← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

* تَنْبِيْهٌ: روى سعيد بن منصور في "سننه"، والحاكم في "تاريخه"، وغيرهما عن أبي مسلم الخولاني ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُوْنَ مِنَ التَّاجِرِيْنَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِيْنَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىْ يَأْتِيَكَ اليَقِيْنُ" (١). وهذا ليس ذمًّا لمطلق التجارة حتى يكون هذا شغلاً مع أن هوداً وصالحاً وإبراهيم ﵈ كانوا تجارًا، وقد ثبتت التجارة ورعاية الغنم عن النبي ﷺ قبل التبرؤ، ولم يَنْهَ التجار من أصحابه عن التجارة كابن عوف وغيره، ﵃. نعم إذا كانت التجارة للتكاثر ونحوه من الأغراض الفاسدة كانت مذمومة، وعليه يُحمل حديث أبي مسلم، ولذلك جمع بين التبرؤ منها وجمع المال. ويؤيده رواية ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَكُوْنَ تَاجِرًا، وَلاَ أَجْمَعَ الْمَالَ تَكَاثُرًا، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِيْنَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىْ يَأْتِيَكَ اليَقِيْنُ" (٢). وفي ذلك أن التجارة بالنية الصالحة، ومراعاة الشريعة فيها واجتناب المحظور خلق نبوي وكسب طيب.

стр. 2382

وقد روى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: وقف سائل على باب داود ﵇ فقال: يا أهل بيت النبوة، ويا معدن الرسالة! تصدقوا علينا بشيء رزقكم الله رزق التاجر المقيم في أهله، فقال داود: أعطوه فوالذي نفسي بيده إنها لفي الزبور (١). قلت: يحتمل أنه أراد الدعاء لهم بأن يرزقهم الله رزق التاجر المقيم في أهله بأن يتعاطوا التجارة مع الإقامة والراحة فيربحون؛ وعليه: فإقرار داود ﵇ لهذا الدعاء دليل على استحسان التجارة مع الإقامة بدون معاناة سفر ومُقاساة حل وترحال، كيف وقد أكد ذلك بأنه في الزبور مع الإقسام على ذلك. ويحتمل أنه أراد الدعاء بحصول مطلق الرزق مع الراحة والإقامة كراحة التاجر المقيم في أهله وربحه، أو بحصوله شيئًا فشيئاً في كل يوم رزق جديد مع الراحة وعدم الكلفة وعدم تحمل للأسفار والضرب في البلاد، وهذا رفق عظيم. ويروى لعلي بن أبي طالب ﵁: [من الرجز] أَفْلَحَ مَنْ كانَ لَهُ قَوْصَرَّة ... يَأْكُلُ مِنْها كُلَّ يَوْمٍ تَمْرة (٢)

стр. 2383

* تَنْبِيْهٌ أَيْضاً: ليس الاكتساب والطلب لإغناء النفس وكفاية العيال من طلب الدنيا، فيكون بهذه النية مذموماً. قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": حكى مقاتل أن إبراهيم ﵇ قال: يا رب! [حتى] متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أمسك عن هذا، فليس طلب المعاش من طلب الدنيا، انتهى (١). وروى عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! كم أنزل الله من كتاب؟ قال: "مِئَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، أَنْزَلَ عَلَىْ شيث خَمْسِيْنَ صَحِيْفَةً، وَعَلَىْ إِدْريسَ ثَلاَثِيْنَ صَحِيْفَةً، وَعَلَىْ إِبْرَاهِيْمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَعَلَىْ مُوْسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيْلَ وَالزَّبُوْرَ وَالفُرْقَانَ". قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "أَمْثَالٌ كُلُّهَا؛ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَىْ الْمَغْرُررُ، لَمْ أَبْعَثْكَ لِجَمْع الدُّنْيَا بَعْضِهَا إِلَىْ بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّيْ دَعْوَةَ الْمَظْلُوْمِ؛ فَإِنَّيْ لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانت مِنْ كَافِرٍ. وَعَلَى العَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوْبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجيْ فيْهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيْهَا نَفْسَهُ وَيَتَفْكَّرُ فِيْمَا

стр. 2384

صَنَعَ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيْهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الحَلاَلِ؛ فَإِنَّ فِيْ هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْناً لِتِلْكَ السَّاعَاتِ وَاسْتِجْمَاعَا لِلْقَلْبِ وَتَفْرِيْغًا لَهَا. وَعَلَىْ العَاقِلِ أَنْ يَكُوْنَ بَصِيْرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ؛ فإِنَّ مَنْ حَسَبَ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ أقلَّ الكَلاَمَ إِلاَّ فِيْمَا يَعْنِيْهِ. وَعَلَىْ العَاقِلِ أَنْ يَكُوْنَ طَالِبًا لِثَلاَثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ تَلَذُّذٍ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمٍ". قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟ قال: "كَانَتْ عِبَراً كُلُّها؛ عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوْتِ ثُمَّ يَفْرَحُ، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ، وَلِمَنْ يَرَىْ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ يَنْصَبُ، ولِمَنْ أَيْقَنَ بِالحِسَابِ ثُمَّ لا يَعْمَلُ". قلت: يا رسول الله! هل أنزل الله عليك شيئًا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: "يا أَبا ذَرٍّ! نعَمْ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩] " (١). ٥٤ - ومنها: الاستشارة . والظاهر أن الاستخارة كذلك؛ لأن الأنبياء ﵈ أحق

стр. 2385

بها، وحديث الاستخارة وتعليم النبي ﷺ إياها في "صحيح البخاري" و"سنن الأربعة" رحمهم الله تعالى، وهما قرينتان (١). قال رسول الله ﷺ : "مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، ولاَ عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". رواه الطبراني في "الكبير" عن أنس ﵁ (٢). وروى ابن أبي شيبة، والبيهقي عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: قال سليمان بن داود لابنه ﵈: يابني! لا تقطع أمرًا حتى تؤامر مرشداً؛ فإنك إذا فعلت لم تحزن عليه (٣). وقال الحسن ﵀: ما تشاور قومٌ إلا هدوا لأرشد أمرهم (٤). * تَنْبِيْهٌ: لا يلزم أن يكون المستشار أفضل من المستشير ولا أعلم منه، بل يستشيره وإن كان دونه؛ ألا ترى أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يستشير أصحابه وهم دونه؟ وروى ابن عساكر عن محمد ابن الإمام عبد الرحمن الأوزاعي رحمهما الله: أنه سمع أباه يقول: ما من أحدٍ يشاور من هو دونه في

