١٠٩ - ومن خصال الأنبياء ﵈: الصبر بأقسامه الثلاثة .
- الصبر على طاعة الله تعالى: وهذا الصبر مشروط في كل طاعة وخلق حسن، ولذلك أخرت الصبر إلى هنا.
- القسم الثاني: الصبر عن معصية الله تعالى.
- والقسم الثالث: الصبر على بلاء الله تعالى.
ويشمل الأقسام الثلاثة قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ [الأنعام: ٣٤].
وقال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣].
وقال تعالى في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
وروى الحكيم الترمذي عن ابن أبزي ﵀، عن النبي ﷺ (١) قال: "كانَ أَيُّوْبُ ﵇ أَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَصْبَرَ النَّاسِ، وَأَكْظَمَهُمْ لِلغَيْظِ" (٢).
وروى أَبو نعيم عن يزيد بن ميسرة - قال: لما ابتلى الله تعالى
стр. 2522
أيوب ﵇ بذهاب المال والأهل والولد، فلم يبقَ له شيء، أحْسَنَ الذكر والحمد لله رب العالمين، ثم قال: أحمدك رب الأرباب الذي أحسنت إليَّ، أعطيتني المال والولد فلم يبقَ شعبةٌ من قلبي إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله وفرَّغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، فمن ذا يُعطيه المال والولد فلا يشغله حب المال والولد عن ذكرك؛ لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت إليَّ حسدني.
قال: فلقي إبليس من هذه شيئا منكراً (١).
وعن عوسجة العقيلي ﵀ قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم ﵉: يا عيسى بن مريم! أنزلني من نفسك كَهَمِّك، واجعلني ذخراً لك في معادك، وتقرب إليَّ بالنوافل أُدْنِكَ، وتوكل عليَّ أَكْفِكَ، ولا تولِّ غيري فأخذلك، واصبر على بلائي، وارض بالقضاء وكن كمسرتي فيك؛ فإنَّ مسرَّتي فيك أن أُطاع فلا أُعصى، وكُن مني قريباً، وأَحْيِ لي ذكراً بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك تيقظ لي من ساعات الغفلة، وأحكم لي لطف الفطنة، وكُن لي راغباً وراهباً، وأَمِتْ قلبك بالخشية لي، وراعِ الليل بتحزي مسرتي، وأظمئ لي نهارك لليوم الذي عندي، نافس في الخيرات جهدك، ولتعرف بالخير أينما توجهت، واحكم في عبادي بالنصيحة، وأقم في الخلائق بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاءً من وساوس الصدور، ومن مرض الشيطان، وجلاءً للأبصار ومن عشا الكلال، ولاتكُ كأنك
стр. 2523
حِلْسٌ مقبور وأنت حي تتنفس.
يا عيسى بن مريم! حقاً أقول: ما آمنت فيَّ خليقة إلا خشعت، ولا تخشعت إلا رجت نوالي، وأُشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تبدل أو تغير سُنني.
يا عيسى بن مريم ابن البكر البتول! ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من قد ودع الأهل وقَلا الدنيا وترك اللذات لأهلها من بعده، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن على ذلك تُلين الكلام وتُفشي السلام، وكُن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذراً لما هو آت من أمر المعاد وزلازل الأهوال حيث لا ينفع مال ولا ولد ولا أهل، وأكحل عينك بملمول الحزن إذا ضحك البطَّالون، وابكِ بكاء من قد علم أنه مودع العلم النازل من عند الله الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، فطُوبى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين، فَرُحْ من الدنيا بالله فيوما، وذق مذاقة ما قد هرب منك أين طعمه، وما لم يأتك كيف لذته.
حقاً ما أقول لك: ما أنت إلا بساعتك ويومك فرح ما أخذت وكيف أرتعت، فاعمل على حساب فإنك مسؤول.
لو رأت عيناك ما أعددت لعبادي الصالحين لذاب قلبك وزهقت نفسك اشتياقاً إليه (١).
ومن أحسن ما قيل في الصبر قول الحسين بن الحسن الصوفي
стр. 2524
التكريتي: [من الطويل]
تَبارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ... وَشُكْراً عَلى ما قَدْ قَضاهُ وَما حَكَمْ
إِذا كانَ رَبِّيْ عالِما بِسَرِيْرَتِي ... وَكُنْتُ بَرِيْئاً عِنْدَهُ غَيْرَ مُتَّهَمْ
فَقُلْ لِظَلُوْمٍ ساءَنِيْ سُوْءُ فِعْلِهِ ... سَيَنْتَصِفُ الْمَظْلُوْمُ مِنْ كُلِّ مَنْ ظَلَمْ
فَيا نَفْسُ لِي فِي يُوْسُفٍ خَيْرُ أُسْوَةٍ ... فَصَبْراً فَإِنَّ الصَّبْرَ خَيْرٌ مِنَ النَّدَمْ
* تَنْبِيْهٌ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب قال: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك طريق أو سبيل أهل البلاء فطب نفساً؛ فقد سلك بك طريق الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك طريق أهل الرخاء فقد خُولف بك طريق الأنبياء والصالحين (١).
وفي الحديث الصحيح: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأَمْثَل"، وقد سبق (٢).
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٩٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١].
وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال تعالى حكاية عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].
إلى غير ذلك من أدعية الأنبياء التي اشتمل عليها القرآن العظيم.
