يُعطونه من الثواب زائداً على ذلك في مقابلة النبوة وتلقي الوحي، وقد تبين أنَّ من تشبه بالأنبياء في مقام من مقاماتهم شاركهم في ثواب ذلك المقام؛ فافهم!
التَّنْبِيْهُ الثَّالِثُ: ينبغي ويتأكد في حق من وفَّقه الله تعالى إلى أعمال الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أن يحذر من العجب والغرور، ولا يزكي نفسه، ويتهمها، ويلازم الخوف والخشية؛ فإن قليلاً من ذلك يُفسد كثيراً من عمل الخير.
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن كعب رحمه الله تعالى قال: لو أنَّ رجلاً كان له مثل عمل سبعين نبياً لخشي أن لا ينجو من شر يوم القيامة (١).
التَّنْبِيْهُ الرَّابعُ: قال أَبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار": سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد يقول: قال أَبو محمد سهل - يعني: ابن عبد الله التستري -: أصولنا سبعة وفروعنا خمسة، فمن تمسك بذلك كان الله دليله، والأنبياء أئمته، والملائكة أعوانه، والصديقون شركاءه، والمؤمنون إخوانه في أي حال تقلب فيه، ومن لم يكن فيه هذه السبعة أصله وهذه الخمسة فرعه فإنَّ إبليس وليه، والشياطين أئمته، والسحرة أعوانه، والكفار شركاؤه، والمنافقين إخوانه.
стр. 2592
فالأصول السَّبعة أولها: التمسك بكتاب الله.
والاقتداء بالنبي ﷺ .
وأكل الحلال.
وكف الأذى عن الخلق.
وأداء الحقوق.
واجتناب الآثام.
والسابع: التوبة من التقصير في هذه الستة.
وأما الخمسة فهي التي بُني الإسلام عليها.
ثم قال سهل: توزن حسنات العباد يوم القيامة إذا لم يكن معهم شيء من هذه: الشك والبدعة والمظالم والكبائر والرياء (١).
***
стр. 2593
وهَذِه خَاتِمَةٌ لَطِيفَةٌ لِهَذَا الكِتَاب
من الجاري على ألسنة الناس ما ذكره بعضهم حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: "عُلَمَاءُ أُمَّتِيْ كَأَنْبِيَاءِ بَنيْ إسْرَائِيلَ" (١).
وممن نقله جازما به أنه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ الإمام فخر الدين الرازي، والشيخ موفق الدين بن قدامة، والإسنوي، والبارزي، واليافعي.
وأشار إلى الأخذ بمعناه الإمام سعد الدين التفتازاني، والشيخ فتح الدين الشهيد، والشيخ العارف بالله سيدي أَبو بكر الموصلي، والحافظ المسند الشيخ جلال الدين السيوطي في "الخصائص الكبرى".
وقال الشيخ تاج الدين ابن عطاء الله الإسكندري في "لطائف المنن" بعد أن أورد الحديث جازماً به: أي: إن علماء أمتي يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين بما جئت به، لا أنهم يأتون بشرع جديد؛ فأشار بذلك إلى وجه التشبيه بين علماء هذه الأمة وأنبياء بني إسرائيل.
قلت: ومن وجه التشبيه أيضاً: أنَّ هذه الأمة شهداء على الناس،
стр. 2594
كما أنَّ الأنبياء شهداء على قومهم، وأن الله تعالى لم يجعل على هذه الأمة في الدين من حرج، وأنَّ دعوتهم مستجابة كدعوة الأنبياء ﵈.
وقد قدمت حديثاً في ثبوت ذلك لعموم الأمة، وإنما يكون ذلك لخواصهم، وعامتهم فيه تَبَع.
وللشبه وجوهٌ أخر ستعرف بعضاً كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولا يلزم من كون علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل أن يكونوا مثلهم في كل وصف هو لهم.
وكذلك لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من الأنبياء كما فهمه الشيخ برهان الدين الناجي ﵀ فألجأه ذلك إلى تأليف جزء ردَّ فيه على من قال: إنَّه حديث، وأشار إلى تخطئة من ذكرناهم آنفا محتجاً بأنه لم يُوجد في كتب الحديث المعتبرة، وبأنه يلزم منه تسوية علماء الأمة بالأنبياء، وقد وقع الإجماع من أهل السنة على أنَّ الأولياء لا يبلغون درجة الأنبياء.
وقد علمت أنه لا يلزم من اللفظ التسوية المذكورة، وقد أطبق البلغاء والعقلاء على أن المشبه لا يفضل المشبه به في وجه التشبيه المشترك بينهما، فإذا قلت: زيد كالأسد، لا يلزم منه تفضيل زيد في الشجاعة على الأسد، بل مفهومه أن الأسد أبلغ منه في الشجاعة.
فقوله ﷺ - إنْ صحَّ عنه -: "عُلُماءُ أُمَّتِي كَأَنْبِياءِ بَنِي إِسْرائِيْلَ"؛ أي: في تقرير الشرائع وفهم الأحكام، لا في النبوة؛ لأن ذلك غير لازم.
ثم إنَّ الأنبياء فيما ذُكر أتم حالاً وأبلغ أمراً من علماء هذه الأمة، كما يفهم من صيغة التشبيه، فهذا اللفظ معناه صحيح.
وأما من حيث النقلُ فإنَّ العلماء الذين نقلوه حديثاً ثقات،
стр. 2595
فالأولى حمل أمرهم على أنهم ظَفِروا به مسنداً، ولم نظفر نحن به (١).
على أن لهذا الحديث شواهد سنوردها قريباً - إن شاء الله تعالى -.
стр. 2596
وإذا تقرر لك أن المشبَّه به أفضل من المشبه في العادة، فأي مانع من تشبيه المفضول بالفاضل لتشبه بعض الصحابة ببعض الأنبياء في السمت.
