و"الأوسط " وسنده جيد (١).
وقال أنس: كان رسول الله ﷺ يأتي أبا طلحة كثيراً، قال: فجاءه يوماً وقد مات نُغَيْرٌ لابنه، فوجده حزينا، فسألهم عنه فأخبروه، فقال له النبي ﷺ : "يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " (٢).
وفي لفظ: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يَا أَبَا عُمَيْر! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ". رواهما الشيخان (٣).
وقال ابن عباس ﵁ في حديث: وكان من خُلُقِه ﷺ أن يسمي سلاحه، ودوابه، ومتاعه. رواه الروياني، وابن عساكر (٤).
وقال سهل بن سعد ﵁: كان للنبي ﷺ فرس يُقال لها: اللحيف. رواه البخاري (٥).
وقال: كان له ﷺ فرس يسمى الضرب، وآخر يسمى اللِّزاز. رواهما البيهقي في "السنن" (٦).
стр. 2697
وقال علي ﵁: كان فرسه ﷺ يقال له: الْمُرتجز، وناقته: القصواء، وبغلته: الدلدل وحماره: عفيره، ودرعه: ذات الفضول، وسيفه: ذو الفقار. رواه أبو داود (١).
وأخرج الإمام أحمد منه: كان له حمار اسمه عفير (٢).
وقال ابن عباس ﵄: كان له ﷺ سيف محلى قائمته من فضة، ونعله من فضة، وفيه حلق من فضة، وكان يسمى: ذا الفقار.
وكان له قوس يُقال له: ذا السداد.
وكان له كنانة تسمى: ذا الجمع.
وكان له درع موشحة بنحاس تسمى: ذات الفضول.
وكان له حربة تسمى: النبغاء (٣).
وكان له مِجَنُّ تسمى: الذقن.
وكان له فرس أشقر يسمى: المرتجز.
وكان له فرس أدهم يسمى: السكب.
وكان له سرج يسمى: الداج.
وكان له بغلة شهباء تسمى: دُلدل.
وكان له ناقة تسمى: القصواء.
стр. 2698
وكان له حمار يسمى: يعفور.
وكان له بساط يسمى: الكز.
وكان له عنزة تسمى: النمر.
وكان له ركوة تسمى: الصادر.
وكان له مرآة تسمى: المدلة.
وكان له مقراض يسمى: الجامع.
وكان له قضيب من شوحط يسمى: الممشوق. رواه الطبراني في "الكبير" (١).
وقال عبد الله بن بسر ﵁: كان للنَّبي ﷺ قصعة يقال لها: الغراء، يحملها أربعة رجال. رواه أبو داود (٢).
وقال حنظلة بن حِذْيَم ﵁: كان رسول الله ﷺ يُعجبه أن يدعى الرجل بأحب أسمائه إليه وأحب كُناه. رواه أبو يعلى، والطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، وغيرهما (٣).
وروى أبو هريرة، وأبو ذر ﵁: أنه ﷺ لم يكن يعرف مجلسه من مجالس أصحابه، وكان يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء
стр. 2699
الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل. رواه أبو داود، والنَّسائي (١).
وقالت قيلة بنت مخرمة ﵂: رأيت رسول الله ﷺ في المسجد، وهو قاعد القرفصاء.
قالت: فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع أرعدت من الفَرَق. رواه الترمذي (٢).
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المجلس احتبى بيديه. رواه أبو داود (٣).
وقال قرة بن إياس ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا جلس جلس إليه أصحابه حِلَقاً حِلقاً. رواه البزار (٤).
وقال عبد الله بن سلام ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع بصره إلى السَّماء. رواه أبو داود (٥).
وقال ابن عباس ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا دخل على مريضٍ
стр. 2700
يعوده قال: "لا بأْسَ، طَهُورٌ إن شاءَ اللهُ". رواه البخاري (١).
وقال: كان رسول الله ﷺ إذا شهد جنازة رُؤيت عليه كآبة، وأكثر حديث النفس. رواه الطبراني في "الكبير" (٢).
وقال أنس ﵁: إن كان رسول الله ﷺ ليصيب التمرة فيقول: "لَوْلاَ أَنِّي أَخْشَى أَنَّهَا مِنَ الصَّدَقَةِ لأكلْتُهُا" رواه الإمام أحمد، والشيخان (٣).
وقال عبد الله بن عمرو ﵁: أَرِقَ رسول الله ﷺ ليلةً فقال له بعض نسائه: أرقتَ يا رسول الله؟ قال: "أَجَلْ؛ وَجَدْتُ تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيْتُ أَنْ تَكُوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ". رواه الإمام أحمد بإسناد حسن (٤).
وقال أبو هريرة ﵁: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة - وكان صغيراً - فقال النبي ﷺ : "كخْ كخْ ألقِهَا". رواه البخاري (٥).
وقال عمر ﵁: دخل رسول الله ﷺ غَيضة مع بعض أصحابه،
стр. 2701
فاجتنى منها سواكين - أحدهما معوج، والآخر مستقيم - فدفع المستقيم إلى صاحبه، فقال له: يا رسول الله! كنتَ أحقَّ بالمستقيم، فقال ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبًا سَاعَةً مِنْ نهارٍ إِلاَّ سُئِلَ عَنْ صُحْبَتِهِ: هَلْ أقامَ مِنْهَا حَقَّ اللهِ أَمْ أَضَاعَهُ". رواه إبراهيم بن الجنيد في كتاب "الصحبة والإخاء" بسند ضعيف (١).
