← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

موسى قال للخضر ﵇: ادعُ لي، فقال الخضر: يسَّر الله عليك طاعته (١). وروى الدارقطني في "الأفراد"، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "يَلْتَقِي الخَضِرُ وَإِلْياسُ ﵉ فِي كُلِّ عامٍ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُل واحِدٍ مِنْهُمْ رَأسَ صَاحِبِهِ، وَيَفَرَّقانِ عَنْ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ: بِسْمِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، لا يَسُوْقُ الْخَيْرَ إِلاَّ اللهُ، ما شاءَ اللهُ لاَ يَدْفَعُ الشَّرَ إِلاَّ اللهُ، ما شاءَ اللهُ ما كانَ مِنْ نعمةٍ فَمِنَ اللهِ، ما شاءَ اللهُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ". قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح وحين يُمسي ثلاث مرات آمنه الله من الغرق والحرق والسرق، ومن الشيطان والسلطان، ومن الحية والعقرب (٢). * فائِدَةٌ: روى الأصبهاني في "الترغيب" عن محمد بن نشر - بالنون - الهمداني قال: أرسلني محمد بن الحنفية ﵀ إلى الحجاج فقال: قل له: يقول لك محمد: ما لنا وما لك؟ أما تتقي الله؟ قال: قلت: أخاف أن يقتلني.

стр. 2557

قال: إذا وقعت عيناك عليه فقل: اللهم إني أسألك بما سألك ملائكتك المقربون، وأنبياؤك المرسلون، وعبادك الصالحون أن تصرف عني شره. قال: فلما وقعت عيناي عليه دعوتُ بها، ثم دنوت منه فأبلغته الرسالة، فقال: أو إنك لتقول ذا؟ ثم قال: إنما أنت رسول فانصرف. * فائِدَةٌ أُخْرَى: روى أَبو نعيم عن يوسف بن الحسين ﵀ قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يوما وقال له رجل: أوصني، فقال: بمَ أوصيك؟ إن كنت ممن أيدت منه في علم الغيب بصدق التوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دعاء النبيين والمرسلين والصّديقين، وذلك خيرٌ لك من وصيتي لك. وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك ابتداء (١). قلت: كلامه إشارة إلى أنَّ من أخلاق الأنبياء والصديقين رحمة الخلق والدعاء لهم، وهو كذلك. * تَنْبِيْهٌ: أكثر أدعية الأنبياء ﵈ طلب المغفرة، وهي جماع كل مطلوب.

стр. 2558

قال تعالى حكاية عن آدم وحواء ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وقال تعالى حكاية عن داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. وعن ولده سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الجلد: أنَّ داود ﵇ أمر منادياً يُنادي: الصلاة جامعة، فخرج الناس وهم يرون أنه سيكون منه يومئذٍ موعظة وتأديب ودعاء، فلما وافى مكانه قال: اللهم اغفر لنا، وانصرف، فاستقبل آخر الناس أوائلهم قالوا: ما لكم؟ قالوا: إنَّ النبي ﵊ إنما دعا بدعوةٍ واحدة، ثم انصرف. قالوا: سبحان الله! كنا نرجو أن يكون هذا اليوم يوم عبادة ودعاء وموعظة وتأديب، فما دعا إلا بدعوة واحدة؟ فأوحى الله إليه أن أبلغ عني قومك؛ فإنهم قد استقلوا دعاءك أنَّ مَنْ أغفر له أُصْلِحُ له أمر آخرته ودنياه (١).

стр. 2559

وعن مالك بن دينار قال: قيل لناحية من الأرض: إنَّ عيسى بن مريم ﵉ مارٌّ بكم، فنزلوا من الغيران والحدائر، وأظلة الأشجار ورؤوس الجبال قال: فمرَّ بهم، فقال: اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا - ثلاثاً -. قالوا: يا روح الله! إنا رجونا أن نسمع منك اليوم موعظةً، ونسمع اليوم منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى. قال: فأوحى الله إلى عيسى أن قل لهم: إني من أغفر له مغفرةً واحدة أُصْلِحُ له بها دنياه وآخرته. وروى ابنه في "زوائده" عن عبيد بن عمير ﵀: أنَّ داود ﵇ نبت حوله روضة من دموعه، فأوحى الله إليه: يا داود! تريوإن أزيدك في ملكك وولدك؟ قال: أي رب! أريد أن تغفر لي (١). - ومن أخلاق الأنبياء ﵈: ١١١ - ترصد أوقات الإجابة، والأحوال الشريفة، والأمكنة العظيمة للدعاء، والمحافظة على آداب الدعاء . قال الله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇ لأولاده: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]. وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: بينما نحن عند

стр. 2560

رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ قال: بأبي أنت وأمي! تفلَّت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه. قال له رسول الله ﷺ : "أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ، وَينْتَفِعُ بِهِنَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ، وَيَثْبُتُ ما تَعَلَّمْتَ فِي صَدْرِكَ؟ " قال: أجل يا رسول الله. قال: "إِذا كانَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ؛ فَإِنَّها سَاعَةٌ مَشْهُوْدَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيْهَا مُسْتَجَابٌ، وَقَدْ قالَ أَخِي يَعْقُوْبُ لِبَنِيْهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى، قالَ: يَقُوْلُ: حَتَّىْ تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ". وذكر الحديث في الدعاء لحفظ القرآن (١). وعن محارب بن دثار عن عمه قال: كنت آتي المسجد في السَّحَرِ فأمرُّ بدار ابن مسعود ﵁، فأسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فاطلعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي، قال: فلقيت ابن مسعود فقلت له: كلمات أسمعك تقولها في السحر؟ فقال: إنَّ يعقوب أخر بنيه إلى السَّحَر بقوله: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] (٢).

