← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

هذا المسكين (١). وعن وهب بن منبه ﵀ قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇: إني وَهَبْتُ لك حب المساكين ورحمتهم؛ تحبهم ويحبونك، ويرضون بك إماماً وقائداً، وترضى بهم صحابة وتبعاً، وهما خُلُقانِ، اعلم أن من لقيني بهما لقيني بأزكى الأعمال وأحبها إلي (٢). وقال القشيري في "الرسالة": قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: تريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الخلق أجمع؟ قال: نعم، قال: عُدِ المريضَ، وكن لثياب الفقراء فالياً، فجعل موسى على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلِّي ثيابهم ويعود المريض (٣). وفي ذلك إشارة أن من أعمال الأنبياء ﵈ عيادة المرضى. ٧٩ - وكذلك من أعمالهم: تشييع الجنائز، وتعزية الحي بالميت . روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عثمان الجعد قال: بلغنا أن داود ﵇ قال: إلهي! ما جزاء مَنْ عزَّى حزيناً لا يُريد به إلا وجهك؟

стр. 2452

قال: جزاؤه أن أُلبسه لباس التقوى. قال: إلهي! ما جزاء من شيع جنازة لا يُريد بها إلا وجهك؟ قال: جزاؤه أن تشيعه ملائكتي إذا مات، وأن أُصلي على روحه في الأرواح. قال: إلهي! ما جزاء من أسند يتيماً أو أرملة لا يُريد إلا وجهك؟ قال: جزاؤه أن أُظله في ظل عرشي يوم لا ظلَّ إلَّا ظلي. قال: إلهي! ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك؟ قال: جزاؤه أن أُؤمنه يوم الفزع الأكبر، وأن أقي وجهه فيح جهنم (١). ٨٠ - ومنها: مساعدة الضعفاء وقضاء حوائج المسلمين . قال الله تعالى في موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤]. وفي حديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين": "مَنْ كانَ فِيْ حاجَةِ أَخِيْهِ كانَ اللهُ فِيْ حاجَتِهِ" (٢).

стр. 2453

وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَشَى فِيْ حَاجَةِ أَخِيْهِ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنِ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِيْنَ، وَمَنِ اعْتَكَفَ يَوْمَاً ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ ثَلاَثَةَ خَنَادِقَ؛ كُلُّ خَنْدَقٍ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "قضاء الحوائج" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ حَاجَةً كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَدَمَ اللهَ عُمُرَهُ" (٢). قلت: ووجه ذلك: أنَّ من قضى لأخيه حاجة يقضيها وهو محتاج إليها والله تعالى غني عن عبادته وعن عبادة غيره؛ فإن الحاجة لا تمسه ، وحيث كان قضاء الحوائج بهذه المثابة من الفضل فهو حري بأن يكون من أخص أعمال الأنبياء ﵈. ٨١ - ومنها: أنَّ الأنبياء ﵈ لا يتطلعون في عمل صالح إلى عرض من الدنيا - قلَّ أو جَلَّ - سواء في ذلك التبليغ وغيره . قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا

стр. 2454

أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. أغنى المرأتين بسقي مواشيهما، واستغنى عنهما، وافتقر إلى الله تعالى، وأنزل به حاجته دون غيره وهو محتاج حال؛ أي: لما يسد جوعته. وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وقال تعالى حكاية عنه أيضاً: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]. وحكاية عن هود ﵇: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١]. وقال تعالى حكاية عنهما، وعن صالح، وعن لوط، وعن شعيب ﵈: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧]. وروى ابن عساكر عن أبي حازم ﵀ قال: لمَّا دخل موسى على شعيب ﵉ إذا هو بالعشاء، فقال له شعيب: كُلْ، قال موسى: أعوذ بالله، قال: ولمَ؟ ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيتٍ لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، قال: لا والله، ولكنها عادتي وعادة آبائي؛ نُقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل (١).

стр. 2455

روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إنما أعلمكم لتعلموا ليس لتعجبوا، يا ملح الأرض! لا تفسدوا؛ فإنَّ الشيء إذا فسد إنما يصلح بالملح، وإن الملح إذا فسد لم يصلح بشيء، ولا تأخذوا ممن تعلمون من الأجر إلا مثل الذي أخذتُ منكم (١). وفي بعض الآثار: علموا مجاناً كما عُلِّمتم مجاناً (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذهِ الأُمَّةِ رَجُلاَنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا - وفي لفظ: طَعْمًا -، وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَناً، فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ اليَمِّ وَدَوَابُّ البَرِّ وألطَّيْرُ فَيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيَقْدُمُ عَلَى اللهِ سَيِّدًا شَرِيْفًا حَتَّىْ يُرَافِقَ المُرْسَلِيْنَ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَاشْتَرَى بِهِ ثَمنًا، فَذَلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ". قال: "وَيُنَادِي مُنَادٍ: هَذَا الَّذِيْ آتَاهُ اللهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا، وَاشْتَرَى بِهِ ثَمَناً؛ وَذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الحِسَابِ" (٣).

стр. 2456

٨٢ - ومنها: أنهم حيث لا يريدون بأعمالهم إلا وجه الله ﵎ فلا يتقربون من كل نوع من أنواع القربات إليه إلا بأحسنها وأحبها إليه، ولا يؤثرون أنفسهم عليه بشيء لأنَّ رغبتهم إليه وحرصهم عليه؛ فإنَّهم أخيار الأبرار . وقد قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وقد روى الإمام أحمد في "الزهد"، ومن طريقه: أبو نعيم عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: كان إبراهيم ﵇ يُطعم الناس والمساكين أسمنَ ما يكون في غنمه، ويذبح لأهله المهزول والرَّديء منها، فكان أهله يقولون له: تذبح للناس والمساكين السمين من غنمك وتطعمنا المهزول؟ فقال إبراهيم: بئس مالي إن ألتمسْ خيرَ ما عند ربي بشرِّ مالٍ (١). وقد كان لولا ضرورة العبد واحتياجه إلى ما به قوامه من شرط عبوديته أن يخرج عن كل ما سوى محبوبه الذي هو معبوده إلا أن الله تعالى رضي من العبد وأتم تبرره بأن يخرج عن بعض محابِّه، وكان من شرط المقربين أن البعض الذي يخرجون عنه من المحاب ما سوى قدر ضرورته، ومن هنا شرط عيسى بن مريم ﵇ على من طلب اللحاق به أن يخرج عن ماله كما روى الإمام أحمد في "الزهد" عن خيثمة ﵀ قال: قال عيسى بن مريم ﵉ لرجل: تصدق