وروى ابن المنذر عن ابن عباس ﵄، وابن جرير عن قتادة ومجاهد والحسن ﵏: أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]: هي قوله ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] (١).
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية قال:
стр. 2527
الكلمات التي تلقاها آدم ﵇ من ربه: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فتُبْ عليَّ إنك أنت التواب الرحيم (١).
ونحوه عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى (٢).
وروى البيهقي عن أنس ﵁: أن الكلمات التي تلقاها آدم هي: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمتُ نفسي فاغفر لي؛ إنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت (٣).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن سلمان ﵁ قال: لمَّا خلق الله تعالى آدم ﵇ قال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك؛ فأما التي لي: تعبدني ولا تُشرك بي شيئاً.
وأما التي لك: فما عملت من شيء جزيتك لك وأنا أغفر وأنا غفورٌ رحيم.
وأما التي بينك وبيني: فمنك المسألة والدعاء، وعليَّ الإجابة والعطاء (٤).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن عائشة ﵂، عن
وروى أَبو نعيم عن كعب ﵀: أن جبريل أتى آدم ﵉ فقال: إنَّ الله تعالى يقول لك: إنه ولدك عن أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني.
قال آدم: فما أقول يا روح القدس؟
قال: قل: اللهم اكفني مؤنة الدنيا وأهوال يوم القيامة، وأدخلني الجنة التي قدرت على الخروج منها.
فقالها آدم، فقال جبريل: وجبت.
ثم قال: قل يا آدم.
قال: ما أقول يا روح القدس؟
قال: قل: اللهم ألبسني العافية حتى تُهنئني المعيشة.
فقالها آدم، فقال جبريل: وجبت.
ثم قال: قل يا آدم.
قال: ما أقول يا روح القدس؟
قال: قل: اللهم اختم لنا بالمغفرة حتى لا تضرنا الذنوب.
فقالها آدم، فقال جبريل: وجبت (١).
وروى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما سَبَّحْتُ وَلاَ سَبَّحَتِ الأَنْبِياءُ قَبْلِي بِأَفْضَلَ مِن: سُبْحانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ" (٢).
стр. 2530
وإنما أدخلنا هذه الكلمات في أدعية الأنبياء من حيث إنها ثناء وفيه تعرض لمراده كما قيل في الحديث: "أَفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ للهِ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر" عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ لِصَلاَة مَكْتُوْبَةٍ فَأَسْبَغَ الوُضُوْءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بابِ دارِهِ وَهُوَ يُرِيْدُ المَسْجِدَ، فَقالَ: بسمِ اللهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] هَداهُ اللهُ لِلصَّواب.
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ طَعامِ الجَنَّةِ، وَسَقاهُ مِنْ شَرابِ الجَنَّةِ.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] جَعَلَ اللهُ مَرَضَهُ كَفَّارَةً لِذُنُوْبِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهُ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] أَمَاتَهُ اللهُ مَوْتَةَ الشُّهَدَاءِ، وَأَحْيَاهُ حَياةَ السُّعَداءِ.
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] غَفَرَ اللهُ لَهُ خَطَاياهُ كُلَّهَا وَإِنْ كانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] ألْحَقَهُ اللهُ بِصَالِحِ مِنْ مَضَى وَمَنْ بَقِيَ.
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] جَعَلَ اللهُ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِيْنَ، وَكتَبَ فِي وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ: إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ مِنَ
стр. 2531
الصَّادِقِيْنَ، ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ وَالصَّوابِ.
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] أَعْطَاهُ اللهُ القُصُورَ وَالمَنازِلَ فِي الجَنَّةِ" (١).
وهذه الكلمات المذكورة في الحديث محكية في كتاب الله تعالى عن إبراهيم ﵊.
وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن الحسن قال: قال سمرة بن جندبِ ﵁: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ مراراً، ومن أبي بكر ﵁ مراراً، ومن عمر ﵁ مراراً؟ قلت: بلى، قال: "مَنْ قالَ إِذا أَصْبَحَ وَإِذا أَمْسَى: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنْتَ تَهْدِيْنِي، وَأَنْتَ تُطْعِمُنِي وَأَنْتَ تَسْقِيْنْي، وَأَنْتَ تُمِيْتُنِي وَأَنْتَ تُحْييْنِي، لَمْ يَسْأَلِ اللهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
قال: فلقيت عبد الله بن سلام فقلت: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ مراراً، ومن أبي بكر ﵁ مراراً، ومن عمر ﵁ مراراً؟ قال: بلى، قال: فحدثته بهذا الحديث، فقال ﵁: بأبي وأمي رسول الله ﷺ ، هؤلاء الكلمات كان الله تعالى قد أعطاهنَّ موسى ﵇، فكان يدعو بهنَّ كل يوم سبع مرات، فلا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه (٢).
стр. 2532
وروى البيهقي في "الشعب" عن عتبة بن الوليد قال: حدثني بعض الرهابين قال: سمع جبريل إبراهيم ﵉ وهو يقول: يا كريم العفو، فقال له جبريل: وتدري ما كريم العفو؟ قال: لا يا جبريل، قال: أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة (١).
وقرأت ما نصه: دعاء سيدنا الخليل إبراهيم أبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم هذا خلق جديد فافتحه لي بطاعتك، واختمه لي بمغفرتك ورضوانك، وارزقني فيه حسنةً اقبلها مني وزكِّها وضَعِّفها، وما عملت فيه من سيئةٍ فاغفرها لي فإنك غفورٌ ودود.