وقد روى أَبو يعلى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سرَّه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَواضُعِ عيسى ﵇ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ" (١).
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْمَسِيْحِ عِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ؛ إِلَى بِرِّهِ وَصِدْقِهِ وَجِدِّهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححاه، عن عقبة ابن عامر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَوْ كانَ بَعْدِيْ نبِيٌّ لَكانَ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ" (٣).
وروى ابن عساكر عن مسلم بن يسار ﵀ مرسلاً، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان ﵁ فقال: "شَبِيهُ إبْراهِيمَ، وإنَّ الملائكةَ لَتَسْتَحْيي مِنْهُ" (٤).
وروى الطبراني بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح، وصححه الحاكم وغيره، عن مسروق قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود ﵁:
стр. 2597
إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكُ من المشركين، فقال فروة - رجل من أشجع -: نسي أن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً، فقال: ومن نسي؟ إنا كنا نشبه معاذاً ﵁ بإبراهيم.
قال: وسُئِلَ - يعني: ابن مسعود - عن الأمة، قال: معلم الخير، وسئل عن القانت فقال: مطيع الله ورسوله (١).
وروى ابن المبارك عن معقل بن يسار ﵁: أن الناس كانوا يقولون عن عامر بن عبد قيس ﵀: إنه مثل إبراهيم ﵇ (٢).
وروى الديلمي عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "ما مِنْ نَبِيٍّ قَطُّ إِلاَّ وَلَهُ نظِيْرٌ فِيْ أُمَّتِي؛ أَبُو بَكْرٍ نَظِيْرُ إِبْراهِيْمَ، وَعُمَرُ نَظِيْرُ مُوسَى، وَعُثْمانُ نَظِيْرُ هارُونَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طالِبٍ نَظِيْرِي، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ فَلْيَنْظُرْ إِلى أَبِي ذَرٍّ" (٣).
وعن أبي الحمراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى آدَمَ فِيْ وَقارِهِ، وَإِلى مُوْسَى فِيْ شِدَّةِ بَطْشِهِ، وَإِلَى عِيْسَى فِيْ زُهْدِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذا الْمُقْبِلِ"، فأقبل علي ﵁ (٤).
стр. 2598
وروى ابن أبي شيبة عن الماجشون بن أبي سلمة ﵀ قال: قال سعد بن معاذ ﵁: ثلاث أنا فيما سواهنَّ ضعيف؛ ما سمعت رسول الله ﷺ يقول قولاً إلا علمت أنه حق من الله ﵎، ولا صليت صلاةً قط فألهاني عنها غيرها حتى أنصرف عنها، ولا سمعت جنازة قط فحدثت نفسي بغيرها هي قائلة أو مقول لها.
قال: فحدثت بذلك الزهري قال: إن كان لمأموناً على ما قال، وما كنتُ أرى أنَّ أحداً من الناس يكون هكذا إلا نبي (١).
وفي "سنن أبي داود": أن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵁: "أَنْتَ مِنِّىْ وَأَنا مِنْكَ".
وقال لجعفر ﵁: "أَشْبَهْتَ خَلْقِيَ وَخُلُقِي".
وقال لزيد بن حارثة ﵁: "أَنْتَ أَخُونا وَمَوْلانا" (٢).
وروى أَبو نعيم عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس ﵁ يقول: قال عيسى بن مريم ﵉: تأتي أمة محمد علماء حكماء كأنَّهم من الفقه أنبياء.
قال مالك: أراهم صدور هذه الأمة (٣).
стр. 2599
قلت: إنما قال مالك هذا لأنَّ الصدر الأول مظنة هذه الأخلاق ما كادوا يخرجون عنها، فأراد أن يرى رأياً يسلمه له كل أحد، وإلا فإنا نعد بعد الصدر الأول خلائق كانوا متخلقين بهذه الخلائق، وناهيك بالأئمة الأربعة وأقرانهم وأصحابهم، وبأبي الحسن الأشعري وأقرانه من أهل السنة، وبالإمام أبي إسحاق الشيرازي، وإمام الحرمين، والشيخ نصر المقدسي، والقشيري، والغزالي، والنووي، والطحاوي، والكرخي، والقاضي عياض، والشيخ أبي عمر بن قدامة، وأخيه الموفق، وأمثالهم مما لا يُعد كثرة.
وروى أَبو نعيم عن سعيد بن هارون البرجمي ﵀ قال: رأيت في المنام كأني في موضع علمتُ أنه ليس من الدنيا، فإذا أنا برجل لم أر قط أجمل منه، فقلت: مَنْ أنت يرحمك الله؟
قال: أنا يوسف بن يعقوب.
فقلت: قد كنت أحبُّ أن ألقى مثلك فأسأله.
قال: سَلْ.
فقلت: ما الرافضة؟
قال: يهود.
وقلت: والإباضية؟
قال: يهود.
قلت: فقوم عندنا نصحبهم.
قال: من هم؟
стр. 2600
قلت: سفيان الثوري وأصحابه.
قال: أولئك يُبعثون على ما بعثنا الله عليه معاشرَ الأنبياء (١).
وروى أَبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن سهل التستري ﵀ قال: من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء ﵈ فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل فيقول: يا فلان! إيش تقول في رجل حلف على امرأته في كذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته، ويجيئه آخر فيقول: ما تقول في رجُل حلف على امرأته في كذا وكذا؟ فيقول: ليس يحنث بهذا القول، وليس هذا إلا لنبي أو لعالم، فاعرفوا لهم ذلك (٢).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن محمود بن الربيع قال: كنا عند عبادة بن الصامت ﵁ فاشتكى، فأقبل الصُّنَابِحِيُّ، فقال عبادة: من سرَّه أن ينظر إلى رجل كأنما رقي به من فوق سبع سماوات فعمل ما عمل على ما رأى فلينظر إلى هذا، فلما انتهى الصنابحي إليه قال عباده: لئن سُئِلْتُ عنك لأشهدنَ لك، ولئن شفعت لأشفعنَّ لك، ولئن استطعت لأنفعنك (٣).
