← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٩، ٢٠]؛ أي: علامة يعلمون بها أنَّهم من الله تعالى بمكان، كأنَّه يشير إلى أنَّه كما أنجز لهم ما وعدهم في الدُّنيا كذلك ينجز لهم موعود الآخرة. وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التوبة: ٨٨]؛ أي: لهم منافع الدارين؛ النصرة والغنيمة في الدُّنيا، والجنَّة والكرامة في الآخرة. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٩]؛ أي: - وإن نالوا من خيرات الدُّنيا - فإنَّ ما لهم في الآخرة هو الفوز العظيم. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾ [التوبة: ٢٠، ٢١]. وإذا كان المتخلِّف عن القوم في الدُّنيا يندم على ما فاته في الدُّنيا من الغنائم التي تفضَّل الله تعالى عليهم بها، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]، فكيف ندمه وأسفه على ما يفوته

стр. 282

من نعيم الآخرة مع ما يلحقه من الإهانة والعذاب والخلود فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، والمعصية المشار إليها في هذه الآية شاملة للكفر والشرك، كما أنَّ الطاعة في قوله تعالى في الآية السَّابقة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ [النساء: ١٣] شاملة للإيمان والتوحيد. فحقيقة الفلاح والفوز إنَّما هو في الطاعة والإيمان، والفوات والخيبة في المعصية والكفر، وإنَّما يظهر ذلك في الدَّار الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨، ٩]. وإنَّما قال: ﴿خَسِرُوا﴾؛ لأنَّه شبَّه أعمال العبد بالمتاجر؛ فمن ثقلت موازينه بالإيمان والعمل الصالح ربح في تجارته وأفلح، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، ومن خفَّت موازينه - إذ لا إيمان له بالكليَّة، أو لا عمل صالح، أو له معاص لا كفارة لها - فقد خسرت تجارته، وخاب مسعاه، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، وقال تعالى:

стр. 283

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى بعد ذكر المنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. وهذا معيار لا شبهة فيه: أنَّ الإيمان والعمل الصالح سبب الفلاح، والكفر والعمل السيء سبب الخسران والخذلان. وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ذرِّ رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي كل ﷺ قال: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ للإيمانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيْماَّ، وَلِسانهُ صادِقا، وَنفسَهُ مُطْمَئِنَةً، وَخَلِيْقَتَهُ مُسْتَقِيْمَةً، وَأُذُنهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ ناظِرَةً" (١). وروى هو، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِما آتاهُ" (٢).

стр. 284

وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "شعب الإيمان" من حديث ابن عمر ﵄ وقال: "وَصَبَرَ عَلَىْ ذَلِكَ" (١) موضعَ قوله: "وَقنَّعَهُ اللهُ بِما آتاهُ". وروي نحوه من حديث فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه (٢). وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]. قال عطاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾؛ أي: آمن. وقال قتادة: بعمل صالح. رواهما ابن أبي حاتم (٣). وروى البزَّار، عن جابر، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾؛ قال: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَخَلَعَ الأَنْدادَ، وَشَهِدَ أَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ"، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾؛ قال: "هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِنَّ" (٤).

стр. 285

وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: بالطاعة، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: دنَّسا بالمعصية. وقال تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، والعمل الصالح شامل لسائر الطَّاعات. وقال تعالى حكاية عن هود ﵇: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] إنَّما رجالهم الفلاحَ بذكر الآلاء؛ لأنَّ ذكر آلاء الله تعالى يدعوه إلى طاعته، وترك معاصيه، وذلك عين النجاح والفلاح. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، ؛ أي: في الدُّنيا بما يُجعل لكم من فضل الله تعالى، وفي الآخرة بما يحصل لكم من ثواب الذكر والعمل الصَّالح. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. وفيه لطيفة: وهي أنَّ الثبات مع الله تعالى في دار الدُّنيا بالجهاد، ومصابرة العدو، وكثرة الذكر على سائر الحالات يكون سبباً للثبات مع الله تعالى والبقاء معه في المعاد، وهو معنى الفلاح ليكون الجزاء من جنس العمل. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ

стр. 286

بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. فالسمع والطَّاعة هما سبب الفلاح، وهو وصف المؤمنين الذين هم المفلحون، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾؛ أي: بترك معاصيه، ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾؛ وهي لزوم الطَّاعة، ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ وهو شامل لمجاهدة النَّفس ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وفي هذه الآية إشارةٌ أنَّ الفلاح لا يتمُّ إلا بموالاة المفلحين ومعاداة المبطلين. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوْثَقُ عُرَىْ الأيْمانِ الْحُبُّ فِيْ اللهِ، وَالْبُغْضُ فِيْ اللهِ" (١).

стр. 287

وقال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أَحِبَّ في الله، وأَبْغِضْ في الله، وعادِ في الله، ووالِ في الله؛ فينما تنالوا ولاية الله لذلك، ثمَّ قرأ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم (١). وروى ابن مردويه في "اتفسيره" عن كثير بن عطيّة، عن رجل: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اللَهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ وَلا لِفاسِقٍ عِنْدِيَ يَداً وَلا نِعْمَةً؛ فَإِنِّيْ وَجَدْتُ فِيْمَا أَوْحَيْتَ إِلَيَّ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢). قال سفيان: يرون أنَّها نزلت فيمن يخالط السُّلطان. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]. قيل: الخبيث والطيِّب: الحلال والحرام. وقيل: الرديء والجيِّد. وقيل: الكافر والمؤمن.

