وروى أبو الشيخ عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: الأوَّاه: الدعاء المستكين إلى الله كهيئة المريض المتأوه من مرضه (١).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأواه: المؤمن التواب (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي أيوب منه قال: الأوَّاه: الذي إذا ذَكَر خطاياه استغفر منها (٣).
وعن الشعبي قال: الأوَّاه: المسبح (٤).
ورواه ابن المنذر عن أبي ميسرة، وعن سعيد بن جبير (٥).
وروى أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوَّاه: المنيب الفقير (٦).
وروى البخاري في "تاريخه" عن الحسن ﵀ قال: الأوَّاه: الذي قلبه معلق عند الله (٧).
قلت: وجميع ما ذكر في الأوَّاه فإنَّه من أخلاق الأنبياء ﵈.
стр. 2347
٤٢ - ومنها: البكاء من خشية الله تعالى، وأسفاً من الذنوب .
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
والأنبياء أفاضل من أوتي العلم من قبلهم.
وفي هذه الآية والتي قبلها أن من أعمال الأنبياء ﵈ السجود للتلاوة، وهو مخصوص في شريعتنا بآيات معروفة من القرآن العظيم.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الرقة والبكاء" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بكى آدم ﵇ حين أُهبط من الجنة ثلاث مئة عام حتى جرت أودية بسرنديب من دموعه (١).
وروى ابن عساكر عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ أَنَّ بُكَاءَ دَاوُدَ وَبُكَاءَ جَمِيع أَهْلِ الأَرْضِ يُعْدَلُ بِبُكَاءِ آدَمَ مَا عَدَلَهُ" (٢).
стр. 2348
وروى الإمام أحمد، ومن طريقه ابن أبي الدنيا عن وهيب بن الورد رحمه الله تعالى قال: لمَّا عاتب الله نوحاً ﵇ في ابنه، فأنزل عليه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦] بكى ثلاث مئة عام حتى صار تحت عينيه أمثال الجداول من البكاء (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن ابن سابط رحمه الله تعالى قال: لو عدل بكاء داود ببكاء أهل الأرض بعد آدم، لعدل بكاء داود ﵇ ببكاء أهل الأرض (٢).
وعن ابن المبارك، عن الأوزاعي معضلاً رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ عَيْنَيْ دَاوُدَ كَالقِرْبَتَيْنِ تَنْطِفَانِ مَاءً، وَلَقَدْ كَانَتِ الدُّمُوْعُ خَدَّدَتْ فِي وَجْهِهِ كَأُخْدُوْدِ الْمَاءِ فِيْ الأَرْضِ" (٣).
стр. 2349
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كان يحيى بن زكريا ﵉ يبكي حتى بدت أضراسه، فقالت له أمه: لو أذنت لي يابني حتى أعد لك قطعتين من لبود فأواري بهما أضراسك عن الناظرين، قال: أنت وذاك يا أمه، قال: فاتخذت له قطعتين من لبود فألصقتهما على خديه، وكان يبكي فتنتقع من الدموع، فتجيء أمه فتعصرهما، فتَسِيْل دموعه حتى تَبُلَّ ذراعها (١).
وعن وهيب بن الورد ﵀ قال: كان يحيى بن زكريا ﵉ له خطان في خديه من البكاء، فقال له أبوه زكريا: إني إنمَّا سألت ولداً تقرُّ به عيني، فقال له: يا أبه! إنَّ جبريل ﵇ أخبرني أنَّ بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلاَّ كلُّ بكَّاء (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد ﵀ قال: كان طعام يحيى بن زكريا ﵉ العشب، وإن كان ليبكي من خشيه الله تعالى ما لو كان القارُ على عينيه لحرقه، ولقد كانت الدموع اتخذت مجرىً في وجهه (٣).
٤٣ - ومنها: الحزن .
قال الله تعالى في يعقوب ﵇: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ
стр. 2350
الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤].
روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحزن" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: كان بين خروج يوسف ﵇ من عند يعقوب ﵇ إلى أن رجع ثمانين سنة، فما فارق الحزن قلبه، وما زال يبكي حتى ذهب بصره، قال: والله إن كان على الأرض يومئذ [بشر] أكرم على الله من يعقوب (١).
وروى ابن جرير عنه، عن النبي ﷺ : أنه سُئِلَ ما بلغ وَجْدُ يعقوب على ابنه ﵉؟ قال: وَجْدَ سَبْعِيْنَ ثَكْلَىْ، قيل: فما له من الأجر؟ قال: أَجْرُ مِئَةِ شَهِيْدٍ، وَمَا سَاءَ ظَنُّهُ بِاللهِ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ وَلاَ نهارٍ (٢).
وروى ابن المبارك، وعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤] قال: كظم الحزن، فلم يقل إلا خيرًا.
وفي رواية: يردد حزنه في جوفه، ولم يتكلم بسوء (٣).
وروى ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس ﵀: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ داوُدَ ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ! إنَّ بَنِيْ إِسْرَائِيلَ يَسْأَلُوْنَكَ
стр. 2351
بِإبْرَاهِيْم وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ فَاجْعَلْنِي لَهُمْ رَابِعًا، فَأَوْحَىْ اللهُ إلِيَهْ أَنَّ إِبْرَاهِيْمَ أُلقِيَ فِيْ النَّارِ بِسَبَبِيْ فَصَبَرَ، وَتلْكَ بَلِيَّةٌ لَمْ تَنَلْكَ، وَأنَّ إِسْحَاقَ بَذَلَ مُهْجَةَ دَمِهِ فِيْ سَبَبِي فَصَبَرَ، وَتلْكَ بَلِيَّهٌ لَمْ تَنَلْكَ، وَأنَّ يَعْقُوْبَ أَخَذْتُ مِنْهُ حَبِيْبَهُ حَتَّىْ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَصَبَرَ، وَتلْكَ بَلِيَّةٌ لَمْ تَنَلْكَ" (١).