قال: مَنْ دعا به فقد أدى شكر يومه (٢).
وروى الطبراني بسند جيد، عن معاذ بن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ! قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللهُ إِبَرَاهِيْمَ خَلَيْلَهُ: الَّذِي وَفَّى؟ لأَنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] " حتى ختم الآية (٣).
وروى ابن أبي شيبة عن عمار ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان يعوذ الحسين والحسن ﵄ بهذه الكلمات: "أُعِيْذُكُما بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ
стр. 2533
شَرِّ كُلِّ شَيْطان وَهامَّة، وَشَرِّ كُلِّ عِيْنٍ لامَّةٍ".
قال: "وَكاَنَ إِبْرَاهِيْمُ يَعَوِّذُ بِهِما إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ﵈" (١).
وروى أَبو الشيخ عن مجاهد ﵀ قال: لمَّا ركب نوح في السفينة فجرت به خاف، فجعل يُنادي: إلاها أتقن؟ قال: يا الله أحسن (٢).
وروى ابن جرير عن الضحاك ﵀ قال: كان إذا أراد أن ترسي قال: بسم الله فأرسَتْ، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت (٣).
وروى أَبو يعلى، والطبراني، وابن السني، وغيرهم عن الحسين ابن علي ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "أَمَانٌ لأُمَّتِي مِنَ الغَرَقِ إِذَا رَكِبُوا الفُلْكَ أَن يَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ المَلِكِ الرَّحْمَنِ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] " (٤).
وروى أَبو الشيخ في كتاب "العظمة" عن عتبة بن الوليد: أن إبراهيم ﵇ قال يوماً: يا كريم العفو، فقال له جبريل: تدري ما تفسير
стр. 2534
كريم العفو؟ هو إن عفا عن السيئات برحمته، ثم أبدلها حسنات بكرمه (١)
وفي بعض ذلك قدوة بنوح ﵊.
وروى ابن مردويه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا أُلقِيَ يُوْسُفُ فِيْ الجُبِّ أَتاهُ جِبْرِيْلُ ﵉ فَقالَ لَهُ: يا غُلامُ! مَنْ أَلْقاكَ فِي الجُبِّ؟
قالَ: إِخْوَتِي.
قالَ: وَلِمَ؟
قالَ: لِمَوَدَّةِ أَبِي إِيَّايَ حَسَدُوْنِي.
قالَ: تُرِيْدُ الخُرُوْجَ مِنْ هَاهُنَا؟
قالَ: ذاكَ إِلَى إِلَهِ يَعْقُوْب.
قالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِني أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ، يا بَدِيْعَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ، يا ذا الجَلالِ وَالإِكْرامِ أَن تَغْفِر لِي وَتَرْحَمَنِي، وَأَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَأَنْ تَرْزُقَنْي مِنْ حَيْثُ لاَ أَحْتَسِبُ.
فَقالَها، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَرَزَقَه مُلْكَ مِصْرَ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
فقال النبي ﷺ : "أَلِظُّوا بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ؟ فَإِنَّهُنَّ دُعاءُ المُصْطَفَيْنَ وَالأَخْيَارِ" (٢).
стр. 2535
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الفرج" عن يحيى بن سليم: أنه بلغه أنَّ ملك الموت ﵇ استأذن ربه أن يسلم على يعقوب ﵇، فأذن له، فأتاه فسلَّم عليه فقال له: بالذي خلقك هل قبضت روح يوسف ﵇؟
قال: لا.
ثم قال: أفلا أعلمك كلمات لا تسأل الله بها شيئاً إلا أعطاك؟
قال: بلى.
قال: فقل: يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يُحصيه غيره.
قال: فما طلع الفجر حتى أتي بقميص يوسف ﵇ (١).
وعن إبراهيم بن خلاد قال: نزل جبريل على يعقوب ﵉، فسلَّم عليه، فشكى إليه ما هو فيه، فقال له جبريل: ألا أعلمك دعاء إذا أنت دعوتَ به فرَّج الله عنك؟
قال: بلى.
قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، ويا من لا يبلغ كُنه قدرته غيره! فرج عني.
قال: فأتاه البشير (٢).
وعن مدلج، عن عبد العزيز، عن شيخ من قريش: أن جبريل
стр. 2536
عليه السلام هبط على يعقوب ﵇ فقال: يا يعقوب! تملق إلى ربك؟
فقال: يا جبريل! كيف أقول؟
قال: قُل: يا كثير الخير، يا دائم المعروف.
فأوحى الله إليه: لقد دعوتني بدعاء لو كان ابناك ميتين لنشرتهما لك (١).
وعن أبي سعيد مؤذن الطائف: أنَّ جبريل أتى يوسف ﵉ فقال: يا يوسف! اشتدَّ عليك الحبس؟
قال: نعم.
قال: [قل]: اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وأكربني من أمر دنياي وآخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر في ذنبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عن من سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك (٢).
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وقال: عن أبي عبد الله مؤذن الطائف (٣).
وروى ابن أبي الدنيا في "الفرج" - أيضا - عن بعضهم: أنَّ جبريل
стр. 2537
عليه السلام حين دخل على يوسف السجن قال له: قل: اللهم يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب! اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب (١).
وروى ابن أبي شيبة والطبراني في "الدعاء" عن زيد العَمَّي ﵀ قال: لمَّا رأى يوسف ﵇ عزيز مصر قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بقوتك من شره.