стр. 2386

العلم والرأي والعقل تواضعًا له واستكانة إلا عزم الله له بأرشد أموره. قال محمد: فلقد رأيت أبي وهو يشاور الخادم (١). نعم، العاقل العارف أولى بالمشاورة، وإذا تعارضت إشارته وإشارة من دونه فإشارته أولى بالاتباع. قال عمر بن الخطاب ﵁: استشر في أمرك الذين يخشون الله؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. رواه الحاكم في "تاريخه"، والخطيب في "المتفق والمفترق" (٢). ويرجع كلام عمر إلى أنَّ الأولى بأن يستشار أهل العلم العاملون لأنهم الذين يخشون الله تعالى؛ فإن الخشية تدعوهم إلى العمل، والعمل بالعلم ينتج النطق بالحكمة وإملاء الصواب، وهم الألباء أصحاب العقول السديدة والآراء الحميدة. ولقد أحسن أبو الفتح البستي الكاتب الأديب في قوله: [من الوافر] خَصائِصُ مَنْ تُشاوِرُهُ ثَلاثٌ ... فَخُذْ مِنْها جَمِيْعاً بِالْوَثيْقَةْ وِدادٌ خالِصٌ وَوُفُورُ عَقْلٍ ... وَمَعْرِفَةٌ بِحالِكَ فِيْ الْحَقِيْقَةْ

стр. 2387

فَمَنْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِي الْمَعانِي ... فَتابِعْ رَأْيَهُ وَالْزَمْ طَرِيْقَه ٥٥ - ومنها: مداراة الناس ومخالقتهم بأخلاقهم من غير إثم إذا احتيج إلى مخالقتهم، وخصوصاً لأجل تعليمهم وإرشادهم؛ فإن ذلك أيضًا من أخلاق الأنبياء ﵈ . روى ابن أبي الدنيا في كتاب "المداراة" عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي قال: جلس داود ﵇ خاليًا فقال الله : ما لي أراك خاليًا؟ قال: هجرتُ الناس فيك يا رب العالمين، قال: يا داود! ألا أدلُّك على ما يستثني وجوه الناس إليك وتبلغ به رضائي؟ خالق الناس بأخلاقهم، واحتجز الإيمان بيني وبينك (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود! ألا أعلمك علمين إذا عملتهما ألقيت بهما وجوه الناس إليك، وبلغت بهما رضائي؟ قال: بلى يا رب، قال: احتجز فيما بيني وبينك بالورع، وخالط الناس بأخلاقهم (٢). وروى والده عن الحسن ﵀ قال: سأل موسى ﵇ جماعًا - يعني: من القول -، فأوحى الله إليه: انظر الذي تحب أن

стр. 2388

يصاحبك به الناس فصاحب به الناس (١). وعن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: كان عيسى ويحيى ﵉ يأتيان القرية، فيسأل عيسى ﵇ عن شرار أهلها، ويسأل يحيى عن خيار أهلها، فقال له: لِمَ تنزل على شرار الخلق؟ قال: إنما أنا طبيب أداوي المرضى (٢). وروى ابن أبي الدنيا، والديلمي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِيْ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِيْ بِإِقَامَةِ الفَرَائِضِ" (٣). * تَنْبِيْهٌ: المداراة والمخالقة يفرق بينهما وبين الرياء بأنه طلب محمدة الناس بفعل أو ترك، أو طلب شيء من الدنيا بالطاعة، وأما المداراة والمخالقة فإنها طلب صلاح الناس أو سلامته من شرورهم بحسن خطابهم أو بالتواضع معهم والتلطف بهم مع ملاحظة الورع فيما بينه وبين الله تعالى، وطمأنينة قلبه بذكر الله تعالى، والتعلق به في كل نفع ودفع. ومن شرطهما أن لا يتجاوز إلى معصية الله تعالى في مداراتهم؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 2389

ويكفيك في هذا الباب قوله ﷺ : "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبعِ السَيَّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بَخُلُقٍ حَسنٍ". رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، من حديث أبي ذر، ومن حديث معاذ، وابنُ عساكر من حديث أنس ﵁ (١). ولوالدي رحمه الله تعالى في عقد الحديث: [من الرمل] اتَّقِ اللهَ تَعالَىْ حَيْثُ كُنْـ ... ـتَ وَأتْبعْ سَيَّئَاتٍ حَسَنَةْ خالِقِ النَّاسَ بِخُلْقٍ حَسَنٍ ... وَالْحَدِيْثُ التِّرْمِذِيْ قَدْ حَسَّنَه وفي قوله: "أتبع سيئات حسنة" نكته لطيفة، وهي الإشارة بجمع سيئات وإفراد حسنة إلى أن الحسنة الواحدة تُكفر عدة من السيئات وهي عشر، ولا يفهم هذا من لفظ الحديث وإنما هو مأخوذ من نص آخر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤] يتناوله. وقد قلت (٢): [من الرمل]

стр. 2390

مِنْ وَصايا الْمُصْطَفى خَيْرِ الْوَرَى ... سَيِّدِ الرُّسْلِ إِمامِ الْمُتَّقِيَن لَمْ يَزَلْ تَهْمِيْ عَلَيْهِ دائِمًا ... صَلَواتٌ وَسَلامٌ كُلَّ حِيْنِ اتَّقِ اللهَ تَعالى حَيْثُما ... كُنْتَ، فَالتَّقْوَى لَنا نِعْمَ الْقَرِيْن ثُمَّ أَتْبعْ سَيَّئاتٍ حَسَناتْ ... فَهْوُ يَمْحُوْهُنَّ بِالنَّصِّ الْمُبِيْن خالِقِ النَّاسَ بِخُلْقٍ حَسَنٍ ... تَكْسِبِ الْحُبَّ وَتُفْدَى بِالأبين ٥٦ - ومنها: الصبر على جور الحكام ، ووقاية النفس والعرض بما يدفع إليهم من المكوس وغيرها من غير اختيار لذلك ولا إعراض عن إنكاره مع التسليم لقضاء الله تعالى، وكلة الأمر إليه واللجاء إليه. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الله الداراني ﵀ قال: مرَّ عيسى ﵇ ومعه صاحب له على ماكس، فقال: أرجو ألاَّ يمر به أحد إلا أخذ من رأسه دينارًا، فقال عيسى لصاحبه: اذهب إلى مكان كذا من ساحل البحر، فسترى حوتًا في فِيْه دنانير ولا تزد على دينارين، فذهب حيث أمره عيسى فإذا حوت في فِيْه