ومن هنا يُعلم أنَّ الحزن لا يكون فضيلة كاملة ورتبة عالية إلا إذا قُرِنَ بالصبر وبحسن الظن بالله تعالى، وعدم الضجر، وترك التكلم بما يُشعر بالجزع، والتبرم لقَضاء الله تعالى.
فأما إذا كان الحزن مقرونًا بالجزع أو سوء الظن بالله تعالى، فإنه مذموم.
وعليه يحمل استعاذة رسول الله ﷺ من الهم والحزن، أو على الحزن على ما فات من الدنيا والهمِّ بأمورها ما عدا الهم بالمعيشة والعيال، فإنه ليس من هم الدنيا المذموم.
وإليه الإشارة بقوله ﷺ "إنَّ مِنَ الذُّنُوْبِ ذُنُوْبًا لاَ يُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَلاَ الْحَجُّ وَلاَ العُمْرَةُ؛ يُكَفِّرُهَا الْهُمُوْمُ فِيْ طَلَبِ الْمَعِيْشَةِ". رواه أبو
стр. 2352
نعيم، وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ (١).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحزن" عن مكحول قال: أوحى الله إلى موسى ﵇ أن اغسل قلبك، قال: يا رب بأي شيء؟ قال: اغسله بالغم والهم.
وفي رواية: بالهم والحزن (٢).
وعن صالح أبي شعيب ﵀ قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم ﵉: كحل عينيك بمملول الحزن إذا ضحك البطالون (٣).
والمملول: من مل السهم أو القوس في النار: أدخله فيها.
أو من مل الخبز: أدخله في الملة - بفتح الميم - وهو الرماد الحار.
أي: أكحل عينيك بالحزن ولو كان حاراً كالميل المحمَّى بالنار أو بالملة.
وروى ابن أبي الدنيا - أيضًا - عن فتح الموصلي رحمه الله تعالى
стр. 2353
قال: قال آدم ﵇: كنا نسلاً من نسل الجنة فسبانا إبليس بالمعصية إلى الدنيا، فليس لنا فيها إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي خرجنا منها (١).
وقال: حدثني عمر بن بكير النحري عن شيخ من قريش قال: كان إبراهيم خليل الرحمن ﵊ لا يرفع طرفه إلى السماء إلا اختلاسًا، ويقول: اللهم نَعِّم عيشي في الدنيا بطول الحزن فيها (٢).
وروى هو والطبراني، والحاكم في "المستدرك" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِيْنٍ" (٣).
٤٤ - ومنها: الرجاء والطمع في رحمة الله، والرغبة فيما عنده (٤).
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال ابن زيد ﵀: أي: طمعًا وخوفًا، وليس ينبغي لأحدهما
стр. 2354
أن يفارق الآخر. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
ورويا عن ابن جريج رحمه الله تعالى: أنه قال في الآية: رغبةً في ﵀، ورهبةً من عذاب الله (٢).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه كانا سواء.
وروى نحوه عن مطرف وغيره (٣).
وروى ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي عن عبد الله بن عكيم ﵀ قال: خطبنا أبو بكر ﵁ فقال: أما بعد! فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإنَّ الله تعالى أثنى على زكريا وعلى أهل بيته ﵈ فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ثم اعلموا عباد الله أنَّ الله تعالى قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يُطفأ نوره، فصدقوا بقوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة،
стр. 2355
ووكل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.
ئم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجلٍ قد غُيبَ عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عملٍ لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردَّكم إلى أسوء أعمالكم؛ فإن أقوامًا جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، فالوَحَاءَ الوَحَاءَ، والنجاء النجاء؛ فإنَّ وراءكم طالباً حثيثاً مَرُّهُ سريع (١).
فقد جعل أبو بكر ﵁ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠] الآية، راجعاً إلى زكريا وأهله، وجعله غيرُه عائداً على كل الأنبياء المذكورين قبل كما سبق.
وعلى كل قول فإنَّ الأنبياء ﵈ جميعهم متخلقون بهذه الأخلاق الكريمة.
٤٥ - ومنها: المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى الأعمال الصالحات .
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، والخيرات شاملة لكل طاعة وأدب صالح وخلق كريم.
وقال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: ٨٤].
стр. 2356
وروى أبو الشيخ في كتاب "العقيقة" عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه رحمهما الله: أنَّ إبراهيم ﵇ أُمِرَ أن يختتن وهو ابن ثمانين سنة، فعجل واختتن بالقدوم، فاشتدَّ عليه الوجع، فدعا ربه، فأوحى إليه أنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب! كرهت أن أُؤخر أمرك (١).
وقال تعالى لهذه الأمة: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨].
وفسَّر أبو العالية الاستباق في الآية بالمسارعة (٢).
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ أي: إلى ما يؤدي إليها.
أمر سبحانه هذه الأمة بما مدح به النبيين.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمر ﵁ قال: التؤدة في كل شيء خيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة (٣)؛ أي: فإنَّ المسارعة فيه خير.
وأخرجه أبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبي ﷺ (٤).
стр. 2357
وقال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنهَّا من سنة رسول الله ﷺ ؛ إطعام الطعام، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب (١).
قلت: وكذلك الصلاة في أول وقتها، والزكاة إذا حال الحَوْل على النصاب، والحج إذا حصلت الاستطاعة، وإمضاء ما خطر ببالك من صدقة أو نفع مسلم، ويجمع ذلك أمر الآخرة المذكور في الحديث المذكور آنفاً.
٤٦ - ومنها: التوبة والاستغفار .
