يدل عليه سياق الحديث. ٢٠ - ومنها: تلاوة كتاب الله تعالى . وما من نبي أُنزل عليه كتاب أو أُوحيَ إليه بما في كتاب إلا قام بتلاوته، وأخبار داود ﵇ في تلاوة الزبور على بني إسرائيل مشهورة. وفي حديث: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَقَدْ اسْتُدْرِجَتِ النُّبُوْةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُوْحَىْ إِلَيْهِ". رواه الطبراني من حديث ابن عمرو (٢). وروى الإمام أحمد عن معاذ بن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ كُتِبَ مَعَ الصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقًا" (٣).

стр. 2293

٢١ - ومنها: الصيام . قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. قيل: أول من كُتب عليه الصيامُ آدم ﵇. قال في "عوارف المعارف": وروي أنَ آدم ﵇ لما أُهبط إلى الأرض اسودَّ جسده من أثر المعصية، فلما تاب الله عليه أمره أن يصوم أيام البيض، فابيضَّ ثلث جسده بكل يوم صام حتى ابيضَّ جميع جسده بصيام أيام البيض (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صَامَ نُوْحٌ الدَّهْرَ إِلاَ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَىْ، وَصَامَ دَاودُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَصَامَ إِبْرَاهِيْمُ ثَلاَثَةَ أَيَّامِ مِنْ كُل شَهْرِ، صَامَ الدَّهْرَ وَافْطَرَ الدَّهْرَ" (٢)؛ أي: كُتب له ثواب صيام الدهر لأنَّ كل ثلاثة أيام بثلاثين يومًا في الثواب، وأفطر الدهر؛ أي: أفطر معظم الدهر. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 2294

رسول الله ﷺ : "صُوْمُوْا يَوْمَ عَاشُوْرَاءَ، يَوْم كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ ﵈ تَصُوْمُهُ فَصُوْمُوْه" (١). وروى الترمذي وقال: حسنٌ صحيح، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، عن الحارث الأشعري ﵁ وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث -: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَمَرَ يَحْيَىْ بنَ زَكَرِيَّا ﵉ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيأْمُرَ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ أَنْ يَعْمَلُوْا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، قَالَ عِيْسَى ﵇: إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا، وَتأْمُرَ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ أَنْ يَعْمَلُوْا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تآْمُرَهُم وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقَالَ يَحْيَىْ: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِيْ بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِيْ أَوْ أُعَذَّبَ. فَجَمَعَ النَّاسَ فِيْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلأَ وَقَعَدُوْا (٢) عَلَىْ الشُّرَفِ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِيْ بِخْمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوْا بِهِنَّ: أَولُهُنَّ: أنْ تَعْبُدُوْا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوْا بِهِ شَيْئاً، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَىْ عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِيْ وَهَذَا عَمَلِيْ فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وُيؤدِّي إِلَىْ غَيْرِ سَيِّدِهِ، فأيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُوْنَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ.

стр. 2295

وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوْا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِيْ صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ. وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُل فِيْ عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيْهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ ريحُهَا، وَإِنَّ رِيْحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ الْمِسْكِ. وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوْا يَدَهُ إِلَىْ عُنُقِهِ وَقَدَّمُوُهُ لِيَضْرِبُوْا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَفْدِيْ نَفْسِيَ مِنْكُمْ بِالقَلِيْلِ وَالكَثِيْرِ، فَفَدَىْ نفسَهُ مِنْهُمْ. وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوْا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِيْ أثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّىْ أَتَىْ عَلَى حِصْنٍ حَصِيْنٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلاَ بِذِكْرِ اللهِ". قال النبي ﷺ : "وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَنِيْ اللهُ تَعَالَى بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَالجِهَادُ، وَالهِجْرَةُ، وَالْحَجُّ (١)، وَالجَمَاعَةُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدَ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ إِلاَّ أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنِ ادَّعَىْ دَعْوَى الجَّاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَاءِ (٢) جَهَنَّمَ". فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلَّى وصام؟ فقال: "وَإِنْ صَلَّىْ