стр. 2561

ورواه أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في الليالي البيض؛ أي: في الثلاث عشرة والأربع عشرة والخمس عشرة؛ فإنَّ الدعاء فيها مستجاب (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خالد الحذَّاء ﵀ قال: كان عيسى بن مريم إذا سرح رسله يُحيون الموتى، يقول لهم: قولوا كذا، قولوا كذا، فإذا وجدتم قشعريرة ودمعة فادعوا عند ذلك (٢). وعن أبي الجلد قال: أوحى الله إلى موسى ﵇ أن يا موسى! إذا دعوتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا قمت بين يدي فقم مقام الحقير الذليل، وذُمَّ نفسك فهي أولى بالذم، وناجني حين تُناجيني بقلب وَجِلٍ ولسانٍ صادق (٣). ١١٢ - ومن آدابهم: رفع اليدين وبسطهما في الدعاء . روى أَبو بكر بن مردويه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال: "رَغَبًا هَكَذَا وَرَهَبًا هَكَذَا"؛ وبسط كفيه (٤). وفي "سنن أبي داود": عن مالك بن يسار السَّكُونِيِّ الْعَوْفِيِّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا سَأَلْتُمُ اللهَ تَعالَى فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ،

стр. 2562

وَلا تَسْأَلُوْهُ بِظُهُورِها" (١). قال الإمام أَبو بكر بن محمد الطرطوشي في كتاب "الأدعية" في آداب الدعاء: فمن أدبه أن يعلم أنَّ سنن الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين إذا أرادوا استقضاء حاجة عند مولاهم أن يُبادروا قبل السؤال، فيقوموا بين يدي ربهم، فيصفوا أقدامهم، ويبسطوا أكفهم، وُيرسلوا دموعهم على خدودهم، ويبدؤوا بالتوبة من معاصيهم، والتنصل من مخالفاتهم، ويستبطئوا الخشوع في قلوبهم، ويتباءسوا ويتمسكنوا ويستقيموا بين يدي من وقفوا ولمناجاة من تعرضوا، انتهى. ١١٣ - ومن آدابهم: تصدير الدعاء باسم من أسماء الله تعالى يليق بالترحم والتلطف، أو بما يوافق الدعاء المدعو به . ولذلك قال بعض العلماء: إنَّ الاسم الأعظم هو أن يدعو بالاسم الموافق للمطلوب كتصدير طلب الرزق بالكريم والجواد، وطلب النجاة من عدو أو ظالم بالواحد والأحد والقهار. ولما كان الاسم الجليل الله جامعاً لجميع معاني الأسماء الحسنى كان لائقاً لأن يصدر به كل دعاء. وفي ندائه طريقان: أن يُقال: يا الله. وأن يقال: اللهم؛ بالتعويض عن حرف النداء بالميم المشددة.

стр. 2563

وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية. ولمَّا كان الاسم: الرَّبُّ من الأسماء الجامعة لمعاني الرحمة والعطف والجود والكرم؛ لأنه بمعنى المالك أو القائم بمصالح العبد المتولي لتربيته، أو بمعنى السيد، كان معظم أدعية الأنبياء ﵈ بلفظ: يا رب، أو: أي رب، أو: رب، أو: ربنا. وإذا نظرت في أدعية الأنبياء ﵈ الواردة في القرآن وجدتُها مصدرة به. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الدعاء" عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "إِذا قالَ العَبْدُ: يا رَبِّ! يا رَبِّ! قالَ اللهُ تَعالى: لَبَّيْكَ عَبْدِي، سَلْ تُعْطَهْ" (١). وروى أَبو نعيم عن ابن وهب ﵀ قال سُئِلَ مالك بن أنس ﵁، عن رجلٍ يدعو يقول: يا سيدي، فقال: يُعجبني أن يدعو بدعاء الأنبياء: ربنا ربنا (٢). ١١٤ - ومن آدابهم: الإشارة إلى الحاجة دون التصريح في الدعاء إلا أن يكون الحال يقتضى الانبساط إلى الله تعالى، كما في قول أيوب ﵇: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] .

стр. 2564

وقول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. وقول يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وذلك لأن الثناء على الغني من المحتاج دليل الطلب. وقد روى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ للهِ" (١). وما أحسن ما قيل: [من الوافر] أَأَذْكُرُ حاجَتِي أَمْ قَدْ كَفانِي ... حَياؤُكَ إِنَّ شِيْمَتَكَ الْحَياءُ إِذا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْماً ... كَفاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ (٢)

стр. 2565

ولقد علمت قول الله تعالى لعيسى ﵇: تزعم أنك لا تسألني شيئا، فإذا قلت: ما شاء الله فقد سألتني كل شيء (١). وقوله لموسى ﵇: أما علمت أن قولك: ما شاء الله أنجحُ ما طلبت به الحوائج (٢). وبيانه: أنَّ في التفويض إليه إلقاءه باليد في باحة العبودية، وإسلاماً للنفس إلى يد الجبروتية، وأرضى ما يكون السادة من العبيد إذا سلَّموا، وبالرضا تنال المُنى، ويحصل الهنا والغنى، بل مهما كان العبد بذكر مولاه مشغولاً كان المولى على العبد مُقبلاً وله كافياً حاجةً وسؤلاً. يقول الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين (٣). ١١٥ - ومن آدابهم: الاختصار في الدعاء والاختيار لجوامعه، وأدعية الأنبياء ﵈ في القرآن كلها جوامع . وقد روى الإمام أحمد في "الزهد" عن بشر الدمشقي ﵀ قال: قيل لناحية من الأرض: إنَّ عيسى بن مريم ﵉ مارٌّ