وتوبة الأنبياء ﵈ مما هو خلاف الأولى، أو من خطيئة لعلها وقعت، أو من القعود في كل لحظة عن الترقي في مقامات الدين، أو نحو ذلك كما تقدم نظيره في الملائكة ﵈.
قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢].
وقال تعالى: ﴿قَالَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧].
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ
стр. 2358
مِنَّا (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقال تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤].
إلى غير ذلك.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن الأغر بن يسار المزني ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّهُ لَيُغَانَ عَلَىْ قَلْبِيْ، وَإِنِّيْ لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِيْ اليَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ" (١).
وروى الإمام مالك، والإمام أحمد، ومسلم عنه [عن ابن عمر]: أنَّ النبي ﷺ قال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ! تُوْبُوْا إِلَىْ رَبّكُمْ؛ فَوَاللهِ إِنَّي لأتُوْبُ إِلَىْ اللهِ فِيْ اليَوْمِ مِئةَ مَرَّةٍ" (٢).
ورواه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن رجل من المهاجرين، والحكيم الترمذي عن الأغر، ولفظهما: "يّاَ أَيُّهَا النَّاسُ! اسْتَغْفِرُوْا اللهَ وَتُوْبُوْا إِلَيْهِ؛ فَإِنِّيْ أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتوْبُ إِلَيْهِ فِيْ الْيَوْمِ - أَوْ: كُلَّ يَوْمِ - مِئَةَ
стр. 2359
مَرَّةٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ مَرَّةٍ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التوبة"، ومن طريقه الأصبهاني في "ترغيبه" عن أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ رَجُلاً طِوَلاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ (٢) كَثِيْرُ شَعْرِ الرَّأسِ، لاَ تُرَىْ عَوْرَتُهُ، فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ رِياشُهُ فَكَانَ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَا لَهُ مِنْ جَسَدِهِ أَنْ رَأَىْ عَوْرَتَهُ، فَلَمَّا رَآهَا انْطَلَقَ يَشْتَدُّ فِيْ الجنَّةِ، فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَتْ بِشَعْرِ رَأسِهِ، فَذَهَبَ يُنَازِعُهَا، وَناَدَاهُ الرَّحْمَنُ : يَا آدَمُ! أَمِنِّيْ تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمعَ كَلاَمَ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَسْتُ أَفِرُّ مَنْكَ وَلَكِنِّيْ أَسْتَحْيي مِنْكَ يَا رَبِّ، قَالَ: إِنْ أنَا تُبْتُ وَرَاجَعْتُ أَتَتُوْبَ عَلَيَّ؟ قَالَ: نعمْ يَا آدَمُ، قَالَ: فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ" (٣).
وقال الخرائطي في "اعتلال القلوب": أنشدنا أبو جعفر العدوي: [من المتقارب]
стр. 2360
ظَلمْتُ فَإِنْ قُلْتُ لا بَلْ ظُلِمْتُ ... فَإِنِّي أَنا الْقاطِعُ الظَّالِمُ
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ زَلَّتِي ... فَإِنيِّ مِنْ خَوْفِها واجِمُ
يَزِلُّ الْحَلِيْمُ وَيَكْبُوْ الْجَوادُ ... وَينْبُوْ عَنِ الضَّرْبَةِ الصَّارِمُ
عَصَيْتُ وَتُبْتُ كَما قَدْ عَصَىْ ... وَتابَ إِلَى رَبَّهِ آدَمُ (١)
وأحسن منه قولي:
يا عائبًا لِيْ بِالذُّنُوْبْ ... أَيُّنا لَمْ يُذْنِبِ
لَكِنْ عَصَيْتُ ثُمَّ تُبْـ ... ـتُ مِثْلَما تابَ أَبِيْ
فإن التمثل بآدم ﵇ في التوبة دون التصريح في حقه بالمعصية وهو أولى.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما المسيح ﵇ في رهطٍ من الحواريين بين نهرٍ جارٍ وحمأة (٢) منتنة، أقبل طائر حسن اللون يتلون كما هو الذهب، فوقع قريبا فانتفض، فسلخ منه مسكه - بفتح الميم؛ أي: جلده - فإذا هو أقبح شيء حين سلخ عنه مسكه، أقيرع أحيمش، فانطلق يدبُّ إلى الحمأة (٣) المنتنة، فتمعك فيها وتلطخ بنتنها، فازداد قبوحًا إلى قبوحه ونتَناً إلى نتَنِهِ، ثم انطلق يَدُبُّ إلى نهر إلى جنبه ضَحضاح صاف، فاغتسل فيه حتى رجع كأنه بيضة مقشرة، قال:
стр. 2361
فكذلك مثل عامل الخطيئة حين يكون في الخطأ (١)، وكذلك مثل التوبة كمثل اغتساله من النتن في النهر الضحضاح، ثم راجع دينه حتى تدرع مسكه.
والأقيرع تصغير الأقرع؛ أي: لا شعر على جلده.
والأحيمش تصغير الأحمش - بالحاء المهملة، والشين المعجمة -: وهو دقيق الساقين.
والضحضاح: الماء الذي لا يغرق.
ولعلنا نختم الكتاب بخاتمة لطيفة في المتاب.
٤٧ - ومنها: الورع، والحذر من الشبهات .
روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الورع"، وفي كتاب "البكاء" (٢) عن سعيد بن عبد العزيز ﵀: أن يحيى بن زكريا ﵉ كان لا يأكل شيئًا مما في أيدي الناس مخافة أن يكون دخله ظلم، وإنما يأكل من نبات الأرض، ويلبس من مَسوك الطير.
وفي "كتاب الورع" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: مرَّ عيسى ﵇ برائحة منتنة، فوضع القوم أيديهم على آنافهم، ولم يفعل ذلك عيسى، ثم مروا برائحة طيبة، فكشفوا أيديهم عن آنفهم ووضع عيسى ﵇ يده على أنفه، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ الرائحة
стр. 2362
الطيبة نعمة فخِفْتُ أن لا أقوم بشكرها، والرائحة المنتنة بلاء فأحببت الصبر على البلاء (١).