стр. 2296

وَصَامَ، فَادْعُوْا بِدَعْوَىْ اللهِ الَّذي سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِيْنَ الْمُؤْمِنِيْنَ عِبَادَ اللهِ" (١). و"جثاء جهنم" بالجيم والمثلثة: جمع جُثوة -بالضم -، وهو الشيء المجموع، كما في "النهاية" (٢)؛ أي: من جماعات جهنم. ٢٢ - ومنها: تعجيل الفطر وتأخير السحور . روى الطبراني في "الأوسط" بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُعَجِّلَ فِطْرَناَ وَأَنَّ نُؤَخِّرَ سُحُوْرَنَا، وَأَنْ نَضَعَ أَيْمَاننًا عَلَىْ شَمَائِلِنَا فِيْ الصَّلاَةِ" (٣). وأخرجه في "الأوسط"، و "الصغير" من حديث ابن عمر نحوه، لكن بسند ضعيف (٤). وفي موطأ الإمام مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق، قال: من

стр. 2297

عمل النبوة تعجيل الإفطار، والاستيناء بالسحور (١)؛ يعني: تأخيره. ٢٣ - ومنها: إيثار الجوع . ومن زعم من أحوال الأنبياء ﵈ خلاف ذلك فقد افترى. وقد كان عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى يقسم بالله تعالى: أن الله تعالى ما صان (٢) أحداً إلا بالجوع، ولا مشوا على الماء إلا بالجوع، ولا طُويت لهم الأرض إلا بالجوع، ولا والاهم الله تعالى إلا بالجوع (٣). وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الْبِسُوْا الصُّوْفَ، وَكُلُوْا فِيُ أنْصَافِ البُطُوْنِ؛ فإِنَّهُ جُزْء مِنَ النُّبُوَّة" (٤). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التهجد" عن عون ﵀ قال: كان لبني إسرائيل قيِّم يقوم عليهم، فيقول: لا تأكلوا كثيراً؛ فإنكم إذا أكلتم كثيرًا نِمْتُم كثيرًا، وإذا نمتم كثيرًا صليتم قليلًا (٥). ولم يكن ذلك في بني إسرائيل إلا أخذاً من سيرة أنبيائهم ﵈.

стр. 2298

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب رحمه الله تعالى قال: إنَّ إبليس أتى إلى يحيى بن زكريا ﵉ قال: إني أُريد أن أُصادقك، قال: أعوذ بالله منك ما تستطيع مني؟ قال: أشهيك الطعام والشراب، قال يحيى: فإن الشبع من الطعام، والري من الشراب عليَّ حرام حتى ألقى الله . وعن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: إنَّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له: ما هذه المعاليق التي أراها عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أُصيب بها بني آدم، فقال له يحيى ﵇: هل لي فيها شيء؟ قال: لا، قال: فهل تُصيب مني شيئاً؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر، قال: هل غير ذا؟ قال: لا، قال: لا جرم والله لا أشبع أبدًا (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التهجد" عن علي بن أبي الحر (٢): أنَّ يحيى ﵇ شبع ليلةً شبعةً من خبز شعير، فنام عن جزئه حتى أصبح، فأوحى الله إليه: "يا يحيى! هل وجدت داراً خيراً لك من داري، أو جِواراً خيراً لك من جواري وعزتي؟ يا يحيى! لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعةً لذاب جسمك وزهقت نفسك اشتياقاً، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعةً لبكيت الصديد بعد الدموع،

стр. 2299

وللبست الحديد بعد المسوح" (١). وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الْبَسُوْا الصُّوْفَ وَكُلُوْا فِيْ أنصَافِ البُطُوْنِ، فَإنَّهُ جُزْء مِنَ النُّبُوَّةِ" (٢). وقال القرطبي، وغيره: يروى أن يوسف ﵇ كان لا يشبع من طعامٍ في سِنِي القحط، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: "أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع" (٣). وقد أخرجه البيهقي في "الشعب" عن الحسن البصري ﵀ (٤). وروى الخطيب في "رواة مالك" عن جابر ﵁ قال: كان يوسف ﵇ لا يشبع، فقيل له: "ما لك لا تشبع وبيدك خزائن الأرض؟ " فقال: "إني أخاف أن أشبع فأنسى الجائع" (٥). [وقد ذكر] (٦) الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في "الإحياء"