وقال ابن عمر ﵄: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: "رَبِّ اغْفِرْ لِيْ وتُبْ عَلَيَّ؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُوْرُ" مئة مرة. رواه الإمام أحمد، وغيره (٢).
وقال عبد الله الحضرمي ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا قام من المجلس استغفر الله عشرين مرة، فأعلن. رواه ابن السني (٣).
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مجلس إلا قال: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ".
وقال: "لا يَقُوْلُهُنَّ أَحَدٌ حَيْثُ يَقُوْمُ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِيْ ذَلِكَ المجْلِسِ". رواه الحاكم، وصححه (٤).
стр. 2702
وقال أبو معبد الخزاعي ﵁: إنَّ رسول الله ﷺ خرج ليلةَ هاجرَ هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵄، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية ﵂، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، فتطعم وتسقي، فسألوها هل معها لحم أو لبن يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك، فقالت: لو كان عندها شيء ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة في كسر الخيمة، فقال: "مَا هَذهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ ".
قالت: شاة خلَّفَها الجَهْد عن الغنم.
قال: "فَهَلْ بِها مِنْ لَبَنٍ؟ ".
قالت: بأبي أنت هي أجهد من ذلك.
قال: "تَأْذَنِيْنَ لِيْ أَنْ أَحْلِبَهَا؟ ".
قالت: إن كان لها حلب فاحلبها.
قال: فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسحها، وذكر اسم الله ودعا بإناء لها تربض الرَّهط، فتفاجت ودرت واجترت، فحلب فيه ثجاً حتى علاه الثُّمال، فسقاها، وسقى أصحابه فشربوا عللاً بعد نهل حتى أراضوا وشرب آخرهم، وقال: "سَاقِي القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا"، ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء فغادره عندها، ثم ارتحلوا.
قال: فقَلَّ ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حِيَلاً عِجافاً ما تُساوك هُزلاً لا نقيَّ بهنَّ، مخهن قليل، فلما رأى اللبن
стр. 2703
عَجِبَ، وقال: من أين اللبن يا أم معبد ولا حَلُوبة في البيت والشاة عازبة؟
فقالت: لا والله، إلا أنه مرَّ بنا رجلٌ مبارك وكان من حديثه كيت وكيت.
فقال: صِفِيْه يا أم معبد؛ فوالله أراهُ صاحب قريش الذي تطلب.
فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة حسن الخَلْق، مليح الوجه، لم تَعِبْه ثُجْلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل، أَحْوَر، أكْحَل، أَزَجَّ، أقْرَن، في عنقه سطَع، وفي لحيته كثافة، إذا صمَت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البَهَاء، حُلُو المنطق، فَصْلٌ لا نزْر ولا هذْر، كأن منطقه خرزات نَظْم ينحدرن، أجهر الناس وأجمله من بعيد وأحسنه من قريب، رَبْعَةٌ لا تَشْنَؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، وهو أنضر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وان أمر تباروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مُفند.
قال: هذا والله صاحب قريش الذي يطلب، ولو صادفتهُ لالتمست أني أصحبه، ولأجهدن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً.
قال: وأصبح صوت بمكة عالياً بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقوله، وهو يقول: [من الطويل]
стр. 2704
جَزى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزائِه ... رَفِيْقَيْنِ حَلاَّ خَيْمَتَي أُمِّ مَعْبَد
هُما نَزَلا بِالْبِرِّ وَارْتَحَلا بِه ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيْقَ مُحَمَّد
فَيا لِقُصَيٍّ ما زَوَى اللهُ عَنْكُمُ ... بِهِ مِنْ فِعالٍ لا تُجازَى وَسُؤْدَدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَأْنِها وَإِنائِها ... فَإِنَّكمُ إِنْ تَسْألوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعاها بِشاة حائِل فتَحَلَّبَت ... لَهُ بِصَرِيْحٍ صَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِد
فَغادرَهُ رَهْناً لَدَيْها لِحالِبٍ ... بِدَرَّتها فِي مُصْدِرٍ ثُمَّ مُوْرِدِ
قال: فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله ﷺ ، قال: وأجابه حسان بن ثابت ﵁: [من الطويل]
لَقَدْ خابَ قَوْمٌ زالَ عَنْهُمْ نبَيُّهُمْ ... وَقُدَّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِمْ وَيغْتَدِي
стр. 2705
تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَزالَتْ عُقُوْلُهُمْ ... وَحَلَّ على قَوْمٍ بِنُوْرِ مُجَدِّدِ
وَهَلْ يَسْتَوِي ضُلاَّلُ قَوْمٍ تَسَكَّعُوا ... عَمًى وهُداةٌ يَهْتَدُوْنَ بِمُهْتَد
نبِيٌّ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... وَيَتْلُو كِتابَ اللهِ فِيْ كُلِّ مَشْهَدِ
وَإِنْ قالَ فِيْ يَوْمٍ مَقالَةَ غائِبٍ ... فَتَصْدِيْقُها فِيْ ضَحْوَةِ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ
لِيَهْنِ أَبا بَكْرٍ سَعادَةُ جَدِّهِ ... بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللهُ يَسْعَدِ
وَيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكانُ فَتاتِهِمْ ... وَمَقْصِدُها لِلْمُسْلِمِيْنَ بِمَرْصَد
أخرجه ابن السَّمعانيِّ في "أماليه" بهذا اللفظ، ورواه البخاري في "تاريخه" مختصراً" (١).