فتأمل في شهادة عبادة للصنابحي؛ واسمه عبد الرحمن بن عُسَيْلَةَ
стр. 2601
من كبار التابعين وعبادهم، قدم بعد وفاة النبي ﷺ بخمس ليال، وكان عبد الملك يجلسه معه على السرير، شهد له عبادة بأن يقينه كيقين أولي العزم من المرسلين.
وروى أَبو نعيم عن الأعمش قال: ما زال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها.
قال: وكان إذا ذُكر عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن العوام بن حوشب رحمه الله تعالى قال: ما أشبه الحسن إلا بنبي أقام في قومه ثلاثين عاماً يدعوهم إلى الله .
وأخرجه أَبو أحمد العسكري، ولفظه: أقام في قومه ستين عاماً يدعوهم إلى الله (٢).
وروى العسكري عن مجاهد ﵀ قال: سمعت عائشة ﵂ كلام الحسن، فقالت: من هذا الذي يُشبه كلامه كلام الأنبياء ﵈ (٣)؟
وروى أَبو نعيم عن سفيان بن عُيينة قال: رأيتُ منصور بن المعتمر - يعني: في المنام -، فقلت: ما فعل الله بك؟
стр. 2602
قال: كدتُ أن ألقى الله بعمل نبي.
قال سفيان: إن منصوراً ﵀ صام ستين سنة يقوم ليلها ولصوم نهارها (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، ومن طريقه أَبو نعيم عن أبي يحيى القتات ﵀ قال: قدمت مع حبيب بن أبي ثابت الطائف وكأنما قدم عليهم نبي (٢).
وقال اليافعي في "الإرشاد": وقد بلغنا عن بعض الأولياء الأكابر والعلماء الجامعين بين الباطن والظاهر أنه قال: لو كان نبي بعد النبي ﷺ لكان الغزالي، وكان يجعل ثبوت معجزاته ببعض مصنفاته.
قلت: ولعل هذا لا يختص بالغزالي ﵁، ولعل كل من خرقت له عادة من علماء هذه الأمة في تصنيف أو إملاء أو حفظ، فإن تلك الخارقة صالحة لأن تكون معجزة لو كان باب النبوة منفتحاً، وهو مسدود الآن لختمه بالنبي ﷺ بنص الكتاب والسنة.
وقال بعض فضلاء القاهرة في شيخ الإسلام والدي ﵁ وأقره عليه ولم يُنكره: [من البسيط]
مَوْلًى هُوَ النَّاسِ وَالدُّنْيا بِما رَحُبَتْ ... فَضْلاً وَعِلْماً فَكَيْفَ النَّاسُ تَعْدِلُهُ
стр. 2603
لَوْ يُرْسِلُ اللهُ بَعْدَ الْمُصْطَفى أَحَداً ... لَكانَ فِيْ أَهْلِ هَذا الْعَصْرِ يُرْسِلُهُ
وروى ابن السمعاني: أنَّ إمام الحرمين ناظر فيلسوفاً في مسألة خلق القرآن، فقذف بالحق على باطله ودمغه دمغاً، ودحض شبهته دحضاً، وأوضح كلامه في المسألة حتى اعترف الموافق والمخالف له بالغلبة، فقال الأستاذ أَبو القاسم القشيري: لو ادعى إمام الحرمين النبوة لاستغنى بكلامه هذا عن إظهار المعجزة (١).
وما ذكره الإمام مالك عن عيسى ﵇ رواه ابن عساكر وغيره بزيادة فيه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عيسى ابن مريم ﵉ قال: يا رب! أنبئني عن هذه الأمة المرحومة، فقال: أمة محمد ﷺ علماء حنفاء حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله.
يا عيسى! هم أكثر سكان الجنة لأنه لم تذل ألسنة قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم، ولم تذل رقاب قومٍ قط بالسجود كما ذلت رقابهم (٢).
وروى أَبو نعيم عن أبي سليمان الداراني ﵀ قال: حدثني
стр. 2604
شيخ بساحل الشام يقال له: علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث ﵁ قال: وفدتُ على رسول الله ﷺ سابع سبعة من قومي، فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سمتنا وزيتا، فقال: "ما أَنْتُمْ؟ "
قلنا: مؤمنون.
فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "إِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيْقَةً، فَمَا حَقِيْقَةُ قَوْلِكُمْ وَإِيْمَانِكُمْ؟ "
قال سويد: قلنا: خمس عشرة خصلة؛ خمس منها أمرتْنَا رسلُك أن نؤمن بها، وخمس منها أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلَّقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً.
فقال رسول الله ﷺ : "وَمَا الخَمْسُ الَّتِيْ أَمَرَتْكُمْ رُسُلِيْ أَنْ تُؤْمِنُوْا بِهَا؟ "
قلنا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت.
قال: "وَمَا الخَمْسُ الَّتِيْ أَمَرَتْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوْا بِهَا؟ "
قلنا: أمرتنا رسلك أن نقول: لا إله إلا الله، ونُقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.
قال: "وَمَا الخَمْسُ الّتِيْ تَخَلَّقْتُمْ بِهَا أَنْتُمْ فِيْ الجَاهِلِيَّةِ؟ "
قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والصدق عند اللقاء، والرضا بمرِّ القضاء، والصبر عند شماتة الأعداء.
стр. 2605
فقال النبي ﷺ : "عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَادُوْا مِنْ صِدْقِهِمْ أَنْ يَكُوْنُوْا أَنْبِيَاءَ" (١).