وفي رواية ابن المنذر: وأعوذ بعزتك من شره (٢).
وروى الطبراني في "الدعاء" عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم رحمه الله تعالى قال: بلغني أن يوسف ﵇ حين دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره، وشر غيره، فأعطاه الله من الذي أعطاه (٣).
وروى أَبو نعيم في "الحلية" عن وهب قال: لما دعي يوسف ﵇ إلى الملك، وقف بالباب فقال: حسبي ديني من دنياي، وحسبي ربي من خلقه، عزَّ جاره، وجلَّ ثناؤه، ولا إله غيره، ثم دخل، فلما أن نظر إليه الملك نزل عن سريره، وخرَّ له ساجداً، ثم أقعده معه على السرير، فقال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، قال
стр. 2538
يوسف ﵇: اجعلني على خزائن الأرض وإني حفيظ لهذه السنين وما استودعته، عليم بلغة من يأتيني (١)
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي المليح ﵀ قال: كان من دعاء يوسف ﵇: اللهم إن كان خَلقَ وجهي عندك فإني أتقربُ إليك بوجه يعقوب أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً ويُسراً، وترزقني من حيث لا أحتسب (٢).
ومن هذا الباب - أعني: التوسل بصالحي الأسلاف - قول بعضهم: [من مجزوء الرجز]
لِي سادَةٌ مِنْ عِزِّهِمْ ... أَقْدامُهُمْ فَوْقَ الْجِباه
إِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْهُم فَلِي ... فِيْ حُبِّهِمْ عِزٌّ وَجاه
وروى أَبو الشيخ عن عائشة ﵂ قالت: ما تِيْبَ على ولد يعقوب ﵈ إلا بعد عشرين سنة، وكان أبوهم بين أيديهم فما تِيْبَ عليهم حتى نزل جبريل ﵇ فعلمه بهذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تقطع رجاءنا، يا غياث المؤمنين أغثنا، يا مانع المؤمنين امنعنا، يا محب التوابين تُب علينا.
قال: فأخَّره إلى السحر فدعا به، فتِيْبَ عليهم (٣).
стр. 2539
وروى ابن أبي حاتم عن الليث بن سعد ﵀ قال: أقاموا عشرين سنة يطلبون فيما عمل إخوة يوسف بيوسف لا تُقبل منهم حتى أتى جبريل يعقوب، فعلمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تخيب رجائي، ويا غوث المؤمنين أغثني، ويا عون المؤمنين أعني، يا حبيب التوابين تُبْ علي، فاستجيب لهم (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن ﵀ قال: كان أيوب ﵇ كلَّما أصابته مصيبة قال: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت، مهما تبق نفسي أحمدك على حسن بلائك (٢).
وقد حكى الله عنه أنه قال في دعائه: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وقد روى الحاكم في "مستدركه" عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ للهِ مَلَكًا مُوكَّلاً بِمَنَ يَقُوْلُ: يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين، فَمَنْ قالَهَا ثَلاثًا قالَ لَهُ المَلَكُ: إِنَّ أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ قَدْ أقْبَلَ عَلَيْكَ فَقُلْ حاجَتَكَ" (٣).
ولهذا الاسم خاصية في دفع البلاء إذا استحكم وضاق الأمر وعَظُمَ الخطيب، ألا ترى كيف أُلْهِمَهُ سيدنا أيوب ﵇ وهو في
стр. 2540
مثل هذه الحالة، فليس للمضطر في استحكام البلاء أنفع منه.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، أنه لمَّا مسَّه الضر أنساه الله الدعاء أن يدعوه، فيكشف ما به من الضر غير أنه كان يذكر الله كثيراً، فلا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيقان، فلما انتهى الأجل وقضى الله أنه كاشف ما به من ضُر أَذِنَ له في الدعاء ويسره له، وكان قبل ذلك يقول ﵎: لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني ثم لا أستجيب له، فلما استجاب له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين رد الله أهله ومثلهم معهم، وأثنى عليه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] (١).
وروى الطبراني في "الأوسط"، و"الصغير"، والخرائطي في "كتاب الشكر" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أَلا أُعْلِّمُكَ الكَلماتِ التَي تَكَلمَ بِها مُوسَى ﵇ حِيْنَ جاوَزَ البَحْرَ بِبَنِي إِسْرائِيْلَ؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "قُوْلُوا: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ وَإِلَيْكَ المُشْتكى وَأَنْتَ المُسْتَعانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللِه العلِيِّ العَظِيمِ".
قال عبد الله: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ .
قال شقيق: فما تركتهن منذ سمعتهن من عبد الله.
стр. 2541
قال الأعمش: فما تركتهن منذ سمعتهن من شقيق.
قال الأعمش: فأتاني آتٍ في منامي فقال في: يا سليمان! زد في هذه الكلمات: ونستعينك على فسادٍ فينا، ونسألك صلاح أمرنا كله (١).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ قال: لمَّا بعث الله موسى ﵇ إلى فرعون قال: يا رب! أي شيء أقول؟
قال: قل: هيا شرا هيا.
قال الأعمش: تفسير ذلك: الحي قبل كل حي، والحي بعد كل شيء (٢).