واعلم أن الورع لا يختص بالمأكل والمشرب، بل يكون في سائر المباحات كالمشموم، والمنظور، والمسموع، والمنطوق، وكلما دقق الإنسان على نفسه في الورع كلما نجا من الحساب، ولا ينبغي التهاون بشيء أصلاً.
قال القشيري ﵀: كان رجل يكتب رقعة وهو في بيت بكِراء، فأراد أن يترب الكتاب من جدار البيت، فخطر بباله أن البيت بالكراء، ثم خطر بباله لا حظر (٢) لهذا، فترب الكتاب، فسمع هاتفًا يقول: سيعلم المستخف بالتراب ما يلقى غدًا من سوء الحساب (٣).
وذكر في "الإحياء" نحو هذه القصة عن علي بن معبد، وذكر عنه أنه نام فرأى في منامه شخصاً يقول له: يا علي! سيعلم غداً الذين يقولون: وما قدر تراب من حائط (٤)؟
وقال الأستاذ أبو عثمان الخيري رحمه الله تعالى: ثواب الورع
стр. 2363
خفة الحساب (١).
وإن كان ثواب الورع ذلك؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، والورع من لازمه محاسبة النفس.
قال يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: الورع الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس مع كل طَرفة (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "أَوْحَىْ اللهُ إِلَىْ مُوْسَى ﵇: يَا مُوْسَىْ! إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَلْقَانِيْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ ناَقَشْتُهُ الْحِسَابَ، وَفتَّشْتُهُ عَمَّا كَانَ فِيْ يَدَيْهَ إِلاَّ الوَرِعِيْنَ؛ فَإِنِّيْ أسْتَحْيِيْهِمْ وَأُجِلُّهُمْ، وَأُكْرِمُهُمْ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (٣).
٤٨ - ومنها: الصيانة مع حسن الوجه وجمال الصورة .
وليس في الأنبياء ﵈ إلا حسن الصورة، وكلهم معصومون.
وفي الحديث الصحيح: "إِنَّ يُوْسُفَ ﵇ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، وَإِنَّ آدَمَ ﵇ خَلَقَهُ الرَّحْمَنُ عَلَىْ صُوْرَتهِ" (٤).
стр. 2364
وقال وهب رحمه الله تعالى: كان نوح ﵇ من أجمل أهل زمانه، وكان يلبس البرقع، قال: فأصابتهم مجاعة في السفينة، فكان نوح إذا تجلى لهم بوجهه شبعوا. رواه أبو نعيم (١).
وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ آتَاهُ اللهُ وَجْهًا حَسَنًا، وَاسْمًا حَسَنًا، وَجَعَلَهُ فِيْ مَوْضعٍ غَيْرِ شَائِنٍ، كَانَ مِنْ خُلاَصةِ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ" (٢).
قلت: والذي استقرأته وتحققته أنه لم يكن ذو جمال وصورة حسنة، فصين جماله عن الامتهان بالفسق، واتَّزر هو بالعفة وارتدى بالصيانة إلا بقي جماله وحسن طلعته في كبره إلى وفاته وبعد موته، ومن امتهن جماله بالفجور لم يلبث جماله أن يقبح شيئًا فشيئاً خصوصاً عند نبات وجهه.
وكذلك عرض على الجمال والبهاء في هذه الأعصار أكل المكيفات المسكرة والمسطلة، والمخدرات المؤثرات في نضارة الأجساد وماء
стр. 2365
الوجوه ما انتقل به أهلها إلى قبح الصورة وبشاعة المنظر حتى حمل بعض العلماء المسخ الذي يكون في بعض هذه الأمة في آخر الزمان على هذا، والله سبحانه أعلم.
٤٩ - ومنها: ذم الدنيا وتحقيرها .
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧].
أمر نبيه ﷺ بتقليل الدنيا وذمها، وذلك مما أجمع عليه أنبياء الله تعالى.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن السري السقطي رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: الدنيا مزرعة إبليس، وأنتم - أي: معاشرَ المشتغلين بها المكبين عليها - عمَّارُها؛ أي: مستخدموه في عمارتها وحراستها (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن الحسن ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "حُبُّ الدُّنْيَا رَأسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ" (٢).
стр. 2366
ورواه الإمام أحمد في "الزهد" من كلام عيسى ﵇ (١).
وفي كتاب الله : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ [الأعلى: ١٨]؛ أي: ذم الدنيا وذم إيثارها، وكون الآخرة خيرًا منها هو في الصحف الأولى بمعنى في كتب الله كلها.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن، وروى هو وابن جرير عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه قال في الآية: تتابعت كتب الله كما تسمعون أن الآخرة خيرٌ من الدنيا (٢).
٥٠ - ومنها: الزهد والتقلل من الدنيا، وإيثار الخشن من الثياب والعيش .
روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ ناَجَىْ مُوْسَىْ ﵇ بِمِئَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِيْنَ أَلْفَ كَلِمَةٍ فِيْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا سَمعَ مُوْسَىْ كَلاَمَ الآدَمِيينَ مَقَتَهُمَ لِمَا وَقَعَ فِيْ مَسَامِعِهِ مِنْ كَلاَمِ الرَّبِّ ، فَكَانَ فِيْمَا نَاجَاهُ اللهُ أَنْ قَالَ: يَا مُوْسَىْ! إِنَّهُ لَمْ تتَصَنَّعْ فِيَّ الْمُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِيْ الدُّنْيَا، وَلَمْ تتَقَرَّبْ إِلَيَّ الْمُتَقَرُّبوْنَ بِمِثْلِ الوَرَعِ عَمَّا حَرَّمْتُ
стр. 2367
عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَعَبَّدِ الْمُتَعَبِّدُوْنَ بِمِثْلِ البُّكَاءِ مِنْ خَشْيَتِيْ، قَالَ مُوْسَىْ: يَا رَبَّ البَرِيَّةِ كُلِّهَا، أَوْ: يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّيْنِ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ! مَا أَعْدَدْتَ لَهُمْ؟ وَمَاذَا جَزَيْتَهُمْ؟ قَالَ: أَمَّا الزُّهَادُ فِيْ الدُّنْيَا فَإِنِّيْ أَبَحْتُهُمْ جَنَّتِيْ يتبوأون مِنْهَا حَيْثُ شَاؤُوْا، وَأَمَّا الوَرِعُوْنَ الْمُتَوَرِّعُوْنَ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ لَمْ يَبْقَ عَبْدٌ إِلاَّ ناَقَشْتُهُ وَفتَّشْتُهُ إِلاَّ الوَرِعِيْنَ فَإِنَّيْ أَسْتَحْيِيهِمْ وَأُجِلُّهُمْ وَأُكْرِمُهُمْ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِغيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا البَكَّاؤُوْنَ مِنْ خَشْيَتِيْ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الرَّفِيْقُ الأَعْلَى لاَ يُشَارَكُوْنَ فِيْهِ" (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خيثمة رحمه الله تعالى قال: قال سليمان بن داود ﵉: جربنا العيش - لينه وشديده - فوجدناه يكفي منه أدناه (٢).
وعن فرقد السبخي ﵀ قال: كان سليمان ﵇ يأكل خبز الشعير [بالنوى]، ويُطعم الناس الخبز الجواري (٣).
وذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] عن أبي بكر الوراق ﵀ قال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ يعني: ملك النفس حتى يغلب هواه كما آتى سليمان ﵇؛ كان يأكل خبز الشعير ويُطعم الجواري، وكان
стр. 2368
يلبس المرقعة، ولم ينظر إلى السماء أربعين سنة تخشعاً، وكان يدخل المسجد فيرى فقيراً يقعد إلى جنبه ويقول: مسكين جالسَ مسكيناً (١).
وروى الإمامان أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل عن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: قال رجل لعيسى بن مريم ﵉: لو اتخذت حماراً تركبه لحاجتك؟ قال: أنا أكرم على الله أن يجعل لي شيئًا يشغلني عنه (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير ﵀ قال: كان عيسى ابن مريم ﵉ لا يرفع غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، وكان يقول: إنَّ مع كل يومٍ رزقه، وكان يلبس الشعر، ويأكل من الشجر، وينام حيث أمسى (٣).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كان عيسى بن مريم ﵉ يلبس الشعر، ويأكل من الشجر، ولا يُخبأ اليوم لغد، وَيبْيتُ حيث أتاه الليل، ولم يكن له ولد يموت ولا بيت يخرب (٤).
стр. 2369
وروى ابنه في "زوائده" عن ضمرة بن شوذب قال: قال عيسى ﵇: جودة الثياب من خيلاء القلب (١).
وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إني كببتُ الدنيا بوجهها وقعدت على ظهرها، فليس لي ولد فيموت ولا بيت فيخرب، فقالوا له: أفلا تتخذ لك بيتًا، قال: ابنوا لي على طريق السيل بيتًا، قالوا: لا يثبت، قالوا: أفلا نتخذ لك زوجة؟ قال: ما أصنع بزوجة تموت؟ (٢)
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المعتمر بن سليمان التيمي رحمهما الله قال: خرج عيسى ﵇ على أصحابه وعليه جُبَّة من صوف، وكساء، وتُبان حافيًا باكياً شَعِثًا، مُصْفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش، فقال: السلام عليكم يابني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي [في الشتاء مشارق] الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف، وشعاري خوف رب العزَّة، وجلسائي الزَّمنى والمساكين، أُصبح وليس لي شيء، وأُمْسِي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس، غني مكثر، فمن أغنى مني وأربح؟ (٣)
стр. 2370
واعلم أنَّ المروي من زهد الأنبياء ﵈ ومواعظهم في ذلك خصوصًا عن سيدنا عيسى ﵇ لا يمكن حصره لكثرته، وفي هذا القدر كفاية لمن أنعم الله عليه بالهداية.
* تَنْبِيْهٌ:
قال الله ﵎: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧].
وفي الحديث: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوْضَةٍ مَا سَقَىْ كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ" (١).
ولمَّا تحقق الأنبياء ﵈ والصالحون قلةَ الدنيا وحقارتها عند الله وفناءها، دعاهم ذلك إلى الزهد فيها، والرغبة فيما عند الله تعالى.
قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦] وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الدنيا" عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ملك الموت إلى نوح ﵉ فقال: يا أطول النبيين عمراً! كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتًا له بابان، فقال وسطَ البيت هنيهة، ثم خرج من الباب الآخر (٢).
ولأبي العتاهية: [من مجزوء الرمل]
نُحْ عَلى نَفْسِكَ يا مِسْـ ... ـكِيْنُ إِنْ كُنْتَ تَنُوْحُ
لتمُوْتَنَّ وَإِنْ عُمْـ ... ـمِرْتَ ما عُمِّرَ نُوْحُ
стр. 2371
* تَنْبِيْهٌ آخَرُ:
روى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: ثنا هشام بن عمرو قال: أوحى الله إلى موسى وعيسى ﵉: يا موسى، ويا عيسى! من أجل دنيا دنية وشهوة ردية تفرطان في طلب الآخرة؟ يا موسى، وعيسى! حتى متى أُطيل النسيئة وأحسن الطلب؟ (١)
قلت: هذا من باب الرواية بالمعنى؛ إذ أوحى الله ذلك إلى كل واحد منهما في زمانه.