قوله: كانت امرأة برزة؛ أي: خلالها سن، فهي تبرز لا تتحجب لصغرها.
стр. 2706
جلدة؛ أي: قوية.
مرملون؛ أي: نفِدَ زادهم.
مسنتون؛ أي: داخلون في السنة، وهي الجدب والمجاعة.
وروي مشتون: داخلون في الشتاء.
كسر الخيمة - بالفتح، أو الكسر لغتان -: أسفل الشقة التي تلي الأرض.
تفاجات - بالجيم -: فتحت ما بين رجليها للحلب.
تربض الرهط - بالموحدة، والمعجمة - أي: ترويهم حتى يشبعوا فيربضوا.
والثج - بالمثلثة، والجيم -: السيلان.
والثمال - بضم المثلثة -: جمع ثمالة، وهي الرغوة.
والنهل: الشرب الأول.
والعلل: الثاني.
وأراضوا: رووا، وامتلئوا.
والحيل: جمع حائل؛ أي: لم تحمل.
ما تساوك هزلاً؛ أي: لا تتمايل من الضعف، وروي: ما تساق - بالقاف -.
والشاء عازبة؛ أي: بعيدة في المرعى.
متبلج الوجه: مضيئه كالصبح.
стр. 2707
والثجلة - بضم المثلثة، وبالجيم -: عظم البطن واسترخاء أسفله.
وفي رواية: نحلة - بالنون، والحاء المهملة -: الرقة والضمور.
والصعل - بالمهملتين؛ مفتوحة فساكنة -: صغر الرأس.
وسيم قسيم: أي: حسن وضيء.
والدعج: سواد العينين.
أزج أقرن: كثير شعر الحاجبين مقرونهما.
والوَطَف: الطول.
والصحل كالبُحَّة.
والسطع: طول العنق.
إذا تكلم سما؛ أي: علا برأسه أو يديه.
فصل لا نزر ولا هذر؛ أي: وسط لا قليل ولا كثير؛ أي: كلامه بقدر الحاجة.
لا تشنؤه؛ أي: لا تبغضه ولا تعيبه.
لا تقتحمه عين من قصر؛ أي: لا تزدريه ولا تحتقره.
محفود محشود؛ أي: له حفدة؛ أي: خدم تجتمع عليه.
والمفند: الملوم، وروي: ولا معتد؛ أي: ظالم.
والصريح في قول الهاتف: الخالص من اللبن.
والصرة - بمهملتين -: لحم الضرع، وهي فاعلُ فَتَحَلَّبَتْ.
стр. 2708
وتسكعوا: تحيروا (١).
وقال الحسن بن علي ﵄: سألت خالي هند بن أبي هالة ﵁ عن حلية رسول الله ﷺ وكان وصَّافاً - وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به؛ قال: كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤَ القمر ليلة البدر، أطولَ من المربوع، وأقصرَ من المشذَّب، عظيمَ الهامة، رَجِلَ الشعر؛ إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهرَ اللون، واسمعَ الجبين، أزجَّ الحاجبين سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقْنَى العِرْنين، له نور يعلوه، ويحسبه من تأمله (٢) أشم، كثَّ اللحية، أدعجَ، سهلَ الخدين، ضليعَ الفم، أشنبَ، مفلجَ الأسنان، دقيقَ المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدلَ الخلق، بادناً متماسكاً، سواءَ البطن والصدر، مشيحَ الصدر، بعيدَ ما بين المنكبين، ضخمَ الكراديس، أنورَ المتجرد، موصولَ ما بين اللِّبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاريَ الثديين ما سوى ذلك أشعرَ الذراعين والمنكبين وأعالي الصَّدر، طويلَ الزندين، رحبَ الراحة، شَثْنَ الكفين والقدمين، سائلَ الأطراف - أو قال: سائن -، سبطَ العصب، خمصانَ الأخمصين، مسيحَ القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعاً، ويخطو تكفؤاً ويمشي هوناً، ذريعَ المشية إذا مشى كأنما ينحط
стр. 2709
من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً خافضَ الطرف، نظرُهُ إلى الأرض أطولُ من نظره إلى السماء، جلُّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويَبْدأ من لَقِيَه بالسَّلام.
قلت: صف لي مَنْطِقَهُ.
قال: كان رسول الله ﷺ دائم الفكر، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويلَ السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا المَهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئاً، لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قَلَبَها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضَّ طرفه، جُلُّ ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
قال الحسن: فكتمتها عن الحسين بن علي ﵄ زماناً، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأل أباه عن مدخل رسول الله ﷺ ومخرجه، ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئاً.
قال الحسين ﵁: سألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ ، فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، وكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزعاً لله تعالى، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزَّأ جزءَه بينه وبين النَّاس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر
стр. 2710
عنهم شيئاً، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمته على قدر فضلهم في الدين؛ منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم أذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمةَ من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: "لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حاجَةَ مَنْ لا يَسْتَطِيع إِبْلاغِي حاجَتَهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطاناً حاجَةَ مَنْ لا يَسْتَطِيع إِبْلاغَها ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيامَةُ"؛ لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحدٍ غيره.
وقال في رواية: يدخلون رواداً، ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة؛ يعني: فقهاء.