وعن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من قال إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم أنت خلقتني، وأنت تهديني، وأنت تطعمني، وأنت تسقيني، وتميتني وتحييني، لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه". قال: فحدثت به عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه فقال: هؤلاء الكلمات أعطاهن الله موسى بن عمران ﵇، كان يدعو بهن في كل يوم سبع مرات (٣).
стр. 2542
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى: أن موسى ﵇ كان يقول في دعائه: اللهم لين قلبي بالتوبة، ولا تجعل قلبي قاسياً كالحجر (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يحيى بن سليم الطائفي، عن من ذكره قال: طلب موسى ﵇ من ربه حاجة، فأبطأت عليه وأكدت فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه.
قال: يا رب! أنا أطلب منك حاجتي كذا وكذا أعطيتها الآن؟ قال: فأوحى الله إليه يا موسى! أما علمت أنَّ قولك: ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج (٢).
وروى النسائي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن أبي
سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ مُوْسَى ﵇
يا رَبِّ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدَعُوْكَ بِهِ.
قالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ.
قالَ: يا رَبِّ! كُل عِبادِكَ يَقُوْلُ هذَا.
قالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
قالَ: إِنَّما أُريدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ.
قالَ: يا مُوْسَى! لَوْ أَنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِيْنَ السَّبع فِي
стр. 2543
كِفَّةٍ، وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ مَالَت بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" (١).
وروى ابن أبي شيبة عن كعب ﵀ قال: قال موسى ﵇: يا رب! دلني على عمل إذا عملته كان شُكراً لك فيما اصطنعت إلي.
قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله، أو قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قال: فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به قال: فقال له: يا موسى! لو أنَّ السماوات السبع والأرضين السبع وُضعت في كفة، ووُضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن (٢).
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكْثَرُ دُعائِي وَدُعاءِ الأَنْبِياءِ مِن قَبْلِي بِعَرَفَةَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوْرًا وَفِي سَمْعِي نُوْرًا وَفِي بَصَرِي نُوْرًا، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيْ أَمْرِي، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ وَسْواسِ الصُّدُوْرِ وَشَتاتِ الأَمْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما يَلِجُ فِي اللَّيْلِ، وَشَرِّ ما يَلِجُ فِي النَّهارِ، وَشَرِّ ما
стр. 2544
تَهُبُّ بِهِ الرِّياحُ" (١).
وروى أَبو بكر بن مردويه، وأبو بكر الخطيب، وأبو القاسم ابن عساكر عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ بإزاء ثبير وهو يقول: "أَشْرِقْ ثُبَيْرُ، أَشْرِقْ ثُبَيْرُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِما سَأَلَكَ أَخِي مُوْسَى أَنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وَأَنْ تُيَسِّرَ لِي أَمْرِي، وَأَنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يفْقَهْ قَولِي، فَاجْعَلْ لِي وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِي، عَلِيًّا اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيْرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيْرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيْرًا" (٢).
وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" عن الضحاك ﵀ قال: كان دعاء موسى ﵇ حين توجه إلى فرعون، ودعاء رسول الله ﷺ يوم حنين، ودعاء كل مكروب: كنت وتكون، وأنت حي لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم (٣).
وروى الترمذي، والنسائي، وغيرهما، وصححه الحاكم، عن
стр. 2545
سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دَعْوَةُ ذِيْ النُّوْنِ ﵇ إِذْ دَعا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوْتِ: لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ" (١).
ورواه الحاكم أيضاً، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْم اللهِ الأَعْظم الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أَعْطى، وَإِذا دُعِيَ بِهِ أَجابَ؟ الدَّعْوَةُ الَّتِي دَعا بِها يُوْنُسٌ حَيْثُ نَادَى فِي الظُّلُماتِ الثلاثِ: لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ".
فقال رجل: يا رسول الله! هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟
فقال رسول الله ﷺ : "أَلا تَسْمَعُ إِلَىْ قَوْلهِ : ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبباء: ٨٨] " (٢).
وفي لفط له: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ؟ دُعَاءُ يُوْنُسَ: لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ، فَأَيُّ مُسْلِمٍ دَعا بِها فِيْ مَرَضِهِ أَرْبَعِيْنَ مَرَّةً، فَماتَ فِيْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيْدٍ، وَإِنَ بَرَأَ بَرَأَ مَغْفُوْرًا لَهُ" (٣).
стр. 2546
وروى بن مردويه في "تفسيره"، والديلمي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "هذه الآية مفزع الأنبياء ﵈، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، نادى بها يونس ﵇ في ظلمة بطن الحوت" (١).
وروى الترمذي وحسنه واللفظ له، والحاكم في "صحيحه" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كانَ مِنْ دُعاءِ داوُدَ ﵇: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِيَ وَأَهْلِيَ وَمِنَ المَاءِ البارِدِ".
قال: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود يحدث عنه قال: "كانَ أَعْبَدَ البَشَرِ" (٢).
وروى الطبراني عن صهيب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَسْتَ إِلَهاً اسْتَحْدَثْناهُ، وَلا بِرَبٍّ ابْتَدَعْناهُ، وَلاَ كانَ لَنا قَبْلَكَ من إِلَهٍ نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَنَذَرُكَ، وَلا أَعانكَ عَلَى خَلْقِنَا أَحَدٌ فَنُشْرِكَهُ فِيْكَ تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ".
قال كعب: وهكذا كان نبي الله داود ﵇ يدعو (٣).
