الأنصاري قال: كنت أقود بدابة أم الدرداء فيما بين بيت المقدس ودمشق، فكانت إذا مرَّت بالجبال قالت: يا أبا سليمان! أَسْمعِ الجبال ما وعدها الله ، فأرفع صوتي بهذه الآيات: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] (١).
٩٨ - ومنها: بناء المساجد .
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
والمساجد الثلاثة أعظم المساجد كل واحد منها بناه نبي؛ المسجد الحرام بناه إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى بناه سليمان، ومسجد المدينة بناه محمد ﵁.
ولقد سبق إبراهيم آدم إلى بناء البيت، ثم بوأ الله مكانه لإبراهيم ﵇ فبناه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦].
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والشيخان عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وُضِعَ أول؟ قال: "الْمَسْجِدُ الْحَرامُ"، قلت: ثم أي؟ قال: "الْمَسْجِدُ الأَقْصَى"، قلت: كم بينهما؟
стр. 2487
قال: "أَرْبَعُوْنَ سَنةً" (١).
قلت: أراد - والله أعلم - أنَّ المسجد الحرام أول مسجد وُضع؛ أي: خُلق ووُضع مكانه كما قال السدي: إنه كان يوم كانت الأرض ماء ربوة على الأرض، فلما خلق الله الأرض خلق البيت معها، فهو أول بيت وُضع في الأرض. رواه ابن جرير (٢).
وإلا فإنَّ بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أكثر من أربعين سنة، سواءًا عتبرنا بناء آدم أو بناء إبراهيم.
وروى عبد الرزاق، والطبري، والطبراني، وغيرهم عن عطاء ﵀ قال: قال آدم ﵇: أي رب! ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ﵈؟ قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء.
فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل (٣).
وروى البيهقي في "دلائله" نحوه عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بَعَثَ اللهُ جِبْرِيْلَ إِلى آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵈ فَقالَ لَهُما: ابْنِيا لِي بَيْتاً، فَخَطَّ لَهُما جِبْرِيْلُ، فَجَعَلَ آدَمُ يَحْفِرُ وَحَوَّاءُ تَنْقُلُ حَتَّىْ أَجَابَهُ
стр. 2488
المَاءُ، فَنُوْديَ مِنْ تَحْتِهِ: حَسْبُكَ يَا آدَمُ، فَلَمَّا بَنَيَاهُ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يَطُوْفَ بِهِ، وَقِيْلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ، ثُمَّ تَناسَخَتِ القُرُوْنُ حَتَّى حَجَّهُ نُوْحٌ، ثُمَّ تَنَاسَخَتِ القُرُوْنُ حَتَّىْ رَفَعَ إبْرَاهِيْمُ القَوَاعِدَ مِنْهُ" (١).
وروى الأزرقي، وأبو الشيخ في "العظمة"، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: لمَّا أهبط الله آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وهو مثل الفلك من رعدته، فطاطأ الله منه إلى ستين ذراعاً، فقال: يا رب! ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا حِسَّهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتاً فطُفْ به، واذكُرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي.
فأقبل آدم يتخطى، فطُويت له الأرض، وقيض الله له المفازة، فصارت كل مفازة يمرُّ بها خطوة، وقبض الله ما كان فيها من مخاض أو بكر فجعله له خطوة، ولم تقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام.
وإنَّ جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أُسٍّ ثابت على الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلًا، وإنه بناه من خمسة أجبل؛ من لسان، وطور زثنا، وطور سيناء، والجودي، وحراء حتى استوى على وجه
стр. 2489
الأرض، فكان أول من أسس البيت.
وصلَّى فيه وطاف به آدم ﵇ حتى بعث الله الطوفان وكان غضباً ورجساً، فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم، ولم يقرب الطوفان أرض السند والهند، فدرس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله إبراهيم وإسماعيل ﵉، فرفعا قواعده وأعلامه، ثم بَنَتْهُ قريش بعد ذلك، وهو بحذاء البيت المعمورة لو سقطَ ما سقط إلَّا عليه (١).
وروى الإمام أحمد، والبخاري، والمفسرون عن ابن عباس ﵄: أنَّ إبراهيم قال: يا إسماعيل! إنَّ الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك، قال: وتُعينني؟ قال: وأُعينك، قال: فإنَّ الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً - وأشار أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها -، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له وقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (٢).
وروى أبو بكر الواسطي في "فضائل بيت المقدس" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كانت الأرض ماءً، فبعث الله تعالى ريحاً فمسحت الماء مسحاً، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع؛ خلق من قطعة
قَدْ أُعطِيَ الثَّالِثَةَ" (١).
وقد سبق ذكر هذه الجملة الأخيرة في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (٢).
وروى الطبراني، والضياء المقدسي فى "المختارة" عن زيد بن ثابت ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عن المسجد الذي أُسس على التقوى فقال: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا" (٣).
وثبت بمعناه في "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٤). قال الحسن رحمه الله تعالى: لما أسس رسول الله ﷺ المسجد الذي أسسه على التقوى كان كلما رفع لَبِنَةً قال: "اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةِ"، ثم يُناولها أخاه، فيقول ما قال رسول الله ﷺ حتى تنتهي اللَّبِنَةُ منتهاها، ثم يرفع أخرى فيقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصارِ وَالْمُهاجِرَةِ"، ثم يُناولها أخاه، فيقول ما قال رسول الله ﷺ حتى تنتهي اللَّبِنَةُ منتهاها. رواه أَبو الشيخ (٥).