وقوله: "من أجل دنيا دنيئة وشهوة ردية تفرطان في طلب الآخرة" معناه: أيليق ذلك فلا تفعلانه، ولا يلزم من ذلك أن يكونا قد طلبا الدنيا أو أخذتهما الشهوة حتى منعتاهما طلب الآخرة لأنهما معصومان، والمشهور من زهدهما لا يخفى، والمراد بذلك تقريع من يعمل ذلك من أمتهما.
قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بذلك أبا سليمان رحمه الله تعالى فقال لي: إذا كان موسى وعيسى معاتبين، فأي شيء يقال لمثلي ومثلك؟ وأي شيء أصابا من الدنيا؛ جبة صوف وكسرة؟ (٢)
قلت: ومخاطبتهما بذلك أبلغ من مخاطبة أمتيهما في ردع الأمم،
стр. 2372
ومثله قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥] وأمثاله من مخاطبات الأنبياء، والمراد أممهم.
وفي المعنى المثل السائر: إيَّاك أعني واسمعي يا جارة.
ومن أخلاق الأنبياء ﵈:
٥١ - اليقين .
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وروى ابن أبي الدنيا عن بكر بن عبد الله قال: فقد الحواريون عيسى ﵇، فقيل لهم: توجه نحو البحر، فانطلقوا يطلبونه إذا هو قد أقبل يمشي على الماء، فقال له بعضهم: ألا أجيء إليك يا نبي الله؟ قال: بلى، فوضع إحدى رجليه ثم ذهب ليضع الأخرى فقال: آه، غرقت يا نبي الله، فقال: أرني يدك يا قصير الإيمان، لو أنَّ لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: يقول بعضهم: اجلس في بيتك وأغلق عليك بابك فانظر، هل يأتيك رزقك؟ نعم لو كان مثل يقين مريم وإبراهيم ﵉، وأغلق عليه بابه، وأرخَى عليه ستره (٢).
стр. 2373
وروى ابن أبي الدنيا عن الفضيل رحمه الله تعالى قال: قيل لعيسى ﵇: بأي شيء تمشي على الماء؟ قال: بالإيمان واليقين، قالوا: إنّاَ آمنَّا كما آمنت، وأيقنا كما أيقنت، قال: فامشوا إذاً، فمشوا معه، فجاء الموج فغرقوا، فقال لهم عيسى: ما لكم؟ قالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج، قال: فأخرجهم، ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثم بسطهما، فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر (١) أو حصى، فقال: أيهما أجلُّ في قلوبكم؛ قالوا: هذا الذهب، قال: فإنهما عندي سواء (٢).
وروى أبو الشيخ عن أبي الخير البصري رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: تزعم أنك تحبني وتُسيء بي الظن صباحًا ومساءً، أما كانت لك عبرة أن شققت سبع أرضين فأريتك ذرة في فِيها برة ما نسيتها (٣).
قلت: وهذا في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
٥٢ - ومنها: التوكل والتفويض والتسليم .
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ [الصافات: ١٠٣].
وقال تعالى يحكي عن هود ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي
стр. 2374
وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقال تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
وقال تعالى حكاية عنه مترجِمًا عن نفسه وعن المؤمنين من
قومه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [الشعراء: ٦١].
وهذا يدل على أنه كان في أعلى طبقات التوكل والثقة بحفظ الله تعالى؛ لأنه قاله وهو بين البحر، وبين العدو، والعدو أضعاف أضعافهم، وهم في غاية الحَنَق والغيظ عليهم، فلما كان بهذه المثابة من اليقين والتوكل على الله تعالى فَرَقَ له البحر.
وقال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ [يوسف: ٦٧].
وقال تعالى حكاية عن الرسل ﵈: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا (١٢)﴾ [إبراهيم: ١٢].
وروى ابن النجار في "تاريخه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيْمُ ﵇ فِيْ النَّارِ قَالَ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ، فَمَا احْتَرَقَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضعُ الكِتَابِ".
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ قال: حسبنا الله ونعم
стр. 2375
الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي النار، وقالها محمد ﷺ حين قال الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣] (١).
وروى ابن أبي شيبة، وابن حنبل في "الزهد" عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح، لا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها، فإن قُلتم نحن أعظم بطونًا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر والحمر تغدو وتروح، ولا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها، اتقوا فضول الدنيا؛ فإنَّ فضول الدنيا رجز (٢)؛ أي: عذاب.
وهذا كما قال علي بن أبي طالب ﵁: الدنيا حلالها حساب، وحرامها عقاب، وفي رواية: عذاب. رواه ابن أبي الدنيا (٣).
وأخرجه بعضهم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً.
وإنما أطلق عيسى ﵇ على فضول الدنيا أنها رجز؛ إما باعتبار شريعته، وإما باعتبار أن الفضول إن كان حرامًا فذاك، وإن كان حلالاً كان حساباً، والحساب عذاب أيضًا؛ لقوله ﷺ : "مَنْ نُوْقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ". رواه الشيخان عن عائشة ﵂ (٤).
стр. 2376
وروينا عن مسلم بن ميمون العابد ﵁ قال: [الوافر]
أَرَىْ الدُّنْيا لِمَنْ هِيَ فِيْ يَدَيْه ... عَذاباً كُلَّما كَثُرَتْ لَدَيْهِ
تُهِيْنُ الْمُكْرِمِيْنَ لَها بِصُغْرٍ ... وَتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ هانَتْ عَلَيْه
فَدَعْ مِنْها الفُضُوْلَ تَعِشْ حَمِيْداً ... وَخُذْ ما أَنْتَ مُحْتاجٌ إِلَيْهِ (١)
٥٣ - ومنها: الاكتساب والأكل من كد اليمين وعرق الجبين ، والقيام على العيال، وتعاطي الأشغال من غير اعتماد عليها ولا اتكال، بل على الكبير المتعال.