стр. 2547
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير ﵀: أنَّ داود ﵇ كان يقول بعد فتنته: اللهم ما كتبت في هذا اليوم من فتنة فخلِّصني منها، ثلاث مرات، وما أنزلت من خير فآتني منه نصيباً ثلاث مرات، وإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم يَر بعد ذلك مكروهاً (١).
وروى والده عن عمر بن عبد الرحمن بن دربه قال: بلغني أنه كان من دعاء داود ﵇: إلهي لا تُفقرني فأنسى، ولا تغنني فأطغى (٢).
وعن علي الأزدي ﵀ قال: كان داود ﵇ يقول: اللهم إني أعوذ بك من غنىً يُطغي، وفقرٍ يُنسِي، وهوىً يردي، وعملٍ يخزي (٣).
وروى العسكري في "المواعظ" عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: قال موسى ﵇: يا رب! لا مرض يُضنيني، ولا صحة تنسيني، ولكن بين ذلك (٤).
стр. 2548
وروى ابن أبي شيبة عن كعب رحمه الله تعالى: أنه كان إذا أفطر استقبل القبلة وقال: اللهم خلصني من كل مصيبة أنزلت الليلة من السماء - ثلاثاً -، وإذا طلع حاجب الشمس قال: اللهم اجعل لي سهماً في كل حسنة نزلت الليلة من السماء إلى الأرض - ثلاثاً -، فقيل له، فقال: دعوة داود؛ فلينوا بها ألسنتكم، وأشعروها قلوبكم (١).
وعن بريدة ﵁: أنَّ داود ﵇ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من عملٍ يُخزي، وهوىً يُردي، وفقر يُنسي، وغنىً يُطغي (٢).
وعن عباس القَمِّيِّ قال: بلغني أن داود ﵇ كان يقول في دعاءه: سبحانك اللهم أنت ربي، تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض، فأقرب خلقك منك منزلة، أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك (٣).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄ قال: كان من دعاء داود النبي: اللهم إني أعوذ بك من مالٍ يكون عليَّ فتنة، ومن ولدٍ يكون علىَّ وبالاً، ومن امرأة السوء تقرب الشيب من قبل المشيب، وأعوذ بك من جار السوء ترعاني عيناه وتسمعني أذناه، إن رأى حسنةً دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها.
стр. 2549
قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "جارُ السُّوْءِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ فِيْ دَارِ المُقَامَةِ" (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن ﵀ قال: كان داود ﵇ يقول: اللهم لا مرضاً يضنيني، ولا صحة تُنسيني، ولكن بين ذلك، اللهم إني أسألك من الأصحاب والإخوان والجيران والجلساء مَنْ إن نسيت ذكرني، وإذا ذكرتُ أعانني، وأعوذ بك من الأصحاب والإخوان والجيران والجلساء من إن نسيت لم يذكِّرْني، وإن ذكرت لم يعني (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن العطاف بن خالد المخزومي قال: غدا سليمان بن داود ﵉ إلى بيت المقدس ليفتحه، فأعياه القفل أن ينفتح، فدعا له الإنس والجن وأعياهم، فمرَّ به شيخ من جلساء داود ﵇ فقال له: يا نبي الله! ما في أراك مهموماً؟
قال: أعيى علي القفل فلم ينفتح وعلى الجن والإنس.
فقال له الشيخ: ألا أدلُّك على كلمات كان داود إذا أهمَّه أمر دعا بهن، فيفرج الله عنه؟
قال: نعم.
стр. 2550
قال: قل: اللهم بنورك اهتديت، وبفضلك استغنيت، وبنعمتك أصبحت وأمسيت، هدي ونومي بين يديك، أستغفرك وأتوب إليك.
فقالها سليمان ففتح عليه (١).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن الأحوص بن حكيم ﵀ قال: كان من دعاء داود النبي: يا رازق النَّعَّابِ في عُشِّه.
قال: وذلك أنَّ الغراب إذا فقس عن فرخه فيخرج بيضاً، فإذا رآها كذلك نفر عنها فتفتح أفواهها، فيرسل الله تعالى لها ذباباً فتدخل في أجوافها، فيكون ذلك غذاء حتى تسود، فإذا اسودت عادَ الغراب فغذاها ورفع الله الذباب عنها (٢).
والنعاب - بالنون والعين المهملة، وبالموحدة آخره -: الغراب.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتى بختنصر بدانيال النبي ﵊، فأمر به فحبس وضرى عليه أسدين، ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجد دانيال قائماً يُصلي والأسدين في ناحية الجب لم يعرضا له، فقال بختنصر: أخبرني بما قلت فدفع عنك.
قال: قلت: الحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل، والحمد لله الذي هو
стр. 2551
رجاؤنا يوم يسوء ظننا بأعمالنا، الحمد لله الذي يكشف حزننا عند كربتنا، الحمد لله الذي يُجزي بالإحسان إحساناً، الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة (١).
وروى الإمام أحمد عن جعفر بن برقان الجزري: أنَّ عيسى بن مريم ﵉ كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهناً بعملي، لا فقير أفقر مني، لا تُشمت بي عدواً، ولا تَسُؤْ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط عليَّ من لا يرحمني (٢).
وروى ابن أبي شيبة من طريق آخر بنحوه، وزاد فيه: ولا تجعل الدنيا أكبر همي (٣).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن وهب بن منبه قال: كان دعاء عيسى ﵇ الذي يدعو به للمرضى والزَّمْنَى والعميان والمجانين وغيرهم: اللهم أنت إله من في السماء، وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء، وجبار من في الأرض، لا جبار فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك
стр. 2552
الكريم ووجهك المنير وملكك القديم، إنك على كل شيءٍ قدير.