ولا شك أنَّ بناء المساجد من الأعمال الصالحة المرغوب فيها.
стр. 2492
وقد روى ابن ماجه عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِداً بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ" (١).
ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِداً وَلَوْ مِفْحَصَ قَطاةٍ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتا فِي الْجَنَّةِ" (٢).
إلا أن البناء شرطه أن يكون في أرض مُباحة أو مملوكة من مال حلال، وإلا فلا يكون مقبولاً.
وقد روى ابن سعد في "طبقاته" عن سالم أبي النضر ﵀ قال: لمَّا كثر المسلمون في عهد عمر ﵁ وضاق بهم المسجد، فاشترى عمر ما حول المسجد من الدُّور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحُجَرَ أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس ﵄: يا أبا الفضل! إنَّ مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل يوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارَك وحُجَرَ أمهات المؤمنين، فأما حُجَرُ أمهات المسلمين فلا سبيل إليها، وأما دارُك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أخطُّك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تتصدق بها على المسلمين فتوسع بها في مسجدهم.
فقال: لا، ولا واحد منها.
فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت.
стр. 2493
قال: أُبَيُّ بن كعب.
فانطلقا إلى أُبَيٍّ فقصَّا عليه القصة، فقال أُبَيُّ: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فقالا: حدثنا.
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ تَعالى أَوْحى إِلى داوُدَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتاً أُذْكَرْ فِيْهِ، فَخَطَّ لَهُ هَذِهِ الخُطَّةَ خُطَّةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإِذا تَرْبِيْعُها يَزْوِيْهِ بَيْتُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرائِيْلَ، فَسَأَلَهُ داوُدُ أَنْ يَبِيْعَهُ إِيَّاهُ فَأَبَى، فَحَدَّثَ داوُدُ نَفْسَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يا داوُدُ! أَمَرْتُكَ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتاً أُذْكَرُ فِيْهِ، فَأَرَدْتَ أَنْ تُدْخِلَ فِي بَيْتِيَ الْغَصْبَ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِيَ الْغَصْبُ، وَإِنَّ عُقُوْبَتَكَ أَنْ لا تَبْنِيَهُ، قالَ: يا رَبِّ! فَمِنْ وَلَدِي؟ قالَ: مِنْ وَلَدكَ".
قال: فأخذ عمر بمجامع ثوب أُبَي بن كعب فقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه، لتخرجن مما قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أَبو ذر ﵁ فقال: إني نشدتُ الله رجلاً سَمع رسول الله ﷺ يذكر حديث بيت المقدس حيث أمر الله داود أن يبنيه إلاَّ ذكره.
فقال أَبو ذر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ فأرسلْ أُبيًّا.
فأقبل أُبَي على عمر فقال: يا عمر! أتتهمني على حديث رسول الله ﷺ ؟
فقال عمر: لا والله يا أبا المنذر لمَّا أتهمك، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ظاهراً.
стр. 2494
قال: وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك.
فقال العباس: أمَّا إذا فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين أُوَسِّع بها عليهم في مسجدهم، فأمَّا وأنت تخاصمني فلا.
فخط عمر له داره التي هي له اليوم وبناها من بيت مال المسلمين (١).
- ومن أعمال الأنبياء ﵈:
٩٩ - ملازمة المساجد للصلاة والعلم والتعليم والخير .
قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
وروى الدينوري عن المعتمر بن سليمان رحمهما الله: أنَّ الحواريين قالوا لعيسى ﵇: أين بيتك يا روح الله؟ قال: المساجد (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي هريرة ﵁ قال: كان عيسى بن مريم ﵉ يقول: يا معشر الحواريين! اتخذوا بيوتكم منازل، واتخذوا المساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واخرجوا من الدنيا بسلام (٣).
стр. 2495
وروى ابن ماجه عن الحكم بن عمير ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كُونُوا فِي الدُّنْيا أَضْيافاً، وَاتَّخِذُوا الْمَساجِدَ بُيُوتاً"، الحديث (١).
وروى الطبراني في "الكبير"، والبزار - وحسنه هو والمنذري (٢) - عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَتَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ كانَ الْمَسْجِدُ بَيْتَهُ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ وَالْجَوازِ عَلى الصِّراطِ إِلى رِضْوانِ اللهِ إِلى الْجَنَّةِ" (٣).
ولا شك أن الأنبياء هم خيار الأتقياء.
قال القرطبي: وكتب أَبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحبحاب: أنْ عَلَيْكَ بالمساجد؛ فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء (٤).
* تَنْبِيْهٌ:
لابد أن تعلم أن الملازم للمسجد لابدَّ أن يكون على نعت الأدب مخلصاً في قعوده، ناوياً لكل خير، منزهاً للمسجد عن اللغط، والبيع والشراء، ونُشْدانِ الضالة، وإنشاد الشعر إلا شعراً فيه ذكر الله تعالى، أو من جنس ما كان ينشد في مسجد رسول الله ﷺ وبين يديه.
стр. 2496
وليحافظ على جميع آداب المسجد، ولا يجعل المسجد مجلساً له لأمور دنياه، ولا يُكثر فيه من ذكر الدنيا.