стр. 288

وقيل: العاصي والمطيع. قال القرطبي رحمه الله تعالى: والصحيح أنَّ اللفظ عام في جميع الأمور، متصوَّر في المكاسب والأعمال والنَّاس والمعارف من العلوم وغيرها؛ فالخبيث من هذا كلِّه لا يفلح، ولا ينجب، ولا يُحسن له عاقبة - وإن كَثُرَ - والطيِّب - وإن قلَّ - نافع جميل العاقبة (١). انتهى. روى أبو نعيم عن أيُّوب قال: رآني أبو قلابة وأنا أشتري تمراً رديئاً، فقال: قد كنت أظنّ أنَّ الله نفعك بمجالستنا، أما علمت أنَّ الله تعالى قد نزع من كلِّ رديء بركته؟ (٢). وقال النبي ﷺ عن الأعرابي الذي ذكر له الصَّلاة والزَّكاة والصوم والحج، فقال: لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَق". وأصله في "الصَّحيحين" (٣). قال بعض العلماء: معناه: أفلح إن صدق في عدم النَّقص، لا في عدم الزيادة. وقال آخرون: هذا كان في صدر الإسلام حين كان ﷺ يتألف القلوب للإيمان، ولم تفرض جميع الأحكام. قلت: والأولى عندي أنَّ المراد: أفلح فلاحاً يليق به حيث جاء

стр. 289

بأصل الإيمان ودعائمه، لا أنَّه أفلح كلَّ الفلاح حتَّى يأتي بكلِّ دواعيه، أو يمنَّ الله عليه ويواليه؛ فالفلاح يكون في الدار الآخرة على قدر ما يأخذ العبد في دار الدُّنيا من الأعمال الصالحة، ويجتنب من المعاصي. وقد قلت: [من الرجز] أَفْلَحَ مَنْ صَلَّىْ مَعَاً وَصامَا ... وَأَنْفَقَ الزَّكاةَ وَاسْتَقاما وَأَمَّ بَيْتَ رَبِّهِ الْحَراما ... وَاجْتَنَبَ الشُّبْهَةَ وَالْحَراما وَصَدَّقَ الْمُهَيْمِنَ السَّلاما ... وَأَخْلَصَ الإِيْمانَ وَالإِسْلاما وروى الدَّيلمي في "مسند الفردوس" عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كانَ سُكُوْتُهُ تَفُكُّراً، وَنَظَرُهُ اعْتِباراً، أَفْلَحَ مَنْ وَجَدَ فِيْ صَحِيْفَتِهِ اسْتِغْفاراً كَثِيْراً" (١). وروى أبو نعيم عن سفيان الثَّوري: أنَّ رجلًا شكى إليه مظلمة فقال: شكى رجل إلى رسول الله ﷺ مظلمة، فقال ﷺ : "الْمَظْلُوْمُوْنَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ يَوْمَ الْقِيامَةِ" (٢).

стр. 290

وفيه تعريض بأنَّ الظَّالم لا يفلح. وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ [الأنعام: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩]. وقال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧]، ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وفيه تلويح بأنَّ الفلاح في اجتناب أعمال الشَّيطان وخطواته، وهو كذلك. وروى أبو داود عن المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ ضرب على منكبه، ثمَّ قال له: "أَفْلَحْتَ يا قُدَيْمُ إِنْ مِتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيْراً وَلا كاتِباً وَلا عَرِيْفاً" (١).

стр. 291

والمراد أن لا يكون كاتباً للأمراء والعرفاء ونحوهم، لا مطلق الكتابة. وفيه إشارة إلى أنَّ الولاية والإمارة، ونحوها يتعرض بها الرَّجل إلى فوات الفلاح. روى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري عن أخيه محمَّد قال: مرَّ شيخ من الكوفيين كان كاتباً لسفيان الثوري، فقال له سفيان: يا شيخ! وَلِيَ فلان فكتبتَ له، ثمَّ عزل، وولي فلان، فكتبتَ له، ثمَّ عزل، وولي فلان، فكتبتَ له، وأنت يوم القيامة أسوؤهم حالاً، يدعى بالأوَّل فيسأل، ويدعى بك معه، فتسأل معه، ثمَّ يذهب، فتوقف أنت حتَّى يدعى بالآخر، فأنت يوم القيامة أسوؤهم حالاً. قال: فقال الشيخ: فكيف أصنع يا أبا عبد الله بعيالي؟ فقال سفيان: اسمعوا هذا يقول: إذا عصى الله رزق عياله، وإذا أطاع الله ضيَّع عياله. قال: ثمَّ قال سفيان: لا تعتدُّوا بصاحب عيال؛ فما كان عذر من عوتب إلا أن قال: عيالي (١). قلت: ومن هنا جاء: "ما أفلح صاحب عيال قط". رواه الدَّيلمي من حديث أبي هريرة، وابن عدي من حديث عائشة ﵄ (٢).

стр. 292

قال ابن عدي: وهو عن النبي ﷺ منكر، وإنَّما هو من كلام سفيان ابن عيينة (١). والمراد أنَّه يفوته الفلاح إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في الآخرة؛ إذ لا يصحُّ على إطلاقه. فأمَّا فوت الفلاح عنه في الدّنيا فيما يقاسيه من الجهد والكدِّ في طلب معيشتهم، وأمَّا في الآخرة فإذا ورد الموارد المهلكة بسبب معيشتهم (٢).

стр. 293

قال سفيان الثَّوري: يؤمر بالرجل إلى النَّار يوم القيامة، فيقال: هذا عياله أكلوا حسناته. رواه أبو نعيم (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري، والتِّرمذي، والنَّسائي عن أبي بكرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْم وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً" (٢). والمراد أن يولُّوها جميع أمورهم بحيث لو دعتهم إلى الإيمان بها لأطاعوا - كما اتفق لقوم سجاح المتنبئة -. أو يولوهَا الخلافة، أو يطيعوها في معصية الله تعالى. أو المراد بالفلاح الظفر بالدُّنيا. فأمَّا تولية المرأة ما يطلب منها من إصلاح بيتها وأولادها، فليس من هذا القبيل. وفي الحديث الصحيح: "وَالْمَرْأةُ راعِيَةٌ فِيْ بَيْتِ زَوْجِها، وَمَسْؤُوْلةٌ عَنْ رَعِيَّتِها" (٣).