قال: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا بما يُعينهم ويؤلفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره وخلقه، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عمَّا في الناس، ويحسِّن الحسن ويصوبه، ويُقبِّح القبيح ويُوهنه، معتدلَ الأمر غيرَ مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حالٍ عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه عمَّا كان يصنع فيه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا عن ذكر،
стр. 2711
ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويُعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أنَّ أحداً أكرم عليه منه، مَنْ جالسه أو قاومه لحاجة صابرة حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسَّع للناس بسطه وخلقه فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق متقاربين متفاضلين بالتقوى - وفي الرواية الأخرى: صاروا عنده في الحق سواء - مجلسُه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، متعاطفون بالتقوى، متواضعون، يُوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة ويرحمون الغريب.
قال: فسألته عن سيرته ﷺ في جلسائه. فقال: كان رسول الله ﷺ دائمَ البشر، سهلَ الخلق، لينَ الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظ ولا سَخَّاب ولا فحَّاش، ولا عيَّاب ولا مدَّاح، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤسى منه، قد ترك نفسه من ثلاث؛ [الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلَّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق ويقول: "إِذا رَأَيْتُمْ صاحِبَ الْحاجَةِ يَطْلُبُها
стр. 2712
فارْفِدُوْه"، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يتجاوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام.
قلت له: كيف كان سكوته ﷺ ؟
قال: كان سكوته ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير.
فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس.
وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى.
وجمع له الحلم في الصَّبر، وكان لا يغضبه شيء يستفزه.
وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينهى عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. رواه القاضي عياض في "الشفا" مجموعاً هكذا من روايتين، ورواه الترمذي، وأبو الشيخ كلاهما في "الشَّمائل" مفرقاً (١).
وقوله: المشذب: البائن الطويل في نحافة.
والشعر الرجل: هو الذي كأنه مشط فتكسر قليلاً.
والعقيقة: شعر الرأس، ويروى: عقيصته بالصاد.
وأزهر اللون: نيِّرُه، أو: أحسنه.
стр. 2713
والأزج: المقوس الطويل.
والقرن - بفتحتين -: اتصال شعر الحاجبين.
وأقنى العرنين: سائل الأنف المرتفع وسطه.
والأشم: الطويل قصبة الأنف.
والأدعج: الشديد سواد الحدق.
والضليع: الواسع.
والشنب: ريق الأسنان، وقيل: دقتها.
والفلج: الفرق بين الثنايا.
والمسربة: الشعر الذي بين الصَّدر والسُّرة.
والدمية - بضم المهملة، وبالتحتية -: الصورة من العاج.
مشيح - بضم الميم: وكسر المعجمة - كذا في الرواية؛ من أشاح؛ أي: أقبل بادي الصدر.
قال القاضي عياض: ولعلَّ اللفظة: مسيح - بالسين؛ أي: المهملة، وفتح الميم - بمعنى: عريض كما في الرواية الأخرى.
والكراديس: رؤوس العظام.
وشثن الكفين والقدمين؛ أي: فخيمهما.
وخُمصان - بضم المعجمة - الأخمصين: أي: متجافي أخمص القدم، وهو ما لا تتناوله الأرض من وسطه.
والتقلع: رفع الرِجل بقوة.
стр. 2714
والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي.
والهون: الرفق.
والذريع: الواسع الخطو.
وحب الغمام: البَرَد.
ويدخلون رواداً؛ أي: محتاجين إليه طالبين لما عنده.
والعتاد - بفتح المهملة، والمثناة فوق -: العدة.
ولا يوطن الأماكن؛ أي: لا يتخذ لمصلاه موضعاً معلوماً.
ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ؛ أي: مقتصد في المدح، وقيل: من مسلم، وقيل: من مكافئ على يد سبقت.
وبقية الألفاظ التي في الحديث قريبة؛ والله الموفق.
стр. 2715
القسم الثاني من الكتاب فِي النَّهي عَن التَّشَبُّه بمَن وَرَدَ النَّهي عَن التَّشَبُه بهم وَالنَّهي عَن طُرقهم
стр. 2716
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الثاني من الكتاب فِي النَّهي عَن التَّشَبُه بمَن وَرَدَ النَّهي عَن التَّشَبُه بهم, وَالنَّهي عَن طُرقهم
قال الله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٤ - ١٠٥].
هذه الآية أصل عظيم في الأمر بالتشبه بالمؤمنين، والنهي عن التشبه بالمشركين.
والشرك المتصفون به شامل للشرك الأكبر، والشرك الأصغر الشامل لسائر المعاصي، فهي دليل لقسمي الكتاب.
واعلم أنا نذكر في هذا القسم قبائح الأخلاق، وسفاسف الأمور، وسيئات الأعمال لتُحذر وتجتنب.
فقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني (١).
стр. 2717
وفي رواية عنه: فعرفت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير (١).
وقال بعضهم في معناه: [من الهزج]
عَرَفْنا الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيْهِ ... وَمَنْ لا يَعْرِفِ الشَّرِّ مِنَ النَّاسِ يَقَعْ فِيْهِ
وروى الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزُّهد" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشَّر، إنَّما العالم الَّذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه (٢).