стр. 2300

ما في الجوع من الفوائد، وما في الشبع من الآفات (١). [وأوصل] (٢) شيخ الإسلام الجد آفات الشبع إلى خمسين آفة نظمها في قصيدة له ذكرتها في كتاب "منبر التوحيد". و[نظمت] (٣) في بعض فوائد الجوع: [من الكامل] فِيْ الْجُوْعِ عَدُّ فَوائِدٍ عَنْ حَصْرِها ... عَجَزَ الْبَيانُ وَباءَ بِالتَّقْصِيْرِ مِنْ بَعْضِها كَسْرُ الْهَوَى وبكسْرِهِ ... فَوْزُ الْفَتَىْ بِعَوارِفِ التحبيرِ وَصَفا الْقُلُوْبِ وَحِفْظُها فِيْ سِرِّها ... مِنْ عِلَّةِ التَّكْدِيْرِ وَالتَّأْثِيْرِ وَإِدامَةُ السَّهَرِ الَّذِيْ هُوَ مَقْصِدٌ ... فِيْ شَرع أَهْلِ الْجِدِّ وَالتَّشْمِيْرِ وَسَلامَةُ الْجَسَدِ الَّذِيْ هُوَ مَرْكَبٌ ... لِلْقَصْدِ مِنْ عِلَلٍ وَمِنْ تَغْيِيْرِ

стр. 2301

وَهُوَ الْمُذَكِّرُ بِالْفَقِيْرِ وَحالِهِ ... وَلَرُبَّ خَيْرٍ جاءَ فِيْ التَّذْكِيْرِ وَبِهِ عَلَى الإيْثارِ تَحْصُلُ مُكْنَةٌ ... تَبْدُوْ لَطائِفُها لِكُلِّ بَصِيْرِ وَعَلَىْ الْعِبادَةِ أَيُّ عَوْنِ لِلْفَتَى ... فِيْ ضِمْنِهِ بَلْ أَيُّما تَيْسِيْرِ وَبِهِ انْحِسامُ مَوادِ كُلِّ ضَرُوْرَةٍ ... تَأْتِيْ مِنَ الشَّيْطانِ لِلتَّغْرِيْر وَالْمَرْءُ فِيْ مُؤَنِ وَفِيْ تَقْلِيْلِهِ ... طَرْحٌ لِما يَدْعُوْ إِلَىْ التَّكْثِيْر فارْجِعْ فُؤادَكَ لِلْوَفا مُتَعَرِّضًا ... فَاسْلُكْ سَبِيْلَ مُحَقِّقِ وَخَبِيْرِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجُوْعَ فِيْ شَرْعِ الْوَلا ... مِفْتاحُ بابِ الْخَيْرِ عَنْ تَحْرِيْرِ ٢٤ - ومن أعمال الأنبياء ﵈: فطر يوم الفطر ويوم الأضحى . وهو واجبٌ في شريعتنا. روى ابن ماجه، والطبراني، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ -

стр. 2302

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صَامَ نُوْحٌ ﵇ الدَّهْرَ إِلاَ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى" (١). ٢٥ - ومنها: التضحية وإهداء الهدي . روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، والأصبهاني عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قلنا -وفي رواية قالوا-: يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟ قال: "سُنَّةُ أَبِيْكُمْ إِبْرَاهِيْمَ ﵇"، قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: "بِكُلِّ شَعْرةٍ حَسَنةٌ"، قالوا: والصوف؟ قال: "بِكلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوْفِ حسَنةٌ" (٢). وروى الأصبهاني عن محمود بن عمرو: أن النعمان بن أبي فاطمة ﵁ اشترى كبشاً أعين أقرن، وأنَّ النبي ﷺ رآه فقال: "كَأَنَّ هَذَا الكَبَشَ الَّذِيْ ذَبَحَ إِبْرَاهِيْمُ ﵇"، فعمد معاذ بن عفراء ﵁ فاشترى كبشًا أعين أقرن، فأهداه إلى النبي ﷺ ، فضحَّى به (٣).

