← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

والأنبياء ﵈ أحق الناس بنظم المروءة. الفائدة السادسة: الاجتهاد على الكسب من الحلال والكد على العيال. وقد تقدم أنَّ من عمل الأبدال كسب الحلال والنفقة على العيال، وهم إنما سموا أبدالاً لأنهم بُدلاء عن الأنبياء ﵈، كما تقدم. الفائدة السابعة: إنذار الأهل وتعليمهم وتأديبهم. الفائدة الثامنة: تربية الأولاد والإحسان إليهم، خصوصاً البنات، والصبر عليهن، والإحسان إليهن، والرفق بهن كما أحسن شعيب ﵇ (١) إلى ابنتيه في التربية والتأديب حتى وصف الله عفافهما وتحجبهما عن مخالطة الرجال وحياءهما بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]، قالا ذلك اعتذارا عن خروجهن للسقيا بأنْ لا رجالَ لهنَّ إلا أبا شيخًا كبيراً. وقال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]. وما أحسنَ قولَ منصور الفقيه رحمه الله تعالى: [من المتقارب]

стр. 2417

أُحِبُّ الْبَناتَ وَحُبُّ الْبَنا ... تِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ كَرِيْمةْ لأَنَّ شُعَيْباً مِنْ اَجْلِ الْبَنا ... تِ أَخْدَمَهُ اللهُ مُوْسى كَلِيْمَه (١) الفائدة التاسعة: تحسين الأخلاق مع الأهل والأولاد، والتنزُّل إلى عقولهم، والترحم لهم والشفقة عليهم، ومعونتهم، وتفريحهم وإدخال السرور عليهم، ألا ترى كيف كانت سيرة موسى ﵇ في الشفقة على صفراء بنت شعيب ﵈، وقد سار بها من مدين إلى مصر وأدركها الطَّلْق في ليلة باردة شاتية مظلمة ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]. وما كان إلا في مصلحة أهله، ففجأه الله بالوحي وآتاه من فضله، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﷺ : "مَنْ حَسُنَتْ صَلاَتُهُ وَكَثُرَتْ عِيَالُهُ وَقَلَّ مَالُهُ وَلَمْ يَغْتَبِ الْمُسْلِمِيْنَ كَانَ مَعِي فِيْ الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ". رواه أبو يعلى (٢). وهذه كلها أخلاق نبوية، ولذلك كان المتخلق بها مع الأنبياء ﵈، ولا يتيسر اجتماعها إلا في المتزوج.

стр. 2418

وهذه الأخلاق - وإن كانت مطلوبة منهم وممن على قدمهم مع سائر الناس - إلا أن هذه الأخلاق يتخلق بها العبد مع الأهل لسهولة ما جُبِلَتْ النفوس عليه من الميل إلى الأهل والمودة بينهم، فالرجل تدعوه محبة الأهل إلى مخالقتهم بالأخلاق الكريمة اللطيفة لأنه يحب لهم الرفق بهم، وإلى تعليمهم وتأديبهم لأنه يحب لهم الكمال، وإلى مواساتهم والإنفاق عليهم لأنه يحب لهم الرَّوح والراحة والسعة، ثم يصير ذلك عادة له فيعامل به سائر الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقال ﷺ : "وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ" (١). فإذا عامل أهله بما ذكر، ثم عامل به سائر الخلق كمل وكملت له أخلاق المرسلين، فهو يُعامل الناس بالنصيحة والإحسان والتعليم والتأديب والتكميل مع صون النفس عن أموالهم وقطع الأطماع عنهم، فهو يُعطيهم ولا يسألهم، وينفعهم ولا ينتفع منهم، وينصفهم وإن لم يُنصفوه، إذ كذلك يُعامل العاقل أهله. ثم يتعرف أن الإيمان لا يستكمله إلا من أحب لإخوانه من البِشر ما يحب لنفسه كما قال ﷺ : "أَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ". رواه البخاري في "تاريخه"، وأبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والحاكم

стр. 2419

وصححه، والبيهقي من حديث يزيد بن أسد ﵁ (١). بل في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىْ يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٢)، فيعامل سائر الناس بما يُعامل به أهله من محاسن الأخلاق لأنه يراهم كأهله، ألا ترى أنه وإياهم من أب واحد وأم واحدة، وكأنه أنزل أهله منزله نفسه، ثم أنزل إخوانه من الناس منزلة أهله، ومن ثم لم يطلب الأنبياء ﵈ أجراً من أممهم وتبرؤوا من طلب الأجر واستدلوا بذلك على صدق نصيحتهم، ولا يتم النصح والإحسان إلا بذلك، وإلا كان من ينصح الناس ويعلمهم ويرفق بهم لعوض أو غرض مؤثِراً لنفسه عليهم محباً لنفسه ما لا يحب لهم عاملاً لنفسه لا لهم، ناظراً إلى نفسه لا إليهم؛ فافهم! ومن ثم أُلحق العالم المنزه عن الطمع المخلص في التعليم بالمرسلين، والعالم المتطلع إلى طمع والمتعرض لغرض بالمجرمين في قوله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ اليَمِّ، وَدَوَابُّ البَرِّ، وَالطَّيْرُ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيَقْدُمُ عَلَى اللهِ سَيِّداً شَرِيْفًا حَتَّى يُرَافِقَ الْمُرْسَلِيْنَ.