стр. 294

وروى أبو داود، والبيهقي في "سننيهما" عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "آمِرُوْا النِّساءَ فِيْ بَناتِهنَّ" (١). وآمروا -بالمد -أي: اجعلوهن أمراء. وذكر الإِمام أبو طالب المكِّي، وحجة الإِسلام الغزالي، وأبو حفص السُّهروردي: أنَّ إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال: من تعوَّد أفخاذ النِّساء لا يفلح (٢). والمراد: أن يتعود أفخاذهن عَادة تشغله عن طاعة الله، أو توقعه في معصية الله، لا مجرد العود إلى الاستمتاع بهن؛ لأنَّ هذا يفعله الأنبياء والصدِّيقون. وروى أبو نعيم عن خلف بن تميم قال: سمعت سفيان الثَّوري يقول: من أحبَّ أفخاذ النِّساء لم يفلح (٣). أي: حبًّا يدعو إلى مخالفة أمر الله تعالى. كما حكي: أنَّ أعرابيًّا راود امرأة عن نفسها، فلمَّا قعد منها مقعد النَّاكح أدركته العناية، فقام عنها، فقالت: ما لَكَ؟ ، قال: إنَّ رجلًا باع جنَّة عرضها السماوات، والأرض بمقدار ما بين فخذيك لمغبون (٤).

стр. 295

فأما محبتهن للعطف عليهن والشفقة بهن لأنهنَّ خلقن من ضِلَع عوجاء، أو لتأدية السنَة، وتنفيذ الحكمة، وطلب الولد، فهذا من جملة مسالك النجاح، ومدارك الفلاح، ومنه قوله ﷺ : "حُبِّبَ إِليَ مِنْ دنيَاكُمُ النِّساءُ، وَالطيبُ، وَجُعِلَتْ قُرةُ عَيْنيَ فِيْ الصَّلاة". رواه الإِمام أحمد، والنَّسائي، والحاكم، والبيهقي من حديث أنس ﵁ (١). وتأمل في قوله: "مِنْ دنياكُمْ"؛ إذ فيه إبعاد عن إضافة الدُّنيا إليه؛ فإنَ محبة الدُّنيا بحيث يؤثرها على شيء مما أمر به؛ فإنها قد تحول بين العبد وبين الفلاح، كما قال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ تُفْلحُ وَالدُّنْيا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَحْنَىْ النَاسِ عَلَيْكَ؟ " رواه الخطيب من حديث جابر رضي الله تعالى عنه (٢). وروى قاضي القضاة التاج ابن السُّبكي في "طبقاته" عن الشيخ أبي عبد الرَّحمن السُّلَمي قال: قلت للأستاذ أبي سهل الصُّعْلُوكي رحمه الله تعالى في كلام يجري بيننا: لِمَ؟ فقال لي: أما علمت أنَّ من قال لأستاذه: (لِمَ) لا يفلح؟ (٣).

стр. 296

أي: لا يظفر بالانتفاع منه؛ أي: ما لم يتب، ويراجع الأدب (١). كما قال الشيخ رضي الدين جدي رحمه الله تعالى في "ألفيَّته": [من الرجز] مَنْ لَمْ يُعَظِّمْ حُرْمَةَ الْمُؤَدِّبِ ... حَرَمَهُ اللهُ بُلُوْغَ الأَدبِ وإنَّ مَنْ قالَ لِشَيْخِهِ لِمه ... لَمْ يَنتفِعْ مِنْهُ بِما تَعَلَّمَهْ وقد يؤدِّي الاستخفاف بالأستاذ، وترك الأدب معه إلى فوات الفلاح الأخروي -والعياذ بالله -، ولقد رأيت أنَّ ممَّا كان سببًا لهلاك الأمم الاستخفاف بالمرسلين، وعدم سلوك الأدب معهم، كما بيَّنت ذلك في شرحي على ألفيَّة جدّي المسمَّى بِـ: "منبر التَّوحيد". ومن أشدِّ المعاصي حيلولة بين العبد، وترك الفلاح الابتداع في الدين، واتِّباع المبتدعين. ولقد أحسن الإِمام ابن الإِمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني فيما أنشده لنفسه، ورويناه عنه في "الأربعين" لأبي الفُتوح الطائي: [من الطويل]

стр. 297

تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله وَاتَّبعِ الْهُدَىْ ... وَلا تَكُ بِدْعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ وَلُذْ بِكِتابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِيْ ... أتَتْ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ تَنْجُ وَتَرْبَحُ وَدع عَنْكَ آراءَ الرِّجالِ وَقَوْلَهُمْ ... فَقَوْلُ رَسُوْلِ اللهِ أَزْكَىْ وَأَشْرَحُ وَلا تَكُ مِنْ قَوْمٍ تَلَهَّوْا بِدِيْنهِمْ ... فَتَطْعَنَ فِيْ أَهْلِ الْحَدِيْثِ وَتَقْدَحُ إِذا مَا اعْتَقَدْتَ الدَّهْرَ يا صَاحِ هَذِهِ ... فَأَنْتَ عَلَىْ خَيْرٍ تَبِيْتُ وَتُصْبحُ (١) واعلم أنَّه لا يتمُ الفلاح إلا بترك المعاصي، وفعل الطَّاعات مع سلامتها من الآفات المفسدات، كالرياء، والإعجاب، وغير ذلك. ولقد روى التِّرمذي وحسَّنه، عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ أيُّ الدُّعاء أفضل؟ قال: "سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ، وَالْمُعافاةَ فِيْ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ"، ثُمَّ أتاه في اليوم الثَّاني، فقال: يا رسول الله! أيُّ الدُّعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك، ثمَّ