ثم اعلم أن من لم يتخلق بأخلاق الله تعالى، ولا أخلاق عباده المخلصين فهو إما شيطان، وإما قرين شيطان.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
والمراد بالذكر: الطَّاعة؛ لما رواه الطبراني عن واقد ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "مَنْ أَطَاعَ اللهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللهَ، وَإِنْ قَلَّتْ صَلاتُهُ، وَصِيَامُهُ، وَتلاوَتُهُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ عَصَى اللهَ لَمْ يَذْكُرْهُ، وإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ،
стр. 2718
وَصِيَامُهُ، وتلاوتُهُ لِلْقُرْآنِ" (١).
فالمراد بالعشو عن الذكر: إغفال الطاعة، وفعل المعصية، والاسترسال في الغفلة.
وقوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾؛ نسخر له شيطاناً يدعوه إلى خلق سيئ، أو فعل ذميم.
أو المعنى: نقيِّض له خلقاً شيطانياً يرتكبه، ويغلب على قلبه؛ وتسمية الخلق الشيطاني شيطاناً مجاز، ولا يخفى ما فيه من المبالغة.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾؛ أي: فالشيطان للعاشي عن الذكر قرين؛ أي: ملازم له، أو موافق له في الأخلاق والأفعال.
ويجوز أن يكون المعنى: فالعاشي عن الذكر للشيطان مقارن أو موافق؛ فالإنسان متى غفل عن الطَّاعة فقد خُلِّي بينه وبين الشَّيطان، ولذلك كان بعض السلف لا يفعل من المباحات شيئاً إلا بنية حسنة كالنوم، والأكل، والجماع، وغير ذلك لتكون مباحاته طاعات، ومتى كان في طاعة الله تعالى كان في ذكره، وذكر الله تعالى حصن حصين من الشَّيطان اللعين.
وروى ابن الدُّنيا في "مكائد الشيطان"، وأبو يعلى، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيطَانَ
стр. 2719
واضعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى خَنَسَ، وإِذَا نسَيَ التَقَمَ قَلْبه" (١).
فمتى فتر العبد عن الذكر، وانتهى من الطاعة - ولا بد لكل عامل من فترة - فإن تلافى أمره بالشُّروع في طاعة أخرى فقد ضيق مجاري الشيطان إلى قلبه، وسبقه إلى حفظ سره، وكان متحققاً بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وإن استرسل في فترته، وتمادى في غفلته سبقه الشَّيطان إلى قلبه فالتقمه؛ لأنه حينئذ صدق عليه أنه نسي الله فنسيه الله؛ أي: تركه للشَّيطان كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تخلى عن توفيقهم، وخلى بينهم وبين شياطينهم.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]؛ أي: أنساهم إنسانية أنفسهم حتَّى غلبت عليهم أخلاق قرنائهم من الشَّياطين فبعدت نفوسهم عن الخير، فالعبد إذا لم يأت بالطَّاعة التي تنحصر في أفعال الصَّالحين فهو إما خالٍ بطالٌ، وإما عاصٍ ضالٌّ؛ فإن كان الأول فإنه - وإن كان لا يستحق عقاباً، ولا يستوجب ثوابا - فهو متشبه بالشَّيطان قبل أن يكون شيطاناً رجيماً، وذلك حين خلا بنفسه ورأيه، وكان عاقبة أمره أن أبى واستكبر عن السجود لآدم وقد أمر به؛ إذ لم يكن له يومئذ شيطان وسوس إليه بذلك إلا نفسه
стр. 2720
الخبيثة حيث لم تكن مشغولة بالله تعالى، ولا بطاعته، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إني لأكره الرجل يكون بطالاً؛ لا في أمر دنياه، ولا في أمر آخرته (١).
وإنما كرهت البطالة خشية أن يخلو الإنسان بخواطر نفسه فتوسوس إليه نفسه بشيء لا تحمد عاقبته، كما وسوست نفس إبليس إليه بأن السُّجود لآدم سجود لغير الله تعالى، وفاته أن الله تعالى حيث أمر بذلك فالسجود لآدم ﵇ عين طاعة الله تعالى، ومن هنا قيل: [من البسيط]
إِيَّاكَ نَفْسَكَ لا تَأْمَنْ غَوائِلَها ... فَالنَّفْسُ أَقْبَحُ مِنْ سَبْعِيْنَ شَيْطان
وقد تكلمنا على التحذير من النفس في كتاب "منبر التوحيد" بما ليس عليه مزيد.
وإن كان الثاني فهو في معصية وضلالة؛ إما متشبه بالشيطان في أخلاقه وأحواله، وإما متشبه باتباع المغلولين فى أغلال إضلاله، فناسب أن نتكلم في هذا القسم من كتابنا على النهي عن التشبه بالشَّيطان، وعلى التشبه بأتباعه - وهم الكفار والفساق - فانقسم هذا القسم إلى ثلاثة أنواع:
١ - النوع الأول: في النهي عن التشبه بالشيطان.
٢ - النوع الثاني: في النهي عن التشبه بالكفار.
٣ - النوع الثالث: في النهي عن التشبه بالفساق، والله الموفق.
***
стр. 2721
النوع الأول من القسم الثاني فِي النَّهي عَن التَّشَبه بالشَّيطَانِ "لَعَنَهُ الله تَعَالَى "
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ومتبع غير سبيل المؤمنين متبع لسبيل الكافرين، وإبليس أشدهم كفراً؛ فالآية دليل لهذا النوع والذي بعده.
وكذلك قوله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيرِنَا". رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ (١).
وروى الديلمى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا" (٢).