стр. 2420

وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمَا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَاشْتَرَىْ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ، وَيُنَادِيْ مُنَادٍ: هَذَا الَّذِيْ آتَاهُ عِلْمَا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ وَأَخَذ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْتَرَىْ بِهِ ثَمَنًا، وَذَلِكَ حَتَّى يَفْرغُ مِنْ الحِسَابِ" (١). الفائدة العاشرة: الصبر على أخلاق النساء، واحتمال الأذى منهن، وفي ذلك تمرين النفس على احتمال الأذى من عامة الناس، وذلك من أخص أخلاق الأنبياء ﵈. وقد قصَّ الله تعالى علينا خيانة امرأة نوح وامرأة لوط بهما، ولم تكن خيانتهما لهما زنا، إنما كانت من حيث الأذى لهما (٢)، فصبرا حتى كفاهما إياهما الله تعالى. وقد صبر زكريا ﵇ على خُلق امرأته حتى أصلحها الله تعالى له، كما قال : ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] روى الحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵁: أنه قال في الآية:

стр. 2421

كان في لسان امرأة زكريا ﵇ طول، فأصلحه الله تعالى (١). وقيل: كانت حردة (٢). وروى الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ في كتاب "البر والصلة": أن جرير بن عبد الله ﵁ جاء إلى عمر ﵁، فشكى إليه ما يلقى من النساء، فقال عمر: إنا لنجد ذلك، إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن، فقال ابن مسعود ﵁: أما بلغك أنَّ إبراهيم ﵇ شكى ذَرَب (٣) خلق سارة إلى الله تعالى فقال له: إنما خلقت من الضلع فالبسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خِزية في دينها؟ فقال له عمر: لقد حشا الله بين أضلاعك علماً كثيراً (٤). قال في "الإحياء": وفي أخبار الأنبياء ﵈: أنَّ قوماً دخلوا على يونس ﵇ فأضافهم، وكان يدخل ويخرج إلى

стр. 2422

منزله فتؤذيه امرأته، وتستطيل عليه وهو ساكت، فعجبوا من ذلك، فقال: لا تعجبوا؛ فإني سألت الله وقلت: ما أنت معاقب لي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا (١)، فقال لي: إنَّ عقوبتك بنت فلان تزوج بها، قال: وأنا صابر على ما ترون منها (٢). * تنبِيْهانِ: الأَوَّلُ: هذه الفوائد التي أشرنا إليها كلها أُخروية، ولمن قصدها بالنكاح أجور سَنِيَّة، وينبغي لمن أراد التزوج أن ينويها عند الإرادة وعند الخطبة وعند العقد، وكذلك عند الجماع ينبغي أن ينوي التحصن والتعفف عن الزنا واللواط، والنظر إلى ما لا يحل له، والفكر في مسارح الشهوة، وترويح النفس، وحصول ولد صالح يذكر الله تعالى ويعبده، ويُكاثر به النبي ﷺ يوم القيامة، ويدعو له إذا بقي بعده، أو يحتسبه إذا مات قبله. وليعلم أنَّ ذلك كله وأكثر كان مقصود الأنبياء ﵈ بإتيان أهليهم، ولا يكون أعجز من عصفور كان في عهد سليمان،

стр. 2423

ولا يبعد أن يكون ذلك موجوداً في سائر البهائم الآن إلا أنه لا يُطالعه إلا من شاء الله من أهل العرفان. وكان من شأنه ما رواه الدينوري في "المجالسة" عن أبي فديك ﵀ قال: بلغني عن سليمان ﵇ أنه كان جالساً فرأى عصفوراً يُراود زوجته على السِّفاد وهي تمنَّع، فضرب منقاره على الأرض، ثم رفعه إلى السماء، فقال سليمان ﵇: هل تدرون ما قال لها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال لها: ورب السماء والأرض ما أُريد سفاد لذة، ولكن أردت أن يكون من نسلي [ونسلك] من يُسبح الله في الأرض (١). قلت: ولعل الله تعالى لم يُرِدْ بذلك إلا تعليم سليمان ومَنْ حوله آداب المناكحة، وكذلك من عادة الله أن يُؤدب بعض أنبيائه بضعاف الخليقة وأدانيها كما في قصة الهدهد مع سليمان أيضاً، فأراد سليمان ﵇ أن يترقى عن مقام الطير في طلب الولد المسبح الموحد، فطلب مئة من البنين وأن يكونوا فرساناً مجاهدين، غير أنَّ شدة غَيرته على هذا المقام منعته عن استيفاء آداب ذلك المرام، فعزم على نفسه وأقسم، وأشار إلى تحقيق وجود ما أم، ففاته أدب التعليق بالمشيئة، فلم يظفر من ذلك بالأمنية. روى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "قَالَ سُلَيْمَان ﵇: لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَىْ مِئَةِ امْرَأة

стр. 2424

كُلُّهُنَّ تَأْتِيْ بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ إِنْسَانِ، وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدِ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ"، وفي رواية: "لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ رُكْبَانًا أَجْمَعُوْنَ" (١). التَّنْبِيْهُ الثَّانِيْ: قد يستشكل على ما ذكرناه من فضل النكاح وكونه من أعمال الأنبياء ﵈ أمر ابني الخالة عيسى ويحيى ﵉؛ فإنَّ يحيى كان حَصُوراً - أي: لا يأتي النساء -، وعيسى لم يتزوج. فالجواب عن ذلك: أما أنَّ يحيى ﵇ فقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فاختلف المفسرون في الحصور على قولين: الأول: أنه الذي لا يأتي النساء. رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس (٢)، وابنُ جرير، والبيهقي في "سننه" عن ابن مسعود، ولفظه: الذي لا يقرب النساء (٣).