стр. 2457

بمالك، والحقني، قال: فنكس، فقال عيسى ﵇ بشدة: ما يدخل الغني الجنة (١). وبيانه أن الغني متعلق القلب بماله وذلك حجابه عن ربه، فأمره بقطع هذه العلاقة ليتصل بربه، فمن كان غناه بربه لم يضره بقاء صورة المال بيده، ألا ترى أنه يستعد به لجهاد أو حج أو بر أو صلة أو صدقة ويدلُّ على صدقه في ذلك أن يستوي عنده وجوده بيده وخروجه من يده، وهذا شأن الأنبياء كما قال الأعرابي عن النبي ﷺ : إن محمَّدًا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة (٢). ٨٣ - ومنها: البداءة بالسلام ورده . وأول من بدأ بالسلام آدم ﵇، وأول من ردَّ السلام الملائكة ﵈. قال الله تعالى حكاية عن الملائكة وإبراهيم ﵈: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥]. وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَلَقَ اللهُ آدمَ عَلى صُوْرتهِ - أي: على سورة آدم المخصوصة المعروفة به - وَطُوْلُهُ سِتُّوْنَ ذِراعاً ثُمَّ قالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلى أُوْلَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ - فَاسْتَمعْ ما يُجِيبُوْنَكَ

стр. 2458

بِهِ؛ فَإِنَّها تَحِيَّتُكُ وَتَحِيَّةُ ذُرَّيَّتِكِ، فَذهبَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم، فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ فَزادُوْهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلى صُوْرَةِ آدَمَ فِيْ طُوْلهِ سِتُّوْنَ ذراعاً، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ" (١). ٨٤ - ومنها: مصافحة الأخ والقريب عند اللقاء، ومعانقته وإظهار البشاشة والبشر والهشاشة . روى الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "آداب الصحبة" عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مِنْ أَخْلاَقِ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ البَشَاشَةُ إِذَا تَزَاوَرُوا، وَالمُصَافَحَةُ وَالتَّرْحِيْبُ إِذَا الْتَقَوا" (٢). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان"، والخطيب في "تاريخه"، والغسولي في "جزئه" عن تميم الداري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن معانقة الرجل أخاه إذا هو لقيه، قال: "كَانَتْ تَحِيَّةَ الأُمَمِ". وفي لفظ: "تَحِيَّةَ أَهْلِ الإِيْمَانِ وَخَالِصَ وِدِّهِم، وَأَولُ مَنْ عَانَقَ إِبْرَاهِيْمُ ﵇".

стр. 2459

وفي لفظ: "فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ خَلِيْلُ الرحمن ﵇؛ فَإِنَّهُ خَرَجَ يوماً يَرْتَادُ لِمَاشِيَتِهِ فِيْ جِبَلٍ مِنْ جِبَالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إِذْ سَمعَ صَوْتَ مُقَدِّسٍ يُقَدِّسُ اللهَ تَعَالَى، فَذَهَلَ عَمَّا كَانَ يَطْلُبُ، فَقَصَدَ قَصْدَ الصَّوْتِ، فَإِذَا هُوَ بِشَيْخٍ طُوْلُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، أَهْلَبَ يُوَحِّدُ اللهَ تعالى، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيْمُ: يَا شَيْخُ! مَنْ رَبُّكَ؟ قالَ: الَّذِيْ فِي السَّمَاءِ. قالَ: مَن رَبُّ الأَرْضِ؟ قالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قالَ: أَفِيها رَبٌّ غَيْرُهُ؟ قالَ: ما فِيها رَبٌّ غَيْرُهُ، لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَحْدَهُ. قالَ إِبْراهِيْمُ: فَأَيْنَ قِبْلَتُكَ؟ قالَ: الكَعْبَةُ. فَسَأَلَهُ عَنْ طَعَامِهِ، قالَ: أَجْمَعُ مِنْ هَذا التَّمْرِ فِي الصَّيْفِ، فآكُلُهُ فِي الشِّتاءِ. قالَ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِكَ؟ قالَ: لا. قالَ: أَيْنَ مَنْزِلُكَ؟ قالَ: تِلْكَ المَغَارَةُ. قالَ: اعْبُرْ بِنا إلى بَيْتِكَ.

стр. 2460

قالَ: بَينِي وَبَينَهُ وادٍ لا يُخاضُ. قالَ: فَكَيفَ تَعْبُرُهُ؟ قالَ: أَمْشِي عَلَيهِ ذاهِباً وَأَمْشِي عَلَيهِ جائِياً. قالَ: انْطَلِقْ بِنا فَلَعَلَّ الَّذِي ذَلَّلَهُ لَكَ يُذَلِّلُهُ لَنا. فَانْطَلَقا حَتَّى انتُهَيا فَمَشَيا جَمِيعاً عَلَيهِ كُل واحِدٍ مِنْهُما يَعْجَبُ مِن صاحِبِهِ، فَلَمَّا دَخَلا المغارَةَ فَإِذا بِقبْلَتِهِ قِبْلَةِ إِبْراهِيْمَ قَالَ لَهُ إِبْراهِيمُ: أَيُّ يَوْمٍ خَلَقَ اللهُ أَشَدُّ؟ قالَ الشَّيْخُ: ذَاكَ اليَوْمُ الَّذِيْ يَضَعُ كُرْسيِّهُ لِلْحِسابِ، يَوْمَ تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ لاَ يَبْقَى مَلكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلا خَرَّ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ. قالَ لَهُ إِبراهِيمُ: ادْعُ اللهَ يَا شَيْخُ أَنْ يُؤَمِّنَنِي وَإِيَّاكَ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ الشَّيْخُ: وَمَا تَصْنَعُ بِدُعَائِي وَلِي فِي السَّماءِ دَعْوَةٌ مَحْبُوْسَةٌ مُنْذُ ثَلاَثِ سِنِيْنَ؟ قالَ إِبْرَاهِيْمُ: أَلا أُخْبِرُكَ ما حَبَسَ دُعَاءك؟ قالَ: بَلَى. قالَ إِنَّ اللهَ إِذا أَحَبَّ عَبْداً احْتَبَسَ مَسْأَلتهُ يُحِبُّ صَوْتَهُ، ثُمَّ جَعَلَ على كُلِّ مَسأَلَةٍ ذُخْراً لا يَخْطُرُ على قَلْبِ بَشَرٍ، وإِذَا أَبْغَضَ اللهُ عَبْداً عَجَّلَ لَهُ حَاجَتَهُ، أو ألقَى الإِياسَ فِي صدره لِيَقْبِضَ صَوْتَهُ، فَمَا دَعْوَتُكَ الَّتِي هِيَ فِي السَّمَاء مَحْبُوْسَةٌ؟ قالَ: مَرَّ بِي هاهنا شَابٌّ فِي رَأْسِهِ ذؤابةٌ مُنْذُ ثَلاَثِ سِنِيْنَ وَمَعَهُ