ولا مناقضة بين ذلك وبين التوكل؛ لأنَّ التوكل عبارة عن الثقة بالله والاعتماد عليه والافتقار إليه من غير ملاحظة تأثير للكسب وغيره من سائر الأسباب في شيء أصلاً.
وقد حررت هذه المسألة في كتاب "منبر التوحيد"، وفصلتها تفصيلاً.
قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ (٢٧)﴾ [المؤمنون: ٢٧]. الآية.
стр. 2377
وقال تعالى حكاية عن داود ﵇: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠]. الآية وقال تعالى لآدم ﵇: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
أشار سبحانه إلى أن رزق الدنيا لا ينال إلا بالشقاء؛ أي: بالتعب والحركة.
روى الدينوري في "المجالسة" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لما أُهبط آدم ﵇ قال: يا رب أطعمني، قال: أما والله دون أن تعمل عملاً يعرق منه جبينك فلا (١).
وعن قتادة قال: لمَّا أُهبط آدم قيل له: لن تأكل الخبز بالزيت حتى تعمل عملاً مثل الموت.
وروى أبو نعيم عن سعيد بن جبير ﵀ قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، قال: وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧]، وكان ذلك شقاء (٢).
وعن إسحاق بن يسار ﵀: أنه كان يمر بالبزازين، فقال: الزموا تجارتكم؛ فإن أباكم إبراهيم ﵇ كان بزازًا (٣).
стр. 2378
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن عتبة بن النّدّر (١) ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ مُوْسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ سِنِيْنَ أَوْ عَشْرًا عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والبخاري عن المقدام ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأَكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ لاَ يَأكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (٣).
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ نبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ لاَ يَأْكُلُ إِلاَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (٤).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عروة ﵀ قال: كان داود ﵇ يصنع القفة من الخوص وهو على المنبر، ثم يبعث بها إلى السوق فيبيعها ويأكل ثمنها (٥).
وعن الحسن ﵀ قال: قال داود ﵇: إلهي! أي رزقٍ أطيب؟ قال: ثمرة يدك يا داود.
وروى هو في "المسند"، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁
стр. 2379
قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَ زَكَرِيَّا ﵇ نَجَّارًا" (١).
وروى الدينوري عنه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]؛ قال: "كانَ إِدْريْسُ خَيَّاطًا، وَزَكَرِيَّا نَجَّاراً" (٢).
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄: أنَّ آدم كان حرَّاثًا وكذلك إبراهيم، وكان نوح نجاراً، وإدريس خياطاً، وداود زرادًا (٣)، وموسى راعيًا وكذلك شعيب، وكان صالح تاجراً، عليهم الصلاة والسلام (٤).
وروى ابن عساكر عنه نحوه إلا أنه قال: وكان هود تاجراً - ولم يذكر صالحًا -، وكان إبراهيم راعيًا، وكان سليمان خواصًا (٥)، وكان موسى أجيراً، وكان عيسى سياحًا، وكان محمد ﷺ شجاعًا، جعل رزقه تحت ظل رمحه (٦).
وروى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ حَاكَ آدَمُ ﵇" (٧).
стр. 2380
وروى ابن عساكر بسند ضعيف، عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هَبَطَ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَرْيَانينِ عَلَيْهِمَا وَرَقُ الْجَّنَةِ، فَأَصَابَهُ الْحَرُّ حَتَّى قَعَدَ يَبْكِيْ وَيقُوْلُ لَهَا: يَا حَوْاءُ قَدْ آذَانِيَ الْحَرٌّ، فَجَاءَهُ جِبْرِيْلُ ﵇ بِقُطْنٍ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَغْزِلَ وَعَلَّمَهَا، وَأَمَرَ آدَمَ بِالْحِيَاكَةِ وَعَلَّمَهُ" (١).
وروى ابن سعد عن ابن عباس ﵄: أن الله تعالى لما رأى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من الضأن من الثمانية أزواج التي أنزل الله تعالى من الجنة - وهي: الإبل والبقر، والضان والمعز - فأخذ آدم كبشًا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو [وحواء]، فنسج آدم جُبة لنفسه، وجعل لحواء درعًا وخمارًا (٢).
قلت: يجمع بين هذا والذي قبله أن القطن غزلته ونسجه قميصين لما يلي البدن، والصوف دِثارًا فوق ذلك.
ولقد أحسن من قال مشيرًا إلى الحركة والسبب: [من الطويل]
ألمْ تَرَ أَنَّ اللهَ قالَ لِمَرْيَمٍ ... إِلَيْكِ فَهُزِّيْ الْجِذْعَ يَسَّاقطِ الرُّطَبْ
وَلَوْ شاءَ أَنْ تَجْنِيهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّها ... لَكانَ وَلَكِنْ كُلّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ (٣)
стр. 2381
* تَنْبِيْهٌ:
روى سعيد بن منصور في "سننه"، والحاكم في "تاريخه"، وغيرهما عن أبي مسلم الخولاني ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُوْنَ مِنَ التَّاجِرِيْنَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِيْنَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىْ يَأْتِيَكَ اليَقِيْنُ" (١).
وهذا ليس ذمًّا لمطلق التجارة حتى يكون هذا شغلاً مع أن هوداً وصالحاً وإبراهيم ﵈ كانوا تجارًا، وقد ثبتت التجارة ورعاية الغنم عن النبي ﷺ قبل التبرؤ، ولم يَنْهَ التجار من أصحابه عن التجارة كابن عوف وغيره، ﵃.
نعم إذا كانت التجارة للتكاثر ونحوه من الأغراض الفاسدة كانت مذمومة، وعليه يُحمل حديث أبي مسلم، ولذلك جمع بين التبرؤ منها وجمع المال.