стр. 298

أتاه في اليوم الثَّالث، فقال له مثل ذلك، قال: "فَإِذا أُعْطِيْتَ الْعافِيَةَ فِيْ الدُّنْيا، وَأُعْطِيْتَها فِيْ الآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ" (١). ثمَّ إنَّ أوصاف المفلحين المندرجة في صفة الإيمان كثيرة جدًّا، وباعتبار تعدد أوصافهم تعددت أصنافهم، وكل صنف فالتشبُّه بهم في الوصف المحمود مندوب إليه، محثوث عليه، وكلُّ هؤلاء الأصناف تجمعهم الطَّاعة، ورأس الطَّاعة التَّوحيد، وقول: (لا إله إلا الله)، بل هي شرط في كلّ طاعة؛ إذ لا طاعة لمن لم يأتِ بها، وهي تدعو إلى كلّ طاعة، وتنهى عن كلِّ معصية، ولذلك أوَّل ما بدأت الأنبياء ﵈ بالدعوة إليها، حتَّى إنَّ رسول الله ﷺ كان يرضى من كلِّ أحد في أوَّل دعوته بأن يقولها. قال ربيعة بن عبَّاد الدَّيلي (٢) رضي الله تعالى عنه: رأيت النبي ﷺ -يعني: قبل ما أسلم - بسوق ذي المجاز يقول: "يَا أيها النَّاسُ! قُوْلُوْا: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ تُفْلِحُوْا"، فدخل فجاجها والنَّاس منقضُّون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت؛ يقول: "يَا أيها النَّاسُ! قُوْلُوْا: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ تُفْلِحُوْا"، إلا أنَّ وراءه رجلًا أحول، وَضِيء الوجه، ذا غديرتين يقول: إنَّه صابئ كاذب، فقلت: من هذا الذي يكذِّبه؟ قالوا: هذا عمُّه أبو لهب.

стр. 299

قال أبو الزناد: قلت له: كنت يومئذ صغيراً؟ قال: لا - والله - إنِّي لأعقل، وأحمل القربة. أخرجه أبو الحسين عبد الباقي بن قانع في "معجم "الصحابة" (١). ثمَّ إن الطَّائعين ينقسمون إلى أربعة أصناف: - أنبياء. - وصدِّيقين. - وشهداء. - وصالحين ليسوا بأنبياء، ولا صدِّيقين، ولا شهداء، وهم مندرجون في الصالحين أيضًا. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. وهذه الآية من أصرح الأدلة على أن من تشبَّه بقوم كان معهم؛ لأنَّ طاعة الله جامعة لكل أخلاق الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وأعمالهم التي من جاء بها كان متشبِّهًا بهم. ومهما كان العبد مطيعًا فقد تشبَّه بهم في الطاعة، ومن أطاع الله فهو

стр. 300

من عباد الله الطَّائعين، وفي سلكهم في الدُّنيا والآخرة. وما الطَّائعون من الثقلين إلا هؤلاء الطَّوائف الأربعة، ومن أطاع الله تعالى فقد أخذ بحظ من التَّشبه بهم، والتخلُّق بأخلاقهم، فليحمد الله على هذه المِنَّة، وليشكره على هذه النعمة. وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "العظمة" عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى قال: التقى حكيمان من الحكماء، فقال أحدهما لصاحبه: بم عرفت ربَّك؟ قال: بفسخ العزم، ومنع الهم؛ لما عزمت فحال بيني وبين عزمي القدر، وهممت فحال بيني وبين همي، علمت أنَّ المستولي على قلبي غيري. قال: فبم عرفت الشُّكر؟ قال: بكشف البلاء، لما رأيت البلاء مصروفًا عنّي، موجودًا في غيري شكرت على ذلك. قال: فبم أحببت لقاءه؟ قال: بأصل التَّخيير، وانتفاء التُّهمة. قال: فما أصل التَّخيير، وانتفاء التُّهمة؟ قال: لما اختار لي دين الملائكة والأنبياء أحسنت به الظَّن، ونفيت عنه التُّهمة، وعلمت أنَّ الذي اختار لي هذا لا يسيء إلي، فأحببت لقاءه (١). ومما يصرِّح وينصُّ على أنَّ الله تعالى اختار لأوليائه من عباده دين الأنبياء والملائكة ﵈: أنه سبحانه أمرنا أن نسأله الهداية إلى صراطهم في كلِّ يوم وليلة سبع عشرة مرَّة في قراءة الفاتحة في الصَّلوات

стр. 301

الخمس أمراً افترضه علينا، سوى ما ندبنا إليه من النَّوافل، وذلك في قولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. روى الإِمام محمَّد بن جرير الطبري في "تفسيره" عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ المراد بالذين أنعمت عليهم: الأنبياء والملائكة والصدِّيقون والشُّهداء ومن أطاع الله وعَبَده (١). أي: وهم سائر الصَّالحين. وهذا أرجح الأقوال في تفسير المُنْعَم عليهم، وأعمُّها، وأتمُّها. فإن قلت: لم يذكر الله تعالى الملائكة في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٩]، مع أنَّ الملائكة من أهل الطَّاعة المنعم عليهم، كما في حديث ابن عبَّاس؟ قلت: لأنَّ هؤلاء الأربعة الأصناف - وإن شاركتهم الملائكة ﵈ في إحلال الرِّضوان عليهم في دار الآخرة مع الخلود - فإنَّهم يتميزون عنهم في تلك الدَّار بأنواع التَّمتعات الشَّهوانية الناشئة عن النُّفوس المطمئنَّة، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠] إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ

стр. 302

﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]. فمن أنواع التَّمتعات الْجِنانية ما يختصُّ به المقربون من البشر دون الملائكة ﵈. وفي الآية إشارة إلى أنَّ من أطاع الله تعالى ورسوله لا يفوته شيء من نعيم الجنَّة، سواء ألحق بكلِّ الطَّوائف الأربعة، أو بطائفة منهم؛ لأنَّ كل طائفة منهم فلها حظُّها من سائر إمتاعات الجنَّة بخلاف الملائكة ﵈، والإشارة إلى ذلك دقيقة، فينبغي تفهمها! وقد تحرر لك أنَّ الذين يحسن التَّشبه بهم من خلق الله تعالى هم هؤلاء الطوائف الأربعة المذكورون في الآية الكريمة، وطائفة أخرى خامسة، وهم الملائكة المكرمون. واستقصاء أعمال هؤلاء الطَّوائف وأخلاقهم وأحوالهم لا يمكن، إلا أنني أحببت أن أذكر منها نبذة في أبواب متفرقة، والله سبحانه هو الموفق والمعين. ***

стр. 303

(١) بَابُ التَّشَبُّهِ بِالمَلَائِكَةِ ﵈

стр. 304

(١) بَابُ التَّشَبُّهِ بِالمَلَائِكَةِ ﵈ اعلم أنَّ التَّشبه بالملائكة مشروع لأنَّهم من جملة من أمرنا بطلب الهداية إلى صراطهم في قراءة الفاتحة في قوله تعالى معلِّمًا لنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، كما تقدم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما. ولعموم قوله ﷺ : "مَنْ تَشَبَّه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (١). ولأنَّه قد ورد: "تَخَلَّقُوْا بِأَخْلاقِ اللهِ تَعَالَىْ" (٢) مع شدَّة المباينة بينه وبين خلقه، فجواز التخلق بأخلاق الملائكة ﵈ والتَّشبه بهم أولى. ولقد عاب الله تعالى إبليس الرَّجيم بتأخره عن التَّشبه بالملائكة ﵈، وعاتبه على ذلك، ووبخه به، ولعنه بسببه - خصوصاً حين اعتذر عنه بما في رأيه القاصر -، فقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ

стр. 305

مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣٥]. أخرجه من جنته حين باين أهل حضرته، وفارقهم، ثمَّ رجمه ولعنه. وحقيقة الرَّجم واللعن الإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ لأنَّه بالغ في البعد عن أهل القربة والزلفة بتبرئته من عملهم، وتقبيحه حالهم، فبولغ في إبعاده، وأُبِّدت لعنته. وقد رغب آدم ﵇ في التَّشبه بالملائكة حين حدَّثه إبليس أن أكل الشجرة يلحقه بالملائكة، فكان ذلك هو الدَّاعي له على أكل الشجرة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١]. قال قتادة: حلف لهما بالله إبليس حتى خدعهما، وقد يُخدع المؤمن بالله (١). قال: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما (٢). فلمَّا حَلف ظنَّ آدم أن أحدًا لا يحلف بالله إلا صادقًا.

стр. 306

وقد استدل بالآية من فضل الملائكة على الأنبياء ﵈. ولا دليل فيها؛ لأنَّه استقرَّ في العقول أنَّ الحقائق لا تنقلب، ولكن رغب آدم وحواء أن يكون لهما ما للملائكة من تمام القوَّة، وكمال القدرة على الطَّاعة، وطول العمر فيها، وكمال الفطرة، والغنية عن المأكل والمشرب. أو كان ذلك قبل اصطفاءآدم ﵇. أو ذلك على معتقد إبليس من أنَّ جنس الملك أفضل من جنس البشر، كما نصَّ على ذلك شيخ الإِسلام والدي في "تفسيره" وغيرُه (١). والمقصود: أنَّ طلب العبد لمشاركة الملائكة فيما هم عليه من كمال الطَّاعة، وسائر الخصال الحميدة من شأن الكلّ. ومن أعظم الأحاديث الدَّالة على استحباب التَّشبه بالملائكة ﵈ ما ثبت في "صحيح مسلم"، وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثِّياب، شديد سواد الشَّعر، لا يرى عليه أثر السَّفر، ولا يعرفه منَّا أحد، حتَّى جلس إلى النَّبيِّ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، قال: يا محمَّد! أخبرني عن الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ : "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُوْلُ اللهِ، وَتُقِيْمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتيَ الزَّكاةَ، وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ

стр. 307

سَبِيْلاً"، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله, ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الاَخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ؛ خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ"، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن "الإحسان" قال: "أَنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ تَراهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَراك"، قال: فأخبرني عن السَّاعة، قال: "مَا الْمَسْؤُوْلُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبتَها، وَأَنْ تَرَى الْحُفاةَ الْعُراةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتَطاوَلُوْنَ فِيْ الْبُنْيانِ"، ثمَّ انطلق، فلبث مليًّا، ثمَّ قال: "أتَدرِيْ يا عُمَرُ مَنِ السَّائِلُ؟ " قلت: الله، ورسوله أعلم، قال: "فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ" (١). فقوله: "أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ"؛ أي: يعلمكم أحكام دينكم، وكيف تأخذون دينكم، وتسألون عنه. أي: فعل ذلك معلِّمًا لكم لتتشبَّهوا به في أخذكم دينكم من نبيكم، ومن علمائكم. وقد اشتمل هذا الحديث على جملة من أخلاق الملائكة التي ينبغي التَّخلُّق بها كلبس الثّياب البيض، والتَّجمُّل للدخول على المعلِّم، والتَّادُّب معه في الجلوس بين يديه على نعت الأدب، ووضع اليدين على الرُّكبتين، والسؤال عن أحكام الدين، وعن دقائق العلم ورقائقه، ومكافأة المعلِّم بالتصديق فيما يقول، والسؤال عن العلم - وإن كان