وروى الديلمي عن عبد الله بن عمرو ﵄ في حديث أن النبي ﷺ ! قال: "كَادَ حَمَلَةُ القُرْآنِ أَنْ يَكُوْنُوا أَنْبِيَاء" (٢).
وروى أَبو عمر بن عبد البر، والهروي في "ذم الكلام" عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَىْ خُلَفَائِي رَحْمَةُ اللهِ"، قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: "الَّذِيْنَ يُحْيُوْنَ سُنَّتِيْ وَيُعَلِّمُوْنها عِبَادَ اللهِ" (٣).
قيل: الحسن المذكور هو ابن علي ﵄.
وقيل: البصري، فيكون الحديث مرسلاً.
لكن يؤيد الأول: أن الحديث رواه ابن السني، وأبو نعيم في "رياض المتعلمين" من حديث علي ﵁ (٤).
وروى أَبو نعيم في "فضل العالم العفيف" عن ابن عباس ﵄
стр. 2606
قال: قال رسول الله ﷺ : "أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ أَهْلُ العِلْمِ وَالجِهَادِ" (١).
بل قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
وقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨] معناه: إن أحق الناس بنصرته واتباعه، أو أقربهم شبهاً به؛ فإنَّ الآية نزلت رداً على أهل الكتاب القائلين: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فقال تعالى مبرئاً له عن ذلك ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، والنبي والمؤمنون حنفاء مسلمون، فهم أولى به ممن سواهم.
وروى أَبو نعيم عن ابن مسعود ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ إِلاَّ وَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيْثَاقَهُ يَوْمَ أَخَذَ مِيْثَاقَ النَّبِيِّيَن يَدْفَعُ عَنْه مَسَاوِئَ عَمَلِهِ بِمَحَاسِنَ عمله (٢) إِلاَّ أَنَّهُ لا يُوْحَىْ إِلَيْهِ" (٣).
وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الأَبْدَالُ فِيْ هَذِهِ الأُمَّةِ ثَلاَثُوْنَ مِثْلُ إِبْرَاهِيمِ خَلِيْلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ
стр. 2607
السَّلامُ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ رَجُلاً" (١).
وروى الطبراني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ تَخْلُوَ الأَرَضُ مِنْ أَرْبَعِيْنَ رَجُلاً مِثْلَ خَلِيْلِ الرَّحْمنِ، فَبِهِمْ تُسْقَوْن وَبِهِمْ تُنْصَرُوْنَ، مَا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ آخَرَ" (٢).
وروى أَبو نعيم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ للهِ فِيْ الخَلْقِ ثَلاَثَ مِئَةٍ قُلُوْبُهُمْ عَلَى قَلْبِ آدَمَ ﵇، وللهِ فِيْ الخَلْقِ أَرْبَعُوْنَ قُلُوْبُهُمْ عَلَىْ قَلْبِ مُوْسَىْ ﵇، وَللهِ فِي الخَلْقِ سَبْعَةٌ قُلُوْبُهُمْ عَلَىْ قَلْبِ إبْراهِيْم ﵇، وَللهِ فِيْ الخَلْقِ خَمْسَةٌ قُلُوْبُهُم عَلَىْ قَلْبِ جِبْرِيل ﵇، وللهِ فِيْ الخَلْقِ ثَلاَثةٌ قُلُوبُهُم عَلَىْ قَلْبِ مِيْكَائِيْلَ ﵇، وَللهِ فِيْ الخَلْقِ وَاحِدٌ قَلْبُهُ عَلَىْ قَلْبِ إِسْرَافِيْلَ ﵇، بِهِمْ يُحْيِي وُيمِيْتُ وَيُمْطِرُ وُينْبِتُ وَيرْفَعُ البَلاءَ" (٣).
فلا يقال: يلزم من كون الأبدال مثل إبراهيم أو قلوبهم على قلبه أن يكونوا في رتبته في الفضل، وإنما جعل الله تعالى هؤلاء أبدالاً عن الأنبياء وخلفاء عنهم بطريق النيابة والوراثة، والأنبياء مفضلون عليهم بالنبوة
стр. 2608
والدرجة الرفيعة، وكذلك من كان من أولياء الله تعالى على قلب آدم أو موسى لا يكون في رتبتهما، وإنما ينوبان عنهما في النصيحة والمنفعة.
وروى أَبو نعيم، والبيهقي عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى: أنه سمع رجلاً يقول: رأيت في المنام كأنَّ الناس جُمعوا للحساب، فَدُعِيَ الأنبياء، فجاء مع كل نبي أمته، ورأى لكل نبي نورين، ولكل من اتبعه نوراً يمشي به، فدعي محمد ﷺ فإذا لكل شعرة من رأسه ووجهه نور على حدة يثبته من نظر إليه، ولكل من اتبعه نوران يمشي بهما كنور الأنبياء، فقال كعب: والله الذي لا إله إلا هو! لقد رأيتُ هذا في منامك؟ قال: نعم.
قال: والذي نفسي بيده إنها لصفة محمد ﷺ في التوراة (١).
وروى أَبو نعيم عن كعب ﵀ قال: قال موسى ﵇: إني لأجد في الألواح صفة قومٍ على قلوبهم من النور مثل الجبال الرواسي، تكاد الجبال والرمال أن تخرَّ لهم سجداً من النور، فسأل ربه وقال: اجعلهم من أمتي، قال الله تعالى: يا موسى! إني اخترت أمة محمد ﷺ وجعلتهم أئمة الهدى، وهؤلاء طوائف من أمته.
قال: يا رب! فبمَ بلغ هؤلاء حتى آمر بني إسرائيل يعملوا مثل عملهم وأبلغ نعتهم؟
قال: يا موسى! إنَّ الأنبياء كادوا يعجزون عمَّا أعطيت أمة محمد ﷺ .