стр. 2566

بكم، فنزلوا من الغيران والحدائر، وأظلة الأشجار ورؤوس الجبال، فمرَّ بهم فقال: اللهم اغفر لنا - ثلاثاً -. قالوا: يا روح الله! إنا رجونا أن نسمع منك اليوم موعظةً، ونسمع منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى. فأوحى الله إلى عيسى ﵇: قل لهم: إني من أغفر له مغفرةً واحدة أُصْلحُ له بها دنياه وآخرته (١). ١١٦ - ومن آدابهم: تكرار الدعاء ثلاثاً كما في هذا الأثر . وكما تقدم عن داود ﵇: أنه كان يُكرر دعاءه في الصباح والمساء ثلاثاً (٢). ولا بأس بالزيادة على الثلاث مرات لأنَّ الإلحاح في الدعاء مطلوب من غير اعتداء. لكن ذكر أَبو طالب المكي في "قوته": أنه استقصى أدعية القرآن فلم يجدها تزيد على سبعة، قال: فأستحب أن لا يزيد الدعاء على سبع مرات. ١١٧ - ومن آدابهم: أنهم يسألون الحاجات عند الاضطرار . روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄ قال: لقد قال موسى عليه

стр. 2567

السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وهو أكرم خلقه عليه، ولقد كان افتقر إلى شق تمرة، ولقد أصابه الجوع حتى لصق بطنه بظهره (١). ١١٨ - ومن آدابهم: الإسرار في الدعاء والتملق إلى الله تعالى بضعف الحال، والتقرب إلى الله تعالى في الدعاء بما له عليهم من سوابق . قال الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٢ - ٤]؛ أي: لم أزل أدعوك فتستجيب لي، فلذلك قوي رجائي أن تُجيب دعائي كما عودتني. وقد حكي أن رجلاً جاء إلى حاتم الطائي يلتمس منه شيئاً، فقال: إني جئتك في وقت كذا فأحسنت إليَّ، فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا (٢). ١١٩ - ومن آدابهم: التوسل إلى الله تعالى بصالح أعمالهم إذا كان الوقت يقتضي الادلال والانبساط: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان فأتيا ذات يومٍ فوجدا ريحاً، فقالا: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما بلغ به كل هذا، قال: فما سمع شيئاً

стр. 2568

كان أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم! إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان، ثم قال: اللهم! إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصاً قط وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان، ثم خرَّ ساجداً ثم قال: اللهم! إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي، فكشف الله ما به (١). ١٢٠ - ومن آدابهم: البداءة في الدعاء بنفس الداعي، وتعميم الدعاء للمؤمنين . قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] ١٢١ - ومن آدابهم: التأمين على الدعاء . وقد كان ذلك للأنبياء دون الأمم حتى كانت هذه الأمة فآتاهم الله تعالى ذلك. وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن مردويه في "تفسيره" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعْطِيْتُ ثَلاثَ خِصالٍ: أُعْطِيتُ صَلاَةً فِي الصُّفُوْفِ، وَأُعْطِيْتُ السَّلامَ وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأُعْطِيْتُ آمِيْنَ وَلَمْ يُعْطَها أَحَدٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ اللهُ تَعالى أَعْطاها

стр. 2569

هارُوْنَ؛ فإنَّ مُوْسَى كانَ يَدْعُو وُيؤَمِّنُ هارُوْنُ" (١). وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه ينبغي أن يقدم بالدعاء الأفضل والأكمل والأقرب إلى الله تعالى، ويؤمن من دونه، ولو كان عكس ذلك جاز، لكن ينبغي أن لا يدعو مع وجود من هو أولى منه إلا بإذنه أو بإشارته؛ لأنَّ الأدب مطلوب في كل مقام. وقد روى النسائي، والحاكم وصححه، عن زيد بن ثابت ﵁: أنه كان هو وأبو هريرة ورجل آخر في المسجد يدعون، فخرج رسول الله ﷺ وجلس إليهم، فسكتوا فقال: "عُوْدُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيْهِ". قال زيد: فدعوتُ أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا. قال: ثم دعا أَبو هريرة فقال: اللهم! إني أسألك مثل الذي سأل صاحباي هذان، وأسألك علماً لا يُنسى، فقال رسول الله ﷺ "آمِين"، فقلنا: يا رسول الله! ونحن نسألُ الله علماً لا يُنسى، فقال: "سَبَقَكُما بِهَا الدَّوْسِيُّ" (٢). * تَنْبِيْهٌ لَطِيْفٌ: ذكر القرطبي في "تفسيره" عن شهر بن حوشب، عن عبادة بن

стр. 2570

الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلاَثاً لَمْ يُعْطَهَا إِلاَّ الأَنْبِياءُ: كانَ اللهُ إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ قالَ لَهُ: ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقالَ لِهَذِهِ الأُمَّة: ادْعُوْنِي أسْتَجِبْ لَكُمْ. وَكانَ اللهُ إِذا بَعَثَ النَّبِيَّ قالَ لَهُ: ما جَعَلَ عَلَيْكَ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ، وَقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ. وَكانَ اللهُ إِذا بَعَثَ النَّبِيَّ جَعَلَهُ شَهِيْدًا عَلَى قَوْمِهِ، وَجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ شُهَداءَ عَلَىْ النَّاسِ" (١). وروى الفريابي عن كعب ﵀ قال: أُعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم تعطها إلا الأنبياء: كان النبي يُقال له: بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك، وادعُ أُجبك. وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). وروى النسائي، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦] قال: نودوا: يا أمة محمد! استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم

стр. 2571

قبل أن تسألوني (١). قال العلماء: لا يحول بين هذه الأمة وبين استجابة الدعاء إلا إخلال بشرط من شروط الدعاء أو أدب من آدابه، أو يدخر الله لهم مسألتهم، أو يكتب لهم بالدعوة حسنة، أو يرفع لهم درجة، أو يحطّ عنهم خطيئة. وليس هذا محل استيفاء الكلام على الدعاء؛ فإنه يحتمل الإفراد بالتأليف. ١٢٢ - ومن خصال الأنبياء ﵈: الاستمطار والاستسقاء لكافة الخلق . قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] الآية. وروى الدارقطني، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَرَجَ نبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رافِعَةً بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوْا فَقَدِ اسْتُجِيْبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الصِّدِّيق الناجي قال: خرج سليمان بن داود ﵉ بالناس يستسقي، فمرَّ على نملةٍ