стр. 308

السَّائل عالمًا به- ليستفيد الحاضرون، وليتعلَّموا كيفية السؤال، وحمل المعلِّم -وهو معنى الاستملاء الذي اعتاده المحدِّثون -، والبداءة في تعلُّم العلم بالأهم فالأهم، وطلب رقائق العلم بعد التضلُّع من المحتاج إليه منه، وعدم الاعتراض على الأستاذ، والإقبال عليه دون غيره في مجلس التعلُّم، وغير ذلك. وقد أشار النبي ﷺ إلى النَّدب إلى التَّشبه بجبريل ﵇ في هذه الخصال بقوله: "هَذَا جِبْرِيْلُ أتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ". وقد قلت ملمِّحاً بهذا الحديث الشَّريف: [من الطويل] لَقَدْ جاءَ جِبْرِيْلُ النَّبيَّ مُحَمَّداً ... يُعَلّمُنا الدِّيْنَ الْقَوِيْمَ الْمُؤَيَّدَا لَهُ أَدَبٌ فِيْ سَمْتِهِ وَتَجَمُّلٌ ... لِيُتْبَعَ فِيْ حَمْلِ الْعُلُوْمِ وَيُقْتَدَىْ يُسائِلُ عَنْ أَحْكامِ دِيْنٍ وَيَبْتَدِيْ ... بِأَوْلَىْ فَأَوْلَىْ فِيْ اسْتِفَادتِهِ الْهُدَىْ وَمِنْ بَعْدِ حُكْمِ الدِّيْنِ يَسْأَلُ عَنْ دَقا ... ئِقَ تَعْلِيْماً لِعَبْدٍ بِهِ اقْتَدَا تَشَبَّهْ بِهِ فِيْما ذَكَرْتُ مُحاذِراً ... هَوَىْ مَنْ يُتابِعُهُ إِلَىْ الأَرْضِ أَخْلَدا

стр. 309

فَمَنْ يَكُنِ الرُّوْحُ الأَمِيْنُ إِمامَهُ ... فَفِيْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ يَبْقَىْ مُؤَبَّدا وذكر الإِمام أبو طالب المكي في كتاب "قوت القلوب": أنَّ في بعض كتب الله تعالى: يا بني إسرائيل! لا تقولوا: العلمُ في السَّماء من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض من يصعد به؟ ولا: من وراء البحار من يعبر فيجيء به؟ العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يديَّ بآداب الروحانيين، وتخلَّقوا لي بأخلاق الصدِّيقين أظهر العلم من قلوبكم حتَّى يغطيكم، ويغمركم (١). أراد بالرُّوحانيين: الملائكة ﵈. وقوله: مجعول في قلوبكم؛ يعني: إنَّ القلوب لها قابلية العلم، وإنَّما ينمو العلم فيها، ويظهر منها إذا تشبَّه العبد بالملائكة في الآداب، والصديقين في الأخلاق؛ لأنَّ الطَّاعة التي هي عبارة عن العمل بالعلم شكر لنعمة العلم، والشكر يقتضي المزيد. وفي الحديث: "مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ". رواه أبو نعيم من حديث أنس ﵁ (٢).

стр. 310

وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ أي: إن تتقوه، وهو معنى العمل بالعلم. وروى أبو نعيم عن كثير بن الوليد قال: كنت إذا رأيت ابنَ شَوذَب ذكرت الملائكة (١). أي: لإقباله على الطَّاعة، وعدم السَّآمة منها، وملازمة الأدب. ولنذكر من أخلاق الملائكة ﵈ جملة صالحة سوى ما تقدَّم: ١ - فمنها: الشَّهادة لله تعالى بالوحدانية: قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. ذكر البغوي (٢): أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن أعظم شهادة في القرآن، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية (٣). قلت: وإنَّما كانت أعظم شهادة في القرآن لأنَّها جمعت بين شهادة الله تعالى، وشهادة ملائكته، وشهادة خواص الثقلين من خليقته، وهم أولوا العلم من الأولياء والأنبياء، والمشهود به في الشَّهادات الثلاث

стр. 311

وحدانية الله تعالى واستبداده بالألوهية، وذلك أعظم مشهود به. وقد روى الطَّبراني، والبيهقي بسند معضل، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُجاءُ بِصاحِبِها -يعني: هذه الآية - يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَيقوْلُ اللهُ تَعَالَىْ: عَبْدِيْ عَهِدَ إِلَيَّ، وَأَنا أَحَقّ مَنْ وَفَا، أَدْخِلُوْا عَبْدِيَ الْجَنَّةَ" (١). وقال الشيخ الوالد رضي الله تعالى عنه في "تفسيره" عاقداً لهذا الحديث: [من الرجز] بِصاحِبِ الآيَةِ فِيْ الْحَشْرِ يُجَا ... وإنَّهُ ما بَيْنَ خَوْفٍ وَرَجَا إِذْ قالَ ذُوْ الْجَلالِ إِنَّ عَبْدِيْ ... هَذَا لَهُ عَهْدٌ عَظِيْمٌ عِنْدِيْ وَإِنّنَيْ أَحَق مَنْ وَفَىْ الْعُهُوْدْ ... فَأَدْخِلُوْهُ جَنَّتِيْ دَارَ الْخُلُوْدْ ٢ - ومنها: الشَّهادة للنبي ﷺ بالرسالة والنُّبوَّة: قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].