стр. 2609
يا موسى! بلغوا أنهم تركوا الطعام الذي أحللت لهم رغبةً فيما عندي، وكان عيشهم في الفلق من الخبز، والخلِقِ من الثياب، أيسوا من الدنيا وأيست الدنيا منهم، أقربهم مني وأحبهم إلي أشدهم جوعاً وأشدهم عطشاً (١).
وروى البيهقي عن وهب بن منبه ﵀ قال: إن الله أوحى في الزبور: يا داود! إنه سيأتي بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً، لا أغضب عليه أبداً، ولا يغضبني أبداً، وقد غفرتُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته أمة مرحومة، أعطيهم من النوافل مثلما أعطيت الأنبياء، وأفترض عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغُسل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الأنبياء قبلهم.
يا داود! إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلهم، أعطيتهم ست خصال لم أُعطها غيرهم من الأمم، لا أُؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنبٍ ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته، وما قدموه لإخوتهم من شيءٍ طيبةً به أنفسهم عجلت لهم أضعافاً مضاعفة، ولهم عندي أضعاف مضاعفة، وأفضل من ذلك أعطيهم على المصائب والبلايا إذا
стр. 2610
صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، وإن دعوني استجبت لهم؛ فإما أن يروه عاجلاً، وإما أن أصرف عنهم سوءاً، وإما أن أدخره لهم في الآخرة (١).
وفي هذا القدر من هذا النوع كفاية، والله ولي الهداية.
* فائِدَتانِ:
الأُوْلَى: قال ابن عطاء الأدوي ﵀: من تأدب بآداب الصالحين فإنه يصلح لبساط الكرامة، ومن تأدب بآداب الصديقين فإنه يصلح لبساط المشاهدة، ومن تأدب بآداب الأنبياء فإنه يصلح لبساط الأنس والانبساط. رواه السلمي في "طبقاته" (٢).
والكلام على الكرامة والمشاهدة والأنس والانبساط مستوفى في كتابنا "منبر التوحيد".
الفائِدَةُ الثَّانِيَةُ: كانت الأنبياء في بني إسرائيل كثيرين، وروى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه الدينوري في "المجالسة" عن فَرقد السَّبخي رحمه الله تعالى قال: إنَّما كان يولد لبني إسرائيل الأنبياء لأنهم كانوا يجعلون مهور نسائهم من أطيب كسبهم (٣).
قلت: وينبغي للمستولد أن يستطيب مهر الزوجة أو ثمن السرية،
стр. 2611
ثم يستطيب نفقته عليها وعلى أولاده لعلهم يكونون صالحين علماء وارثين، ولمَّا كثر الخبث في الناس وفي أموالهم حتى لم يبالوا من أين بذلوا مهور الأزواج وأثمان الإماء لو لم يكن إلا الأموال التي لم تزكَّ، فضلاً عن مال اليتيم والربا والرشا والمكوس والغصب، كثرت أخلاق السوء والجهالة والفجور في أولادهم؛ ولا قوة إلا بالله.
* تَتِمَّةٌ:
ما ذكرناه في التشبه بالصالحين من اشتراط موافقتهم في السرائر والظواهر هو أولى بالاعتبار هنا، فعلى العاقل أن يجتهد في الاقتداء بالأنبياء والتشبه بهم في البواطن كثير من الاجتهاد في الاقتداء بهم في الظواهر.
وقد روى العقيلي، والديلمي عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَبْغَضُ الْعِبادِ إِلَى اللهِ مَنْ كانَ ثَوْباهُ خَيْراً مِنْ عَمَلِهِ؛ أَنْ تَكُوْنَ ثِيابُهُ ثِيابَ الأَنْبِياءِ وَعَمَلُهُ عَمَلَ الْجَبَّارِيْنَ" (١).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى قال: كان لقمان يقول لابنه: يا بني! اتق الله، ولا تُرِ الناس أنك تخشى الله لِيُكْرِمُوك بذلك وقلبك فاجر (٢).
***
стр. 2612
(٧) بَابُ ذِكْرِ أَخْلاقِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ -
стр. 2613
(٧) بَابُ ذِكْرِ أَخْلاقِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
روى الإمام مالك، والستة غير أبي داود عن سعيد بن يسار قال: كنت مع ابن عمر ﵁ بطريق مكة، فلما خشيتُ الصبح نزلت فأوترت، فقال ابن عمر: أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة؟ قلت: بلى، قال: فإنه كان يُوتر على البعير (١).
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄: أنَّ عمر ﵁ أكبَّ على الركن فقال: إني لأعلم أنك حجر، ولو لم أرَ أن حِبِّيَ ﷺ قبَّلك واستلمك، ما استلمتك ولا قبلتك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢).
стр. 2614
وروى عبد الرزاق عن قتادة ﵀ قال: همَّ عمر بن الخطاب ﵁ أن ينهى عن الحِبَرَة (١) من صباغ البول، فقال له رجل: أليس قد رأيتَ رسول الله ﷺ يلبسها؟ قال عمر: بلى، قال الرجل: ألم يَقُلْ الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١]؟ فتركها عمر (٢).
وروى أَبو بكر بن مردويه، والخطيب في "رواة مالك"، وابن عساكر عن ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ قال: في جوع رسول الله (٣).
والحق أن الأسوة الحسنة فيه عامة في كل أحواله قولاً أو عملاً، أو نية، فعلاً أو تركاً.
قال محمد بن علي الترمذي ﵀: الأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أو فعل (٤).
وروى الخطابي في "الغريب" عن عبيد بن خالد ﵁ قال: كنت رجلاً شاباً بالمدينة، فخرجت في بردين وأنا مُسبلهما، فطعنني رجل من خلفي إما بإصبعه وإما بقضيب كان معه، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ ، قال: فقلت: إنما هي ملحاء، قال: "وَإِنْ كَانَتْ مَلْحَاءَ، أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ " (٥).