стр. 2425

ورواه ابن المنذر عنه، وقال: العنِّين (١). وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: لا يشتهي النساء (٢). وروى ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ذكر يحيى، فقرأ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، ثم أهوى النبي ﷺ إلى قَذَاة من الأرض فأخذها وقال: "كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ القَذَاة" (٣). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، والمفسرون عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا يُنزل الماء (٤)، وعلى هذا يتأتَّى الإشكال. والجواب عنه: أنَّ سعيد بن جبير ممن يقول بهذا القول، وقد قال: إنَّ يحيى ﵇ مع اتصافه بما ذُكر تزوج ليكون أغض لبصره.

стр. 2426

والقول الثاني: أنَّ ما ذكر نقص في الخلقة، والأولى حمل حال الأنبياء على الكمال، فمعنى الحصور أنه كان معصوماً من الذنوب؛ أي: لا يأتيها كأنه حصر عنها. وقيل: بل كان مانعاً نفسه من الشهوات، وهذا اختاره القاضي عياض ﵀، ونسبه إلى حذَّاق المفسرين ونقاد العلماء (١). قلت: لكن الأول هو المأثور عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، إلا أن هذا ينشرح له الصدر أكثر. وعليه: فالمعنى أنَّ يحيى ﵇ إنما كان تاركاً للنكاح زهداً لا عجزاً ولا ضعفاً، وكذلك كان حال عيسى ﵇ كما تقدم أنه قيل له: ألا تتزوج؟ قال: أتزوج امرأة تموت؟ (٢). فعيسى ويحيى ﵉ أخذا بالحزم، فاحتاطا بترك النكاح، وغيرهما أخذ بالقوة، وكلا الفريقين كان أمره منوطاً بالوحي الإلهي مؤيداً بالأمر الربوبي. وقد كان من تزوج من الأنبياء ﵈ قدوة لمن تزوج من صالحي الأمم، ومن لم يتزوج منهم قدوة لمن لم يتزوج من صالحي الأمم، وكل عمل بمقتضى حاله فلا اعتراض. قال حجة الإسلام رحمه الله تعالى: ومهما كانت الأحوال

стр. 2427

منقسمة حتى يكون النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل، فحقنا أن ننزل أفعال الأنبياء ﵈ على الأفضل في كل حال (١) انتهى، وهو بديع. وقد قيل: إنَّ عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض في آخر الزمان ينكح ويُولد له (٢)، فإن صحَّ هذا مع ما نقلناه آنفاً عن سعيد بن جبير ﵀ فقد زال الإشكال من أصله، والله سبحانه أعلم. وإنما أطلت في هذا المقام وأشبعت فيه الكلام لأنه مهم جداً. وقد أسفر ما ذكرناه هنا عن أمور هي من أخلاق الأنبياء ﵈: كطلب الولد الصالح، والرغبة في دعائه، ووراثته لعلم الله وفضله، وإرادة بقاء النسل، واحتساب الولد إذا مات، والتحصن من الشيطان، وإعفاف الفرج، وغض البصر، وإعفاف الحليلة، وإتيان الأهل إذا فَجَأَتْه النظرة، وترويح النفس، وتفريغ القلب للطاعة، وتعليم الأهل والأولاد، والشفقة على البنات والإحسان إليهن، والصبر على سوء خلق المرأة، وتحسين النية عند النكاح، وحفظ آداب المجامعة.

стр. 2428

- ومن أخلاقهم أيضاً: ٦٨ - المحافظة على سائر الآداب في سائر الأمور؛ كآداب الطهارة، والصلاة، والسفر، والجهاد، والحج، والأكل والشرب، واللباس، والنوم، وغير ذلك . قال الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]؛ وصفه بحسن الأدب في الحضرة. وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]؛ وهذا من آداب الركوب في السفينة. وروى ابن المنذر عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى قال: لما تضيفت الملائكة إبراهيم ﵇ فقدَّم لهم العجل، فقالوا: لا نأكله إلا بثمن، قال: فكلوا وأدُّوا ثمنه، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تسمون الله إذا أكلتم، وتحمدونه إذا فرغتم، قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: لهذا اتخذه الله خليلاً (١). وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للحافظ المزي رحمه الله تعالى: عن خالد بن معدان ﵀ قال: كان إبراهيم خليل الله ﵊ إذا أتي بقطف من العنب أكل حبة حبة، وذكر الله عند كل حبة (٢).

стр. 2429

وروى الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الوُضُوْءُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ -[مما ينفي الفقر]- لمِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ" (١). والمراد بالوضوء غسل اليدين، والأظهر من مذهب الشافعي استحبابه قبل الطعام إلا أن يتيقن نظافة اليدين من النجاسة والوسخ فيباح، وبعده إلا إذا لم يبق أثره لكونه يابساً أو لم يمسه بيده فيباح. ونقل القاضي عياض، والنووي عن مالك ﵏: أنه لا يستحب إلا أن يكون على اليدين قذر قبل الأكل أو يبقى عليهما رائحة بعده (٢). ٦٩ - ومنها: التعطر واستعمال الطيب . لقوله ﷺ : "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْن" (٣)، وذكر منها التعطر كما سبىَ. وروى عبد الرزاق عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الْخِتَانُ وَالسِّوَاكُ وَالتَّعَطُّرُ وَالنِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِيْ" (٤). وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي مرسلاً قال: كان

стр. 2430

رسول الله ﷺ يعرف بريح الطيب إذا أقبل (١). ٧٠ - ومنها: الاكتحال وسائر أنواع الزينة الشرعية . روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن العلاء بن نجيح ﵀ قال: كان موسى ﵇ يكتحل بالإثمد ويلبس الكتان. وروى أبو داود عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان له سكة يتطيب منها (٢). وروى الترمذي، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه (٣). وروى البيهقي في "الشعب" عن سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ كان يكثر القناع، ويكثر دهن رأسه، ويُسَرِّح لحيته [بالماء] (٤). ٧١ - ومنها: المحافظة على خصال الفطرة . وهي: الختان، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وفَرْق الشعر، والسواك، والمضمضة والاستنشاق، وغسل البراجم، وتنظيف الرواجب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء؛ أعني: الاستنجاء. قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].