стр. 312

وتقدَّم في حديث عمر رضي الله تعالى عنه قوله ﷺ لجبريل ﵊: "الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُوْلُ اللهِ"، الحديث، وقول جبريل له: "صدقت" (١). * تَنْبِيْهٌ: قد تبين بالآيتين المذكورتين آنفًا أنَّ من أوصاف الله تعالى شهادته لنفسه بالألوهية والوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة والنبوة - وكفى بالله شهيدًا، وبشهادته شهادة - فمن شهد بهاتين الشهادتين كان متخلقاً بخلقٍ من أخلاق الله تعالى، وأخلاق ملائكته الكرام ﵈. ٣ - ومنها: الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ لحديث عمر المتقدم، ولقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. الآية. * لَطِيْفَةٌ: قال بعض المحققين: في ثناء الله تعالى على الملائكة بالإيمان إشعار بأن حملة العرش وسكان الفرش في معرفة الله تعالى سواء (٢). وفيه رد المجسِّمة، وإلا قال عوض: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]: ويشاهدون، أو: يعاينون. ونظير هذا قول إمام الحرمين في قوله ﷺ : "لا تُفَضِّلُوْنِي عَلَىْ

стр. 313

يُوْنسُ بْنِ مَتَّىْ" (١): إن يونس حين كان في بطن الحوت لم يكن دون محمَّد ﷺ في القرب حين كان قاب قوسين أو أدنى. ٤ - ومنها: الإحسان: لحديث عمر (٢) أيضا؛ فإن الملائكة ﵈ دائماً إما في مشاهدة، وإما في مراقبة، ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. ٥ - ومنها: اعتقاد أن الحسنات والسيئات من الله، والخير والشر من الله ، ومذاكرة العلم والمناظرة فيه لإظهار الحق، والرجوع إلى الحق في المناظرة دون التعميم على رأي النفس وقولها. روى البزار، والبيهقي في "شرح الأسماء" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر، وعمر ﵄ في قيام من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قريبًا من رسول الله ﷺ ، وجلس عمر قريبًا منه، فقال رسول الله ﷺ : "لم ارْتَفَعَتْ أَصْواتُكُما؟ " فقال رجل: يا رسول الله! قال أبو بكر: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ : "فَما قُلْتَ يا عُمَرُ؟ " قال: قلت: الحسنات، والسيئات من الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّم فِيْهِ جِبْرِيْلُ، وَمِيْكائِيْلُ ﵉ فَقَالَ مِيْكائِيْلُ مَقالتكَ

стр. 314

يا أَبَا بَكْرٍ، وَقالَ جِبْرِيْلُ مَقالتكَ يا عُمَرُ، فَقالَ: إِنْ نَخْتَلِفْ تَخْتَلِفْ أَهْلُ السَّماءِ، وإنْ تَخْتَلِفْ أَهْلُ السَّماءِ تَخْتَلِفْ أَهْلُ الأَرْضِ، فَتَحاكَما إِلَىْ إِسْرافِيْلَ ﵇، فَقَضَىْ بَيْنَهُما أَنَّ الْحَسَناتِ وَالسَّيئاتِ مِنَ اللهِ"، ثم أقبل النبي ﷺ على أبي بكر، وعمر، فقال: "احْفَظا قَضَائِيَ بَيْنَكُما، لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ لا يُعْصَىْ لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيْسَ" (١). ٦ - ومنها: الوضوء، ونضح الفرج بالماء بعده خشية الوسواس، وتعليم الوضوء، وسائر العبادات للغير: روى الإِمام أحمد عن أسامة بن زيد ﵄، عن النبي ﷺ : أن جبريل ﵇ لما نزل على النبي ﷺ فعلمه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء، فرشَّ بها نحو الفرج، فكان رسول الله ﷺ يرش بعد وضوئه (٢). ٧ - ومنها: السواك: روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن زيد بن رفيع قال:

стр. 315

دخل على النبي ﷺ جبريل وميكائيل وهو يستاك، فناول رسول الله ﷺ جبريل السواك، فقال جبريل ﵇: كَبِّرْ. قال الترمذي: أي: ناول ميكائيل؛ فإنه أكبر (١). قلت: يحتمل أن الملائكة ﵈ تستاك حقيقة امتثالاً للأمر، وإرشاداً للخلق، وإن لم يكن في أفواههم ما يحتاج إلى الإزالة كما في أفواه بني آدم. * تنبِيْهٌ: في هذا الحديث إشارة إلى أن ميكائيل أكبر من جبريل ﵉، والظاهر أن الكبر بمعنى القدم، ففيه دليل على أن ميكائيل خلق قبل جبريل، ولا يجوز حمله على الكبر بمعنى العظم من حيث الفضل؛ فإن جبريل ﵇ أفضل. ٨ - ومنها: إقام الصلاة: وهي صلاتنا المعهودة إن قلنا: إن الملائكة ﵈ متعبدون بشرع نبينا ﷺ ؛ أي: فيما يتأتى منهم من الأحكام. ويدل لذلك حديث عمر المشار إليه -أيضًا -. وقال أبو عمر بن عبد البر: قد روي عن عكرمة ما يدل على أن أهل السماء يصلُّون في حين صلاة أهل الأرض، وُيؤَمِّنُوْنَ أيضًا، فمن

стр. 316

وافق ذلك منهم غفر له (١). نقله ابن سيد الناس في "شرح الترمذي". وروى ابن أبي شيبة عن القاسم، عن أبيه قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد لصلاة الفجر، فإذا قوم قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة، فقال: تنحوا عن القبلة، لا تَحُولوا بين الملائكة وبين صلاتها؛ فإن ما بين الركعتين صلاة الملائكة ﵈ (٢). وروى الإِمام محمَّد بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة"، وابن جرير، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما فِيْ السَّماءِ مَوْضعُ قَدَمٍ إِلاَّ وَعَلَيْهِ ملك ساجِدٌ أَوْ قائِم، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٤، ١٦٥] " (٣). وروى محمَّد بن نصر، وابن عساكر عن العلاء بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال يومًا لجلسائه: "أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ؛ لَيْسَ مِنْها مَوْضعُ قَدَمٍ إِلاَّ عَلَيْهِ ملك راكِع أَوْ ساجِدٌ"، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٤، ١٦٥] (٤).