стр. 2722
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ أي: أعمال الطاغوت، وهو الشيطان أو عبادته.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾؛ أي: عبده - سبحانه -، واجتنب أعمال الطَّاغوت.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
وهذه الآية تدل على أن كل أمة أمرها الله تعالى باجتناب التَّشبه بالشَّيطان.
ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النحل: ٦٣]؛ أي: الخبيثة لأنه لا يزين أعمال الخير.
نعم، قد يزينها للتوصل إلى إغواء العبد بها إلى السوء والضلال.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: يواليهم اليوم في الآخرة لأنهم كانوا على مثل أعماله في الدُّنيا.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقد علمت مما سبق أن المرء على دين خليله ومواليه، وموالاة الشيطان دعت أولياءه إلى مثل أعماله؛ لأن مَنْ أَحَبَّ أحداً أَحَبَّ أن يتخلق بأخلاقه، كما سبق.
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ
стр. 2723
كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾؛ أي: عن طريق الجنة.
﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣ - ٤].
وهذه الآية - وإن نزلت في النضر بن الحارث (١) فإنها قاضية على كل من تولى الشَّيطان واتبعه بأن مصيره إلى عذاب السَّعير.
وفي إطلاق الهداية على القيادة إلى العذاب غاية التهكم والاستهزاء بأتباع الشياطين.
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من ذرية آدم، وفيه إشارة إلى أنَّ التشبه بالشَّيطان وأتباعه في أعماله وأخلاقه ممنوع منه سائر الأمم في سائر الأديان، متوعد عليه بنار جهنَّم.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩].
هذه الآية دليل واضح على المنع من التشبه بالشيطان.
قال ابن عطية: المعنى - أي: بهذه الآية -: النهي عن اتباع الشَّيطان، وسلوك سبيله وطرائقه.
стр. 2724
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خطوات الشيطان أعماله. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
وقال غيره: آثاره (٢).
وقال شيخ الإسلام - والدي - في "تفسيره ": [من الرجز]
قالَ وَلا تتَّبِعُوا خُطْواتِ ... أَيْ طُرُقِ الشَّيْطانِ وَالزَّلاَّتِ
لا تَقْتَدُوْا بِهِ تُحَرِّمُوْا الْحَلالْ ... ثُمَّ تُحَلِّلُوْا الْحَرامَ بِالضَّلالْ
كناية عن ترك الاقتداء به فيما يضل بعضهم بسببه.
قال ابن عطية: وكل ما عدا السُّننَ، والشَّرائعَ من البدع، والمعاصي فهو خطوات الشَّيطان. انتهى (٣).
ويدل له ما رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة رحمه الله تعالى: كل معصية لله فهي من خطوات الشَّيطان (٤).
قلت: وحيث انحصر الحق في الشَّرائع والسنن، ثم انحصر آخراً في شريعة النبي ﷺ ، فقد انحصر الحق في اتباع شريعته، وبقي ما سواها من الشُّعب والطرق على غير الحق، وهي طرق الشيطان، فأي طريق أخذ فيه العبد غير طريق النبي ﷺ فهي طريقة من
стр. 2725
طرائق الشَّيطان، وخطوة من خطواته.
وقد روى الدَّارمي - بإسناد صحيح، واللفظ له - والإمام أحمد، والنَّسائي، والبزار، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: خطَّ لنا رسول الله ﷺ يوماً خطاً، ثم قال: "هَذَا سَبِيلُ اللهِ"، ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: "هَذهِ سُبُلٌ؛ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهَا"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١).
وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه قرأ الآية وقال: اعلم أنما السبيل سبيل واحد جِماعُهُ الهدى، ومصيرها الجنة، وأن إبليس شرع سبلاً متفرقة جِماعُها الضلال، ومصيرها النار (٢).
وإنما كانت طرق الشَّيطان متعددة لأنه يَهيم في كل واد فلا يبالي في أي واد من أودية النار ألقى أتباعه؛ فإن مراده إضلال العبد بأي طريق أمكنه ذلك - سواء عبد نفس الشيطان، أو عبد صنماً، أو نجماً، أو درهمًا، أو ديناراً، أو غير ذلك ما دام لم يعبد الله وحده.
فأمَّا طريق رسول الله ﷺ الموصل إلى الله تعالى وإنه - وإن تعددت شعبه - فهو طريق واحد؛ لأن كل من سلك شعبة من شعب
стр. 2726
الإيمان فهو في طريق الله تعالى، ولا ينتهي إلى غير الله تعالى، فكان طريق رسول الله ﷺ واحداً لأنه لا ينتهي إلى غير مراد واحد، وهو الله تعالى.
وأيضاً في تعدد طرق الشيطان إشارة إلى ضعف كيده كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]؛ فإن طرقه تخييلات وتزيينات، فتعددت ليغوي أتباعه تارة بهذا، وتارة بهذا، فيكون الشقي المخذول مأخوذاً بكيده لا محالة، وأمَّا السعيد الموفق - وإن تعددت طرق الشَّيطان - لا يضره، ولكن يكثر بسبب تعددها أجره لأنه يجاهد الشيطان من كل طريق يأتيه منه، فتزيد بذلك حسناته، وترتفع به درجاته.
وقد روى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن سَبُرة - بفتح المهملة وضم الموحدة - بن فاكه رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِطُرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِيْنَكَ، وَدِيْنَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبِيْكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُهَاجِرُ وَتَدَع أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ المُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطّوَلِ؟ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فتقْتَلُ، فتنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ المَالُ؟ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلكَ كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ
стр. 2727
يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ وَقَصَتْهُ دَابَّهٌ كانَ حَقَّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّة" (١).