стр. 2431

روى عبد الرزاق، والمفسرون، والحاكم - وقال: صحيح على شرطهما - عن ابن عباس ﵁ قال: في الآية: ابتلاه بالطهارة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائطِ والبولِ بالماء (١). وروى الأئمة الستة عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الفِطْرَةُ خَمْسٌ: أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحُدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيْمُ الأَظْفَارِ، وَنتْفُ الإِبْطِ" (٢). وروى مسلم، والأربعة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالاسْتِثْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِفَاصُ المَاءِ؛ يَعْنِيْ: الاسْتِنْجَاء بِالمَاءِ". قال مصعب أحد رواته: نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (٣).

стр. 2432

وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيْمُ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيْنَ سَنَةٍ بِالقَدُّوْمِ (١) " (٢). وروى أبو الشيخ في كتاب "العقيقة" عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه رحمهما الله: أنَّ إبراهيم ﵇ أُمر أن يختتن وهو حينئذٍ ابن ثمانين سنة، فعجل واختتن بالقدوم، فاشتدَّ عليه الوجع، فأوحى الله إليه: أنَّك عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب! كرهت أن أُؤخر أمرك (٣). وروى البيهقي عنه: أنَّ إبراهيم ختن إسحاق ﵉ لسبعة أيام، وختن إسماعيل ﵇ لبلوغه (٤) (٥). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن حيى بن عبد الله ﵀ قال:

стр. 2433

بلغني أنَّ إسماعيل ﵇ اختتن وهو ابن ثلاث عشرة سنة (١). قلت: ويجمع بينهما بأنَّ معنى قول ابن رياح: "وختن إسماعيل": أمره بالختان، وقول حيي معناه: امتثل أمر أبيه فاختتن، وفيه أنَّ إسماعيل كان بلوغه في ثلاث عشرة، والله أعلم. وتقدم في حديث أبي أيوب: أن السواك من سنن المرسلين. وروى الترمذي الحكيم في "نوادره" عن فليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِيْنَ: الْحَيَاءُ، وَالحِلْمُ، والحِجَامَةُ، وَالسِّوَاكُ، وَالتَعَطُّرُ" (٢). وروى ابن أبي حاتم عن عطاء ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ فِطْرَةِ إبْرَاهِيْمَ ﵇ السِّوَاكُ" (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن عمار بن ياسر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "مِنَ الفِطْرَةِ المَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَتَقْلِيْمُ الأَظْفَارِ، وَنتفُ الإِبْطِ، والاسْتِحْدَادُ، وَغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَالانْتِضَاحٌ، وَالاخْتِتَانُ" (٤).

стр. 2434

وروى الترمذي وحسنه، عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقص أو يأخذ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله (١). وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد ﵀ قال: من فطرة إبراهيم ﵇ غسل الذَّكَرِ والبراجم (٢). وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄: أنه قيل: يا رسول الله! لقد أبطأ عنك جبريل ﵇، قال: "وَلِمَ لا يُبْطِئُ عَنِّيْ وَأَنَتُمْ حَوْليْ لاَ تَسْتَنُّوْنَ - أَيْ: لاَ تَسْتَاكُوْنَ -، وَلاَ تُقَلّمُوْنَ، وَلاَ تَقُصُّوْنَ شَوَارِبَكُمْ، وَلاَ تُنَقُّونَ رَوَاجبَكُمْ؟ " (٣). وهذا الحديث فيه دليل على أنَّ الأنبياء ﵈ أحق بهذه الخصال؛ لمخالطتهم جبريل ﵇. وفيه دليل على أنَّ الجليس إذا كان متقذراً غير متنظف ضرَّ جليسه بحرمانه مخالطة الملائكة ﵈، بل يضره بتكثيف روحانيته حتى إنه قد يبلغ به إلى أن يحول بين الروح وإدراك العلوم الروحانية والفهوم العرفانية كما يدل على ذلك ما رواه البيهقي في "الشعب" عن قيس بن حازم ﵁ قال: صلى ﷺ صلاةً فأوهم فيها، فَسُئِل فقال: "مَا

стр. 2435

لِيْ لاَ أُوْهِمُ وَرُفْغُ أَحَدِكُمْ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ" (١). وأخرجه البزار من حديث ابن مسعود ﵁ بنحوه (٢). والرُّفغ - بضم الراء، وإسكان الفاء، وبالمعجمة -: الوسخ الذي يكون تحت الظفر. والرواجب: رؤوس الأنامل، وهي بين البراجم التي هي معاطف ظهور الأنامل. وقيل: الرواجب ما تحت الأظافر من الوسخ، وهي جمع راجبة. وقال في "ديوان الأدب": هي مفاصل الأصابع، ثم فسر بها البراجم، وهي جمع برجمة - بضم الموحدة والجيم -. - ومن آداب الأنبياء ﵈ وأخلاقهم: ٧٢ - الاستغفار عند الخروج من الخلاء، وحمد الله على إذهاب الأذى . روى عبد الرزاق عن سعيد المقبري ﵀: أنَّ موسى ﵇ قال: يا رب! ماذا أقول إذا ذهبت إلى الغائط؟ قال: قل:

стр. 2436

غفرانك فجنبني الأذى (١). وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي ﵀: أنَّ نوحاً ﵇ كان إذا خرج من الغائط قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (٢). وعن العوام ﵀ قال: حُدِّثت أنَّ نوحاً ﵇ كان يقول - يعني: عند الفراغ من قضاء الحاجة -: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيَّ منفعته، وأذهب عني أذاه (٣). ٧٣ - ومنها: بقية آداب قضاء الحاجة؛ كالاستتار، والإبعاد، وقعود القرفصاء . قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. روى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم ﵇ وزوجه السنبلة، فلما أكلا منها بَدَتْ لهما سوءاتهما، وكان الذي وارى عنهما من سواءاتهما أظفارهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم مولياً في الجنة،

стр. 2437

فأخذت برأسه شجرة من شجر الجنة، فناداه ربه: أمني تفر؟ قال: لا، ولكني أستحييك يا رب (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الرقة والبكاء" عن علي بن أبي طلحة ﵀ قال: أول شيء كله آدم حين أُهبط - إلى الأرض الكُمَّثرى، وإنه لما أراد أن يتغوط أخذه من ذلك كما يأخذ المرأة عند الولادة، فذهب شرقاً وغرباً لا يدري كيف يصنع، حتى نزل إليه جبريل ﵇ فأقعى آدم، فخرج ذلك منه، فلما وجد ريحه مكث يبكي سبعين سنة (٢). وسيأتي وصف موسى ﵇ بالحياء والتستر قريباً. ٧٤ - ومنها: الاغتسال من الجنابة، والتستر عند الاغتسال وعند قضاء الحاجة حياءً، والحياء في سائر الأحوال، بل كذلك الاستتار مطلقاً، وحفظ العورة، والوضوء والتثليث فيه والمحافظة عليه، والخضاب في محله بالصفرة والحمرة . روى البخاري، والترمذي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مُوْسَى ﵇ كَانَ رَجُلاً حَييِّاً سِتِّيرًا، لاَ يُرَىْ مِنَ جِلْدِهِ شَيء اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فآدَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِيْ إسْرَائِيلَ، فَقَالَ: مَا يَتَسَتَّرُ هَذَا

стр. 2438

التَسَتُّرُ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ؛ إِمَّا بَرَصٍ، وَإِمَّا أُدْرَةٍ (١)، وَإِمَّا آفَةٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوْا، فَخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَىْ الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَىْ ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا وَإِنْ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوبِهِ، فَأَخَذَ مُوْسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثُوْبِي حَجَرُ، حَتَّىْ انتهَىْ إِلَىْ مَلأٍ مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُوْلُوْنَ، وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنُدَبَا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاَثاً أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قُوْلُهُ تَعَالَىْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] " (٢). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه بإسناد حسن، عن أُبي بن كعب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ دعا بماءٍ فتوضأ مرة مرة فقال: "هَذَا وَظِيْفَةُ الوُضُوْءِ"، أو قال: "هَذَا وُضُوْء، مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةً"، ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال: "هَذَا وُضُوْءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ أَعْطَاهُ اللهُ كِفْلَيْنِ مِنَ الأَجْر"، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: "هَذَا وُضُوْئِي وَوُضُوْءُ الْمُرْسَلِيْنَ قَبْلِي" (٣). وروى ابن ماجه بسند ضعيف، عن ابن عمر ﵄ قال: توضأ

стр. 2439

رسول الله ﷺ واحدة واحدة فقال: "هَذَا وُضُوْءُ مَنْ لاَ يَقْبَلُ الله لَهُ صَلاَةً إِلاَّ بِهِ"، ثم توضأ ثنتين فقال: "هَذَا وُضُوْءُ العَدْلِ مِنَ الوُضُوْءِ"، وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: "هَذَا أَسْبَغُ الوُضُوْءِ، وَهُوُ وُضُوْئي وَوُضُوْءُ خَلِيْلِ اللهِ إِبْرَاهِيْمَ ﵇، وَمَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا ثُمَّ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ فَتَحَ اللهُ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يزيد بن بشر، عن بعض أهل الكتاب: أنَّ الله أوحى إلى موسى ﵇: يا موسى! إن جاءك الموت وأنت على غير وضوء فلا تلومنَّ إلا نفسك (٢). وروى ابن أبي شيبة عن يزيد بن بشر ﵀ أيضاً: أنَّ الله أوحى إلى موسى ﵇: أن توضأ؛ فإن لم تفعل فأصابتك مصيبة فلا تلومن إلا نفسك (٣). وفيه إشارة إلى أن الطهارة وقاية من السوء والمصائب، وهذا من الأسرار الخفية. وروى الديلمي، وابن النجار في "تاريخه" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ خَضَبَ بِالحِنَّاءِ وَالكَتْمِ إبْرَاهِيْمُ عَلَيْهِ

стр. 2440

السَّلاَمُ، وَأَوَّلُ مَنْ اخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَونُ" (١). ٧٥ - ومنها: لبس القميص، والسراويل، والكساء، والجبة، والقَلَنْسُوَة، والنعل، وسائر أنواع اللباس مما لا يكون فيه إسراف ولا مَخِيلة . قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]. أحق الناس بالعمل بهذه الآية الأنبياء ﵈ ومن على آثارهم، وأول من عمل بها آدم ﵇، ثم أمر الله تعالى بنيه (٢) أن يتخلقوا بما تخلق به من ذلك. وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]. وقال تعالى حكاية عنه: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ [يوسف: ٩٣]. وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي رهُم السَّمَعِيِّ ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال في حديث: "وإِنَّ مِنْ لبسَةِ الأَنْبِيَاءِ القَمِيْصَ قَبْلَ السَّرَاوِيْلِ" (٣).