стр. 2391

دنانير، فأخذ من فِيْه دينارين، فقال: أعطهما إياه، فقال: جوزا، فلما جازا قيل للماكس: تدري من هذا الذي مرَّ بك؟ قال: لا، قالوا: عيسى ابن مريم ﵉، فتبعه يسعى حتى لحقه فقال: يا رسول الله! لم أعرفك، وجعل يتضرع إليه وخاف دعاءه، فقال عيسى: يؤخذ الماكس والبزاز يوم القيامة، فيُقرنان في حبل ثم يُقذفان في النار. وقوله: والبزاز: هو الجبار الذي يغلب الناس على متاعهم، من قولهم: بزَّه: إذا غلبه وقهره، وفي المثل: مَنْ عزَّ بز؛ أي: غلب، وليس هو بائع البُز. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن سعيد بن عبد العزيز عن أشياخه: أنَّ عيسى ﵇ مرَّ بعقبه أَفْيق ومعه رجل من حوارييه، فاعترضهما رجل فمنعهما الطريق وقال: لا أترككما تجوزان حتى ألطم كل واحد منكما لطمة، فادَّارآه فأبى إلا ذلك، فقال عيسى ﵇: أما خدِّي فالطمه، قال: فلطمه فخلَّى سبيله، وقال للحواري: لا أدعك تجوز حتى ألطمك، فتَمَنَّع، فلما رأى عيسى ﵇ ذلك أعطاه خده الآخر فلطمه، فخلَّى سبيلهما، فقال عيسى ﵇: اللهم إن كان لك رضى فبلغني رضاك، وإن كان سخطاً فأنت أولى بالغيرة (١). ٥٧ - ومنها: النصيحة للخلق، ووعظهم وتذكيرهم، ووصيتهم بالتقوى وقبول النصيحة والوصية . قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢].

стр. 2392

قال ابن عباس ﵄: وصَّاهم بالإسلام ووصَّى يعقوب بنيه بمثل ذلك. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). ووصية الخضر لموسى ﵉ معروفة، والإشارة إليها في كتاب الله تعالى. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الهذيل رحمه الله تعالى قال: لقي عيسى يحيى ﵉ فقال: أوصني، قال: لا تغضب قال: لا أستطيع، قال: لا تقتنِ مالاً، قال: أمَّا هذه فلعله (٢). وعن عبد الله بن الحارث رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود! أحبني، وأحب عبادي، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب! هذا أحبك وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم؛ فينهم لا يذكرون مني إلا الحسن (٣). وعن أبي عبد الله الجدلي رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود! أحبني، وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب كيف؟ هذا أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: اذكرني فلا تذكر إلا حسناً (٤).

стр. 2393

٥٨ - ومنها: العزلة والانفراد عن الناس إلا في حال الدعوة والتعليم، والاختلاء بالله على كل حال . قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩]. في الآية إشارة بأنَّ العبد إذا اعتزل الناس في ذات الله تعالى عوَّضه عنهم من يؤنسه فيه وتقر به عينه. وروى الدينوري، وغيره عن وهب رحمه الله تعالى قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: إذا أردت أن تسكن غداً معي في حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيداً فريداً، مهموماً محزوناً كالطائر الوحداني يظلُّ في رياض الفلاة، وَيرِدُ أطراف العيون، ويأكل أطراف الشجر، فإذا جنَّ عليه الليل آوى وحده استيحاشاً من الطير، واستئناساً بربه (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إنَّ أحبَّ شيء إلى الله الغرباء، قيل: وما الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجمعون إلى عيسى ﵇ يوم القيامة (٢).

стр. 2394

وعن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى قال: ألا أخبركم من كان أطيب الناس طعاماً؟ فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إنَّ يحيى بن زكريا ﵉ كان أطيب الناس طعاماً، إنما كان يأكل مع الوحش كراهية أن يُخالط الناس في معاشهم (١). ٥٩ - ومنها: الصمت إلا عن خير . روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن سفيان قال: قالوا لعيسى ﵇: دُلَّنا على عمل ندخل به الجنة؟ قال: لا تنطقوا أبداً، قالوا: لا نستطيع ذلك، قال: فلا تنطقوا إلا بخير (٢). وعن عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله تعالى قال: قال رجل لسليمان ﵇: أوصني، قال: لا تتكلم، قال: وكيف يصبر رجل على أن لا يتكلم؟ قال: فإن كنت لا تصبر عن الكلام، قال: فلا تتكلم إلا بخير أو اصْمُتْ (٣). وروى هو والأصبهاني في "الترغيب" عن الأوزاعي ﵀ قال: قال سليمان بن داود ﵉: إنْ كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب (٤).

стр. 2395

وروى أبو نعيم عن عكرمة ﵀ قال: قال لقمان لابنه ﵉: قد ذقت المرار فليس شيءٌ أمرَّ من الفقر، وحملتَ الحِمْل الثقيل فليس شيء أثقل من جار السوء، ولو أن الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب (١). ولقمان ليس بنبي على الأصح، وإنما أشرنا بكلامه إلى توارده هو وسليمان ﵇ على هذه الحكمة، أو أن سليمان سمعها من لقمان فقررها؛ لأنَّ لقمان كان من أقران أبيه داود ﵇. وقال عبد الله بن المبارك ﵀ في المعنى، كما رواه عنه ابن أبي الدنيا وغيره: [من المنسرح] جَرَّبْتُ نَفْسِيْ فَما وَجَدْتُ لَها ... [من] بَعْد تَقْوَى الإِلَهِ مِنْ أَدَبِ فِيْ كُلِّ حالاتِها وَإِنْ كَرِهَتْ ... أَفْضَلَ مِنْ صَمْتِها عَنِ الْكَذِبِ وَغِيْبَةِ النَّاسِ إِنَّ غِيْبَتَهُمْ ... حَرَّمَها ذُو الْجَلالِ فِيْ الْكُتُبِ قُلْتُ لَها طائِعاً وَأُكْرِهُها ... الْحِلْمُ وَالْعِلْمُ زَيْنُ ذِيْ الأَدَبِ