стр. 2303

والأعين: الواسع العين. ٢٦ - ومنها: الاعتكاف في البيت الحرام وغيره من المساجد . قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان ويقول: "هَذَا دَأبُ الأَنْبِيَاءِ ﵈" (١). ٢٧ - ومنها: الحج إلى البيت الحرام، وتأدية مناسكه كما هو مقرر في الشريعة . روى الأزرقي عن أبي هريرة ﵁: أنه كان يقول: حج آدم ﵇ يقضي المناسك، فلما حجَّ قال: يا رب! إنَّ لكل عاملٍ أجراً، قال الله تعالى: "أما أنت يا آدم فقد غفرت لك، وأما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه غفرت له" (٢). وعن عثمان بن ساج قال: أخبرني سعيد: أنَّ آدم ﵇ حجَّ على رجليه سبعين حجة ماشيًا، وأن الملائكة لقيته بالمأزمين (٣)،

стр. 2304

فقالوا: "بر حجك يا آدم، قد حججنا قبلك بألفي عام" (١). وقال تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وروى الأزرقي عن محمد بن إسحاق قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت الحرام جاء جبريل ﵇ فقال: "طُفْ به سبعاً"، فطاف به سبعاً هو وإسماعيل ﵉ يستلمان الأركان كلها في كل طواف، فلما أكملا سبعاً صلَّيا خلف المقام ركعتين، قال: فقام معه جبريل، وأراه المناسك كلها؛ الصفا والمروة، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، قال: فلما دخل منى وهبط من العقبة برز له إبليس، فقال له جبريل: "ارمه"، فرماه بسبع حصيَّات، فغاب عنه إبليس، ثم برز له عند الجمرة الوسطى، فقال له جبريل: "ارمه"، فرماه بسبع حصيات، فغاب عنه إبليس، ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل: "ارمه"، فرماه بسبع حصيات مثل حصى الخذف، فغاب عنه إبليس، ثم مضى إبراهيم في حجه وجبريل يُوقفه على المواقف وُيعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفة، فلما انتهى إليها قال له جبريل

стр. 2305

عليه السلام: "أعرفت مناسكك؟ " قال إبراهيم ﵇: "نعم". قال: فسميت عرفات بذلك لقوله: "أعرفت مناسكك؟ ". قال: ثم أمر إبراهيم ﵇ أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: "يا رب! ما يبلغ صوتي؟ " قال الله تعالى: "أذِّن وعليَّ البلاغ". قال: فعلا على المقام وأشرف به حتى صار أرفع من الجبال وأطول منها، فجمعت له الأرض يومئذٍ سهلها وجبلها، وبرَّها وبحرها، وجنها وإنسها حتى أسمعهم جميعا، فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يَمَنًا وشَامًا، وشرقًا وغربًا، وبدأ بشق الأيمن فقال: "أيها الناس! كُتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم"، فأجابوه من تحت البحور السبعة، ومن المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها: "لبيك اللهم لبيك". قال: وكانت الحجارة على ما هي اليوم -يعني: من الصلابة واليبس- إلا أنَّ الله أراد أن يجعل المقام آية، وكان أثر قدميه -يعني: إبراهيم- في المقام إلى اليوم. قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: لبيك اللهم لبيك. قال: فكلُّ من حجَّ إلى اليوم فهم ممن أجاب إبراهيم ﵇، وإنما حجهم على قدر إجابتهم يومئذ، فمن حجَّ حجتين فقد كان أجاب مرتين أو ثلاثا فثلاثا على هذا. قال: وإنَّ قدمي إبراهيم ﵇ آية، وذلك قوله تعالى:

стр. 2306

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [الآية: ٩٧] الآية. وقال: بلغني أنَّ آدم ﵇ كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم. قال: وحجَّه إسحاق وسارة من الشام. قال: وكان إبراهيم يحجه كل سنة على البُراق. قال: وحجت بعد ذلك الأنبياء ﵈ والأمم (١). وروى ابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد ﵀: أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ حجَّا وهما ماشيان (٢). وروى عبد بن حميد عنه قال: قيل لإبراهيم ﵇: "أذن في الناس بالحج"، قال: "يا رب! كيف أقول؟ " قال: "قل: لبيك اللهم لبيك"، فكان إبراهيم أول من لبى (٣). وروى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن زياد بن مربع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُوْنُوْا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ هَذِهِ؛ فَإِنَّكَمُ اليَوْمَ عَلَى أَدَبٍ مِنْ أَدَبِ إِبْرَاهِيْمَ ﵇" (٤).

стр. 2307

وروى ابن أبي شيبة عن عامر بن واثلة قال: سألت ابن عباس ﵁ عن السعي بين الصفا والمروة، فقال: فعله إبراهيم ﵇ (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﵁ قال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَىْ مُوْسَىْ ﵇ فِيْ هَذَا الوَادِيْ مُحْرِماً بَيْنَ قَطْوَانتَيْنِ (٢) " (٣). وروى أبو يعلى عن أنس، وهو والطبراني عن أبي موسى ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لَقَدَ مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ (٤) سَبْعُوْنَ نبِيًّا -مِنْهُمْ نبَيُّ اللهِ مُوْسَى - حُفَاةً عَلَيْهِمُ العبَاءُ، يَؤُمُّوْنَ بَيْتَ اللهِ العَتيْقَ" (٥).

стр. 2308

وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صَلَّى فِيْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعوُنَ نبِيًّا؛ مِنْهُمْ مُوسى، كَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطْوانتَانِ (١) وَهُو مُحْرِم عَلَىْ بَعِيْرٍ مِنْ إِبِلِ شَنُوْءَةَ مَخْطُوْمٍ بِخِطَامِ لِيْفٍ لَهُ ضَفِيْرَتَانِ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عنه: أن رسول الله ﷺ مر بوادي الأزرق فقال: "أيُّ وادٍ هذا؟ " قالوا: هذا وادي الأزرق، قال: "كَأَنِّيْ أَنْظُرُ إلى مُوْسَىْ ﵇ وَهُوَ هَابِط مِنْ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤارٌ"، ثم أتى على هرشى (٣) قال: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذه؟ " قال: ثَنِيَّة هرشى، قال: "كَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَىْ يُوْنُسُ بْنِ مَتَّىْ ﵉ عَلَىْ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَة عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوْفٍ خِطَامُ ناَقَتِهِ خلبةٌ وَهُوَ يُلَبِّيْ"؛ قال هشيم: يعني ليف (٤). وعنه أيضًا قال: لمَّا مرَّ النبي ﷺ بوادي عسفان (٥) حين حج قال: "يا أَبا بَكْرٍ أَيُّ وادٍ هَذا؟ " قال: وادي عسفان، قال: "لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُوْدٌ وَصَالِحُ ﵉ عَلَى بَكَرَاتٍ (٦) حُمْرٍ خُطْمُهَا اللِّيْفُ، أُزُرُهُمُ

стр. 2309

العبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ (١)، يُلَبُّوْنَ يَحُجُّوْنَ البَيْتَ" (٢). وروى الأزرقي عن وهب بن منبه ﵀ قال: خطب صالح ﵇ الذين آمنوا معه فقال: إنَّ هذه دار سَخِطَ الله عليها وعلى أهلها فاظعنوا منها؛ فإنها ليست لكم بدار، قالوا: رأينا لك تبع، فمُرنا نفعل، قال: تلحقون بحرم الله وأمنه، لا أرى لكم دونه، فأهلُّوا من ساعتهم بالحج، ثم أحرموا في العباء، وارتحلوا قلصًا حمراء مخطمة بحبال الليف، ثم انطلقوا آمِّين البيت الحرام حتى وردوا مكة، فلم يزالو بها حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وباب بني هاشم. قال: وكذلك فعل هود ومن آمن معه، وشعيب ومن آمن معه (٣). وعن عطاء بن السائب ﵀: أنَّ إبراهيم ﵇ رأى رجلًا يطوف بالبيت فأنكره، فسأله: من أنت؟ قال: من أصحاب ذي القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو ذا بالأبطح، فتلقاه إبراهيم واعتنقه، فقيل لذي القرنين: لم لا تركب؟ قال: لم أكن لأركب وهذا يمشي"، فحجَّ ماشياً (٤).