روي أن عيسى بن مريم ﵉ أتى على قوم يبتاعون في المسجد، فجعل رداءه مخرافاً، ثم جعل يسعى عليهم ضرباً ويقول: يا أبناء الأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقاً؟ هذا سوق الآخرة (١).
وعن نبينا ﷺ : "سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمانِ رِجالٌ يَأْتُونَ الْمَساجِدَ، فَيَقْعُدُونَ حِلَقاً حِلَقاً ذِكْرُهُمُ الدُّنْيا وَحُبُّها، فَلا تُجالِسُوهُمْ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ حاجَةٌ". نقله القرطبي في تفسير سورة النور (٢).
١٠٠ - ومنها: تعظيم المساجد وتجهيزها وتنظيفها .
روى ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان هارون ﵇ هو الذي يجمِّر الكنائس (٣).
قلت: ومن هنا كانت سدانة بيت المقدس في ولد هارون كما دلَّ عليه الأثر الذي رواه ابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة: أنَّ أم مريم لما وضعتها خرجت بها تحملها في خرقة إلى بني الكاهن بن هارون
стр. 2497
أخي موسى ﵉ قال: وهم يومئذٍ يَلُوْنَ من بيت المقدس ما يلي الحَجَبَةُ من الكعبة - فقالت لهم: دونَكم هذه النذيرة؛ فإني حررتها وهي ابنتي ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - فقال زكريا: ادفعوها إليَّ فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا.
فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها (١).
١٠١ - ومنها: السفر للحج، والجهاد، والهجرة، والزيارة، وطلب الصالحين والعلماء، وطلب العلم، وإعداد الزاد، وحسن النية، وصُحبة الرفيق، واتباع الطريق، وحفظ الأوقات وسائر آداب السفر .
وأدلة هذا الباب واسعة جداً، ولنقتصر هنا على الإشارة إلى قصة موسى والخضر ﵉.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٦٥]؛ يعني: الخضر ﵇، وقصتهما مذكورة في "الصحيحين" معروفة في مَحالِّها، وقد اشتملت على لطائف من أعمال الأنبياء وأخلاقهم عليهم الصلاة والسلام.
стр. 2498
١٠٢ - ومنها: قراءة القرآن، وتحسين الصوت به، والتخشع والتحزن عند قراءته .
روى الإمام أحمد، والستة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما أَذَنَ اللهُ لِشَيْءٍ ما أَذَنَ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرآنِ وَيَجْهَرُ بِهِ" (١).
وقوله: "ما أذن"؛ أي: ما سمع.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خُفِّفَ عَلى داوُدَ الْقُرآنُ وَكانَ يَأْمُرُ بِدَوابِّهِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوابُّهُ، وَلا يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في "كتاب البكاء" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان داود ﵇ إذا قرأ تصرعت الطير حوله، ووقفت المياه لحُسن صوته، وكان يبكي حتى يُنبت العشب حوله (٣).
وعنه - أيضاً - قال: كان داود إذا رفع صوته بالزبور لم يسمعه شيء إلا حجل؛ أي: رقص (٤).
وروى الرافعي في "تاريخ قزوين" عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ
стр. 2499
أنه قال: "إِذا قَرَأَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ وَاحْتَشَى مِنْ أَحادِيْثِ رَسُوْلِ الله ﷺ وَكانَتْ هُناكَ غَرِيْزَةٌ، كانَ خَلِيْفَةً مِنْ خُلَفاءِ الأَنْبِياءِ" (١).
وروى ابن النجار في "تاريخه"، وغيره عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَدِّبُوا أَوْلادكُمْ عَلى ثَلاثِ خِصالٍ، حُبِّ نبِيِّكُمْ، وَحُبِّ أَهْل بَيْتِهِ، وَقِراءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِلِّ اللهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيائِهِ وَأَصْفِيائِهِ" (٢).
١٠٣ - ومنها: صلاة الضحى، والمحافظة على الذكر في الصباح والمساء .
روى الديلمي، وغيره عن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: "وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعاتٍ فِيْ أَوَّلِ النَّهارِ" (٣).
وروى الإمام أحمد، وغيره عن سهل بن معاذ بن أنس التابعي، عن أبيه معاذ بن أنس الصحابي ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللهُ خَلِيْلَهُ إِبْراهِيْمَ: الَّذِي وَفَّى؟ لأَنَّهُ كانَ يَقُوْلُ كُلَّما
стр. 2500
أَصْبَحَ وَأَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] الآية" (١).
وروى الثعلبي عن كعب ﵀ قال: من قال حين يُصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] لم يفته خير كان في يومه، ولم يدركه شر كان فيه، ومن قالها حين يُمسي لم يُدركه شر كان في ليلته، ولم يفته خير كان فيها.
قال: وكان إبراهيم خليل الله ﵇ يقولها كل يوم وليلة ست مرات (٢).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن جعفر بن برقان ﵀ قال: كان عيسى ﵇ يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهناً بعملي، فلا فقير أفقر مني، فلا تُشمت بي عدوي، ولا تسؤني في صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تُسلط عليَّ من لا يرحمني (٣).
стр. 2501
١٠٤ - ومنها: كثرة الذكر على كل حال وفي كل حين والجلوس في مجالس الذكر .
قال الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]؛ يعني: يونس ﵇.