стр. 2396

إِنْ كانَ مِنْ فِضَّةِ كَلامُكِ يا ... نَفْسُ فَإِنَّ السُّكُوْتَ مِنْ ذَهَبِ (١) ٦٠ - ومنها: التنزه عن خائنة الأعين . روى أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه، عن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُوْنَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنْ" (٢). والمراد بخائنة الأعين: الإيماء إلى أحد أن يفعل شيئاً لم يأمر به صريحاً. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِيْ لِنَبِىٍّ أَنْ يُوْمِضَ - أَيْ: يُوْمِئَ - بِيَدِهِ أَوْ عَيْنْهِ إِلَىْ مَا لاَ يَأْمُرُ بِهِ وَلاَ يَفْعَلُهُ" (٣). وروى أبو نعيم عن سفيان رحمه الله تعالى: أنه سُئِلَ عن قوله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]؛ قال: الرجل يكون في المجلس يسرق النظر في القوم إلى المرأة تمر بهم، فإن رأوه ينظر إليها اتقاهم فلم ينظر، وإن غفلوا عنه نظر، قال: وما تُخفي الصدور:

стр. 2397

ما يجد في نفسه من الشهوة (١). قلت: ومن خائنة الأعين مُسارقة النظر في القوم إلى الأمرد الجميل يكون حاضراً. روى أبو نعيم عن أبي الحسين النوري رحمه الله تعالى قال: رأيت غلاماً جميلاً ببغداد فنظرتُ إليه، ثم أردتُ أن أُردد النظر فقلت له: تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات؟ قال: أحسنت، أتجمش بالعلم، ثم أنشأه يقول: [من الطويل] تَأَمَّلْ بِعَيْنِ الْحَقِّ إِنْ كُنْتَ ناظِرا ... إِلَىْ صِفَةٍ فِيْها بَدائِعُ فاطِرِ وَلا تُعْطِ حَظَّ النَّفْسِ مِنْها لِما بِها ... وَكُنْ ناظِراً بِالْحَقِّ قُدْرَةَ قادِرِ (٢) قوله: أتجمش - بفتح الهمزة والمثناة، وإسكان الجيم، وضم الميم، وبالمعجمة، أو بضم المثناة فوق، وفتح الجيم، وكسر الميم مشددة -: من الجمش والجميش: وهما المغازلة والملاعبة. ويقال: رجل جماش: متعرض للنساء كأنه يطلب الركب الجميش؛ أي: المحلوق، وهو بفتح الراء والكاف: العانة أو منبتها، أو الفرج أو ظاهره.

стр. 2398

وأراد الغلام أن يُعَرِّف أبا الحسين بأنه أظهر له الإنكار والنصيحة وهو يريد مغازلته ومداعبته وذلك عين خائنة الأعين، وكأن الغلام صاحب كشف وإشراف على حال أبي الحسين، ولذلك اعترف أبو الحسين بحقيقة ما وقع له معه، وأراد بهذه الحكاية الإخبار عن مقام الغلام والشهادة له والإشارة إلى من حاله التزهد والانقطاع إلى الله تعالى لا ينبغي التعرض لمثل ذلك ولا الاسترسال مع هوى نفسه، فربما يكشف حاله ويفضح من حيث لا يحتسب. ومن هنا قال ﷺ : "إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِيْ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُوْنَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ"؛ لأن مقام الأنبياء منزه عن التنزل إلى الرخص بخائنة الأعين، والتسفل إلى حضيض متابعة هوى النفس ولو فيما يتسامح فيه في حق غيرهم، وكذلك من كان من أهل وراثة الأنبياء السالك على محجة الأصفياء والأولياء ينبغي له التصاون عن ذلك وأمثاله، فافهم. ٦١ - ومنها: الحب في الله تعالى، والبغض في الله، والاجتماع على الله، والهجرة في الله . روى الإمام أحمد في "الزهد" عن محمد بن النضر الحارثي قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران ﵇: كن يقظاناً مُرتاداً لنفسك أخداناً، فكل خَدَن لا يواتيك على مسرتي فهو لك عدو وهو يقسِّي قلبك (١).

стр. 2399

وروى الدينوري عن الفضيل بن عياض ﵀ قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء ﵈: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة، وأما انقطاعك إليَّ فقد تعززت بي، ولكن هل عاديْتَ فيَّ عدواً أو واليْتَ فيَّ وليًّا (١). ورواه أبو نعيم، والخطيب في "تاريخه" عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، ولفظه: "أَوْحَىْ اللهُ إِلَىْ نبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنْ قُلْ لِفُلاَنٍ العَابِدِ: أَمَّا زُهْدُكَ فِيْ الدُّنْيَا فَتَعَجَّلْتَ الرَّاحَةَ، وَأَمَّا انْقِطَاعُكَ إِليَّ فَتَعَزَّزْتَ بِيْ، فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيْمَا لِيْ عَلَيْكَ، قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَا لَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: هَلْ عَادَيْتَ فِيَّ عَدُوًّا؟ وَهَلْ وَالَيْتَ فِيَّ وَلِيًّا؟ " (٢). وروى أبو الحسن بن جهضم عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أنه لمَّا خرج سائحاً لَقِيَه رجلٌ حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فقال له: يا غلام! من أين وإلى أين؟ قال إبراهيم: من الدنيا إلى الآخرة، فقال له: يا غلام! أنت جائع؟ قال: نعم، قال: فقام الشيخ فصلى ركعتين خفيفتين وسلم، فإذا عن يمينه طعام، وعن يساره ماء فقال لي: كُل، فأكلت بقدر شبعي، وشربْتُ بقدر رِبي، فقال لي الشيخ: اعقل وافهم؛ لا تحزن، ولا تستعجل؛ فإنَّ العجلة من الشيطان. وإياك والتمرد على الله؛ فإنَّ العبد إذا تمرَّد على الله أورث الله قلبه