стр. 2310

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عطاء -يعني: ابن أبي رباح- قال: طاف موسى بالبيت وبين الصفا والمروة وهو يقول: "لبيك"، فأجابه ربه ﵎: "لبيك يا موسى، ها أنا ذا لديك"، قال: وعليه جبة قطوانية، وفي رواية: وهو في عباءة قطوانية (١). وتقدم في التشبه بالملائكة ﵈: أنَّ آدم وإبراهيم ﵉ كانا يقولان في طوافهما: "الباقيات الصالحات" (٢). وروى الأزرقي عن عثمان بن ساج معضلاً، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَقَدْ مَرَّ بِفَج الرَّوْحَاءِ سَبْعُوْنَ نبِيًّا عَلَىْ نُوْقٍ حُمْرٍ خُطُمُهَا اللِّيْفُ، لَبُوْسُهُمْ العبَاءُ، وَتَلْبِيَتُهُمْ شَتَّىْ؛ مِنْهُمْ يُوْنسٌ بنُ مَتَّىْ، قَالَ: فَكَانَ يُوْنسٌ يَقُوْلُ ﵇: لَبَّيْكَ فَرَّاجَ الكُرَبِ، وَكَانَ مُوْسَىْ ﵇ يَقُوْلُ: لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ لَدَيْكَ لَبَّيْكَ، قَالَ: وَتَلْبِيَةُ عيسى: لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ بِنْتِ عَبْدَيْكَ لَبَّيْكَ" (٣). وروى المزكي في "جزئه" وغيره عن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يَلْتَقِي الخضرُ وَإليَاسُ ﵉ فِيْ كُلِّ عَامٍ فِيْ الْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسَ صَاحِبِهِ، وَيتَفَرَّقَانِ عَنْ هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ:

стр. 2311

بِسْمِ اللهِ مَا شَاءَ اللهُ، لاَ يَسُوْقُ الْخَيْرَ إِلاَّ اللهُ، مَا شَاءَ اللهُ لاَ يَدْفَعُ الشَّرَّ إِلاَّ اللهُ، مَا شَاءَ اللهُ مَا كَانَ مِنْ نعمةِ فَمِنَ اللهِ، مَا شَاءَ اللهُ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ". قال ابن عباس: من قالهنَّ حين يُصبح وحين يُمسي ثلاث مرات أمَّنه الله من الغرق والحرق والسَّرق. قال عطاء: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب (١). قال السيوطي: وورد اجتماع الخضر وإلياس ﵉ في كل عام في الموسم عن أنس ﵁. أورده الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسند ضعيف، انتهى (٢). وذكر ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: يجتمع في كل يوم عرفة بعرفة جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر ﵈، فيقول جبريل: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فيرد عليه ميكائيل: ما شاء الله كل نعمة من الله، فيرد عليهما إسرافيل: ما شاء الله الخير كله من الله، فيرد عليهم الخضر: ما شاء الله لا يدفع السوء إلا الله، ثم يفترقون فلا يجتمعون إلى قابل