وقال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣].
قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: إنَّ نوحاً ﵇ كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسمَّاه الله عبداً شكوراً. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" (١).
وروى أبوه عن عطاء بن يسار ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ . "قالَ نُوْحٌ ﵊ لابْنِهِ: يا بُنَيَّ! إِنِّي مُوْصِيْكَ بِوَصِيَّةٍ وَقاصِرُها عَلَيْكَ حَتَّى لا تَنْساها، أُوْصِيْكَ بِاثْنتَيْنِ وَأَنْهاكَ عَنِ اثْنتَيْنِ؛ فَأَمَّا اللَّتانِ أُوْصِيْكَ بِهِما فَإِنِّي رَأَيْتُهُما يُكْثِرانِ الْوُلُوْجَ عَلى اللهِ، وَرَأَيْتُ اللهَ يَسْتَبْشِرُ بِهِما وَصالِحِ خَلْقِهِ؛ قَوْلُ: سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ فَإِنَّها صَلاةُ الْخَلْقِ وَبِها يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَقَوْلُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ؛
стр. 2502
فَإِنَّ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَوْ كُنَّ حَلَقَةً لَقَمَّتْهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ فِيْ كِفَّةٍ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ، وَأَمَّا اللَّتانِ أَنْهاكَ عَنْهُما فَالشِّرْكُ وَالْكِبْرُ" (١).
وروى عبد الرزاق، والإمام أحمد في "الزهد" عن كعب رحمه الله تعالى قال: قال موسى ﵊: يا رب! أقريبٌ أنت فأُناجيك، أم بعيدٌ فأُناديك؟
قال: يا موسى! أنا جليس من ذكرني.
قال: يا رب! فإنَّا نكون من الحال على الحال، نجلك ونعظمك أن نذكرك؟
قال: وما هي؟
قال: الجنابة والغائط.
قال: يا موسى! اذكرني على كل حال (٢).
قلت: يكفي في مثل الحال الذي ذكره موسى ﵇ ذكر القلب ويكون بذلك ذاكراً، والمراد بالذكر في الأحوال المذكورة ذكر اسم الله عند مقاربتها، وحمده بعد الخروج من الخلاء.
ويشهد للأول: ما رواه عبد الرزاق عن الأعرج أنَّ الله تعالى قال لموسى ﵇: اذكرني في نفسك إذا كنت على الخلاء (٣).
стр. 2503
وللثاني: ما رواه عبد الرزاق - أيضاً - عن سعيد المقبري رحمه الله تعالى: أنَّ موسى ﵇ قال: يا رب! أخبرني بأحب العمل إليك.
قال: يا موسى! اذكرني كثيراً.
قال: يا رب! أُجلك أن أذكرك في مواطن.
قال: ما هي؟
قال: عند الغائط.
قال: يا موسى! اذكرني كثيراً.
قال: يا رب! ماذا أقول إذا ذهبت إلى الغائط؟
قال: قُل: غفرانك، فجنبني الأذى (١).
وروى عبد الرزاق - أيضاً - عن يزيد بن أبي منصور ﵀ قال: قال داود النبي: ألا ذاكرٌ الله فأذكرَ معه؟ ألا مذكرٌ فأذكرَ معه؟ ولوددت إذا جزت قوماً يذكرون الله فأنفدهم إلى غيرهم أنَّ الرِّجْل التي تليهم تتكسر (٢).
وعن أبي الجلد ﵀ قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: أن يا موسى! إذا دعوتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وكن
стр. 2504
عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا قمت بين يدي فقم مقام الحقير الذليل، وذُمَّ نفسك فهي أولى بالذم، وناجِني حين تناجيني بقلبٍ وَجِلٍ ولسانٍ صادق (١).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: لو رخص الله لأحدٍ في ترك الذكر لرخص لزكريا حيث قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ولو رخص لأحدٍ في ترك الذكر لرخص للذين يُقاتلون في سبيل الله؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] (٢).
١٠٥ - ومنها: الصلاة على النبي ﷺ -:
روى الأصبهاني في "الترغيب" عن كعب ﵀: أنَّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: يا موسى! أتحبُّ أن لا ينالك من عطش يوم القيامة؟
قال: إلهي نعم.
قال: فأكثر من الصلاة على محمد ﷺ (٣).
стр. 2505
١٠٦ - ومنها: تصديق النبي ﷺ والإيمان به وبما جاء به .
وهو داخل في الإيمان الذي هو من أخص أحوال الأنبياء ﵈.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
روى ابن جرير عن علي ﵁ قال: لم يبعث الله نبياً - آدم فمن بعده - إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ : لئن بُعِثَ وهو حي ليؤمنن به وليُنصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] (١).
وعن الحسن ﵀ في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين ليبلغن اَخركم أولكم ولا تختلفوا (٢).
١٠٧ - ومنها: كتابة العلم .
روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن معاوية بن الحكم ﵁: أن النبي ﷺ قال: "كانَ نبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وافَقَ
стр. 2506
خَطَّهَ فَذاكَ (١) " (٢).
وهو يحتمل أن يكون أراد بالخط الخط في الرمل وهو الأقرب.
وفيه أن من أُلْهِمَ من الخط مثل ما ألهمه ذلك النبي كان له العمل به وإلا فلا، وإن كان اعتماده على الحدس.