стр. 2461

غَنَمٌ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذهِ؟ قالَ: لإِبْرَاهِيْمَ خَلِيْلِ اللهِ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ لَكَ فِي الأَرْضِ خَلِيْلٌ فَأَرِييْهُ قَبْلَ خُرُوْجِيَ مِنَ الدُّنْيَا. قالَ لَهُ إِبْرَاهِيْمُ: قَدْ أُجِيْبَتْ دَعْوَتُكَ. ثُمَّ اعْتَنَقا، فَيَوْمَئِذٍ كانَ أَصْلُ المُعَانَقَةِ، وَكانَ قَبَلَ ذَلِكَ السُّجُوْدُ؛ هذا لِهذا وَهذا لِهذا، ثُمَّ جاءَ الصفاحُ - أَي: المُصَافَحَة - مَعَ الإِسْلامِ، فَلَمْ يُسْجَدْ وَلَمْ يُعَانَقْ وَلَنْ تَفْتَرِقَ الأَصَابعُ حَتَّى يُغْفَرَ لِكُلِّ مُصَافحٍ" (١). قلت: وقوله: "ولم يُعانَقْ" هذا محمول على غير حالة القدوم من سفر وغيره، وعلى غير الطفل، فإنَّ المعانقة وتقبيل الوجه في سوى ما ذُكر مكروهان، كما في "شرح المهذب" (٢). أما عند القدوم من سفر ونحوه فسُنَّة. حَسَّنَ الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتى فقرع الباب، فقام إليه

стр. 2462

النبي ﷺ فجرَّ ثوبه، فاعتنقه وقبله (١). وكذلك تقبيل الطفل الصغير سنة؛ ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: تقبلون صبيانكم؟ فقال: "نَعَم". قالوا: لكنا لا نقبل. فقال رسول الله ﷺ : "أَوَأَمْلِكُ أَنَّ اللهَ قَدْ نزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟ " (٢). وكذلك تقبيل المحارم عند اللقاء، وتقبيل يد الصالح والعالم. فأما تقبيل الغلام الأمرد والجميل، ومصافحته واعتناقه فحرام؛ إلا الولد ونحوه من المحارم على سبيل الشفقة. ٨٥ - ومنها: التبسم في محله من غير قهقهة ولا رفع صوت . قال الله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]. قال جماعة من العلماء: كان غالب ضحك الأنبياء ﵈ التبسم. وروى أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال: هبط آدم ﵇ من الجنة بياقوتة بيضاء يمسح بها دموعه. قال: وبكى آدم على الجنة أربعين عاماً، فقال له جبريل عليه

стр. 2463

السلام: يا آدم! ما يُبكيك؟ إن الله بعثني إليك مُعزياً، فضحك آدم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، فضحك آدم وضحكت ذريته، وبكى آدم وبكيت ذريته (١). وهذا يدل على أن الضحك والبكاء جِبِلَّةٌ في بني آدم، وهو كذلك. وإنما الممدوح من الضحك ما كان عن عجب من غير إفراط، أو عن سرور بنعمة الله، أو بشارة بخير، أو بشاشة لمسلم، أو على وجه المداراة. ومن البكاء ما كان عن حزن بفوات خير أُخروي، أو تقصير في طاعة، أو خوفاً من الله وخشية له، وما كان كذلك فهو من أخلاق النبوة وصفات الصلاح. روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان" عن ابن الأعرابي قال: لقي يحيى بن زكريا عيسى بن مريم ﵈، ويحيى متبشرٌ متهلِّلُ الوجه، وعيسى قاطبٌ متعَبِّسُ الوجه، فقال عيسى ليحيى: أتضحك كأنك آمن؟ فقال يحيى لعيسى: أتعبس كأنك آيس؟ فأوحى الله إليهما أنَّ ما فعله يحيى أحب إلينا (٢). واعلم أنه يقع في الأحاديث وكلام السلف إطلاق ذم الضحك كثيراً، وهو محمول على الضحك غفلة أو عبثاً، أو المبالغة فيه والاستغراب والاسترسال إلى القهقهة، أو كثرته، وذلك مذموم.

стр. 2464

روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "القَهْقَهَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالتَبَسُّمُ مِنَ اللهِ تَعَالَى" (١). وروى هناد عن الحسن ﵀ مرسلاً، وله شواهد، قال: قال النبي ﷺ : "الضَّحِكُ ضَحِكَانِ: ضَحِكٌ يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى، وَضَحكٌ يَمْقُتُهُ اللهُ تَعَالَىْ؛ أَمَّا الضَّحِكُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ فَالرَّجُلُ يُكَشِّرُ فِيْ وَجْهِ أَخِيْهِ حَدَاثَة عَهْدٍ بهِ وَشَوْقاً إِلَى رُؤيَتِهِ، وَأَمَّا الضحِكُ الَّذِي يَمْقُتُ اللهَ عَلَيْهِ فَالرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْجَفاءِ وَالبَاطِلِ لِيُضْحِكَ أَوْ يَضْحَكَ يَهْوِي بِها فِي جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيْفاً" (٢). وروى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا أَبَا هُرَيْرَةَ! كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ". وفيه: "إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِك؛ فَإِن كَثْرَةَ الضَّحِكِ فَسَادُ القَلْبِ" (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهيب رحمه الله تعالى قال: قال الخضر لموسى ﵉ حين لقيه: يا موسى بن عمران! انزع عن اللجاجة، ولا تمش بغير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، والزم بيتك، وابكِ على خطيئتك (٤).