ويؤيده رواية ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَكُوْنَ تَاجِرًا، وَلاَ أَجْمَعَ الْمَالَ تَكَاثُرًا، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِيْنَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىْ يَأْتِيَكَ اليَقِيْنُ" (٢).
وفي ذلك أن التجارة بالنية الصالحة، ومراعاة الشريعة فيها واجتناب المحظور خلق نبوي وكسب طيب.
стр. 2382
وقد روى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: وقف سائل على باب داود ﵇ فقال: يا أهل بيت النبوة، ويا معدن الرسالة! تصدقوا علينا بشيء رزقكم الله رزق التاجر المقيم في أهله، فقال داود: أعطوه فوالذي نفسي بيده إنها لفي الزبور (١).
قلت: يحتمل أنه أراد الدعاء لهم بأن يرزقهم الله رزق التاجر المقيم في أهله بأن يتعاطوا التجارة مع الإقامة والراحة فيربحون؛ وعليه: فإقرار داود ﵇ لهذا الدعاء دليل على استحسان التجارة مع الإقامة بدون معاناة سفر ومُقاساة حل وترحال، كيف وقد أكد ذلك بأنه في الزبور مع الإقسام على ذلك.
ويحتمل أنه أراد الدعاء بحصول مطلق الرزق مع الراحة والإقامة كراحة التاجر المقيم في أهله وربحه، أو بحصوله شيئًا فشيئاً في كل يوم رزق جديد مع الراحة وعدم الكلفة وعدم تحمل للأسفار والضرب في البلاد، وهذا رفق عظيم.
ويروى لعلي بن أبي طالب ﵁: [من الرجز]
أَفْلَحَ مَنْ كانَ لَهُ قَوْصَرَّة ... يَأْكُلُ مِنْها كُلَّ يَوْمٍ تَمْرة (٢)
стр. 2383
* تَنْبِيْهٌ أَيْضاً:
ليس الاكتساب والطلب لإغناء النفس وكفاية العيال من طلب الدنيا، فيكون بهذه النية مذموماً.
قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": حكى مقاتل أن إبراهيم ﵇ قال: يا رب! [حتى] متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أمسك عن هذا، فليس طلب المعاش من طلب الدنيا، انتهى (١).
وروى عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! كم أنزل الله من كتاب؟
قال: "مِئَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، أَنْزَلَ عَلَىْ شيث خَمْسِيْنَ صَحِيْفَةً، وَعَلَىْ إِدْريسَ ثَلاَثِيْنَ صَحِيْفَةً، وَعَلَىْ إِبْرَاهِيْمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَعَلَىْ مُوْسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيْلَ وَالزَّبُوْرَ وَالفُرْقَانَ".
قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟
قال: "أَمْثَالٌ كُلُّهَا؛ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَىْ الْمَغْرُررُ، لَمْ أَبْعَثْكَ لِجَمْع الدُّنْيَا بَعْضِهَا إِلَىْ بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّيْ دَعْوَةَ الْمَظْلُوْمِ؛ فَإِنَّيْ لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانت مِنْ كَافِرٍ.
وَعَلَى العَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوْبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجيْ فيْهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيْهَا نَفْسَهُ وَيَتَفْكَّرُ فِيْمَا
стр. 2384
صَنَعَ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيْهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الحَلاَلِ؛ فَإِنَّ فِيْ هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْناً لِتِلْكَ السَّاعَاتِ وَاسْتِجْمَاعَا لِلْقَلْبِ وَتَفْرِيْغًا لَهَا.
وَعَلَىْ العَاقِلِ أَنْ يَكُوْنَ بَصِيْرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ؛ فإِنَّ مَنْ حَسَبَ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ أقلَّ الكَلاَمَ إِلاَّ فِيْمَا يَعْنِيْهِ.
وَعَلَىْ العَاقِلِ أَنْ يَكُوْنَ طَالِبًا لِثَلاَثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ تَلَذُّذٍ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمٍ".
قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟
قال: "كَانَتْ عِبَراً كُلُّها؛ عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوْتِ ثُمَّ يَفْرَحُ، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ، وَلِمَنْ يَرَىْ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ يَنْصَبُ، ولِمَنْ أَيْقَنَ بِالحِسَابِ ثُمَّ لا يَعْمَلُ".
قلت: يا رسول الله! هل أنزل الله عليك شيئًا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟
قال: "يا أَبا ذَرٍّ! نعَمْ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩] " (١).
٥٤ - ومنها: الاستشارة .
والظاهر أن الاستخارة كذلك؛ لأن الأنبياء ﵈ أحق
стр. 2385
بها، وحديث الاستخارة وتعليم النبي ﷺ إياها في "صحيح البخاري" و"سنن الأربعة" رحمهم الله تعالى، وهما قرينتان (١).
قال رسول الله ﷺ : "مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، ولاَ عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". رواه الطبراني في "الكبير" عن أنس ﵁ (٢).
وروى ابن أبي شيبة، والبيهقي عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: قال سليمان بن داود لابنه ﵈: يابني! لا تقطع أمرًا حتى تؤامر مرشداً؛ فإنك إذا فعلت لم تحزن عليه (٣).
وقال الحسن ﵀: ما تشاور قومٌ إلا هدوا لأرشد أمرهم (٤).
* تَنْبِيْهٌ:
لا يلزم أن يكون المستشار أفضل من المستشير ولا أعلم منه، بل يستشيره وإن كان دونه؛ ألا ترى أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يستشير أصحابه وهم دونه؟
وروى ابن عساكر عن محمد ابن الإمام عبد الرحمن الأوزاعي رحمهما الله: أنه سمع أباه يقول: ما من أحدٍ يشاور من هو دونه في