ويحتمل أن يكون أراد الكتابة.
وروى الحكيم الترمذي عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ الرُّسُلِ آدَمُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَأَوَّلُ أَنْبِياءِ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ مُوْسى وَآخِرُهُمْ عِيْسَى، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ إِدْرِيْسُ ﵈" (٣).
стр. 2507
* تَنْبِيْهٌ:
الكتابة من الكمالات، غير أنَّ الله تعالى جعل محمداً ﷺ كما قال ﷺ : "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسُبُ وَلا نَكْتُبُ" (١).
وإنما كان الأمر كذلك كما قيل: [من الطويل]
لِئَلاَّ يَخُوْضَ الْمُبْطِلُوْنَ بِقَوْلهِمْ ... أَساطِيْرُهُمْ تُتْلَىْ عَلَيْهِ وَتُكْتَبُ
ولذلك لم يجعله الله تعالى شاعراً يقول الشعر وينشئه، مع أن الشعر من كمالات العرب، وهو من سلائق فصحائها لئلا يُقال: شاعر.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].
ومع ذلك قالوا: شاعر، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، وكان ذلك منهم مُكابرة وعناداً.
* فائِدَةٌ:
لم يثبت عن أحد من الأنبياء ﵈ أنه قال الشعر إلا ما رُوي عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: لما قتل قابيل هابيل، وآدم ﵇ بمكة اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وأَمَرَّ الماء، واغبرت الأرض، فقال آدم: قد حدث في الأرض حادث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل، فأنشأ آدم يقول: [من الوافر]
стр. 2508
تَغَيَّرَتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيْها ... وَوَجْهُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيْحُ
تَغَيَّرُ كُلُّ ذِيْ طَعْمِ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيْحُ
وَما لِي لا أَجُوْدُ بِسَكْبِ دَمْعِيْ ... وَهابِيْلٌ تَضَمَّنَهُ الضَّرِيْحُ
أَرَى طُوْلَ الْحَياةِ عَلَيَّ غَمًّا ... فَهَلْ أَنا مِنْ حَياتِي مُسْتَرِيْح (١)
فإن صحَّ هذا كان دليلاً على جواز الشعر في حق الأنبياء ﵈ إلا محمداً ﷺ ؛ فكان من خصائصه أن الشعر لا ينبغي له.
وذكر أَبو نصر القشيري في "تفسيره"، وغيره رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: كذب من قال: إن آدم قال شعراً، إنَّ محمداً والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قُتل هابيل رثاه آدم ﵉ بالسريانية، ثم توارثه الناس حتى وصل إلى يعرب بن قحطان (٢)، فعربه وجعله شعراً (٣).
стр. 2509
ثم رأيت المعافى بن زكريا أخرج في كتاب "الأنيس والجليس" عن أبي المودع أنه قال: أول من قال بيت شعر يعقوب ﵇ لما جاؤوا فأخبروه عن يوسف ﵇ بالذي أخبروه به، فقال: [من الطويل]
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ بِالَّذِي جِئْتُمُ بِهِ ... وَحَسْبِي إِلَهِي فِي الْمُهِمَّاتِ كافِيا
قال القاضي أَبو الفرج المعافى: وقد روي لنا أنَّ أول من قال الشعر آدم ﵇ حين قتل قابيل أخاه هابيل، وأنَّ إبليس - لعنه الله - أجاب آدم عن شعره ذلك، قال: وهي رواية معروفة، انتهى (١).
واعلم أنَّ الذي استقرَّ عليه الأمر في الشعر أنه لا يليق ذمه مطلقاً لأنه قد أُنشد بين يدي رسول الله ﷺ منه كثير، وكان ربما تمثل بالشعر، ولا يليق مدحه مطلقاً لأنه قد يَشْتمل على ما هو مذموم وقد يستجر صاحبه إلى الكذب والهَيَمان في واد.
وإنما القول السديد فيه ما قاله الشافعي ﵀، بل رواه الطبراني في "الأوسط" عن عبد الله بن عمرو ﵄، وأبو يعلى عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الشِّعْرِ بمْنزلَةِ الكَلاَمِ؛ فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الكَلام، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الكَلامِ" (٢).
стр. 2510
والمعنى أن الشعر لا يُكره لذاته، وإنما يُكره لمضمناته كما يحسن لمضمناته أيضاً.
ومن ثم قال المحققون من العلماء: قد يكون الشعر مستحباً:
وهو ما تضمن ذكر الله والثناء عليه، أو ذكر النبي ﷺ ومدحه أو مدح أصحابه، أو الانتصار للدين، أو التقرير لأحكامه والتقييد لشوارده.
فالأول: كقول لبيد: [من الطويل]
أَلا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ
ففي "الصحيح" عن النبي ﷺ : "إِنَّهَا أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شَاعِرٌ" (١).