стр. 2465

وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن يحيى بن كثير قال: قال سليمان بن داود ﵉ لابنه: يا بني! لا تُكثر الغيرة على أهلك؛ فترمى بالشر من أجلك وإن كانت بريئة، ولا تُكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تستخف فؤاد الرجل الحكيم. قال: وعليك بخشية الله؛ فإنها غلبت كل شيء (١). وفي حديث أنس ﵁ المروي في "مسند الإمام أحمد"، والكتب الستة إلا "سنن أبي داود": أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَوْ تَعْلَمُوْنَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلَيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيْرًا" (٢). وروى الأصبهاني عن عبد الله بن المبارك ﵀: أنه كان ينشد: [من الوافر] وَكَيْفَ تُحِبُّ أَنْ تُدْعَىْ حَكِيْماً ... وَأَنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوَىْ رَكُوْبُ وَتَضْحَكُ دائِباً ظَهْراً لِبَطْنٍ ... وَتَذْكُرُ ما عَمِلْتَ فَلا تَذُوْبُ

стр. 2466

* فائِدَةٌ زائِدةٌ: ذكر القرطبي في "تفسيره" عن عائشة ﵂ قالت: مرَّ النبي ﷺ على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال: "لَوْ تَعْلَمُوْنَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلَيْلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيْرًا"، فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد! إن الله تعالى يقول لك: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، فرجع إليهم فقال: "مَا خَطَوْتُ أَرْبَعِيْنَ خُطَوَةً حَتَّى أتانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقال: ائْتِ هَؤلاءِ فَقُلْ لَهُمْ: إَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] (١)؛ أي: قضى أسباب الضحك. قال: وقيل لعمر ﵁: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، انتهى (٢). ٨٦ - ومنها: الخطبة، والتذكير والتحذير من الدجال والفتن والأمور المحذورة . وهذا شأن الأنبياء ومن على وراثتهم من العلماء. قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١]. وروى ابن أبي شيبة، والبزار عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال:

стр. 2467

أول من خطب على المنبر إبراهيم خليل الله ﵇ (١). وروى أبو الشيخ عن سفيان ﵀: أن شعيباً ﵇ كان يُقال له: خطيب الأنبياء ﵈ (٢). والآثار في خطب الأنبياء ومواعظهم كثيرة. وروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، فذكر الدجال فقال: "إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوْهُ، وَما مِنْ نبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنذَرَهُ نَوْحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُوْلُ لَكُمْ فِيْهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نبِيٌّ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ أَعْوَرٌ وإِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرٍ" (٣). ومن ثم ينبغي ذكر الدجال وفتنته وغيرها من الفتن والملاحم للاعتبار، وليحفظها الناس كابراً عن كابر، فيحذر المؤمن الذي وقعت في زمانه غوائلها، ولا يدعوك إلى ترك ذكرها إعراض الناس عنها. فقد روى ابن قانع في "معجمه" عن الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لاَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَذْهَلَ النَّاسُ عَنْ ذِكْرِهِ،

стр. 2468

وَحَتَّى تَتْرُكَ الأَئِمَّةُ ذِكْرَهُ عَلى المَنَابِرِ" (١). ٨٧ - ومنها: اتخاذ المنبر والعصا . وقد علمت آنفا أثر سعد بن إبراهيم في المنبر (٢). وقدمنا في التشبه بالملائكة ﵈ أثراً: أن الله تعالى أنزل على آدم ﵇ عصياً بعدد الأنبياء ﵈. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧، ١٨]. قال البغوي وغيره: وأراد بالمآرب: ما تُستعمل فيه العصا في السفر، فكان يحمل بها الزاد، ويشد بها الحبل، ويستقي الماء من البئر، ويقتل بها الحيات ويحارب بها السباع، ويستظل بها إذا قعد، وغير ذلك، انتهى (٣). وروى البزار، والطبراني في "الكبير" عن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنْ أتَّخِذْ مِنْبَرًا فَقَدِ اتَّخَذَهُ إِبْرَاهِيْمُ ﵇، وإنْ أتَّخِذِ العَصا، فَقَدِ اتَّخَذها إِبْرَاهِيْمُ ﵇" (٤).

стр. 2469

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن صفوان بن عمر قال: سُئِلَ أبو المثنى الأُملُوكي عن مشي الأنبياء ﵈ بالعصا، فقال: ذلٌّ وتواضعٌ لربهم . وروى أبو نعيم عن يزيد بن ميسرة ﵀ قال: كانت أحبار بني إسرائيل - الصغير منهم والكبير - لا تمشي إلا بالعصا مخافةَ أن يختال في مشيته إذا مشى (١). ٨٨ - ومنها: اتخاذ الكلب للحراسة ونحوها . وهو جائز، ولغير ذلك لا يجوز. روي عن ابن عباس ﵄ قال: أول من اتخذ الكلب نوح ﵇ قال: يا رب! أمرتني أن أصنع الفلك، فأنا في صناعته أصنع أياماً، فيجيئون بالليل فيفسدون كل ما عملت، فمتى يلتئم لي ما أمرتني به، قد طال علي أمري؟ فأوحى الله إليه: يا نوح! اتخذ كلباً يحرسْك. فاتخذ نوح ﵇ كلبا، وكان يعمل بالنهار وينام الليل، فإذا جاء قومه ليفسدوا ما عمل نبحهم الكلب، فينتبه نوح ﵇ فيأخذ الهراوة ويثبُ إليهم فيهربون، فالتأم له ما أراد (٢). ٨٩ - ومنها: اتخاذ القَذَّافة . وهي المقلاع لدفع الصائل ومحاربة العدو، وطرد الذباب عن الماشية، ونحو ذلك.