قال وهب: هذا للفزع والجنون: تُقرأ عليه، وتُكتب له، ويُسقى ماءه فيشفى إن شاء الله تعالى (١).
وروى ابن جرير عن وهب زعم أنه ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفاً، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى فمشى إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله (٢).
وروى البزار، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ أَبو بكر ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "دُعاءٌ عَلَّمَنِيْهُ جبْرِيْلُ ﵇" قلت: ما هو؟ قال: "كانَ عِيْسَى ﵇ يُعَلِّمُ أَصْحابَهُ قالَ: لَوْ كانَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَبَلُ ذَهَبٍ دَيْناً، فَدَعا بِذَلِكَ لقَضاهُ اللهُ عَنْه: اللَّهُمَّ فارِجَ الهَمِّ وَكاشِفَ الغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّيْنَ، رَحمنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيْمَهُمَا، أَنْتَ تَرْحَمُنِي فَارْحَمْنِي بِرَحْمَةٍ تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِواكَ" (٣).
стр. 2553
وفي الحديث أن أبا بكر وعائشة ﵂ جرَّباه، فقُضِيَتْ عنهما ديونها.
وروى ابن أبي الدنيا عن معروف الكرخي ﵀ قال: اجتمعت اليهود على قتل عيسى ﵇ بزعمهم، فأهبط الله جبريل ﵇ في باطن جناحه مكتوب: اللهم إني أسألك باسمك الأجل الأعز، وأدعوك باسمك اللهم الأحد الصمد، وأدعوك باسمك اللهم العظيم الوتر، وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه.
فأوحى الله إلى جبريل أن ارفع عبدي إلي (١).
وروى أَبو نعيم عن سعيد الجريري رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: تزعم أنك لا تسألني شيئاً، فإذا قلت: ما شاء الله فقد سألتني كل شيء (٢)؛ أي: كل شيء فيه الخيرة لأن قولك: ما شاء الله تفويض لمشيئتي، ومن فوَّض إليَّ مشيئتي فما أشاؤه خيرٌ له مما يشاؤه لنفسه.
وقوله: تزعم أنك لا تسألني شيئاً؛ أي: شيئاً أنت في طلبه بنفسك حتى تطلب مني بي، وإلا فقد كان ﵇ يسأل الله تعالى.
وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الزهد" عن وهب رحمه
стр. 2554
الله تعالى قال: قال المسيح ﵇: أكثروا ذكر الله وحمده وتقديسه، وأطيعوه؛ فإنما يكفي أحدكم من الدعاء إذا كان الله ﵎ راضياً عنه أن يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي، وأصلح لي معيشتي، وعافني من المكاره يا إلهي" (١).
وروى ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن أبي خالد ﵀ قال: ذكر عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أنه قال: اللهم لا تكلفني طلب ما لم تقدره لي، وما قدرت لي به من رزقٍ فأتني به في يُسرٍ منك وعافية، وأصلحني بما أصلحت به الصالحين، فإنما أصلح الصالحين أنت (٢).
وعن عثمان بن عبد الله بن أويس ﵀ قال: كان نبي من الأنبياء ﵈ يقول: اللهم احفظني بما تحفظ به الصبي (٣).
وروى ابن أبي الدنيا في "الهواتف"، والخطيب، والأصبهاني في "الترغيب" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: بينا أنا أطوف بالكعبة إذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمعٌ عن سمع، يا من لا تغلطه المسائل، يا من لا يبرمه إِلْحَاحُ الملحين، أذقني بَرْد عفوك، وحلاوة رحمتك.
فقال علي: أعد عليَّ هذا الكلام يا عبد الله.
стр. 2555
قال: أسمعته؟
قال: نعم.
قال: والذي نفس الخضر بيده - وكان هو الخضر ﵇ ما من عبدٍ يقولهنَّ في دبر كل صلاة مكتوبة إلا غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل رمل عالج، أو مثل زبد البحر، أو ورق الشجر (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان جالساً في ظل الكعبة إذ سمع رجلاً يدعو: يا الله يا الله - خمساً أو سبعاً - الذي لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا إلحاح الملحين! أذقني بَرْدَ عفوك وحلاوة مغفرتك.
فقال عمر لأصحابه: قوموا لعلنا نُرحم بدعائه، فكلَّمه عمر، فكلُّهم يرى أنه الخضر ﵇ (٢).
وعن هشيم ﵀ قال: كنت يوماً في منزلي فدخل عليَّ رجل فقال: قل: الحمد لله على كل نعمة، وأستغفر الله من كل ذنب، وأسأل الله من كل خير، وأعوذ بالله من كل شر، ثم خرج فطلبه فلم يُوجد، وكنا نراه الخضر ﵇ (٣).
وروى ابن عساكر عن يوسف بن أسباط ﵀ قال: بلغني أنَّ
стр. 2556
موسى قال للخضر ﵇: ادعُ لي، فقال الخضر: يسَّر الله عليك طاعته (١).