стр. 2615
والمعنى أن عبيد بن خالد ﵁ فهم أن فعل النبي ﷺ إنما أراد به الإنكار عليه إذ أَسبل البردين، فقال: إنما هي ملحاء - يعني: الحلة -، والعرب تسمي الثوبين حلة، والملحاء: بردة صفيقة فيها خطوط من بياض وسواد، ويعني: إن حلتي صفيقة لا خيلاء فيها، فقال: "وَإِنْ كَانَتْ مَلْحَاءَ"؛ أي: إن الخيلاء في الإسبال وإن كان الثوب صفيقاً.
وقوله: "أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ " أي: إني لا أسبل فاقتدِ بي فعلاً وتركاً.
وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر ﵁ فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إنَّ صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما (١).
يعني بصاحبيه: النبي ﷺ ، وأبا بكر ﵁.
وفيه عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قِبَلَ الوجه حين يدخل، يجعل الباب قِبَلَ الظَّهْر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبَلَ وجهه قريب من ثلاثة أذرع، فيصلي يتوخى المكان الذي أخبره بلال ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى فيه، وليس على أحدٍ بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء (٢).
وفي "صحيح مسلم" عن أنس ﵁ قال: لما قبض النبي ﷺ قال
стр. 2616
أَبو بكر لعمر ﵄: انطلق بنا نزور أم أيمن كما كان النبي ﷺ يزورها، قال: فانطلقا إليها، الحديث (١).
وروى البزار، والطبراني - بإسناد حسن - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كتب أَبو بكر الصديق ﵁ إلى عمرو بن العاص ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ شاور في أمر الحرب فعليك به (٢).
وذكر السلمي في "الحقائق" عن أبي عثمان الحيري ﵀ قال: من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] (٣).
وروى عبد بن حميد عن الحسن ﵀ مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"، ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] الآية (٤).
وروى أَبو نعيم عن الأوزاعي ﵀ قال: رأيتُ رب العزة جلَّ وعلا في المنام فقال في: يا عبد الرحمن! أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب.
стр. 2617
قال: فقلت: يا رب! أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة (١).
والسنة هي أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وأخلاقه، وشمائله المأخوذة عنه التي حملها الصحابة ﵁، ثم حملها عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم من بعدهم من ثقات العلماء طبقة بعد طبقة، وجيلاً بعد جيل حتى وصلت إلينا، فعلينا الاقتداء به ﷺ فيها.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ولا يزكو العبد ويرتفع قدره ويكمل ويتم نبله إلا باتباعه آثار النبي ﷺ .
وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا رآه أحد ظنَّ أنَّ به شيئاً من تتبعه آثار النبي ﷺ (٢).
وعن نافع: أن ابن عمر كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها ويقول: لعلَّ خُفًّا يقع على خُف؛ يعني: خف راحلة النبي ﷺ (٣).
وقد كان السلف لا يُنكرون شيئاً أشد مما يُنكرون ترك اتباع النبي ﷺ والاقتداء به.
стр. 2618
وقال عمرو بن العاص ﵁ على المنبر: والله ما رأيتُ قوماً قط أرغب فيما كان رسول الله ﷺ يزهد فيه منكم، والله ما مرَّ برسول الله ﷺ ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي له. صححه الحاكم، وأخرجه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه" بنحوه (١).
واعلم أنه لا يتأتى لنا في هذا الكتاب الاتساع في تفاصيل طرائق الاقتداء والاتباع؛ فكان ذلك موضوعه كتب الشرع الشريف من تفسير، أو حديث، أو فقه.
وإنما غرضنا الآن التنبيه على نبذة من أخلاقه ﷺ حملاً لمن يُريد الاقتداء به عليها، وندباً لمن يُحب التشبه به إليها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
روى مسلم عن سعيد بن هشام قال: دخلت على عائشة ﵂ فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلقه القرآن (٢).
وقال الحسن: كان خُلقه آداب القرآن (٣).
وقال الجنيد ﵀: إنما سمي خلقه عظيماً لأنه لم يكن له
стр. 2619
همة سوى الله تعالى (١).
وكان رسول الله ﷺ شديد الاهتمام بمكارم الأخلاق لأنه ﷺ بُعثَ ليتممها وتتم به كما تقدم عنه ﷺ ، ولذلك كان ﷺ مع ما وصف به من الخلق العظيم يقول في افتتاح صلاته: "اللَّهُمَّ اهْدِنِيْ لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِيْ لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّيْ سَيِّءَ الأَخْلاَقِ لاَ يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ". رواه مسلم من حديث علي ﵁ (٢).
وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن عائشة ﵂: أنه ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِيَ فَحَسِّنْ خُلُقِي" (٣).
وروى هو وابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁: أنه ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِيَ فَحَسِّنْ خُلُقِي" (٤).
وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إِنَّكَ امْرُؤٌ قَدْ حَسَّنَ اللهُ خَلْقَكَ، فَأَحْسِنْ خُلُقَكَ" (٥).
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن تحسين الخُلق يدخل تحت
стр. 2620
اختيار العبد، وذلك بالتخلق وحمل النفس على الأخلاق الحسنة والخصال الحميدة مع سؤال الله تعالى التوفيق لذلك والمعونة عليه، وكلما حسَّن العبد أخلاقه قرب سمته وهديه من النبي ﷺ .
ولذلك قال رسول الله ﷺ : "أَقْرَبُكُمْ مِنِّيْ مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحْسَنكُمْ خُلُقًا". رواه ابن النجار في "تاريخه" من حديث علي ﵁ (١).
فقرب العبد من نبيه ﷺ يكون على حسب قربه منه في الخلق، واتباعه له فيه وفي غيره من الأعمال.