стр. 2470

وفي قصة طالوت: أن داود ﵇ قتل جالوت بقذافته. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: ما ترك عيسى بن مريم ﵉ يعني: حين رُفع - إلَّا مِدْرَعة صوف، وقَفْشَيْنِ - يعني: خفين -، ومِحْذَفة (١). ٩٠ - ومنها: اتخاذ القوس، والرمي عنها بالسهام، وتعلم الرماية للحرب . وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الرمي" عن ابن عباس ﵄ قال: أول من عمل القِسِيَّ إبراهيم ﵇ (٢). وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: رسول الله ﷺ على نفر من أسلم يتناضلون، فقال: "ارْمُوْا بَنِيْ إِسْمَاعِيْلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُم كانَ رَامِيًا، ارْمُوْا وَأَنَا مَعَ بَنِيْ فُلاَنٍ". فمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : "ما لَكُمْ لاَ تَرْمُوْنَ؟ " قالوا: يا رسول اللهِ! كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: "ارْمُوْا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ" (٣). وروى الترمذي، وابن ماجه، وصححه الحاكم، عن عقبة بن

стр. 2471

عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلاَّ ثَلاَثاً: رَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ، وَتَأدِيْبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّهنَّ مِنَ الحَقِّ، مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَهِيَ نِعْمَةٌ كَفَرَهَا" (١). ٩١ - ومنها: ارتباط الخيل في سبيل الله، وركوبها لذلك، وإعدادها للحرب . قال الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١]؛ يعني: سليمان ﵇ عُرضت عليه الخيل الصافنات. وروى الزبير بن بكار في "الأنساب" عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الخيل وحوشاً لا تُركب، فأول من ركبها إسماعيل ﵇، فلذلك سميت العراب (٢). وروى ابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عروة البارقي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الخيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيْها الخَيْرُ إِلَىْ يَوْمِ القِيَامةِ"، قيل: يا رسول الله! وما ذلك؟ قال: "الأَجْرُ وَالغَنِيْمَةُ" (٣).

стр. 2472

وقد ألف العلماء في فضل الخيل وارتباطها مؤلفات. ٩٢ - ومنها: الجهاد في مجيل الله تعالى . قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وهو داود بن إيشا أبو سليمان ﵉. والنبي المذكور في أول القصة هو يوشع بن نون. وقيل: شمعون. وقيل: أشمويل ﵈. روى الأول ابن جرير عن مجاهد (١)، والثاني هو، وابن أبي حاتم عن السدي (٢)، والثالث ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (٣). وروى ابن عساكر عن جابر ﵁ قال: أول من قاتل في سبيل الله إبراهيم ﵇ حين أسر لوط واستأسرته الروم، فغزاهم إبراهيم حتى استنقذه من الروم (٤).

стр. 2473

وعن حسان بن عطية ﵀ قال: أول من رتَّب العسكر في الحرب ميمنة وميسرة وقلباً إبراهيمُ لمَّا سار لقتال الذين أسروا لوطاً (١). وروى أبو الحسن علي بن محمد الربعي في "فضائل الشام" عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: أغار ملك نبط على لوط ﵇ فسباه وأهلَه، فبلغ إبراهيم خليل الله ﵇ ذلك، فأقبل في طلبه في عدة أهل بدر ثلاث مئة وثلاثة عشرة، فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور، فعبأ إبراهيم الحرب ميمنة وميسرة وقلباً - وكان أول من عبأ الحرب هكذا - فاقتتلوا، فهزمه إبراهيم ﵇، واستنقذ لوطاً وأهله، فأتى هذا الموضع الذي في برزة، فصلَّى فيه واتخذه مسجداً (٢). وعن يزيد بن أبي يزيد: أن أول من عقد الألوية إبراهيم ﵇؛ بلغه أن قوماً أغاروا على لوط ﵇ فسبوه، فعقد لواء وسارَ إليهم بعبيده ومواليه حتى أدركهم، فاستنقذه وأهلَه (٣). ٩٣ - ومنها: التفكر والاعتبار، والمسافرة لذلك، والضرب في الأرض لمطالعة آيات الله والتماس رزقه، وتنفيذ أقضيته وأحكامه . روى الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي الدنيا في "التفكر" عن مالك بن دينار ﵀ قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇:

стр. 2474

يا موسى! اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سُحْ في الأرض، فاطلب الآثار والعبر حتى تنكسر العصا وتنخرق النعلان (١). ٩٤ - ومنها: المهاجرة خوفاً من الفتنة في الدين . سبق عن ابن منبه ﵀: أنَّ هوداً وصالحًا وشعيباً هاجروا من بلادهم إلى مكة المشرفة. قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]. قال النخعي، وقتادة: وقال؛ يعني: إبراهيم: إني مهاجر؛ قال قتادة: هاجر من كوثى (٢). وروى ابن أبي حاتم عن كعب في قوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] قال: إلى حرَّان (٣). وروى ابن عساكر عن قتادة في الآية قال: إلى الشام كان مهاجَرُهُ (٤). وكوثى: قرية من سواد الكوفة هاجر منها إبراهيم ﵇

стр. 2475

إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط وامرأته سارة (١). وقال الكلبي: هاجر من أرض حران إلى فلسطين، وهو أول من هاجر من أرض الكفر (٢). وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]. قال أكثر المفسرين: إنها الشام (٣). وفي أثر حسان بن عطية السابق: إشارة إلى أنَّ إبراهيم ﵇ دخل دمشق مهاجراً. وروى ابن عساكر عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "يَتَهاجَرُ خِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ هِجْرَةً بَعْدَ هِجْرَةٍ إلَى مُهاجَرِ إبْرِاهِيمَ" (٤). وقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: "سَتكُوْنُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ؛ فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ ألزَمُهُمْ مُهاجَرَ إبْرَاهِيْمَ ﵇، وَيبْقَى فِيْ الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، وَتَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، وَتَقْذِرُهُمْ نَفْسُ اللهِ،