стр. 2441

وروى الترمذي عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كَانَ عَلَىْ مُوْسَى ﵇ يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوْفٍ وَجُبَّةُ صُوْفٍ، وَكمةُ صُوْفٍ، وَسَرَاوِيلة صُوْفٍ، وَكَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلدِ حِمارٍ مَيْتٍ" (١). قال الترمذي: والكمة: القَلَنْسُوَة الصغيرة. وقال الجوهري: المدورة، وأطلق صاحب "المحكم": أنها القَلَنْسُوَة (٢). قال القاضي أبو بكر بن العربي: القَلَنْسُوَة من لباس الأنبياء والصالحين، تصون الرأس وتمكن العمامة، وهي من السنة. وروى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَ السَّراوِيلَ إِبْراهِيْمُ ﵇". قيل: وهذا هو السبب في أنه أول من يُكسى يوم القيامة، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عباس ﵄ (٣)؛ لأن السراويل من أشد الملابس للعورة (٤). وروى وكيع في "الغرر" عن واصل مولى أبي عيينة رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵇: يا إبراهيم! إنَّكَ

стр. 2442

أكرم أهل الأرض عليَّ، فإذا سجدت فلا تُرِي الأرض عورتك؛ قال: فاتَّخَذ سراويل (١). قلت: وفيه إشارة إلى أنَّ للأرض إدراكًا بحيث ينبغي للعاقل أن يستحي منها، فيستر عنها عورته، كيف لا وقد ثبت أنها تشهد على العبد يوم القيامة بما يعمل عليها. وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قال: "أتدْرُونَ ما أَخْبارُها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فَإِنَّ أَخْبارَها أَنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عَبدٍ أو أمة بِما عَمِلَ على ظَهْرِها، تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وَكَذا فِي يَوْمِ كَذا وَكَذا، فَهَذهِ أَخْبارُها". رواه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم، وصححاه (٢). وقال مجاهد ﵀ في الآية: تُخبر الناس بما عملوا عليها. رواه الفريابي، والمفسرون (٣).

стр. 2443

ولا شك أن الشهادة فرع عن المشاهدة والتعقل، وقد أخبر السمع بمثل ذلك وهو ممكن، فإنَّ الذي خلق من تراب بشراً سَوياً حياً قادراً مُريداً سميعاً بصيراً متكلماً، قادر على أن يخلق في الأرض وما فيها من الجمادات إدراكاً وتعقلاً تشهد يوم القيامة على موجبه وتخبر بما شاهدت وعقلت، فالمناسب لأفاضل العقلاء أن يتحرزوا عن كل ما لا يستحسن أن يطلعوا عليهم خلقاً وهم متلبسون به خشية الشهادة عليهم كما أمر الله تعالى خليله ﵇: أن لا يُري الأرض عورته؛ لكرامته على الله تعالى، فكيف بالعورات المعنوية والقاذورات الاعتبارية؛ فافهم! . ٧٦ - ومن أخلاق الأنبياء ﵈: التؤدة والتأني إلا في أمور الآخرة، والاقتصاد في المعيشة، والسَّمْت الحسن . روى الترمذي عن عبد الله بن سَرْجس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "التُّؤَدَةُ وَالاقْتِصادُ وَالسَّمْتُ الحَسَنُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا مِنَ النّبُوَّةِ" (١). وروى الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّمْتُ الحَسَنُ والتّؤَدَةُ وَالاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (٢).

стр. 2444

وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: كان يُقال: من أخلاق الأنبياء [و] لأصفياء الخيار، الطاهرةِ قلوبُهم خلائقُ ثلاث؛ الحلم، والأناة، وحظ من قيام الليل (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الهَدْيَ الصَّالح وَالسَّمْتَ الصَّالح جُزْءٌ مِنْ سَبْعِيْنَ جُزْءًا مِنَ النّبُوّةِ" (٢). والفرق بين السمت والهدي: أنَّ السمت عبارة عن الهيئة، والهدي عبارة عن الطريقة والمذهب فهو أشمل من السمت وأعم منه. وإنما كان حسن السمت في الحديثين السابقين جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً من حيث انضمامُه إلى التؤدة والاقتصاد، وأما من حيث انفرادُه وانضيافُه إلى الهدي الصالح فهو جزء من سبعين جزءاً من النبوة؛ فافهم! * تنبِيْهٌ: أما العجلة في أمور الآخرة والمسارعة إليها فإنها من أخلاق الأنبياء ﵈، كما تقدم بيانه. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 2445

وقال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]؛ أي: شوقاً إليك. أجاب موسى بذلك ربه لما مسألة عن سبب عجلته بقوله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] وذلك أنَّ موسى ﵇ اختار من قومه سبعين رجلاً ليذهبوا معه إلى الطُّور ليأخذوا التوراة، فسار بهم ثم عجل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله تعالى له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] الآية. وهذا يدل أنَّ من أخلاق النبيين ﵈ الشوق والمحبة لأنها مستلزمة له. وروى ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ من طريق ابن جريج رحمه الله تعالى عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]؛ قال: اشتاق إلى لقاء الله تعالى وأحب أن يلحق بآبائه، فدعا الله أن يتوفاه وأن يلحقه بهم. قال ابن عباس: ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] الآية. قال ابن جريج: وأنا أقول في بعض القراءة: من قال من الأنبياء: توفني (١).