стр. 2572

مُستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم! إنا خلقٌ من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا وإما أن تُهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سُقيتم بدعوة غيركم. وفي رواية: ارجعوا فقد كُفيتم بغيركم (١). وعن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ﵀ قال: خرج داود يستسقي، فبينما هو في مسيره - أو قال: على سريره - إذا هو بنملة رافعة يديها تقول: اللهم! إنا خلقٌ من خلقك، لا غنى بنا عن رزقك، فلا تؤاخذنا بذنوب بني آدم، فقال داود: ارجعوا فقد سُقيتم. قلت: المشهور أن المستسقي سليمان، ويحتمل أنهما واقعتان متفقتان؛ إحداهما له، والأخرى لأبيه. وروى عبد الرزاق عن شهر بن حوشب ﵀: أنَّ عيسى بن مريم ﵉ خرج يستسقي فخرج بالناس ثم قال: من كان منكم أذنب ذنباً فليرجع، فجعل الناس يرجعون حتى لم يبقَ منهم معه إلا رجل أعور، فقال له عيسى: ما أذنبت قط، قال: نظرت بعيني هذه مرة واحدة إلى ما لا يحل في ففقأتها، فقال له عيسى: فأنت، ثم قال له عيسى: ادعُ وأنا أُؤمن، فدعا وأمن عيسى، فسقاهم الله تعالى (٢).

стр. 2573

١٢٣ - ومنها: الاستسقاء بالصالحين كما تقدم قريباً عن عيسى ﵇ . وذكر حجة الإسلام في "الإحياء": أنَّ بني إسرائيل قحطوا سبع سنين، فخرج موسى ﵇ ليستسقي لهم في سبعين ألفاً، فأوحى الله إليه: كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم، سرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين ويأمَنون مكري، ارجع إلى عبدٍ من عبادي يُقال له: برخ، فقل له يخرج حتى أستجيب له، فسأل عنه موسى ﵇ فلم يعرف، فبينا موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبدٍ أسود قد استعلاه بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه، فعرفه موسى بنور الله تعالى فسلَّم عليه وقال: ما اسمك؟ فقال: اسمي برخ. قال: فأنت طلبنا منذ حين، أخرج فاستسقِ لنا. فخرج فقال في كلامه: ما هذا من فعالك، ولا هذا من حلمك، وما الذي بدا لك أَنَقُصتْ عليك غيوثك؟ أم عاندت الرياح عن طاعتك؟ أم نفد ما عندك؟ اشتد غضبك على المذنبين؟ ألست كنت غفاراً قبل خلقك الخطائين؟ خلقت الرحمة وأمرت بالعطف أم ترينا أنك تمتنع؟ أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة؟ قال: فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر (١).

стр. 2574

وذكر في "الإحياء" أيضاً: عن يحيى الغساني قال: أصاب الناس قحط على عهد داود ﵇، فاختاروا ثلاثة من علمائهم، فخرجوا يستسقون لهم فقال أحدهم: اللهم! أنزلتَ في توراتك أنْ نعفو عن من ظلمنا، اللهم! إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا. وقال الثاني: [اللهم! إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا، اللهم! إنا أرقاؤك فاعتقنا. وقال الثالث] (١): اللهم! إنك أنزلت في توراتك ألا تردوا المساكين إذا وقفوا بأبوابكم، اللهم! إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا تردَّ دعائنا. قال: فسقوا (٢). وفي "صحيح البخاري": أن عمر استسقى بالعباس ﵄ (٣). وروى الإمام أحمد: أن معاوية استسقى بأبي مسلم الخولاني ﵄ (٤). وروى أَبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" بإسناد صحيح، واللالكائي في "كرامات الأولياء": أنَّ معاوية استسقى بيزيد بن الأسود رحمه الله تعالى (٥).

стр. 2575

١٢٤ - ومن أخلاق الأنبياء ﵈: ترك التداوي ثقةً بالله تعالى، واعتماداً عليه، وفعل التداوي تنفيذاً لحكم الله تعالى، وإظهاراً لما استودعه في الأدوية من المنافع من غير اعتماد عليها ولا على من يشير بها من طبيب ونحوه . فالأول: حال أيوب ﵇؛ مَكَث في البلاء سبع سنوات والدواب ترعى في جسده، ولم يُرو عنه أنه تداوى. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵁: أن امرأة أيوب ﵉ قالت له ذات يوم: يا أيوب! قد والله نزل بي من الجهد والفاقة ما بعت قرناً من قروني برغيف فأطعمتك، فادعُ ربك فليشفك. قال: ويحَكِ! كنا في النعماء سبعين عاماً فاصبري حتى نكون في الضراء سبعين عاماً. قال: وكان في البلاء سبع سنين (١). قال: وقعد الشيطان في الطريق فأخذ تابوتاً يتطيب، فأتته امرأة أيوب فقالت له: يا عبد الله! إنَّ هاهنا إنساناً مُبتلى، فهل لك أن تداويه؟ قال: إن شاء فعلت على أن يقول لي كلمة واحدة إذا بَرَأَ؛ يقول: أنت شفيتني. قال: فأتته فقالت: يا أيوب! إنَّ هاهنا رجلاً يزعم أنه يداويك

стр. 2576

على أن تقول كلمة واحدة: أنت شفيتني. قال: ويلك! ذاك الشيطان، لله عليَّ إن شفاني الله أن أجلدك مئة جلدة، فبينما هم كذلك إذ جاء جبريل ﵇ فأخذ بيده فقال: قم. قال: فقال له: اركض برجلك، فركض، فنبعت عين، فقال: اشرب، فشرب. قال: يقول الله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]؛ أي: فشفاه الله تعالى. والخبر فيه طول (١). والثاني: حال يعقوب ﵇ وآخرين من الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]. روى الترمذي عن ابن عباس ﵄: أنَّ اليهود قالوا للنبي ﷺ : فأخبرنا عمَّا حرَّم إسرائيل على نفسه؟ قال: "سَكَنَ الْبَدْوَ فَاشْتَكَى عِرْقَ النِّسا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً يُداوِيْهِ إِلاَّ لُحُوْمَ الإِبِلِ وَأَلْبانهَا، فَلِذَلِكَ حَرَّمَها"، قالوا: صدقت (٢).