стр. 2312

في مثل ذلك اليوم (١). وروى إسحاق الختلي في "ديباجه" عن داود بن يحيى مولى عوف الطَّفَاوي، عن رجل كان مرابطاً في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينا أنا أسير بوادي الأردن إذا أنا برجل في ناحية الوادي قائم يُصلي، وإذا سحابة تظلُّه من الشمس، فوقع في قلبي أنه إلياس النبي ﵇، قال: فسلمت عليه وانفتل من صلاته فردَّ عليَّ السلام، فقلت: مَنْ أنت رحمك الله؟ قال: فلم يردَّ عليَّ شيئاً، فأعدتُ القول مرَّتين فقال: أنا إلياس النبي، قال: فأخذتني رعدة شديدة وخِفْتُ على عقلي أن يذهب، فقلت: إن رأيت رحمك الله أن تدعو لي حتى يُذهب الله عني ما أجد حتى أفهم، فدعا لي بثمان دعوات: يا بر يا رحيم، يا حيُّ يا قيوم، يا حنَّان يا منان، يا هيا شرا هيا، قال: فذهب عني ما كنت أجد، فقلت: إلى مَنْ بُعِثْت؟ قال: إلى أهل بعلبك، قال: فهل يُوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بُعثَ محمد ﷺ خاتم النبيين فلا، قلت: كم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة؛ أنا والخضر في الأرض، وإدريس وعيسى في السماء، قلت: فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم، كل عام بعرفات، قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري، وآخذ من شعره، قلت: فكم الأبدال؟ قال: هم ستون رجلاً؛ خمسون

стр. 2313

ما بين عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجلان بالمصيص، ورجل بأنطاكية، وسبعةٌ في سائر الأمصار، بهم تسقون الغيث، وبهم تنصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا حتى إذا أراد أن يهلك -يعني: الدنيا- أماتهم جميعاً (١). * تَنْبِيْهٌ لَطِيْفٌ: روى الخطيب في "تاريخه" بسند ضعيف، عن يحيى بن أكثم: أنه قال في مجلس الواثق: من حلق رأس آدم ﵇؟ فتعايا الفقهاء عن الجواب، فقال الواثق: أنا أحضر من يُنبئكم عن الخبر، فبعث إلى علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وعن آبائه، فسأله، فقال: حدثني أبي عن جدي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمِرَ جِبْرِيْلُ ﵇ أَنْ يَنْزِلَ بِيَاقُوْتَةِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَهَبَطَ بِهَا فَمَسَحَ رَأَسَ آدَمَ، فَتَنَاثَرَ الشَّعْرُ عَنْهُ، فَحَيْثُ بَلَغَ نُوْرُهَا صَارَ حَرَمًا" (٢). ٢٨ - ومن أخلاق الأنبياء ﵈ وأعمالهم: التوسل بالنبي ﷺ -. روى الحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن النبي ﷺ قال: "لَمَّا اقْتَرَفَ

стр. 2314

آدَمُ الْخَطِيْئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ! أَسْألُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمَا غَفْرَتَ لَي، فَقَالَ اللهُ: يَا آدَمُ! وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّداً وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ لَمَّا خَلَقْتَنِيْ بِيَدِكَ، وَنفخْتَ فِيَّ مِنْ رُوْحِكَ، رَفَعْتُ رَأسِيَ فَرَأَيْتُ عَلَىْ قَوَائِمِ العَرْشِ مَكْتُوْبًا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلاَّ أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ؛ إِذْ سَأَلْتَنِيْ بِحَقِّهِ فَقَدَ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلاَ مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ" (١). وقال طائفة من المفسرين: إن الكلمات التي تلقاهن آدم عليه

стр. 2315

السلام عن ربه فتاب عليه هي قوله: يا رب! أسألك بحق محمد لما غفرت لي (١). ٢٩ - ومنها: بر الوالدين . قال تعالى في يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤]. وقال حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: ٣٢]. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه ﵀: أنَّ موسى ﵇ سأل ربه فقال: "يا رب! بمَ تأمرني؟ " قال: "بأن لا تشرك بي شيئا"، قال: "وبمه؟ " قال: "بر والدتك"، قال: "وبمه؟ " قال: "وبر والدتك"، قال وهب: البر بالوالد يزيد العمر، والبر بالوالدة يثبت الأجل (٢). وعن عمرو بن ميمون قال: رأى موسى ﵇ رجلاً عند العرش، فغبطه بمكانه فسأل عنه، فقالوا: "نخبرك بعمله؛ لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعقُّ والديه"، قال: "أي رب! ومن يعقُّ والديه؟ " قال: "يستسب لهما حتى يُسبَّا" (٣).
следующие страницы →