стр. 2476

وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ القِرَدَةِ [والخنازير] " (١). وقوله: نفس الله؛ أي: ذاته سبحانه الموصوفةُ بأن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا من أحاديث الصفات. وقد قلت متحدثاً بنعمة الله تعالى على أن جعلني من أهل الشام ولاسيما دمشق حرسها الله: [من الطويل] مُهاجَرُ إِبْراهِيْمَ دارِيْ وَمَوْلدِيْ ... وَمَنْشَأُ آبائِي الْكِرامِ وَمَحْتِدِيْ دِمَشْقُ الَّتِيْ قَدْ بُورِكَتْ وَتَقَدَّسَت ... بِمُجْتَمَع لِلصَّالِحِيْنَ وَمَشْهَدِ لَها البُدَلاءُ الأَوْلِياءُ إِذا دُعُوْا ... لِغَوْثٍ أَجابُوا بَيْنَ مُنْجٍ وَمُنْجِدِ بِهِمْ يُمْطِرُ اللهُ البِلادَ وَيرْحَمُ الـ ... ـعِبادَ فَأَنْعِمْ بِالْكِرامِ وَأَسْعِدِ لَهُمْ فِيْ حِمَىْ مَوْلاهُمُ كُلُّ سَجْدَةٍ ... يُؤَمِّلُ أَنْ لَوْ قالَها كُلُّ مَسْجِدِ يَؤُمُّوْنَ أَرْضَ الشَّامِ مُسْتَكْمِلِيْنَ فِيْ ... ذُراها لِمَجْدٍ مُسْتَفادٍ وَسُؤْدَدِ

стр. 2477

بِلادٌ تَسَامت فِيْ الْمُقامِ وَبُوْرِكَتْ ... بِكُلِّ مَزارٍ أَوْ مَقام وَمَعْبَدِ لَقَدْ عَمَّنِيْ فَضْلُ الْجَوادِ بِهَذهِ الْبِلا ... دِ وَأَوْلانِيْ بِها كُلَّ مَقْصِدِيْ فَدارِيْ جِوارَ الْجامِع الأُمَوِيِّ فِيْ ... ظِلالِ حُماةٍ لا تُطاوَلُ بِالْيَد وَمَجْلِسُ دَرْسٍ فِيْهِ فِيْ خَيْرِ مَوْطِنٍ ... بِقُرْبِ نبِيِّ اللهِ يَحْيَىْ الْمُسَيَّدِ ولي مِنْ إمامِ الأنبياءِ وراثةٌ ... تُطَمّعُنِيْ مِنْهُ الشَّفاعَةُ فِيْ غَدِ عُلُوْمٌ تَسامَىْ أَمْرُها عَنْ مُقائِسٍ ... بِأُفْقِ سَماكَ فِيْ السَّماءِ وَفَرْقَدِ تَجَلَّتْ لَنا مِنْها الْمَعانِيْ كَأَنَّها ... أَوانِسُ عِيْنٌ مَعْ نَواعِسَ خُرَّدِ نَواطِقُ أَنَّ اللهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ... مَتَى شاءَ مِنْ أَمْرٍ هُنالِكُ يَنْفَذِ حَقائِقُ لا تَخْفَى عَلى كُلِّ عارِفٍ ... دقائِقُ لا تَبْدُو لِغَيْرِ مُوَحِّدِ

стр. 2478

تَنَزَّهَ عَنْ لَوْثِ الشَّوائِبِ سِرُّهُ ... وَعَنْ قَوْلِ أفاكِ الْمَقالَةِ مُلْحِد وتبين بما ذكرناه: أنَّ من خصال الأنبياء ﵈: ٩٥ - سكنى الشام . ولذلك كانت مواطن الأبدال لأنهم بُدلاء عنهم، ولأنَّ قلوبهم على قلب إبراهيم ﵇ وهو شامي، وكان مركز القطب بمكة المسرَّفة لأن قلبه على قلب محمد ﷺ ، وقد قدمنا هذا المعنى. وفي حديث عبد الله بن حوالة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهَا خِيْرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ، يِجْتَبِيْ إِلَيْهَا خِيْرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ". رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبان، والحاكم (١). وروى الطبراني من طريقين أحدهما جيد، عنه أنَّه قال: يا رسول الله! خِرْ لي بلداً أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر عن قريتك شيئاً؟ فقال: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ" قال: فلما رأى كراهيتي للشام قال: "أتَدْرِي ما يَقُوْلُ اللهُ فِيْ الشَّامِ؟ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُوْلُ: يَا شَامُ! أَنْتِ صَفْوَتِي مِنْ بِلادي، أُدْخِلُ فِيْكِ خِيْرَتِي مِنْ عِبَادي، إِنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لَي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ" (٢).

стр. 2479

روى ابن أبي حاتم من حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ لِيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَمُوْدًا أَبْيِضَ كَأَنَّهُ لُؤْلُؤْةٌ، تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ، قُلْتُ: ما تَحْمِلُوْنَ؟ قَالوا: عَمُوْدَ الإِسْلاَمِ، أُمِرْناَ أَنْ نَضَعَهُ بِالشَّامِ" (١). وسبق في التشبه بالملائكة ﵈: "طُوْبَى لِلشَّامِ لأَنَّ مَلاَئِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا" (٢). وفي رواية أخرجها الطبراني في "الكبير": "طُوْبَى لِلشَّامِ، إِنَّ الرَّحْمَنَ لَبَاسِطٌ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِ" (٣). وروى هو فيه، والحاكم وصححه، عن أبي أمامة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "الشَّامُ صَفْوَةُ اللهِ مِنْ بِلاَدِهِ، إِلَيْهَا يِجْتَبِيْ صَفْوَتَهُ من عِبَاده، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الشَّامِ إِلَىْ غَيْرِهَا فَبِسُخْطِهِ، وَمَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِهَا فَبِرَحْمَتِهِ" (٤). وهو يريد بقوله: "من غيرها"، و"إلى غيرها" ما عدا مكة والمدينة؛ لأنهما أفضل من سائر الأرَضين. وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: "فُسْطَاطُ المُسْلِمِيْنَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ الكُبْرَىْ بِأرْضٍ يُقَالُ لَها: الغُوْطَةُ،

стр. 2480

فَيْها (١) مَدِيْنةٌ يُقَالُ لَهَا: دمَشْقُ؛ خَيْرُ مَنَازِلِ المُسْلِمِيْنَ يَوْمَئذٍ (٢) " (٣). وروى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر بسند صحيح، عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾ يعني: عيسى وأمه ﵉ ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]: إنها دمشق. وفي لفظ: أُنبئنا أنها دمشق (٤). ورواه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب، وعن الحسن البصري (٥). وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد: أنها الغوطة وما حولها (٦). وروى ابن ناصر الدين حافظ دمشق في جزء له ألَّفه في الربوة بسندٍ له متصل، عن ابن عباس ﵁: أنها شعب النيرب.