стр. 2577

وروى غيره عن ابن عباس قال: لما أصاب يعقوب ﵇ عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل، فحرَّمها على نفسه، فقالت اليهود: إنما حرَّمنا على أنفسنا لحوم الإبل أنَّ يعقوب حرَّمها، وأنزل الله تحريمها في التوراة، فأنزل الله هذه الآية (١). وروى البزار، والطبراني، وابن السني، وأبو نعيم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ "أَنَّ نبِيَّ اللهِ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي رَأَىْ شَجَرَةً نَابِتَة بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُوْلُ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟ فتقُوْلُ: كَذَا، فَيَقُوْلُ: لأَيِّ شَيءٍ أَنْتِ؟ فتقَوْلُ: لِكَذَا، فَإِنْ كَانَتَ لِدَوَاءٍ كتبت، وَإِنْ كَانَتْ لِغِرَاسٍ غرست" (٢). وروى الطبراني من حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِيْنَ: الحَيَاءُ، وَالحِلْمُ، وَالحِجَامَةُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ" (٣). وتقدَّم في الباب حديثا أبي أيوب وحصين الخطمي. وذكر أَبو طالب المكي عن بعض العلماء: أن موسى ﵇ اعتل علة، فدخل عليه بنو إسرائيل فعزموا عليه فقالوا: لو تداويت بكذا لبرئت، فقال: لا أتداوى حتى يُعافيني من غير دواء، فطالت عليه

стр. 2578

فقالوا له: إنَّ دواء هذه العلة معروفٌ مجرَّب، وإنَّا نتداوى به فنبرأ، فقال: لا أتداوى، فدامَتْ عليه، فأوحى الله إليه: وعزتي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه، فقال لهم: داووني بما ذكرتم، فداووه فبرأ، فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى الله إليه: أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك علي؟ من أودع العقاقير منافع الأشياء غيري. قال أَبو طالب: وروينا في بعض الأخبار: شكى نبي من الأنبياء إلى الله علَّة يجدها، فأوحى الله إليه: كُلِ اللحم باللبن. قال: وفي خبر آخر: أنَّ نبياً شكا إليه الضعف، فأوحى الله إليه: كُل اللحم باللبن؛ ففيهما القوة. أحسبه الضعف عن الجماع (١). قال: وذكر وهب بن منبه: أنَّ ملكاً من الملوك اعتل علَّة وكان حسن السيرة في رعيته، فأوحى الله إلى شعياء النبي ﷺ : قل له: اشرب ماء اللبن؛ فإنه شفاء من علتك. قال: وقد روينا أعجب من ذلك: أنَّ قوماً شكوا إلى نبي قبح أولادهم، فأوحى الله إليه: مُرْهم أن يُطعموا النساء الحُبالى السَّفرجل؛ فإنه يحسن الولد (٢). ونقل ذلك حجة الإسلام الغزالي في "الإحياء"، وقال: يُروى

стр. 2579

عن موسى ﵇ أنه قال: يا رب! ممن الدواء والشفاء؟ فقال تعالى: مِنِّي. قال: فما يصنع الأطباء؟ قال: يأكلون أرزاقهم، وُيطيبون نفوس عبادي حتى يأتي شفائي أو قبضي (١). وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ فيما رواه أَبو داود، وابن السني، وأبو نعيم عن أبي رِمْثَةَ قال: انطلقت مع أبي إلى رسول الله ﷺ فقال له أبي: أرني الذي بظهرك؛ فإني رجلٌ طبيب، قال: "اللهُ الطَّبِيْبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيْقٌ" (٢). * تَنْبِيْهٌ: قال قوم: إنَّ شيث ﵇ أظهر الطب، وإنه ورثه من أبيه آدم ﵇. وقال أبقراط وغيره: إنه إلهام من الله تعالى. وقيل: إنه حصل من التجارب. وقيل: بالقياس. وقيل: إنه مأخوذ عن سليمان ﵇، واستدلَّ له بحديث ابن عباس المتقدم، ولذلك أرشد العلماء إلى تعلم الطب لأنه من السنة.

стр. 2580

وقال الشافعي ﵀: العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان (١). وقال ﵁: لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب (٢). وكان ﵁ من أبصر الناس بالطب. ١٢٥ - ومن أخلاق الأنبياء ﵈: ترك التضجر والتأوه في المرض . ولا بأس بالأنين والشكاية إلى الله تعالى لا إلى العُوَّادِ كما قال الله تعالى حكاية عن أيوب ﵇: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤١ - ٤٢]؛ شكى إلى الله فشكاه وأزال بلواه. وقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن نَوف البِكالي ﵀ قال: مر نفر من بني إسرائيل بأيوب ﵇ فقالوا: ما أصابه ما أصابه إلا بذنبٍ عظيم أصابه. قال: فسمعها أيوب فعند ذلك قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٣]، قال: وكان قبل ذلك لا يدعو (٣).