стр. 2446

وروى الترمذي، والحاكم في "المستدرك" عن أبي الدرداء ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "كانَ دَاوُدُ ﵇ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إَنِّيْ أَسْألُكَ حُبَّكَ وَحبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالعَمَلَ الَّذِيْ يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمِنَ المَاءِ البَارِد" (١). وهنا لَطِيفَتانِ: * الأُوْلَى: لا مانع لأهل المحبة والشوق إلى لقاء الله تعالى أن يشتاقوا إلى أودَّائهم فيه وأقربائهم المتوافقين معهم عليه؛ فإنَّ في هذا الفرق جمعا، وأَكْرِمْ بمحبة الله ثمَّ محبة أوليائه أصلاً وفرعاً وحقيقة وشرعاً. قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: لمَّا أُوتي يوسف ﵇ من الملك ما أُوتيه تاقت نفسه إلى آبائه فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]؛ قال: بآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈. رواه ابن أبي حاتم (٢). وروى هو وابن جرير عن قتادة رحمه الله تعالى قال: لمَّا قدم على يوسف أبواه وإخوته، وجمع الله شمله وأقرَّ عينه وهو يومئذٍ مغموس في بيت نعيم من الدنيا، اشتاق إلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ فسأل الله القبض، ولم يتمن أحد

стр. 2447

الموت قط نبي ولا غيره إلا يوسف؛ يعني: لم يتمنَ الموت أحد شوقاً إلا يوسف (١). * اللَّطِيفَةُ الثَّانِيَةُ: ينبغي للمحب المشتاق أن يطلب اللحاق، فإن أجيب من المحبوب بخلاف المطلوب فليرض من الحبيب بما يرضى منه ويجيب؛ فإنَّ الخيرة فيه والعبودية تقتضيه. روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي الأعيس قال: لما قال يوسف ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] شكر الله له ذلك فزاد في عمره ثمانين عاماً (٢). ثم إنَّ لله تعالى في أوليائه ما شاء من قبض أو إرجاء إلى وقتٍ - طلبوا ذلك أم كرهوه - غير أنه لا يُعاملهم في كل حال إلا بما فيه الخيرة لهم نظراً لهم لأنه أولى بهم من أنفسهم وأعلم بمصالحهم منهم بها، فإن طلبوا لقاءه أحب لقاءهم، إلا أنهم إذا طلبوه فقد يجيبهم وقد يُؤخرهم، وإذا علم كراهتهم للموت لطف بهم كان كره مساءتهم؛ إذ لابُدَّ لهم من لقائه. وروى البيهقي في "الشعب" عن دكين الفزاري: أنَّ ملك الموت

стр. 2448

عليه السلام جاء إلى إبراهيم ﵇ لقبض روحه، فقال إبراهيم: يا ملك الموت! هل رأيت خليلاً يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت إلى ربه فقال: قل له: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟ فرجع، قال: فاقبض روحي الساعة (١). خاف إبراهيم ﵇ أن يكون في قبضه فواتاً لما كان يتنعم به من الخُلَّة والتلذذ بالمناجاة والعبادة والخدمة، فعرَّفه أن القبض ليس فيه انفصال عن الخُلَّة والأُنْس بل زيادة في الاتصال، فهيَّج منه الشوق إلى لقائه، وحرَّك منه طلب الانتقال إلى مشاهدته. ٧٧ - ومن أخلاق الأنبياء ﵈: الرضا بقضاء الله تعالى . قال الله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥، ٦]. وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: راضياً، أو بمعنى مفعول؛ أي: مرضياً، ولا يكون مرضياً حتى يكون مؤمناً صالحاً، وكمال ذلك بالرضا. وروى أبو نعيم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "أَوْحَىْ اللهُ إِلَىْ مُوْسَىْ ﵇: إِنَّكَ لَنْ تتقرَّبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الرِّضَا بِقَضَائِي، وَلَمْ تَعْمَلْ عَمَلاً أَحْبَطَ لِحَسَنَاتِكَ مِنَ الكِبْرِيَاءِ، مُوْسَى!

стр. 2449

لاَ تَضَرَّعْ لأَهْلِ الدُّنْيَا فَأَسْخَطَ عَلَيْكَ، وَلاَ تَخف بِدِيْنِكَ لِدنْياهمْ فَأُغْلِقَ عَنْكَ أَبْوَابَ رَحْمَتِي، يَا مُوْسَى! قُلْ لِلْمُذْنِبيْنَ النَّادِمِيْنَ: أَبْشِرُوْا، وَقُلْ لِلعَامِلِيْنَ المُعْجَبِيْنَ: اخْسَرُوا" (١). وذكر أبو طالب المكي في "قوته": أن في أخبار موسى ﵇: أنه قال: يا رب، أي الأشياء أحب إليك، وأيها أبغض؟ فقال: أحب الأشياء إليَّ الرضا بقضائي، وأبغضها إليَّ أن تطْري نفسك (٢). ٧٨ - ومنها: إيثار محبة الفقراء والصحبة معهم على صحبة الأغنياء لهذا الحديث المذكور . وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. وروى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الفُقَرَاءِ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى رَضِيَ أَنْ أَتَأسَّىْ بِمُجَالَسَتِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] فَإِنهَا مَجَالِسُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَكُمْ" (٣). وفي الحديث: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول للفقراء بعد نزول هذه