стр. 2400

الظلمة والضلالة مع حرمان الرزق، ولا يُبالي الله في أي وادٍ هلك. يا غلام! إنَّ الله إذا أراد بعبدٍ خيراً جعل في قلبه سراجاً يفرق به بين الحق والباطل، والناس فيهما متشابهون. يا غلام! إني معلمك اسم الله الأكبر - أو قال: الأعظم - فإذا أنت جعت فادع الله حتى يُشبعك، وإذا عَطِشْت فادع الله حتى يرويك، فإذا جالست الأخيار فكن لهم أرضاً يطؤونك؛ فإن الله يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم. يا غلام! خذ كذا حتى آخذ كذا. قال إبراهيم: فلم أبرح، فقال الشيخ: اللهم احجبني عنه واحجبه عني، فلم أدرِ أين ذهب، فأخذتُ في طريقي ذلك وذكرت الاسم الذي علمني، فلقيني رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فأخذ بحجزتي وقال لي: حاجتك ومن لقيتَ في سفرك هذا؟ قلت: شيخاً من صفته كذا وكذا، وعلَّمني كذا وكذا، فبكى، فقلت: أقسمتُ عليك بالله مَنْ هذا الشيخ؟ قال: ذاك إلياس ﵇، أرسله الله إليك ليُعلمك أمر دينك، قلتُ له: فأنت يرحمك الله من أنت؟ قال: أنا الخضر ﵇ (١). ٦٢ - ومنها: الرحمة والشفقة على خلق الله تعالى، وخصوصاً الضعفاء كاليتيم والمسكين والأرملة والخادم . قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ

стр. 2401

مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: الرضا عن الله تعالى والرحمة للخلق درجة المرسلين. رواه أبو نعيم (١). وروى هو وغيره عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] قال: الأواه: الرحيم (٢). وعن قسامة بن زهير رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ إبراهيم ﵇ حدث نفسه أنه أرحم الخلق، قال: فرفعه الله حتى أشرف على أهل الأرض وأبصر أعمالهم، فلمَّا رآهم وما يفعلون قال: يا رب! دمر عليهم، فقال له ربه : أنا أرحم بعبادي منك يا إبراهيم، فاهبط فلعلهم يتوبون ويرجعون (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال: قال داود لسليمان ﵉: كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد (٤). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن كعب ﵀ قال: قال الله تعالى: يا موسى! أتريدُ أن أملأ مسامعك يوم القيامة بما يسرُّك؟ ارحم

стр. 2402

الصغير كما ترحم ولدك، وارحم الكبير كما ترحم الصغير، وارحم الغني كما ترحم الفقير، وارحم المُعافى كما ترحم المبتلى، وارحم القوي كما ترحم الضعيف، وارحم الجاهل كما ترحم الحليم (١). قلت: ومعنى رحمة الكبير والغني والمعافى والقوي والحليم كما ترحم أضدادهم أنْ تنظر إليهم من حيث إنهم خلقٌ عاجزون تنقذ فيهم أحكام الله تعالى، فهم ضعفاء فقراء محتاجون إلى الله تعالى في عين قوتهم وغناهم وعافيتهم، فتطلبُ لهم من الله المعونة والتوفيق والهداية إلى الخير في حركاتهم وسكناتهم، وكذلك حال الأنبياء ﵈ مع الخلق كافة، وهي الحال المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية. ٦٣ - ومنها: العدل والقضاء بالحق . قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ [ص: ٢٦]. وفي "الصحيح": "مَنْ يَعْدِلُ إِذا لَمْ أَعْدِلْ" (٢). وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاَث مَنْ أُوْتيَهُنَّ فَقَدْ أُؤْتِيَ مِثلَ مَا أُوْتِيَ آلُ دَاوُد؛ العَدْلُ فِيْ

стр. 2403

الغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالقَصْدُ فِيْ الفَقْرِ وَالغِنَىْ، وَخَشْيَةُ اللهِ فِيْ السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ" (١). ٦٤ - ومنها: قول الحق عند من يخاف أو يُرجى بحيث لا تأخذهم في الله لومة لائم . وقد قُتِلَ يحيى وأبوه زكريا وأنبياء كثيرون في ذات الله تعالى وهم مصممون على الحق، وضايق اليهود عيسى ﵇ حتى رفعه الله إليه، وصمم إبراهيم ﵇ على الحق حتى أُلقي في النار وكانت عليه بَرْداً وسلاماً. وروى أبو نعيم عن بشر بن الحارث ﵀: أنه قيل له: لو تكلمت أيام ضُرِبَ أحمد بن حنبل ﵀ فقال بشر: أتأمروني أن أقوم مقام الأنبياء؟ إنَّ أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء ﵈ (٢). ٦٥ - ومنها: القوة في دين الله تعالى، وأعمال الخير والأمانة والعفة . قال تعالى حكاية عن سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦]. وقال تعالى حكاية عن بنت شعيب في حق موسى ﵈: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].

стр. 2404

قال ابن مسعود ﵁: قال - يعني: شعيب لابنته -: وما رأيت من قوته؟ قالت: جاء إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها كذا وكذا فرفعها، قال: وما رأيتِ من أمانته؟ قالت: كنت [أمشي] أمامه فجعلني خلفه. رواه الطبراني (١). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن عتبة بن النُّدَّر ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إِنَّ مُوْسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ" (٢). وروى الإمام الشافعي ﵀ في "مسنده" عن محمد بن علي ابن حسين، عن مولى لعثمان بن عفان قال: بينا أنا مع عثمان ﵁ في مالٍ له بالعالية في يومٍ صائف إذ رأى رجلاً يسوق بكرين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال عثمان: ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح، ثم دنا الرجل فقال: انظر من هذا، فنظرت فقلت: أرى رجلاً متعمماً بردائه يسوق بَكرين، ثم دنا الرجل فقال: انظر، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁ فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا لفح السموم، فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: أخرجني بكران من إبل الصدقة قد تخلفا، وقد مضى بإبل الصدقة فأردت أن ألحقهما بالحِمَى خشيتُ أن يَضِيْعا فيسألني الله عنهما، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين! هلمَّ إلى

стр. 2405

الماء والظل ونكفيك، قال: عُد إلى ظلك، فقلت: عندنا مَنْ يكفيك، قال: عُد إلى ظلك، ومضى فقال عثمان: من أحبَّ أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا (١). ٦٦ - ومنها: الغضب لله وعدم الغضب للنفس . وهذا شأن الأنبياء والمرسلين بأسرهم صلوات الله وسلامه عليهم، ألا ترى إلى غضب نوح ﵇ على قومه بسبب تماديهم في الكفر وإصرارهم عليه حتى قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وغضب إبراهيم ﵇ حتى هجر أباه وقومه، واعتزلهم وما يعبدون من دون الله، وغضب موسى ﵇ حتى أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه. وقال القشيري رحمه الله تعالى في "جزئه" الذي جمع فيه كلام أبي علي الدقاق رحمه الله تعالى: وسمعته يقول: سمع سليمان ﵇ من الهدهد قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فلم يؤثِّر فيه، ثم قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فلم يلتفت سليمان ﵊ إليه، فلما قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٣ - ٢٤] حَرَد سليمان وتأهبَ للخروج لمحاربتها؛ لم يغضب سليمان لأجل ما هو نصيب النفس، وغضب لما هو حق الحق.