стр. 2581

وروى ابنه في "زوائده" عن طلحة قال: قال إبليس: ما أصبت من أيوب ﵇ شيئاً قط كنت أفرح به إلا أني كنت إذا سمعت أنينه عرفت أني قد أوجعته (١). ١٢٦ - ومنها: قصر الأمل، وتوقع الموت خصوصاً للمريض . روى الإمام أحمد في "الزهد" عن خيثمة ﵀ قال: قال سليمان بن داود ﵉: جربنا العيش؛ لينه وشديده، فوجدناه يكفي منه أدناه (٢). وعن خالد بن معدان ﵀: أن النبي ﷺ رأى أبا الدرداء ومعاذاً وهما يمسحان المسجد بقصبة، فقال النبي ﷺ : "خَشَبَاتٌ وَشَيْءٌ مِن ثُمَام، وظُلَّةٌ كَظُلَّةِ مُوْسَى ﵇" (٣). ١٢٧ - ومنها: الوصية عند الموت للأولاد والأهل بالمحافظة على الدين . قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢].

стр. 2582

رُوِيَ أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : ألست تعلم أنَّ يعقوب ﵇ أوصى بنيه باليهودية يوم مات، فأنزل تعالى في الرد عليهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] الآية (١). قال عطاء ﵀: إنَّ الله تعالى لم يقبض نبياً حتى خيره بين الموت والحياة، فلمَّا خيَّر يعقوب قال: أَنْظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم، ففعل الله ذلك به، فجمع ولده وولد ولده، وقال لهم: قد حضر أجلٌ فما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبدُ إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران الجَوني رحمه الله تعالى قال: إنَّ موسى بن عمران ﵇ لمَّا نزل به الموت جزع، ثم قال: أما إني لست أجزع من الموت ولكن أجزع أن ييس لساني عن ذكر الله عند الموت. قال: وكان لموسى ثلاث بنات فقال: يا بناتي! إنَّ بني إسرائيل سيعرضون عليكم الدنيا فلا تقبَلْنَها، والقُطْنَ هذا السنبل فافركْنَهُ وكُلْنَهُ وتَبَلَّغْنَ به إلى الجنة (٣).

стр. 2583

وروى الدارقطني عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان ابن فلان أنه شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعثُ من في القبور، وأوصى من ترك بعده من أهله أن يتقوا الله حقَّ تقاته، وأن يُصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] (١). ١٢٨ - ومنها: الحذر من الموت على غرَّة، والدعاء بتهوين سكرات الموت . روى أَبو نعيم عن وهيب ﵀ قال: مرَّت بنوح ﵇ خمس مئة سنة لم يقرب النساء حذراً من الموت (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن علي بن الحسن الصنعاني قال: بلغنا أنَّ عيسى بن مريم ﵉ قال: يا معشر الحواريين! ادعوا الله يُخفِّفْ عني هذه السكرة؛ يعني: الموت. ثم قال عيسى: لقد خفتُ الموت خوفاً أوقفني مخافتي من الموت على الموت (٣).

стр. 2584

١٢٩ - ومنها: إخراج ما عسى أن يكون عندهم من أمتعة الدنيا قبل الموت، وخصوصاً عند الموت . روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: كان نبي الله سليمان بن داود ﵉ يُطعم المجذومين والأيتام النقي، ويأكل الشعير، ولم يَدَع سليمان بن داود يوم مات ديناراً ولا درهماً (١). ١٣٠ - ومنها: تفريغ القلب لمُلاقاة الله من كل ما سواه من زوجة وولد ومال وسائر أمور الدنيا . روى ابن أبي الدنيا عن أبي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَبَاكُمْ آدَمُ ﵇ كَانَ طوالاً مِثْلَ النَّخْلَةِ السَّحُوْقِ سِتُّون ذِرَاعًا، وَكَانَ طَوِيْلَ الشَّعْرِ مُوَارِي العَوْرَةِ، فَلمَّا أَصَابَ الخَطِيْئَةَ بَدَتْ لَهُ سَوْءَتُهُ فَخَرَجَ هَارِبًا فِيْ الجَنَّةِ، فَلَقِيَتْهُ شَجَرَةٌ فَأَخَذَتْ بِنَاصِيَتِهِ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ: يَا آدَمُ! أَفِرَارًا مِنِّي؟ قَالَ: لا يَارَبِّ، وَلَكِنْ حَيَاءً مِمَّا جَنَيْتُ بِهِ. قَالَ: فَأَهْبَطَهُ اللهُ إِلَىْ الأَرْضِ، فَلَمَّا حَضَرَتْ وَفَاتُهُ بَعَثَ اللهُ بِكَفَنِهِ وَحَنُوْطِهِ مِنَ الجَنَّةِ، فَلَمَّا رَأَتْ حَوَّاءُ المَلائِكَةَ ذَهَبَتْ لِتَدْخُلَ دُوْنَهُمْ، فَقَالَ: خَلِّي بَيْنِي وَيَيْنَ رُسُلِ رَبِّى فَمَا لَقَيْتُ مَا لَقَيْتُ إِلاَّ مِنْ قِبَلِكِ، وَمَا أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إِلاَّ فِيْكِ.