والثاني: كقول العباس بن عبد المطلب ﵁ فيما أخرجه الحاكم وغيره عن خريم بن أويس ﵁ قال: سمعت العباس يقول لرسول الله ﷺ . يا رسول الله! إني أريد أن أمتدحك. قال "قُلْ لاَ يَفْضُضِ اللهُ فاكَ" فقال العباس ﵁: [من المنسرح]
مِنْ قَبْلِها طِبْتَ فِيْ الظِّلالِ وَفِي ... مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ
ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلادَ لا بَشَرٌ ... أَنْتَ وَلا مُضْغَةٌ وَلا عَلَقُ
стр. 2511
بَلْ نُطْفَة تَرْكَبُ السَّفِيْن وَقَدْ ... أَلْجمَ نَسْراً وَأَهْلَهُ الْغَرَقُ
وَرَدْتَ نارَ الْخَلِيْلِ مُكْتتماً ... تَجُولُ فِيها وَلَسْتَ تَحْتَرِقُ
تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إِلى رَحِمٍ ... إِذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
حَتَّى احتوى بيتَكَ المهيمنُ من ... خَنْدَقِ عُلْيا زانها النَّطَق
وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الـ ... أَرْضُ وَضاءَتْ بِنُوْرِكَ الأُفُقُ
فَنَحْنُ فِيْ ذَلِكَ الضِّياءِ وَفِي ... النُّوْرِ وَسُبْلِ الرَّشَادِ نحترقُ (١)
والثالث: كما كان يتمثل به ابن عباس من قول حسان ﵁، وقد تقدم: [من البسيط]
стр. 2512
إِذا تَذَكَّرْتَ شَجْواً مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخاكَ أَبا بَكْرٍ بِما فَعلا
الثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُوْدَ سِيْرَتُهُ ... وَأَوَّلَ النَّاس مَرْءاً صَدَّقَ الرُّسُلا
أَزْكَى الْبَرِيَّةِ أَوْلاها وَأَفْضَلَها ... إِلَّا النَّبِيَّ وَأَوْفاها بِما حَمَلا (١)
والرابع: كقول كعب بن مالك ﵁: [من الكامل]
جاءَتْ مُزَيْنَةُ (٢) كَيْ تُغالِبَ رَبَّها ... وَلَيُغْلَبَنَ مُغالِبُ الْغَلاَّبِ
روي أن رسول الله ﷺ قال لكعب حين قال ذلك: "لَقَدْ مَدَحَكَ اللهُ يَا كَعْبُ فِيْ قَوْلكَ هَذَا".
وفي رواية: "ذلك" (٣).
стр. 2513
قال ﷺ كما في الحديث الصحيح: "إِنَّ المُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَبِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ" (١).
وفي "الصحيح" أيضاً: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهْجُهُمْ - يعني: الكفار - وَجِبْرِيْلُ مَعَكَ" (٢).
وعندي أنَّ قول الشعر في هجاء الكفار حينئذٍ كان واجباً على حسان، وذلك صورة واضحة لأن الشعر قد يكون واجباً أيضاً.
وقد يكون الشعر مُباحاً: وهو ما خلا عمَّا تقدم ذكره، وعما يأتي في المكروه والمحرَّم كقول كعب بن زهير ﵁: [من البسيط]
بانَتْ سُعادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرها لَم يُفْدَ مَكْبُوْلُ
وَما سُعادُ غَداةَ الْبَيْنِ إِذْ رَحَلُوا ... إِلاَّ أَغنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُوْلُ (٣)
стр. 2514
وقد يكون محرماً: وهو ما اشتمل على غيبة مسلم غير معلن بفسق ولا متشكٍ من ظلمه، ولا مطلوب منه بيان حاله، أو على هجر مسلم، أو سخف، أو مجون يخل بالمروءة، أو قذف أو شتم لمعين، أو تحسين قبيح في الشرع كشرب الخمر والزنا واللواط، أو على كذب لغير مصلحة، أو على تشبيب بامرأة أجنبية أو زوجة معينة أو أمرد جميل، وما فيه استدعاء الشهوة إلى ما لا يحل له، أو على مدح ظالم أو الدعاء له؛ فإنَّ ذلك كله حرام.
ومن الورع أن لا نورد لهذا النوع مثالاً ولا نتلفظ به، ولعل معظم الأشعار التي يتعاطاها أهل هذه الأعصار لا تخلو من ذلك أو من شيء منه.
وكذلك لا يرغب المنسوب منهم إلى الفضل إلا في العلوم المتلاشية الداعية إلى المباهاة والمباراة والأغراض الفانية، فعلوم الدين قلَّ أو ذهب راغبوها، وعلوم الدنيا واللهو واللعب كثير بل غلب طالبوها.
ومما شاهدنا أن كتب الفقه والورع تدور بها السماسرة فلا يجدون لها طالباً، وكتب الشعر والهزل والغزل والتعمق في الإلحاد والزيغ لا تُعرض على أحد من غالب الناس إلا كان فيها راغباً، وقد قلت في المعنى: [من الخفيف]
كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيْثِ وَما لَمْ ... تَكُ وَفْقَ الْهَوى مِنَ الإِنْسانِ
стр. 2515
أَصْبَحَتْ فِي زَمانِنا لَيْسَ تُشْرَى ... بِسِوَى الْبَخْسِ أَوْ بِلا أَثْمانِ
لا تَرَى غَيْرَ زاهِد العلم فِيها ... إِن شَراها شَكَى مِنَ الْخُسرانِ
وَإِذا جِئْتَهُ بِدِيْوانِ شِعْرٍ ... مِنْ دَواوِيْنِ حِلْيَةِ الْعِصْيانِ
يَتَلَقَّاها بِالْقَبُوْلِ سَرِيْعاً ... بادِراً قَطْعَ عُقْدَةِ الْهِمْيانِ
لمَ يَرُجْ عِنْدَهُ سِوَى اللَّهْوِ سُوقاً ... لَيْسَ هَذا إِلاَّ مِنْ الْخُذْلانِ
١٠٨ - ومن خصال الأنبياء ﵈: الشكر .