قال أنس ﵁: خدمت النبي ﷺ ثماني حجج، فقال لي: "يَا أَنَسُ وَقِّرِ الكَبِيْرَ، وَارْحَمِ الصَّغِيْرَ تُرَافِقْنِي يَوْمَ القِيَامَةِ". رواه الخرائطي (٢).
وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيْمِ فَيْ الجَنَّةِ هَكَذَا"؛ وأشار بالسبابة والوسطى (٣).
وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: "كَافِلُ اليَتِيْمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِيْ الجَنَّةِ"؛ وأشار بالسبابة والوسطى (٤).
стр. 2621
وروى أَبو يعلى من حديثه - وحسنه المنذري - قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الجَنَّةِ إِلاَّ أنِّي أَرَىْ امْرَأَةً تُبَادِرُنِيْ، فَأَقُوْلُ لَهَا: مَا لَكِ؟ وَمَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُوْلُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدَتْ عَلَىْ أَيْتَامٍ لِيْ" (١).
* تَنْبِيْهٌ:
روى البزار، والطبراني، والبيهقي بإسناد ضعيف، عن أنس ﵁ قال: قالت أم حبيبة ﵂: يا رسول الله! رأيت المرأة مهما يكون لها زوجان في الدنيا، فتموت ويموتان، ويدخلان الجنة لأيهما هي، قال: "لأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا كَانَ عِنْدَهَا فِيْ الدُّنْيَا، يَا أُمَّ حَبِيْبَةَ! ذَهَبَ حُسنُ الخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة" (٢).
قلت: وهذا مخالف لما ذكرناه سابقاً عن أبي بكر ﵁: أن المرأة لآخر أزواجها، وهو الراجح لما رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء ﵁ والخطيب عن عائشة ﵂ قالا: قال رسول الله ﷺ : "المَرْأَةُ لآخِرِ أَزْوَاجِهَا" (٣).
стр. 2622
ولو صحَّ حديث أنس لكان محمولاً على أن النبي ﷺ أخبر أن المرأة لأحسن أزواجها خلقاً، ثم أعلم بأنها لآخرهما.
وروى أَبو نعيم عن عروة بن رويم ﵀ قال: قالت الصفراء امرأة موسى ﵉ لموسى: بأبي أنت وأمي! أنا أيم منك منذ كلمك ربك.
قال: فكأن موسى لن يأتي النساء منذ كلمه ربه، وكان قد ألبس على وجهه حريرة أو برقعاً، وكان أحد لا ينظر إليه إلا مات، فكشف لها عن وجهه فأخذها من حسنه مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرَّت له ساجدة، فقالت: ادعُ الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، فقال: ذاك إن لم تزوجي بعدي؛ فإنَّ المرأة لآخر أزواجها.
قالت: فأوصني، قال: لا تسألي الناس شيئاً (١).
ومن هنا نذكر أخلاق النبي ﷺ -:
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
стр. 2623
روى البخاري في "الأدب"، والنسائي، وصححه الحاكم، عن يزيد بن بَابَنُوسَ قال: قلت لعائشة ﵂: كيف كان خُلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خُلُقُه القرآن، ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنين؟ فقرأ حتى بلغ العشر، فقالت: هكذا كان خُلق رسول الله ﷺ (١).
وروى الحاكم عن أبي أمامة ﵁: أنَّ الله تعالى أنزل على إبراهيم ﵇ مما أنزل على محمد ﷺ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، و ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، والتي في: ﴿سَأَلَ﴾ [المعارج: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] فلم يَفِ بهذه السهام إلا إبراهيم، ومحمد صلى الله عليهما وسلم (٢).
وقال البراء بن عازب ﵄: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً. رواه الخرائطي بسند حسن (٣).
وقال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً. رواه
стр. 2624
مسلم، وأبو داود (١).
وقال بريدة ﵁: كنا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع رؤوسنا إليه إعظاماً له (٢).
وقال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد لم يرفع أحد منا إليه رأسه غير أبي بكر وعمر ﵄ فإنهما كانا يبتسمان إليه ويبتسم إليهما (٣).
وقال البراء ﵁: جلس رسول الله وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير (٤).
وقال أسامة بن شريك ﵁: أتيتُ رسول الله ﷺ وأصحابه عنده كأن على رؤوسهم الطير. رواه الحاكم (٥).
وقال أنس ﵁: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال في أفٍ قط، وما قال لشيءٍ صنعته: لِمَ صنعته، ولا لشيءٍ تركته: لِمَ تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، ولا مسَسْتُ خزاً قط ولا حريراً قط ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممتُ
стр. 2625
مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عَرَقِ رسول الله ﷺ (١).
وعنه أنه ﷺ كان عنده رجل به أثر صُفرة، قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحداً بشيء يكرهه، فلما قام قال للقوم: "لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ هَذِهِ الصُّفْرَة". رواهما الترمذي في "الشمائل" (٢).
وقال ﵁: لم يكن رسول الله ﷺ سبَّاباً، ولا لَعَّاناً، ولا فَحَّاشاً، كان يقول لأَحدِنا عند المَعْتَبَة: "مَا لَهُ تَرِبَ جَبِيْنُهُ؟ ". رواه الإمام أحمد (٣).
وقال: إن كانت الوليدة من ولائد المدينة تجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت.
رواه أَبو الشيخ بن حيان (٤).
وقال: كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل فكلمه لم يصرف وجهه حتى يكون هو المنصرف. رواه ابن ماجه (٥).
وقال: كان رسول الله ﷺ إذا لقيه الرجل فصافحه لا ينزع يده من
стр. 2626
يده حتى يكون الرجل يدع. رواه الترمذي (١).
وقال: ما رأيت رجلاً التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي يدع أذنه. رواه أَبو داود (٢).