стр. 2450

الآية: "مَعَكُمُ الْمَحْيَا وَمَعَكُمُ المَمَاتُ" (١). وذكر في "الإحياء" عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: أنه قال: حبُّك للفقراء من أخلاق المرسلين، وإيثارك مجالستَهم من أعمال الصالحين، وفرارك من محبتهم من علامات المنافقين (٢). وفي "الصحيحين": أن هرقل عظيم الروم لمَّا سأل أبا سفيان عن النبي ﷺ فقال له: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. الحديث؛ وفيه قول هرقل: وهم أتباع الرسل (٣). وقال الله تعالى حكاية عن قوم نوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧]. وروى الإمام ابن الإمام؛ عبد الله بن أحمد بن حنبل في "زوائد الزهد" عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال: كان داود ﵇ ينظر أغمص مجلس من مجالس بني إسرائيل، فيجلس بين ظهرانيهم، ويقول: يا ربِّ! مسكين بين ظهراني مساكين (٤). وروى والده عن سعيد بن عبد العزيز قال: بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى بن مريم ﵉ أحب إليه من أن يُقال: كان

стр. 2451

هذا المسكين (١). وعن وهب بن منبه ﵀ قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇: إني وَهَبْتُ لك حب المساكين ورحمتهم؛ تحبهم ويحبونك، ويرضون بك إماماً وقائداً، وترضى بهم صحابة وتبعاً، وهما خُلُقانِ، اعلم أن من لقيني بهما لقيني بأزكى الأعمال وأحبها إلي (٢). وقال القشيري في "الرسالة": قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: تريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الخلق أجمع؟ قال: نعم، قال: عُدِ المريضَ، وكن لثياب الفقراء فالياً، فجعل موسى على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلِّي ثيابهم ويعود المريض (٣). وفي ذلك إشارة أن من أعمال الأنبياء ﵈ عيادة المرضى. ٧٩ - وكذلك من أعمالهم: تشييع الجنائز، وتعزية الحي بالميت . روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عثمان الجعد قال: بلغنا أن داود ﵇ قال: إلهي! ما جزاء مَنْ عزَّى حزيناً لا يُريد به إلا وجهك؟

стр. 2452

قال: جزاؤه أن أُلبسه لباس التقوى. قال: إلهي! ما جزاء من شيع جنازة لا يُريد بها إلا وجهك؟ قال: جزاؤه أن تشيعه ملائكتي إذا مات، وأن أُصلي على روحه في الأرواح. قال: إلهي! ما جزاء من أسند يتيماً أو أرملة لا يُريد إلا وجهك؟ قال: جزاؤه أن أُظله في ظل عرشي يوم لا ظلَّ إلَّا ظلي. قال: إلهي! ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك؟ قال: جزاؤه أن أُؤمنه يوم الفزع الأكبر، وأن أقي وجهه فيح جهنم (١). ٨٠ - ومنها: مساعدة الضعفاء وقضاء حوائج المسلمين . قال الله تعالى في موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤]. وفي حديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين": "مَنْ كانَ فِيْ حاجَةِ أَخِيْهِ كانَ اللهُ فِيْ حاجَتِهِ" (٢).

стр. 2453

وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَشَى فِيْ حَاجَةِ أَخِيْهِ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنِ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِيْنَ، وَمَنِ اعْتَكَفَ يَوْمَاً ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ ثَلاَثَةَ خَنَادِقَ؛ كُلُّ خَنْدَقٍ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "قضاء الحوائج" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ حَاجَةً كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَدَمَ اللهَ عُمُرَهُ" (٢). قلت: ووجه ذلك: أنَّ من قضى لأخيه حاجة يقضيها وهو محتاج إليها والله تعالى غني عن عبادته وعن عبادة غيره؛ فإن الحاجة لا تمسه ، وحيث كان قضاء الحوائج بهذه المثابة من الفضل فهو حري بأن يكون من أخص أعمال الأنبياء ﵈. ٨١ - ومنها: أنَّ الأنبياء ﵈ لا يتطلعون في عمل صالح إلى عرض من الدنيا - قلَّ أو جَلَّ - سواء في ذلك التبليغ وغيره . قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا

стр. 2454

أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. أغنى المرأتين بسقي مواشيهما، واستغنى عنهما، وافتقر إلى الله تعالى، وأنزل به حاجته دون غيره وهو محتاج حال؛ أي: لما يسد جوعته. وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وقال تعالى حكاية عنه أيضاً: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]. وحكاية عن هود ﵇: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١]. وقال تعالى حكاية عنهما، وعن صالح، وعن لوط، وعن شعيب ﵈: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧]. وروى ابن عساكر عن أبي حازم ﵀ قال: لمَّا دخل موسى على شعيب ﵉ إذا هو بالعشاء، فقال له شعيب: كُلْ، قال موسى: أعوذ بالله، قال: ولمَ؟ ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيتٍ لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، قال: لا والله، ولكنها عادتي وعادة آبائي؛ نُقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل (١).

стр. 2455

روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إنما أعلمكم لتعلموا ليس لتعجبوا، يا ملح الأرض! لا تفسدوا؛ فإنَّ الشيء إذا فسد إنما يصلح بالملح، وإن الملح إذا فسد لم يصلح بشيء، ولا تأخذوا ممن تعلمون من الأجر إلا مثل الذي أخذتُ منكم (١). وفي بعض الآثار: علموا مجاناً كما عُلِّمتم مجاناً (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذهِ الأُمَّةِ رَجُلاَنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا - وفي لفظ: طَعْمًا -، وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَناً، فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ اليَمِّ وَدَوَابُّ البَرِّ وألطَّيْرُ فَيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيَقْدُمُ عَلَى اللهِ سَيِّدًا شَرِيْفًا حَتَّىْ يُرَافِقَ المُرْسَلِيْنَ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَاشْتَرَى بِهِ ثَمنًا، فَذَلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ". قال: "وَيُنَادِي مُنَادٍ: هَذَا الَّذِيْ آتَاهُ اللهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَاشْتَرَى بِهِ ثَمَناً؛ وَذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الحِسَابِ" (٣).
следующие страницы →