стр. 2585

قَالَ: فَغَسَّلَتْهُ المِلائِكَة بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ وِتْرًا، وَكَفَّنُوْهُ فِيْ وِتْرٍ مِنَ الثِّيَابِ وَألْحَدُوْا لَهُ وَدَفَنُوْهُ وَقَالُوْا: هَذَهِ سُنَّةُ وَلَدِ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ" (١). وقوله هذا يجوز أن يكون إشارة إلى ما فعلوه به من التغسيل والتكفين والدفن، فيكون ذلك مشروعاً في سائر الملل منذ عهد آدم ﵇. ويجوز أن يكون إشارة إلى الموت؛ والمعنى: كما أن الموت نزل بآدم ﵇، فهو سنة باقية في أولاده لابدَّ من استقصائهم بالموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وما أحسن قول كعب بن زهير ﵁: [من البسيط] كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْماً عَلى آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمُولُ (٢) وروى الدينوري في "المجالسة" عن أبي عمرو بن العلاء قال: أول شعر قيل في ذم الدنيا قول يزيد بن حذَّاق بن عبد القيس: [من البسيط] هَلْ لِلْفَتى مِنْ مَساةِ الدَّهْرِ مِنْ راقِ ... أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمامِ الْمَوْتِ مِنْ واقِ

стр. 2586

قَدْ رَجَّلُونِي وَما بِالشَّعْرِ مِنْ شَعَثٍ ... وَأَلْبَسُونِي ثِياباً غَيْرَ أَخْلاقِ فَطَيَّبُونِي وَقالُوا أَيُّما رَجُلٍ ... وَأَدْرَجُونِي كَأَنِّي طَيُّ مِخْراقِ وَأَرْسَلُوا فِتْيةً مِنْ خَيْرِهِمْ حَسَباً ... وَأَسْنَدُوا فِيْ ضَرِيْحِ التُّرْبِ أَطْباقِي وَقَسَّمُوا الْمالَ وَارْفَضَّتْ عَوائِدُهُمْ ... وَقالَ قائِلُهُمْ ماتَ ابْنُ حذَّاقِ هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلا تُوْلَعْ بِإِشْفاقٍ ... فإنَّما مالَنا لِلْوارِثِ الْباقِي (١) * فائِدَةٌ: روى الدينوري عن معاذ بن رفاعة ﵀ قال: مرَّ يحيى بن زكريا ﵉ بقبر دانيال النبي ﵇، فسمع صوتاً من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، [فإذا هو بصوت من السماء: أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت]، (٢) مَنْ قالهنَّ استغفرت له السماوات السبع والأرضون، ومن فيهن (٣).

стр. 2587

هذه نبذة صالحة من أخلاق الأنبياء ﵈، ولم أستوفِ جميع ما ورد في كل مقام، فينبغي لكل مؤمن أن لا يرغب عن الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم إلا فيما نسخ من الشرائع بشريعة نبينا الخاتم الشافع ﷺ وشرفه الله تعالى ومجد وعظم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وهذه الآية كافية في الزجر والرَّدع عما يقع عن بعض الجهلاء ويتفق من بعض الأغبياء من قولهم: ما يوصلنا إلى مقام الأنبياء، أو إلى مقام الصحابة النبلاء، أو إلى مقام الأولياء الكملاء؟ إذا قيل لهم: افعلوا كذا فقد كان فلان النبي أو الصحابي أو الولي يعمل به، وربما نسب الكثير من أهل عصرنا من يأمر باتباع السلف في الاجتهاد والطاعة والورع والتقشف والقناعة إلى الجنون والرقاعة، وعللوا ذلك بتأخر الزمان واقتراب الساعة. وهذا مكرٌ من الله تعالى وخذلان، وموافقة منهم لأهواء الشيطان، وطالما قيل لي: إذا دققت في الإرشاد وحمل الناس على السداد لقد حاولت محالاً، وادعيت تقريب ما هو أبعد من الثُّريا منالاً، وأنا أحتج بأدلةٍ سواطع وحجج قواطع. - منها: إنَّ اليأس من رَوح الله باعتبار تأخر الزمان من جملة أخلاق أهل الغبن والخسران. - ومنها: أحاديث صحت أسانيدها، وكثر على ألسنة العلماء

стр. 2588

ترديدها؛ كحديث المغيرة ﵁ في "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِيْ ظَاهِرِيْنَ عَلَىْ الحقِّ حتى يَأَتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُون" (١). وروى الحاكم وصححه، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِيْ ظَاهِرِيْنَ عَلَىْ الحقِّ حَتىْ تَقُوْمَ السَّاعَة" (٢). وروى الإمام أحمد عن عمار، وهو والترمذي وصححه، عن أنس، وأبو يعلى عن علي، والطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عمرو ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ أُمَّتِيْ مَثَلُ المَطَرِ؛ لاَ يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" (٣). إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار. * وهنا تَنْبِيْهاتٌ: الأول: قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قيل: وفَّى بذبح ولده. وقيل: وفَّى بالبلاغ. وقيل: بالطاعة. وقيل: بصلاة الضحى (٤).

стр. 2589

وقال ابن عباس ﵄: سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتمها أحد قبل إبراهيم؟ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. صححه الحاكم (١). وجاء بيان السهام المذكورة في رواية ابن مردويه: عشرة في براءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآيات كلها. وعشرة في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيات كلها. وستة في: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] من أولها الآيات كلها. وأربع في: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج: ١]، ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٦ - ٢٧] الآيات كلها. فتلك ثلاثون سهماً؛ من وافى الله بسهمٍ منها فقد وافاه بسهم من سهام الإسلام، ولم يُوافه أحد بسهام الإسلام كلها قبل إبراهيم (٢)، وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: ٦].

стр. 2590

قلت: ومن استتم هذه الأخلاق الخليلية والملل الإبراهيمية فهو من الأقطاب، فقد قيل: إن قلب القطب على قلب إبراهيم؛ أي: من حيث جمعُه لمحامد الخصال. التَّنْبِيْهُ الثانِيْ: روى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تتَرَاءَونَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أَوْ المَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ". قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء ﵈ لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بَلَى وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِيْنَ" (١)؛ أي: رجال غير أنبياء. وفيه إشارة إلى أنَّ من أولياء الله تعالى من يُرفع إلى منازل الأنبياء ﵈ لأنهم لما قالوا: تلك منازل الأنبياء، لم ينكر عليهم أنها منازلهم، ولكنه بيَّن أنه قد ينالها غير الأنبياء ممن آمن بالله وصدَّق المرسلين، ولا يلزم من ذلك المساواة بين الأنبياء وبين غيرهم، بل المنازل التي نالها الأنبياء بالإيمان والتصديق وحُسن الخُلق ونحو ذلك يشاركهم فيها من خلق بها ممن سواهم، وإنما يختص الأنبياء بما