стр. 2406

٦٧ - ومنها: النكاح، خصوصاً للمرأة الصالحة، والإنكاح، خصوصاً للرجل الكامل الصالح . قال الله تعالى حكاية عن شعيب ﵇ يُخاطب موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧]. وتقدم قول النبي ﷺ : "إِنَّ مُوْسَى آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ سِنِيْنَ أَوْ عَشْراً عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ"، الحديث (١). وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ: الْحِنَّاءُ، وَالتَعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ" (٢). وقال بعض الرواة: "الحياء" - بالياء المثناة تحت - (٣). وقالت جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤]: إنَّ المراد بالملك العظيم ما أوتيه سليمان من الملك وكثرة النساء، وإنَّ الآية نزلت تكذيباً لليهود وردًّا عليهم في قولهم: لو كان نبياً ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوة عن ذلك، فأخبر الله سبحانه عن ما كان لداود وسليمان ﵉، ووبخهم

стр. 2407

فأقروا بأنَّه اجتمع عند سليمان ألف امرأة فقال لهم النبي ﷺ : "ألفُ امْرَأَةٍ" قالوا: نعم، مئة مَهْرِيَّة، وتسع مئة سَرِية، وعند داود مئة امرأة، فقال لهم النبي ﷺ : "أَلْفٌ عِنْد رَجُلٍ وَمِئَهٌ عِنْدَ رَجُلٍ أَكْثَرُ أَوْ تِسْعُ نِسْوَةٍ؟ " فسكتوا، وكان له يومئذٍ تسع (١). ونقل حجة الإسلام في "الإحياء" عن سفيان بن عيينة ﵀: أنه قال: كثرة النساء ليست من الدنيا؛ لأن علياً ﵁ كان أزهد أصحاب رسول الله ﷺ وكان له أربع نسوة وسبع عشرة سرية. قال: فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء ﵈ (٢). وقوله: "إن كثرة النساء ليست من الدنيا": أراد الدنيا المذمومة، فلا مُنافاة بينه وبين قوله ﷺ : "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطّيْبُ" (٣). وبذلك أجاب شيخ الإسلام الوالد ﵀ عما نقله عن الأوزاعي ﵀: أنَّ حب النساء ليس من حب الدنيا، فقال في كتابه "فصل الخطاب": [من الرجز] وَقالَ الأَوْزاعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنْ ... هُوَ ابْنُ عَمْرٍو لَيْسَ حُبُّ النِّسْوانْ

стр. 2408

مِنْ حُبِّ دُنْيَا وَالْمُرادُ ما يُذَمْ ... مِنْ حُبِّها أَوْ هُوَ مِنْها وَاتَّسَمْ بِكَوْنِهِ مِنْ عَمَلِ الأُخْرى لِما ... فِيْهِ مِنَ الْعَوْنِ عَلَيْها فَهْوَ ما نافَى الْحَدِيْثَ الْمارَّ بَلْ وَنُقِلا ... أَرْبَعةٌ هِيَ مِنَ الدُّنْيا وَلا يَكُوْنُ مِنْها كِسْرَةٌ لِجَوْعَتِهْ ... سَرَتْ وَخِرْقَةٌ لِسَتْرِ عَوْرَتِهْ وَلِلْمَصِيْفِ وَالشِّتاءِ مَسْكَنُ ... وَزَوْجَةٌ لَها يَصُوْنُ يَسْكُنُ وَهْوَ حَدِيْثٌ رَفَعُوْهُ مُسْندا ... إِلَىْ النَّبِيِّ الْهاشِمِيِّ أَحْمَدا وأراد بالحديث المار حديث: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيْبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِيْ فِي الصَّلاَةِ"؛ فإنه عقده في نظمه قبل ذلك. وقد رواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم، والبيهقي عن أنس ﵁ (١).

стр. 2409

قال القاضي عياض ﵀: أمَّا النكاح فمتفقٌ عليه شرعاً وعادة، فإنه دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة والتمادح به سيرة ماضية، وأما في الشرع فسنة مأثورة. وقد روى ابن عباس ﵁: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء (١). مشيراً إليه ﷺ إلى أن قال: حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد. قال سهل بن عبد الله ﵀: قد حُببن إلى سيد المرسلين ﷺ ، فكيف يُزهد فيهن؟ ، قال: ونحوه لابن عيينة، انتهى (٢). * وإنما خُصت الأنبياء ﵈ بكثرة النساء والنكاح لما استودعه الله تعالى في النكاح من الفوائد والأسرار التي الأنبياء بها أحرى: الأولى: طلب الولد الصالح موافقة لمحبة الله تعالى لبقاء جنس الإنسان بالتناسل، ورغبة في دعاء الولد الصالح لأبيه بعد موته، وبقاء آثاره به، ووراثته لعلمه وخلقه إن تقدمت وفاة الوالد على الولد، أو في احتساب مُصيبة الوالد بالولد إن تأخرت وفاة الوالد عنه، وأنت خبير بما قاساه الخليل ﵇ في الابتلاء بذبح الولد، وما قاساه نافلته يعقوب ﵇ في مفارقة يوسف وأخيه وحزنه عليهما فأُعْطِيَ على ذلك ثواب مئة شهيد كما سبق.