ومعنى الحديث: أن العبد متى عصى الشَّيطان وأطاع الرَّحمن فلا يبالي بعد ذلك كيف انتهى أمره؛ فإنه لا ينتهي إلا إلى رحمة الله، ودار السلام، وأين هذا ممن كان سريعاً إلى إجابة الشيطان بطيئاً عن إجابة الرحمن؛ فإنه من بغضاء الله تعالى الحائرين في مَهامِهِ الخسران، كما روى أبو الشيخ في كتاب "التوبيخ"، وابن عساكر في كتاب "التاريخ"، عن الوَضِين بن عطاء رحمه الله تعالى مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَمَانِية أَبْغَضُ خَلِيْقَةِ اللهِ تَعَالَى إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛ السَّقَّارُونَ - وَهُمْ الْكَذَّابُونَ -، وَالْخَيَّالُونَ - وَهُمْ المُسْتَكْبِرُونَ -, وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُونَ الْبَغْضَاءَ فِي صُدُورِهِم لإِخْوانِهِم، فَإِذَا لَقُوْهُم تَحَلَّفُوا لَهُم، وَالَّذِيْنَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ كانُوا بُطآءَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى الشَّيْطَانِ وَأَمْرهِ كَانُوا سِرَاعًا، وَالَّذِيْنَ لا يَشْرُفُ لَهُم طَمَعٌ مِنَ الدُّنْيا إِلاَّ اسْتَحَلُّوهُ بِأَيْمَانِهِم، وَالمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيْمَةِ، وَالْمُفَرّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ العَنتَ؛ أُولَئِكَ يَقْذُرُهُم الرَّحْمَنُ" (٢).
وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراوي المصري في كتاب "البحر
стр. 2728
المورود فيما أخذ عليه من المواثيق والعهود" عن نفسه: أنه سمع مرة هاتفاً يقول: إن أردت أن لا تخرج من حضرتي فلا تتخلق بأخلاق أعدائي، وكن على أخلاق ملائكتي وأنبيائي وأوليائي؛ فمن تخلق بخلق واحد من أخلاق الشياطين أخرجته من حضرتي، ومن أخرجته من حضرتي سلطت عليه أعدائي.
وروى ابن عدي، وغيره عن عمر ﵁: أَن رسول الله ﷺ قال: "بُعِثْتُ دَاعِياً وَمُبَلِّغاً، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مُزَيِّنًا وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ شَيْءٌ" (١).
وهذا الحديث فيه رد على القدرية، وفيه - وهو المقصود من ذكره هنا - أن النبي ﷺ كما أنه إمام الأئمة الداعين إلى الهدى والجنَّة، فإن إبليس - لعنه الله - رأس الأئمة الدَّاعين إلى الضَّلالة والنَّار.
***
стр. 2729
فَصْلٌ
وكما أن رسول الله ﷺ ما دعا إلى الهدى والصراط المستقيم حتى سلكه ودرج عليه عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] , وليكون ذلك أَدعى للنَّاس للاتباع، وأَبعث لهم على سلوك الطريق الذي يدعو إليه؛ لأن من دُعي إلى طريق يطمئن قلبه إلى سلوكها إذا وجد الداعي قد سلكها ما لا يطمئن إليه قلبه لو وجد الدَّاعي غير دارج عليها ولا سالك فيها، ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فكذلك الشَّيطان ما أَمر بخصلة إلا كان قد نازلها وعمل بها ليكون ذلك أبلغ في الإغواء والاستزلال، ولأن بُرْقُعَ الحياء قد ارتفع عن الشَّيطان وزال.
و"إن ممَّا أدركَ الناسُ مِنْ كلامِ النُّبوةِ الأُولى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنع مَا شِئْتَ"، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن حذيفة.
وهو والبخاري، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي مسعود البدري ﵁ (١).
وبمقتضى ذلك فلا يعصي العبد بمعصية - قلَّت، أو جلَّت - إلا كان
стр. 2730
بها متشبهاً بالشيطان، إلا أنه إن استغفر نفعه الاستغفار، فإذا أصر على ذنبه ولم يستغفر فقد كمل تشبهه بالشَّيطان حينئذ؛ لأن الإصرار خلق اللعين، وقد قضى الله تعالى عليه بلزومه إلى يوم القيامة بدليل اللعنة المؤبدة له، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨].
ومن ثم لا شيء أقصم لظهر الشَّيطان من الاستغفار لأنه محروم منه، ومن بلوغ أمنيته من المؤمن بسببه لأن أمنيته من كل أولاد آدم أن يشاركوه في اللَّعنة والعذاب، وفي الاستغفار أمان من ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وروى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتك يَا رَبِّ! لا أَزَالُ أُغْوي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِم، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: وَعِزتِي وَجَلالِيْ! لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُم مَا اسْتَغْفَرُونِي" (١)؛ أي: زيادة في نكايتك أعطيهم ما أنت ممنوع منه - وهو المغفرة - إذا طلبوها مني لأنك أنت لم تطلبها، ولم ترغب فيها، فمنعتها منعاً مؤبداً.