وهو أعم أعمالهم لأنه شامل لسائر الأخلاق والأعمال؛ فإن معناه يرجع إلى الطاعة - سواء كانت باللسان أو بالجوارح أو بالقلب - فهو شامل للذكر، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، وكل قول في خير، وشامل للصلاة والصدقة والصوم، وكل عمل صالح، والصدق، والإخلاص وحسن النية، وعدم رؤية النفس وتزكيتها، وكل قصد صالح.
стр. 2516
قال الله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢١ - ١٢٣]؛ أي: المذكورة من التوحيد والقنوت والإخلاص والشكر.
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن سلام ﵁: أنَّ موسى ﵇ قال: يا رب! ما الشكر الذي ينبغي لك؟
قال: يا موسى! لا يزال لسانك رطبا من ذكري (١).
ورواه ابن أبي شيبة وزاد فيه: قال: يا رب! إني أكون على حال أُجلك أن أذكرك من الجنابة والغائط وإراقة الماء وعلى غير وضوء؟
قال: بلى.
قال: كيف أقول؟
стр. 2517
قال: قل: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت فاجنبني الأذى، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت فقني الأذى (١).
وصحح الحاكم عن سلمان الفارسي ﵁ قال: كان نوح ﵇ إذا أكل طعاماً أو لبس ثوباً حمد الله، فسمي عبداً شكوراً (٢).
وروى ابن المبارك عن مجاهد قال عن نوحٍ ﵇: لم يأكل شيئاً قط إلا حمد الله عليه، ولم يشرب شراباً قط إلا حمد الله عليه، ولم يمش مشياً قط إلا حمد الله عليه، ولم يبطش بشيء قط إلا حمد الله عليه، فأثنى الله عليه أنه كان عبداً شكوراً (٣).
وروى هو، وعبد الله ابن الإمام أحمد عن محمد بن كعب القرظي ﵀ قال: إنَّ نوحاً ﵇ كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسمَّاه الله عبداً شكوراً (٤).
وروى الديلمي عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "نُوْحٌ كَبِيْرُ الأَنْبِياءِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ خَلائِهِ قَطُّ إِلا قالَ: الحَمْدُ للهِ الذِي أَذاقَنِي طَعْمَهُ، وَأَبْقَى مَنْفَعَتَهُ فِي جَسَدِي، وَأَخْرَجَ مِنِّي أَذاه" (٥).
стр. 2518
وروى ابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا نُفِخَ فِيْ آدَمَ الرُّوْحُ مَارت وَطارَت، وَصارَت فِي رَأْسِهِ، [فعطس] فَقالَ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِيْنَ، فَقالَ اللهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التهجد" عن مسعر ﵀ قال: لمَّا قيل لهم؛ أي: لآل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] لم يأت عليهم ساعة إلا ومنهم مُصلٍّ (٢).
وروى الشيخان عن المغيرة ﵁ قال: قام النبي حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: "أَفَلا أَكُوْنُ عَبْدًا شَكُوْرًا" (٣).
وروى الحكيم الترمذي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ مُوْسَى ﵇: يَا رَبِّ! كَيْفَ شَكَرَكَ آدَمُ؟ قالَ: عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي فَذَلِكَ شُكْرُهُ" (٤)؛ أي: علم أن ذلك الشكر مني وبتوفيقي.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن المغيرة، عن عقبة قال: قال
стр. 2519
داود ﵇: يا رب! هل يأتِ أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً لك مني؟
فأوحى الله إليه نعم: الضفدع.
قال: وأنزل الله تعالى عليه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبا: ١٣] قال: يا رب! كيف أطيق شكرك وأنت الذي تُنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر، ثم تزيدني نعمة بعد نعمة، فالنعم منك يا رب والشكر منك، وكيف أطيق شكرك؟
قال: الآن عرفتني يا داود حقَّ معرفتي (١).
وعن أبي الجلد ﵀ قال: قال موسى ﵇: إلهي! كيف شكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يُجاريها عملي كله؟
قال: فأوحى الله إليه أن يا موسى! الآن شكرتني (٢).
وعنه أيضاً: أن داود ﵇ قال في مسألته: إلهي! كيف بي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟
فأوحى الله إليه: يا داود! ألست تعلم أنَّ الذي بك من النعمة مني؟
стр. 2520
قال: بلى أي رب.
قال: فإني أرضى بذلك منك شكراً (١).
وروى ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه ﵀ قال: قال داود ﵇: يا رب! ابن آدم ليس له شعرة إلا تحتها منك نعمة، وفوقها منك نعمة، فمن أين يُكافئك بما أعطيته؟
قال: فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! إني أُعطي الكثير وأرضى باليسير، وأداء شكر ذلك لي أن يعلم أنَّ ما به من نعمة مني (٢).
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث ﵀ قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود! أحبني، وأحب عبادي، وحببني إلى عبادي.
قال: يا رب! هذا أحبك وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم؛ فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن (٣).
وروى ابنه عن سعيد بن عبد العزيز، أو عن غيره قال: كان من دعاء داود ﵇: سبحان مستخرج الشكر بالعطاء، ومستخرج الدعاء بالبلاء (٤).