стр. 2410

وروى أبو نعيم عن عبد الأعلى التميمي ﵀ قال: لمَّا لقي يوسف أخاه ﵉ قال: أتزوجت بعدي؟ قال له: نعم، قال له: أما منعك الحزن عليَّ، قال: قال لي أبي: تزوج لعلَّ الله يذرأ منك ذرية يثقلون الأرض بالتسبيح في آخر الزمان (١). الفائدة الثانية: التحصن من الشيطان؛ فإنَّ الأنبياء ﵈ وإن كانوا معصومين فإنَّ الشيطان فيهم أطمع، وعلى تغريرهم أحرص، وهم أولى بالتحصن منه من غيرهم. وقد قال الضحاك ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]: جرى الشيطان فيما بينهما، وضرب بيده إلى جِيْد يوسف وبيده الأُخرى إلى جِيْد المرأة حتى جمع بينهما (٢). ولا عبرة بمن أنكر هذا القول؛ فإنَّ المتقدمين حملوا الهم في القرآن على ظاهره، فقال ابن عباس ﵁: حلَّ الهِميان (٣) (٤). وقال مجاهد ﵀: حلَّ سراويله وجعل يعالج ثيابه (٥).

стр. 2411

وقال سعيد بن جبير ﵀: أطلق تكة سراويله (١). وهؤلاء أعلم بالله تعالى وبتأويل كتابه، وأشد تعظيماً للأنبياء ﵈ أن يقولوا فيهم بغير علم كما قال القاسم بن سلام، وعليه المحققون من المتأخرين (٢). على أن الهم لا مؤاخذة فيه كما في الحديث، وما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم عن الأنبياء ﵈ من مثل ذلك لم يكن تعييراً لهم كما قاله الحسن البصري ﵀، ولكن لئلا ييئس غيرهم من التوبة، وليكمل للأنبياء مقام التوبة والافتقار إلى الله تعالى في قبولها (٣).

стр. 2412

وعلى كل تقدير، فإنَّ للشيطان طمعاً كلياً في الأنبياء والصالحين من حيث الشهوة، فالنكاح يحسم عنهم هذه المواد. الفائدة الثالثة: كسر التوقان، ودفع غوائل الشهوة، وغض البصر، وحفظ الفرج منه ومن الزوجة، ألا ترى كيف أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى في قوله: "إِنَّ مُوْسَىْ ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِيْنَ أَوْ عَشْراً عَلَىْ عِفَّةِ فَرْجِهِ" (١). وقال ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَليَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ". الحديث رواه الإمام أحمد، والأئمة الستة رحمهم الله تعالى عن ابن مسعود ﵁ (٢). وروى الحاكم وصححه، عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]، قال: كانت (٣) تجيء وهي خراجة ولاجة واضعة يديها على وجهها، فقام معها موسى

стр. 2413

وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك؛ فإنَّا لا ننظر في أدبار النساء، قال ثم قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] لما رأت من قوته وقوله لها ما قال، فزاده ذلك فيه رغبة (١). ونظير ذلك ما رواه ابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى": أنَّ وفد عبد القيس لمَّا وفدوا على النبي ﷺ كان فيهم غلام أمرد، فأمره النبي ﷺ إن يجلس وراء ظهره (٢). وذلك من النبي وموسى عليهما الصلاة والسلام مبالغة في غض البصر، ولا يُساعد على غض البصر شيء كالنكاح، ولقد أمر النبي ﷺ من رأى امرأة فأعجبته أن يأتيَ أهلَه، كما روى مسلم، والترمذي عن جابر ﵁: أنَّ النبي ﷺ رأى امرأة فدخل على زينب ﵂ فقضى حاجته وخرج وقال: "إِنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ فِيْ صُوْرَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا رَأَىْ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الذِيْ مَعَهَا" (٣). وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: مرَّت بالنبي ﷺ نسوة، فوقع في قلبه شهوة النساء، فدخل فأتى بعض

стр. 2414

زوجاته وقال: "فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوْا؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَمَاثِلِ أَعْمَالِكُمْ إِتْيَانُ الحَلاَلِ" (١). وقال شيخ الإسلام والدي عاقداً لحديث جابر ﵁: [من البسيط] عَنِ النَّبِيِّ أَتانا مَنْ رَأَى امْرَأةً ... أَحَلَّ فِيْ قَلْبِهِ لِلْحُسْنِ مَوْقِعها فَلْيَأْتِ زَوْجَتَهُ فَلْيَقْضِ حاجَتَهُ ... فَإِنَّما مَعَها مِثْلُ الَّذِيْ مَعَها وقلت في معنى حديث أبي كبشة ﵁، وحاملاً له على المعنى الأعم: مَنْ سَرَّهُ مِنَ الْحَرامِ مِثْلُ ... ما لَهُ مِنَ الْحَلالِ وَالْمُباحِ فَفِيْ الْحَلالِ غُنْيَةٌ عَنْهُ لَه ... وَلَيْسَ فِيْ الْمُباحِ مِنْ جُناحِ الفائدة الرابعة: ترويح النفس وإيناسها بالنظر والمجالسة والملاعبة؛ فإن ذلك يُنشط العبد للعبادة ويحيد به عن الملل والسآم. ولقد قال الله تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ولا خفاء أنَّ الأنبياء ﵈ أولى بصفاء الفكر وراحة القلب لأجل تأدية

стр. 2415

الدعوة وتبليغ الرسالة. وأيضاً فإن أرواح الأنبياء ﵈ سارحة في مطالعة العالم العلوي، طائرة إلى مشاهدة الملكوت الحقيقي، منجذبة مع تجلياتها مَأخُوذة في تملياتها وتروحاتها، ثم هم مطالبون بتبليغ ما يوحى به إليهم إلى البشر، ولا يمكنهم ذلك إلا بالتخلق بأخلاق البشر، ومن ثم لم تكن الملائكة رسلاً إلى عموم البشر؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]. وأما الأنبياء ﵈ ففيهم روحانية كاملة بها صلحوا للتلقي عن الملائكة ﵈ وعن الله تعالى بلا واسطة تارة أخرى، وفيهم إنسانية كاملة بها خالقوا سائر البشر وبها صلح البشر للتلقي عنهم للمجانسة والازدواج الذي بينهم، ولا نشك أن من تمام تخلق الأنبياء ﵈ بأخلاق البشر المناكحة التي تحصل بين الزوجين. وإذا تأملت وجدت أنه كان في كثرة أزواج النبي ﷺ تكميلاً للدين؛ إذ حُمل عنهنَّ من الأحكام ما لا يحمل عن غيرهن مما يحتاج إليه العبد في تمام دينه من معاشرة أهله. الفائدة الخامسة: تفريغ القلب عن تدبير المنزل، وإصلاح أمر المأكل، وتهيئة سائر أسباب المعيشة، والإعانة على قِرى الضيف ونظم المروءة. ولقد قيل: ما أعان على نظم مروءات الرجال كالنساء الصوالح (١).