وقد يمن الله تعالى على بعض أولاد آدم بالمغفرة - وإن لم يطلبها - لأن طلبها في جِبِلَّتِه، والرغبة فيها من خليقته، فأمَّا من لم
стр. 2731
يطلب المغفرة إما إعراضاً عن طلبها بالكلية، وإما إيثاراً لهوى نفسه على طلبها كمن يعصي الله تعالى ويعاود إلى المعصية وهو يستغفره بلسانه، ولم يستوف أركان التوبة التي هي طريق طلب المغفرة، أو يصر على المعصية ويتطاول إلى المغفرة مجاناً مع ارتكاب ما يقتضي العذاب، فهذا بعيد عن المغفرة، أو ممنوع منها ما دام على هذه الحالة، فهو أشبه الخلق بإبليس حين يتطاول إلى رحمة الله تعالى يوم القيامة لما يرى من سعتها - كما ورد في الحديث - مع عدم رغبته فيها في الدنيا، وقعوده عن طلبها في وقت الطلب، وقد سمى النبي ﷺ من كان بهذه الصفة عاجزاً أو أحمق، فقال: "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوتِ، وَالْعَاجِزُ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَالأَحْمَقُ - مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَىْ اللهِ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، من حديث شداد بن أوس ﵁ (١).
ثم لما كان مَنْ هذا وصفُهُ أشبهَ الخلق بالشيطان الرجيم، جمع بينهما في نار الجحيم.
قال الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعر اء: ٩٤ - ٩٥].
стр. 2732
روى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾؛ قال: الشَّياطين (١).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ قال: ذريته (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزُّهد"، وابنه في "زوائده" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى بكل جبَّار، وكل شيطان، وكل من كان يخاف النَّاس شره في الدُّنيا، فأوثقوا في الحديد، ئم أمر بهم إلى النَّار، ثم أوصدها عليهم - أي: أطبقها - قال: فلا - والله - لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا - والله - لا تلقى جفونهم على غمض أبداً، ولا - والله - لا ينظرون إلى أديم السَّماء أبداً، ولا - والله - لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً؛ قال: ثم يقول لأهل الجنة: فتحوا الأبواب، ولا تخافوا اليوم شيطاناً ولا جباراً، وكلوا اليوم واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية (٣).
فتأمل كيف جمع الله تعالى بين أهل الشَّر والشِّياطين، وإبليس رأسهم وقائدهم لما كان قائداً لهم في الدُّنيا إلى كل سوء.
стр. 2733
وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٠].
قال قتادة ﵀ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]؛ قال: لننزعن من أهل كل دين قادتهم، ورؤوسهم في الشر (١).
وقال أبو الأحوص رحمه الله تعالى في الآية: نبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً (٢). رواهما ابن أبي حاتم.
وروى الثاني هو، والبيهقي في "البعث" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٣).
فيبدأ بإبليس، ثم يلحق بالأشد عتياً، والأكبر جرماً، فالأشد، فقرب كل عاتٍ من الشَّيطان في العذاب على قدر عُتُوِّه في الدُّنيا؛ أي: على قدر طاعته للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: تغويهم إغواءً.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: تشليهم إشلاءً.
стр. 2734
وقال قتادة رحمه الله تعالى: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله.
رواها ابن أبي حاتم (١).
فاجتمع في النار المغوون والغاوون:
المغوون: الشياطين.
والغاوون: الطائعون لهم، العاملون بأعمالهم.
وذكر الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": أن أول شبهة وقعت في البرية شبهة إبليس - لعنه الله تعالى -، ومصدرها أخذه بالرأي في مقابل النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بمادة النار التي خلق منها على مادة الطين التي خلق منها آدم ﵇، وتشعبت عن شبهته هذه سبع شبهات صارت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلال.
وقد حكي أنه صارت بينه - لعنه الله - وبين الملائكة ﵈ مناظرة بعد أمره بالسجود، وامتناعه منه، فقال: سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق، وأنه عالم قادر مريد مهما أراد شيئاً قال له: كن فيكون، وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على سياق حكمته أسئلة.
قالت الملائكة: ما هي؟ وكم؟
قال: سبعة:
الأول منها: أنه علم قبل خلقي ما الذي يصدر عني فَلِمَ خلقني؟
стр. 2735
وما الحكمة في خلقه إياي؟
الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فَلِمَ كلفني معرفته وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف وهو لا ينتفع بطاعة، ولا يتضرر بمعصية؟
الثالث: كيف كلفني بمعرفته وطاعته وهو لا يريد ذلك مني؟
الرابع: ما الحكمة في أنه لما لم أسجد لآدم لعنني، وأخرجني من الجنة وأنا لم أرتكب قبيحاً إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟
الخامس: حيث لعنني وطردني وأخرجني من الجنة فَلِمَ سلطني على آدم حين دخلت الجنة ثانياً، وغررته في ذلك، ولو منعني من ذلك لاستراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟
السادس: هب أن الخصومة كانت بيني وبين آدم فَلِمَ سلطني على ذريته حتى أراهم من حيث لا يروني، وتؤثر فيهم وسوستي، ولو خلقهم على الفطرة دون من يغتالهم عنها، فيعيشون طاهرين سميعين مطيعين كان أحرى بهم، وأليق بالحكمة؟
السابع: سلمت هذا كله، فَلِمَ إذ استمهلته أمهلني المدة الطويلة، ولو أهلكني في الحال استراح الخلق مني، ولم يبق في العالم شر، أليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟
فأوحى الله إلى الملائكة ﵈: قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك، وإله الخلق غير صادق ولا مخلص؛ إذ لو