стр. 317

وقال أبو طالب المكي: يقال: إن المصلين من الملائكة يُسَمَّون في السماوات خُدَّام الرحمن، ويفخرون بذلك على سائر المرسلين من الأملاك (١). ٩ - ومنها: كثرة السجود لله تعالى: قال الله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠]. وروى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنِّيْ أَرَىْ ما لا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ ما لا تَسْمَعُوْنَ؛ إِنَّ السَّماءَ أَطَّتْ وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِط؟ ما فِيْها [موضع] أَرْبَع أَصابعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ واضعٌ جَبْهَتَهُ ساجِداً لله تَعَالَىْ" (٢). وفي لفظ: "أَطَّتِ السَّماءُ وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ؛ ما مِنْها مَوْضعُ أَرْبَعِ أَصابعَ إِلاَّ وَعَلَيْهِ مَلَكٌ وَاضعٌ جَبْهَتَهُ" (٣). وروى ابن أبي حاتم الرازي، وأبو القاسم الطبراني، والضياء

стр. 318

المقدسي في "المختارة"، وغيرهم عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله ﷺ مع أصحابه فقال لهم: "تَسْمَعُوْنَ ما أَسْمَعُ؟ " قالوا: ما نسمع من شيء، قال: "إِنَي لأَسْمَعُ أَطِيْطَ السَّماءِ، وَما تُلامُ أَنْ تَئِطَّ؛ ما فِيْها مَوْضعُ قَدَمٍ إِلاَّ عَلَيْهِ ملك ساجِدٌ أَوْ قائِمٌ" (١). وروى أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَطَّتِ السَّماءُ وَيَحِقُّها أَنْ تَئِطَّ؛ وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ ما فِيْها مَوْضعُ شِبْرٍ إِلاَّ فِيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجِدٍ يُسَبِّحُ الله بِحَمْدِه". وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" عن يحيى بن جعدة قال: قال عمر ﵁: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد مت؛ لولا أن أضع جبيني لله ساجداً، أو أجالس أقواماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب التمر والبُسر، أو أكون في سبيل الله، لأحببت أن أكون قد مت (٢). * تنبِيْهٌ: يتأتى التشبه بالملائكة ﵈ في كثرة السجود بكثرة الصلاة، وبسجود التلاوة، وسجود الشكر عند هجوم نعمة أو اندفاع نقمة أو رؤية مبتلى. وأما السجود هكذا مجرداً عن هذه المعاني فإنه غير مشروع.

стр. 319

وأما ما ينقل عن بعض الصوفية من كثرة السجود فمحمول على أنهم مراقبون بسرائرهم وأحوالهم، فكلما فجأهم حال شريف، أو نزلوا في مقام منيف سجدوا شكرًا لهجوم تلك النعمة، وكلما تخلصوا من آفة من آفات الطريق سجدوا لاندفاع تلك الآفة، وكلما رأوا مبتلى بمعصية سجدوا لذلك. وأما سجود بعض المتصوفة لصورة جميلة، أو لشيوخهم فإنه ضلال شبيه بسجود النصارى لأساقفتهم، كما سيأتي. قال رسول الله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها" (١). رواه الإِمام أحمد عن معاذ، والترمذي وصححه، عن أبي هريرة، والحاكم وصححه، عن بريدة ﵁. * فَائِدَةٌ: قال أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين": يقال: إن الله تعالى خلق سبع سماوات، وحَشَاها بالملائكة، وتعبَّدهم بالصلاة لا يَفْتُرُوْنَ ساعة، فجعل لأهل كل سماء نوعا من العبادة، فأَهْل سماء قيام على أرجلهم إلى نفخة الصور، وأهل سماء سجود، وأهل سماء مرخية الأجنحة من هيبته، وأهل عليين، ومن حول العرش يسبحون بحمد

стр. 320

ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض، فجعل الله تعالى ذلك كله في صلاة واحدة كرامة للمؤمن حتى يكون له حظ من عبادة كل سماء، وزادهم القرآن يتلونه فيها، وطلب منهم شكرها، وشكرُها إقامتها بشروطها، وحدودها. انتهى. وروى أبو نعيم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب ﵁: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَىْ فِيْ السَّماواتِ السَّبع مَلائِكَةً يُصَلُّوْنَ لَهُ غِنَىً عَنْ صلاةِ فُلانٍ"؛ عن رجل من المنافقين تخلف عن الصلاة مع النبي ﷺ ، وأراد عمر قتله، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وما صلاتهم يا رسول الله؟ قال: فلم يردَّ عليه شيئًا، فجاءه جبريل ﵇ فقال: "يا نبي الله! سألك عمر عن صلاة أهل السماء؟ قال: نَعَمْ، فقال: اقرأ على عمر السلام، وأخبره أن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة تقول: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت" (١). وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد والرقائق" عن شريح ابن عبيد الحضرمي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب رحمه الله تعالى: خَوِّفنا يا كعب، قال كعب: والله إن لله لملائكة قياماً منذ يوم
следующие страницы →