стр. 2591

يُعطونه من الثواب زائداً على ذلك في مقابلة النبوة وتلقي الوحي، وقد تبين أنَّ من تشبه بالأنبياء في مقام من مقاماتهم شاركهم في ثواب ذلك المقام؛ فافهم! التَّنْبِيْهُ الثَّالِثُ: ينبغي ويتأكد في حق من وفَّقه الله تعالى إلى أعمال الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أن يحذر من العجب والغرور، ولا يزكي نفسه، ويتهمها، ويلازم الخوف والخشية؛ فإن قليلاً من ذلك يُفسد كثيراً من عمل الخير. روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن كعب رحمه الله تعالى قال: لو أنَّ رجلاً كان له مثل عمل سبعين نبياً لخشي أن لا ينجو من شر يوم القيامة (١). التَّنْبِيْهُ الرَّابعُ: قال أَبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار": سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد يقول: قال أَبو محمد سهل - يعني: ابن عبد الله التستري -: أصولنا سبعة وفروعنا خمسة، فمن تمسك بذلك كان الله دليله، والأنبياء أئمته، والملائكة أعوانه، والصديقون شركاءه، والمؤمنون إخوانه في أي حال تقلب فيه، ومن لم يكن فيه هذه السبعة أصله وهذه الخمسة فرعه فإنَّ إبليس وليه، والشياطين أئمته، والسحرة أعوانه، والكفار شركاؤه، والمنافقين إخوانه.

стр. 2592

فالأصول السَّبعة أولها: التمسك بكتاب الله. والاقتداء بالنبي ﷺ . وأكل الحلال. وكف الأذى عن الخلق. وأداء الحقوق. واجتناب الآثام. والسابع: التوبة من التقصير في هذه الستة. وأما الخمسة فهي التي بُني الإسلام عليها. ثم قال سهل: توزن حسنات العباد يوم القيامة إذا لم يكن معهم شيء من هذه: الشك والبدعة والمظالم والكبائر والرياء (١). ***

стр. 2593

وهَذِه خَاتِمَةٌ لَطِيفَةٌ لِهَذَا الكِتَاب من الجاري على ألسنة الناس ما ذكره بعضهم حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: "عُلَمَاءُ أُمَّتِيْ كَأَنْبِيَاءِ بَنيْ إسْرَائِيلَ" (١). وممن نقله جازما به أنه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ الإمام فخر الدين الرازي، والشيخ موفق الدين بن قدامة، والإسنوي، والبارزي، واليافعي. وأشار إلى الأخذ بمعناه الإمام سعد الدين التفتازاني، والشيخ فتح الدين الشهيد، والشيخ العارف بالله سيدي أَبو بكر الموصلي، والحافظ المسند الشيخ جلال الدين السيوطي في "الخصائص الكبرى". وقال الشيخ تاج الدين ابن عطاء الله الإسكندري في "لطائف المنن" بعد أن أورد الحديث جازماً به: أي: إن علماء أمتي يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين بما جئت به، لا أنهم يأتون بشرع جديد؛ فأشار بذلك إلى وجه التشبيه بين علماء هذه الأمة وأنبياء بني إسرائيل. قلت: ومن وجه التشبيه أيضاً: أنَّ هذه الأمة شهداء على الناس،

стр. 2594

كما أنَّ الأنبياء شهداء على قومهم، وأن الله تعالى لم يجعل على هذه الأمة في الدين من حرج، وأنَّ دعوتهم مستجابة كدعوة الأنبياء ﵈. وقد قدمت حديثاً في ثبوت ذلك لعموم الأمة، وإنما يكون ذلك لخواصهم، وعامتهم فيه تَبَع. وللشبه وجوهٌ أخر ستعرف بعضاً كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يلزم من كون علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل أن يكونوا مثلهم في كل وصف هو لهم. وكذلك لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من الأنبياء كما فهمه الشيخ برهان الدين الناجي ﵀ فألجأه ذلك إلى تأليف جزء ردَّ فيه على من قال: إنَّه حديث، وأشار إلى تخطئة من ذكرناهم آنفا محتجاً بأنه لم يُوجد في كتب الحديث المعتبرة، وبأنه يلزم منه تسوية علماء الأمة بالأنبياء، وقد وقع الإجماع من أهل السنة على أنَّ الأولياء لا يبلغون درجة الأنبياء. وقد علمت أنه لا يلزم من اللفظ التسوية المذكورة، وقد أطبق البلغاء والعقلاء على أن المشبه لا يفضل المشبه به في وجه التشبيه المشترك بينهما، فإذا قلت: زيد كالأسد، لا يلزم منه تفضيل زيد في الشجاعة على الأسد، بل مفهومه أن الأسد أبلغ منه في الشجاعة. فقوله ﷺ - إنْ صحَّ عنه -: "عُلُماءُ أُمَّتِي كَأَنْبِياءِ بَنِي إِسْرائِيْلَ"؛ أي: في تقرير الشرائع وفهم الأحكام، لا في النبوة؛ لأن ذلك غير لازم. ثم إنَّ الأنبياء فيما ذُكر أتم حالاً وأبلغ أمراً من علماء هذه الأمة، كما يفهم من صيغة التشبيه، فهذا اللفظ معناه صحيح. وأما من حيث النقلُ فإنَّ العلماء الذين نقلوه حديثاً ثقات،

стр. 2595

فالأولى حمل أمرهم على أنهم ظَفِروا به مسنداً، ولم نظفر نحن به (١). على أن لهذا الحديث شواهد سنوردها قريباً - إن شاء الله تعالى -.
следующие страницы →