стр. 2416

والأنبياء ﵈ أحق الناس بنظم المروءة. الفائدة السادسة: الاجتهاد على الكسب من الحلال والكد على العيال. وقد تقدم أنَّ من عمل الأبدال كسب الحلال والنفقة على العيال، وهم إنما سموا أبدالاً لأنهم بُدلاء عن الأنبياء ﵈، كما تقدم. الفائدة السابعة: إنذار الأهل وتعليمهم وتأديبهم. الفائدة الثامنة: تربية الأولاد والإحسان إليهم، خصوصاً البنات، والصبر عليهن، والإحسان إليهن، والرفق بهن كما أحسن شعيب ﵇ (١) إلى ابنتيه في التربية والتأديب حتى وصف الله عفافهما وتحجبهما عن مخالطة الرجال وحياءهما بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]، قالا ذلك اعتذارا عن خروجهن للسقيا بأنْ لا رجالَ لهنَّ إلا أبا شيخًا كبيراً. وقال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]. وما أحسنَ قولَ منصور الفقيه رحمه الله تعالى: [من المتقارب]

стр. 2417

أُحِبُّ الْبَناتَ وَحُبُّ الْبَنا ... تِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ كَرِيْمةْ لأَنَّ شُعَيْباً مِنْ اَجْلِ الْبَنا ... تِ أَخْدَمَهُ اللهُ مُوْسى كَلِيْمَه (١) الفائدة التاسعة: تحسين الأخلاق مع الأهل والأولاد، والتنزُّل إلى عقولهم، والترحم لهم والشفقة عليهم، ومعونتهم، وتفريحهم وإدخال السرور عليهم، ألا ترى كيف كانت سيرة موسى ﵇ في الشفقة على صفراء بنت شعيب ﵈، وقد سار بها من مدين إلى مصر وأدركها الطَّلْق في ليلة باردة شاتية مظلمة ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]. وما كان إلا في مصلحة أهله، ففجأه الله بالوحي وآتاه من فضله، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﷺ : "مَنْ حَسُنَتْ صَلاَتُهُ وَكَثُرَتْ عِيَالُهُ وَقَلَّ مَالُهُ وَلَمْ يَغْتَبِ الْمُسْلِمِيْنَ كَانَ مَعِي فِيْ الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ". رواه أبو يعلى (٢). وهذه كلها أخلاق نبوية، ولذلك كان المتخلق بها مع الأنبياء ﵈، ولا يتيسر اجتماعها إلا في المتزوج.

стр. 2418

وهذه الأخلاق - وإن كانت مطلوبة منهم وممن على قدمهم مع سائر الناس - إلا أن هذه الأخلاق يتخلق بها العبد مع الأهل لسهولة ما جُبِلَتْ النفوس عليه من الميل إلى الأهل والمودة بينهم، فالرجل تدعوه محبة الأهل إلى مخالقتهم بالأخلاق الكريمة اللطيفة لأنه يحب لهم الرفق بهم، وإلى تعليمهم وتأديبهم لأنه يحب لهم الكمال، وإلى مواساتهم والإنفاق عليهم لأنه يحب لهم الرَّوح والراحة والسعة، ثم يصير ذلك عادة له فيعامل به سائر الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقال ﷺ : "وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ" (١). فإذا عامل أهله بما ذكر، ثم عامل به سائر الخلق كمل وكملت له أخلاق المرسلين، فهو يُعامل الناس بالنصيحة والإحسان والتعليم والتأديب والتكميل مع صون النفس عن أموالهم وقطع الأطماع عنهم، فهو يُعطيهم ولا يسألهم، وينفعهم ولا ينتفع منهم، وينصفهم وإن لم يُنصفوه، إذ كذلك يُعامل العاقل أهله. ثم يتعرف أن الإيمان لا يستكمله إلا من أحب لإخوانه من البِشر ما يحب لنفسه كما قال ﷺ : "أَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ". رواه البخاري في "تاريخه"، وأبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والحاكم

стр. 2419

وصححه، والبيهقي من حديث يزيد بن أسد ﵁ (١). بل في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىْ يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٢)، فيعامل سائر الناس بما يُعامل به أهله من محاسن الأخلاق لأنه يراهم كأهله، ألا ترى أنه وإياهم من أب واحد وأم واحدة، وكأنه أنزل أهله منزله نفسه، ثم أنزل إخوانه من الناس منزلة أهله، ومن ثم لم يطلب الأنبياء ﵈ أجراً من أممهم وتبرؤوا من طلب الأجر واستدلوا بذلك على صدق نصيحتهم، ولا يتم النصح والإحسان إلا بذلك، وإلا كان من ينصح الناس ويعلمهم ويرفق بهم لعوض أو غرض مؤثِراً لنفسه عليهم محباً لنفسه ما لا يحب لهم عاملاً لنفسه لا لهم، ناظراً إلى نفسه لا إليهم؛ فافهم! ومن ثم أُلحق العالم المنزه عن الطمع المخلص في التعليم بالمرسلين، والعالم المتطلع إلى طمع والمتعرض لغرض بالمجرمين في قوله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ اليَمِّ، وَدَوَابُّ البَرِّ، وَالطَّيْرُ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيَقْدُمُ عَلَى اللهِ سَيِّداً شَرِيْفًا حَتَّى يُرَافِقَ الْمُرْسَلِيْنَ.

стр. 2420

وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمَا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَاشْتَرَىْ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ، وَيُنَادِيْ مُنَادٍ: هَذَا الَّذِيْ آتَاهُ عِلْمَا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ وَأَخَذ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْتَرَىْ بِهِ ثَمَنًا، وَذَلِكَ حَتَّى يَفْرغُ مِنْ الحِسَابِ" (١). الفائدة العاشرة: الصبر على أخلاق النساء، واحتمال الأذى منهن، وفي ذلك تمرين النفس على احتمال الأذى من عامة الناس، وذلك من أخص أخلاق الأنبياء ﵈. وقد قصَّ الله تعالى علينا خيانة امرأة نوح وامرأة لوط بهما، ولم تكن خيانتهما لهما زنا، إنما كانت من حيث الأذى لهما (٢)، فصبرا حتى كفاهما إياهما الله تعالى. وقد صبر زكريا ﵇ على خُلق امرأته حتى أصلحها الله تعالى له، كما قال : ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] روى الحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵁: أنه قال في الآية:
следующие страницы →