وروى الدارقطني في "الأفراد"، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "يَلْتَقِي الخَضِرُ وَإِلْياسُ ﵉ فِي كُلِّ عامٍ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُل واحِدٍ مِنْهُمْ رَأسَ صَاحِبِهِ، وَيَفَرَّقانِ عَنْ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ: بِسْمِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، لا يَسُوْقُ الْخَيْرَ إِلاَّ اللهُ، ما شاءَ اللهُ لاَ يَدْفَعُ الشَّرَ إِلاَّ اللهُ، ما شاءَ اللهُ ما كانَ مِنْ نعمةٍ فَمِنَ اللهِ، ما شاءَ اللهُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ".
قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح وحين يُمسي ثلاث مرات آمنه الله من الغرق والحرق والسرق، ومن الشيطان والسلطان، ومن الحية والعقرب (٢).
* فائِدَةٌ:
روى الأصبهاني في "الترغيب" عن محمد بن نشر - بالنون - الهمداني قال: أرسلني محمد بن الحنفية ﵀ إلى الحجاج فقال: قل له: يقول لك محمد: ما لنا وما لك؟ أما تتقي الله؟
قال: قلت: أخاف أن يقتلني.
стр. 2557
قال: إذا وقعت عيناك عليه فقل: اللهم إني أسألك بما سألك ملائكتك المقربون، وأنبياؤك المرسلون، وعبادك الصالحون أن تصرف عني شره.
قال: فلما وقعت عيناي عليه دعوتُ بها، ثم دنوت منه فأبلغته الرسالة، فقال: أو إنك لتقول ذا؟
ثم قال: إنما أنت رسول فانصرف.
* فائِدَةٌ أُخْرَى:
روى أَبو نعيم عن يوسف بن الحسين ﵀ قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يوما وقال له رجل: أوصني، فقال: بمَ أوصيك؟ إن كنت ممن أيدت منه في علم الغيب بصدق التوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دعاء النبيين والمرسلين والصّديقين، وذلك خيرٌ لك من وصيتي لك.
وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك ابتداء (١).
قلت: كلامه إشارة إلى أنَّ من أخلاق الأنبياء والصديقين رحمة الخلق والدعاء لهم، وهو كذلك.
* تَنْبِيْهٌ:
أكثر أدعية الأنبياء ﵈ طلب المغفرة، وهي جماع كل مطلوب.
стр. 2558
قال تعالى حكاية عن آدم وحواء ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقال تعالى حكاية عن داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
وعن ولده سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥].
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الجلد: أنَّ داود ﵇ أمر منادياً يُنادي: الصلاة جامعة، فخرج الناس وهم يرون أنه سيكون منه يومئذٍ موعظة وتأديب ودعاء، فلما وافى مكانه قال: اللهم اغفر لنا، وانصرف، فاستقبل آخر الناس أوائلهم قالوا: ما لكم؟
قالوا: إنَّ النبي ﵊ إنما دعا بدعوةٍ واحدة، ثم انصرف.
قالوا: سبحان الله! كنا نرجو أن يكون هذا اليوم يوم عبادة ودعاء وموعظة وتأديب، فما دعا إلا بدعوة واحدة؟
فأوحى الله إليه أن أبلغ عني قومك؛ فإنهم قد استقلوا دعاءك أنَّ مَنْ أغفر له أُصْلِحُ له أمر آخرته ودنياه (١).
стр. 2559
وعن مالك بن دينار قال: قيل لناحية من الأرض: إنَّ عيسى بن مريم ﵉ مارٌّ بكم، فنزلوا من الغيران والحدائر، وأظلة الأشجار ورؤوس الجبال قال: فمرَّ بهم، فقال: اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا - ثلاثاً -.
قالوا: يا روح الله! إنا رجونا أن نسمع منك اليوم موعظةً، ونسمع اليوم منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى.
قال: فأوحى الله إلى عيسى أن قل لهم: إني من أغفر له مغفرةً واحدة أُصْلِحُ له بها دنياه وآخرته.
وروى ابنه في "زوائده" عن عبيد بن عمير ﵀: أنَّ داود ﵇ نبت حوله روضة من دموعه، فأوحى الله إليه: يا داود! تريوإن أزيدك في ملكك وولدك؟
قال: أي رب! أريد أن تغفر لي (١).
- ومن أخلاق الأنبياء ﵈:
١١١ - ترصد أوقات الإجابة، والأحوال الشريفة، والأمكنة العظيمة للدعاء، والمحافظة على آداب الدعاء .
قال الله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇ لأولاده: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨].
وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: بينما نحن عند
стр. 2560
رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ قال: بأبي أنت وأمي! تفلَّت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه.
قال له رسول الله ﷺ : "أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ، وَينْتَفِعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ، وَيَثْبُتُ ما تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ؟ "
قال: أجل يا رسول الله.
قال: "إِذا كانَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ؛ فَإِنَّها سَاعَةٌ مَشْهُوْدَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيْهَا مُسْتَجَابٌ، وَقَدْ قالَ أَخِي يَعْقُوْبُ لِبَنِيْهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى، قالَ: يَقُوْلُ: حَتَّىْ تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ".
وذكر الحديث في الدعاء لحفظ القرآن (١).
وعن محارب بن دثار عن عمه قال: كنت آتي المسجد في السَّحَرِ فأمرُّ بدار ابن مسعود ﵁، فأسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فاطلعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي، قال: فلقيت ابن مسعود فقلت له: كلمات أسمعك تقولها في السحر؟
فقال: إنَّ يعقوب أخر بنيه إلى السَّحَر بقوله: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] (٢).