стр. 2521
١٠٩ - ومن خصال الأنبياء ﵈: الصبر بأقسامه الثلاثة .
- الصبر على طاعة الله تعالى: وهذا الصبر مشروط في كل طاعة وخلق حسن، ولذلك أخرت الصبر إلى هنا.
- القسم الثاني: الصبر عن معصية الله تعالى.
- والقسم الثالث: الصبر على بلاء الله تعالى.
ويشمل الأقسام الثلاثة قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ [الأنعام: ٣٤].
وقال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣].
وقال تعالى في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
وروى الحكيم الترمذي عن ابن أبزي ﵀، عن النبي ﷺ (١) قال: "كانَ أَيُّوْبُ ﵇ أَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَصْبَرَ النَّاسِ، وَأَكْظَمَهُمْ لِلغَيْظِ" (٢).
وروى أَبو نعيم عن يزيد بن ميسرة - قال: لما ابتلى الله تعالى
стр. 2522
أيوب ﵇ بذهاب المال والأهل والولد، فلم يبقَ له شيء، أحْسَنَ الذكر والحمد لله رب العالمين، ثم قال: أحمدك رب الأرباب الذي أحسنت إليَّ، أعطيتني المال والولد فلم يبقَ شعبةٌ من قلبي إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله وفرَّغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، فمن ذا يُعطيه المال والولد فلا يشغله حب المال والولد عن ذكرك؛ لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت إليَّ حسدني.
قال: فلقي إبليس من هذه شيئا منكراً (١).
وعن عوسجة العقيلي ﵀ قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم ﵉: يا عيسى بن مريم! أنزلني من نفسك كَهَمِّك، واجعلني ذخراً لك في معادك، وتقرب إليَّ بالنوافل أُدْنِكَ، وتوكل عليَّ أَكْفِكَ، ولا تولِّ غيري فأخذلك، واصبر على بلائي، وارض بالقضاء وكن كمسرتي فيك؛ فإنَّ مسرَّتي فيك أن أُطاع فلا أُعصى، وكُن مني قريباً، وأَحْيِ لي ذكراً بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك تيقظ لي من ساعات الغفلة، وأحكم لي لطف الفطنة، وكُن لي راغباً وراهباً، وأَمِتْ قلبك بالخشية لي، وراعِ الليل بتحزي مسرتي، وأظمئ لي نهارك لليوم الذي عندي، نافس في الخيرات جهدك، ولتعرف بالخير أينما توجهت، واحكم في عبادي بالنصيحة، وأقم في الخلائق بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاءً من وساوس الصدور، ومن مرض الشيطان، وجلاءً للأبصار ومن عشا الكلال، ولاتكُ كأنك
стр. 2523
حِلْسٌ مقبور وأنت حي تتنفس.
يا عيسى بن مريم! حقاً أقول: ما آمنت فيَّ خليقة إلا خشعت، ولا تخشعت إلا رجت نوالي، وأُشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تبدل أو تغير سُنني.
يا عيسى بن مريم ابن البكر البتول! ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من قد ودع الأهل وقَلا الدنيا وترك اللذات لأهلها من بعده، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن على ذلك تُلين الكلام وتُفشي السلام، وكُن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذراً لما هو آت من أمر المعاد وزلازل الأهوال حيث لا ينفع مال ولا ولد ولا أهل، وأكحل عينك بملمول الحزن إذا ضحك البطَّالون، وابكِ بكاء من قد علم أنه مودع العلم النازل من عند الله الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، فطُوبى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين، فَرُحْ من الدنيا بالله فيوما، وذق مذاقة ما قد هرب منك أين طعمه، وما لم يأتك كيف لذته.
حقاً ما أقول لك: ما أنت إلا بساعتك ويومك فرح ما أخذت وكيف أرتعت، فاعمل على حساب فإنك مسؤول.
لو رأت عيناك ما أعددت لعبادي الصالحين لذاب قلبك وزهقت نفسك اشتياقاً إليه (١).
ومن أحسن ما قيل في الصبر قول الحسين بن الحسن الصوفي
стр. 2524
التكريتي: [من الطويل]
تَبارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ... وَشُكْراً عَلى ما قَدْ قَضاهُ وَما حَكَمْ
إِذا كانَ رَبِّيْ عالِما بِسَرِيْرَتِي ... وَكُنْتُ بَرِيْئاً عِنْدَهُ غَيْرَ مُتَّهَمْ
فَقُلْ لِظَلُوْمٍ ساءَنِيْ سُوْءُ فِعْلِهِ ... سَيَنْتَصِفُ الْمَظْلُوْمُ مِنْ كُلِّ مَنْ ظَلَمْ
فَيا نَفْسُ لِي فِي يُوْسُفٍ خَيْرُ أُسْوَةٍ ... فَصَبْراً فَإِنَّ الصَّبْرَ خَيْرٌ مِنَ النَّدَمْ
* تَنْبِيْهٌ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب قال: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك طريق أو سبيل أهل البلاء فطب نفساً؛ فقد سلك بك طريق الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك طريق أهل الرخاء فقد خُولف بك طريق الأنبياء والصالحين (١).
وفي الحديث الصحيح: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأَمْثَل"، وقد سبق (٢).