وقالت عائشة ﵂: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: "لَبَّيْكَ"، فلذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. رواه أَبو الشيخ (٣).
وقالت: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الإمام أحمد، والترمذي (٤).
وقالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضرب بيده امرأة قط ولا خادماً. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المداراة" (٥).
وقالت: كان رسول الله ﷺ أبرَّ الناس، وأكرم الناس، ضحَّاكاً
стр. 2627
بسَّاماً. رواه أَبو الشيخ (١).
وقالت: رأيت رسول الله ﷺ سترني بردائه وأنا انظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا أسأم فأقعد؛ فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن. رواه الشيخان (٢).
وقال جابر بن سمرة ﵁: كان رسول الله ﷺ طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه يذكرون عنده الشِّعر وأشياء من أمورهم فيضحكون ويبتسم. رواه الإمام أحمد (٣).
وقال أنس ﵁: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك؟ فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. رواه البخاري (٤).
وقالت عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله ﷺ خادماً له قط، ولا ضرب بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تُنْتهك محارم الله فينتقم لله ، وما عُرض عليه أمران، أحدهما أيسر من الآخر إلا أخذ بأيْسرهما إلا أن
стр. 2628
يكون مأثماً، فإن كان مأثماً كان أبعد الناس منه. رواه الإمام أحمد هكذا مجموعاً، ومسلم مفرقاً (١).
وقالت له ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ قال: "قَدْ لَقِيْتُ مِنْ قَوْمِكِ [ما لقيت]، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيْتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى [ابن عبد ياليل] بْنِ عَبْدِ كُلاَل، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، [فَانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ على وَجْهِي فلم أَسْتَفِقْ إلا وأنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ] فَرَفَعْتُ رَأسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيْهَا جِبْرِيْلُ ﵇ فَنَادَانِي: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوْا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيْهِمْ، فَنَادَانِيْ مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلىَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ذَلِكَ كَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ، قَالَ النبي ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِن أَصْلاَبِهِم مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً. رواه البخاري (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: لما كان يوم حُنين آثر النبي ﷺ أُناساً في القِسْمة .. الحديث، فقال رجلٌ: والله إنَّ هذه لقسمة ما عُدِلَ فيها وما أُريد بها وجه الله، فقلت: والله لأُخبرنَّ النبي ﷺ ، فأتيته فأخبرته فقال: "مَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُوْلُهُ؟ رَحِمَ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوْذِيَ
стр. 2629
بَأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَرَ". رواه البخاري (١).
وقال أَبو هريرة ﵁: قيل: يا رسول الله! ادعُ على المشركين، فقال: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لعَّاناً، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً، وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا" (٢).
وقال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّما أَنا رَحْمةٌ مُهْداةٌ". رواه الحاكم، وصححه (٣).
وقال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يستعينه في شيء، فأعطاه شيئاً ثم قال: "أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ " قال: لا، ولا أجملت، قال: فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام فدخل منزله، ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت؛ يعني: فأعطاه فَرضِي، فقال: "إِنَّكَ جِئْتَنَا فَسَأَلْتَنَا فَأَعْطَيْنَاكَ، فَقُلْتَ مَا قُلْتَ وَفِيْ أَنْفُسِ المُسْلِمِيْنَ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ مَا قُلْتَهُ بَينَ يَدَيَّ حَتَّى يَذْهَبَ مِنْ صُدُوْرِهِمْ مِا فِيْهَا عَلَيْكَ"، قال: نعم، فلما كان الغداء أو العشاء جاء فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا كانَ جَائِعًا، فَسَأَلَنَا فَأَعْطَيْنَاهُ فَقالَ ما قالَ، وَإِنَّا دَعَوْناَهُ إِلَى البَيْتِ فَأَعْطَيْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ، أَكَذَلِكَ؟ "، قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.
стр. 2630
فقال النبي ﷺ : "أَلا إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ هَذا الأَعْرابِيِّ كَمَثَلِ رَجُلٍ كانَتْ لَهُ ناقَةٌ فَشَردَتْ عَلَيْهِ، فَاتَّبَعَها النَّاسُ فَلَمْ يَزِيْدُوها إِلاَّ نُفُوراً، فَناداهُمْ صاحِبُ النَّاقَةِ: خَلُّوا بَيْني وَبَيْنَ ناقَتِي فَأَنا أَرْفَقُ بِها، فَتَوَجَّهَ لَها صاحِبُ النَّاقَةِ بَيْنَ يَدَيْها، فَأَخَذَ لَها مِنْ قُمامِ الأَرْضِ فَجاءَتْ فَاسْتَأْنَسَتْ، فَشَدَّ عَلَيْها رَحْلَها فَاسْتَوَى عَلَيْها، وَإِنيِّ لَوْ تَرَكْتُكُمْ حِيْن قالَ ما قالَ فَقَتَلْتُمُوْهُ دَخَلَ النَّارَ". رواه أَبو الشيخ (١).
وروى أيضاً عن عبد الرحمن بن أبزى ﵀ مرسلاً - قال: كان النبي ﷺ من أَحْلم الناس، وأَصْبرهم، وأكظمهم للغيظ (٢).
وقال أنس ﵁: كُسِرَت رَباعية النبي ﷺ يوم أُحد، فجعل يسيل الدم على وجهه وهو يمسح الدم ويقول: "كَيْفَ يُفْلحُ قَوْمٌ خَضَبُوْا وَجْهَ نَبِيِّهِم بِالدَّمِ وَيدْعُوْهُم إِلَى اللهِ؟ " فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] رواه مسلم، وعلقه البخاري (٣).
وقال ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لا يُبلِّغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا؛ فَإِنِّىْ أُحِبُّ أَنْ لا أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلاَّ وَأَنَا سَلِيْمُ