стр. 2481

والذي عليه الجمهور من المفسرين (١)، واعتمده الإمام فخر الدين الرازي، ورجَّحه شيخ الإسلام الوالد ما سبق: أن الربوة هي دمشق (٢). وهو المروي عن جماعة آخرين؛ منهم: خالد بن معدان، وقتادة، ويزيد بن سخبرة، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن سخبرة صحابي ﵁، ولفظه: دمشق هي الربوة المباركة. أخرجه ابن عساكر (٣). وعنده بسند ضعيف عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، قال: "هَلْ تَدْرُوْنَ أَيْنَ هِيَ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هِيَ بِالشَّامِ بِأَرْضٍ يُقالُ لهَا: الغُوْطَة، مَدِيْنةٌ يُقَالُ لهَا: دِمَشْقُ، هِيَ خَيْرُ مَدَائِنِ الشَّامِ" (٤). وأخبرنا شيخ الإسلام والدي ﵀ عن شيخ الإسلام التقوى ابن قاضي عجلون، عن ابن ناصر الدين: أنه أنشد لنفسه: [من الطويل] إِذا ذُكِرَتْ أَمْصارُ أَرْضٍ بِمَفْخَرٍ ... سِوَى طَيْبَةٍ وَالْقُدْسِ أَيْضاً وَمَكَّةِ

стр. 2482

أَجابَ لِسانُ الْحالِ ذاكِرَ فَخْرِها ... أَلا إِنَّ فَخْرَ الشَّامِ أَعْلا بِرَبْوَةِ وللعلامة ابن الوردي: [من الرجز] دِمَشْقُ فِي أَرْجائِها موَاضِعُ ... يَحارُ فِيها ناظِرٌ وَسامعُ رَبْوَتُها وَقَصْرُها وَالْجامعُ ... هُنَّ ثلاثٌ ما لَهُنَّ رابِعُ ٩٦ - ومنها: المجاورة بمكة المشرفة . روى الأزرقي عن محمد بن سابط، عن النبي ﷺ قال: "كانَ النَّبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ﵈ إِذا هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ بِمَكَّةَ، فَيَتَعَبَّدُ اللهَ فِيْها النَّبِيُّ وَقَومُهُ حَتَّى يَمُوْتَ". قال: "فَماتَ بِها نُوْحٌ، وَهُوْدٌ، وَصَالحٌ، وَشُعَيْبُ ﵈، وَقُبُوْرُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْحِجْرِ" (١). وروى هو، والبيهقي عن عبد الله بن ضمرة السلولي قال: ما بين المقام إلى الركن إلى زمزم إلى الحِجْر قبر سبعة وسبعين (٢) نبياً، جاؤوا

стр. 2483

حاجين فماتوا فقُبروا هنالك (١). وروى الأزرقي، والجندي عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان النبي من الأنبياء إذا هلك قومه فنجا هو والصالحون معه أتى مكة بمن معه، فيعبدون الله حتى يموتوا فيها، وإنَّ قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم والركن والمقام (٢). وروى الجندي عن محمد بن سابط: أنَّ قبر إسماعيل - أيضا - ثَمَّ. ومُقامه هو وأبوه إبراهيم، ومجاورتهما بها معلومة من كتاب الله تعالى. واعلم أنَّ كثيراً من العلماء استحبوا المجاورة بمكة لفضلها وتضعيف الحسنات بها، ورغبة في الموت بها. قال ابن عمر ﵄: من قُبر بمكة مسلماً بُعث آمناً يوم القيامة. أخرجه الجندي (٣). وروى البيهقي في "الشعب" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2484

"مَنْ ماتَ فِي أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ آمِناً" (١)؛ يعني: من مات من المسلمين. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ماتَ فِي أَحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمِنِيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ زارَني مُحْتَسِبًا إِلى المَدِيْنَةِ كانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ القِيَامةِ" (٢). ٩٧ - ومنها: زيارة بيت المقدس . ولذلك أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى. وفي "صحيح مسلم" عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أُتِيْتُ بِالبُرَاقِ وَهُوَ دابَّةٌ أَبْيَضُ طَويلٌ فَوْقَ الحِمَارِ وَدُوْنَ البَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنتهَى طَرْفهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالحَلَقَةِ التِي تَرْبِطُ بِها الأَنْبِيَاءُ ﵈ "، وذكر حديث الإسراء (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن معدان ﵀ قال: كتبت إلى الخليفة أُحَوِّل اسمي إلى فلسطين، قيل له: ولم ذاك؟ قال: إنه لم يبق نبي إلا وقد هاجر إلى بيت المقدس، فأُريد أن أُهاجر إليها. وروى هو في "المسند"، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه،

стр. 2485

والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمَّا بَنَى بَيْتَ المَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ خِلالاً ثَلاَثًا، فَأَعْطاهُ اللهُ اثْنتَيْنِ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُوْنَ أَعْطاهُ الثالِثَةَ؛ سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ: أيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ لاَ يُرِيْدُ إِلاَّ الصَّلاةَ فِيْ هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي: بَيْتَ المَقْدِسِ - خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قال النبي ﷺ : "وَنَحْنُ نَرْجُوْ أَنْ يَكُوْنَ اللهَ أَعْطاهُ ذَلِكَ" (١). وروى ابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي سعيد - واللفظ له -، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵄ قال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إِلاَّ إِلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى" (٢). * فائِدَة لَطِيْفَةٌ: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران

стр. 2486

الأنصاري قال: كنت أقود بدابة أم الدرداء فيما بين بيت المقدس ودمشق، فكانت إذا مرَّت بالجبال قالت: يا أبا سليمان! أَسْمعِ الجبال ما وعدها الله ، فأرفع صوتي بهذه الآيات: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] (١). ٩٨ - ومنها: بناء المساجد . قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. والمساجد الثلاثة أعظم المساجد كل واحد منها بناه نبي؛ المسجد الحرام بناه إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى بناه سليمان، ومسجد المدينة بناه محمد ﵁. ولقد سبق إبراهيم آدم إلى بناء البيت، ثم بوأ الله مكانه لإبراهيم ﵇ فبناه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والشيخان عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وُضِعَ أول؟ قال: "الْمَسْجِدُ الْحَرامُ"، قلت: ثم أي؟ قال: "الْمَسْجِدُ الأَقْصَى"، قلت: كم بينهما؟

стр. 2487

قال: "أَرْبَعُوْنَ سَنةً" (١). قلت: أراد - والله أعلم - أنَّ المسجد الحرام أول مسجد وُضع؛ أي: خُلق ووُضع مكانه كما قال السدي: إنه كان يوم كانت الأرض ماء ربوة على الأرض، فلما خلق الله الأرض خلق البيت معها، فهو أول بيت وُضع في الأرض. رواه ابن جرير (٢). وإلا فإنَّ بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أكثر من أربعين سنة، سواءًا عتبرنا بناء آدم أو بناء إبراهيم. وروى عبد الرزاق، والطبري، والطبراني، وغيرهم عن عطاء ﵀ قال: قال آدم ﵇: أي رب! ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ﵈؟ قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء. فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل (٣). وروى البيهقي في "دلائله" نحوه عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بَعَثَ اللهُ جِبْرِيْلَ إِلى آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵈ فَقالَ لَهُما: ابْنِيا لِي بَيْتاً، فَخَطَّ لَهُما جِبْرِيْلُ، فَجَعَلَ آدَمُ يَحْفِرُ وَحَوَّاءُ تَنْقُلُ حَتَّىْ أَجَابَهُ

стр. 2488

المَاءُ، فَنُوْديَ مِنْ تَحْتِهِ: حَسْبُكَ يَا آدَمُ، فَلَمَّا بَنَيَاهُ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يَطُوْفَ بِهِ، وَقِيْلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ، ثُمَّ تَناسَخَتِ القُرُوْنُ حَتَّى حَجَّهُ نُوْحٌ، ثُمَّ تَنَاسَخَتِ القُرُوْنُ حَتَّىْ رَفَعَ إبْرَاهِيْمُ القَوَاعِدَ مِنْهُ" (١). وروى الأزرقي، وأبو الشيخ في "العظمة"، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: لمَّا أهبط الله آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وهو مثل الفلك من رعدته، فطاطأ الله منه إلى ستين ذراعاً، فقال: يا رب! ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا حِسَّهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتاً فطُفْ به، واذكُرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي. فأقبل آدم يتخطى، فطُويت له الأرض، وقيض الله له المفازة، فصارت كل مفازة يمرُّ بها خطوة، وقبض الله ما كان فيها من مخاض أو بكر فجعله له خطوة، ولم تقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام. وإنَّ جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أُسٍّ ثابت على الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلًا، وإنه بناه من خمسة أجبل؛ من لسان، وطور زثنا، وطور سيناء، والجودي، وحراء حتى استوى على وجه

стр. 2489

الأرض، فكان أول من أسس البيت. وصلَّى فيه وطاف به آدم ﵇ حتى بعث الله الطوفان وكان غضباً ورجساً، فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم، ولم يقرب الطوفان أرض السند والهند، فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله إبراهيم وإسماعيل ﵉، فرفعا قواعده وأعلامه، ثم بَنَتْهُ قريش بعد ذلك، وهو بحذاء البيت المعمورة لو سقطَ ما سقط إلَّا عليه (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري، والمفسرون عن ابن عباس ﵄: أنَّ إبراهيم قال: يا إسماعيل! إنَّ الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك، قال: وتُعينني؟ قال: وأُعينك، قال: فإنَّ الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً - وأشار أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها -، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له وقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (٢). وروى أبو بكر الواسطي في "فضائل بيت المقدس" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كانت الأرض ماءً، فبعث الله تعالى ريحاً فمسحت الماء مسحاً، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع؛ خلق من قطعة

стр. 2490

مكة، ومن الثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة (١). وروى ابن أبي شيبة، والطبراني، وغيرهما عن رافع بن عمير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قالَ اللهُ تَعالى لِداوُدَ ﵇: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَبَنَى داوُدُ بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ البَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: يا داوُدُ! نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قالَ: يا رَبِّ! هكذا قُلْتَ: مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي بِناءِ المَسجِدِ، فَلَمَّا تَمَّ السُّورُ سَقَطَ ثَلاثًا، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى اللهِ، فَأَوْحَىْ اللهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ لاَ تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا، قالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّماء، قالَ: يَا رَبِّ! أَوَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَيْ هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادي وَأَنَا أَرْحَمُهُم، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: لاَ تَحْزَنْ؛ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَي ابْنكَ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا ماتَ داوُدُ أَخَذَ سُلَيْمانُ فِي بِنَائِهِ، فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَّ القَرابِينَ وَذَبَحَ الذَبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَىْ سُرُوْرَكَ بِبُنْيَانِ بَيتِي، فَاسْألنِي أُعْطِكَ، قالَ: أَسْألكَ ثَلاَثَ خِصَالٍ: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ، وَمُلْكًا لاَ يَنْبَغِيْ لأَحَدٍ مِنْ بِعْدِي، وَمَنْ أتَى هذا البَيْتَ لاَ يُرِيْدُ إِلاَ الصَّلاةَ فِيهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قال رسول الله ﷺ : "أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُوْنَ
следующие страницы →