يطلب المغفرة إما إعراضاً عن طلبها بالكلية، وإما إيثاراً لهوى نفسه على طلبها كمن يعصي الله تعالى ويعاود إلى المعصية وهو يستغفره بلسانه، ولم يستوف أركان التوبة التي هي طريق طلب المغفرة، أو يصر على المعصية ويتطاول إلى المغفرة مجاناً مع ارتكاب ما يقتضي العذاب، فهذا بعيد عن المغفرة، أو ممنوع منها ما دام على هذه الحالة، فهو أشبه الخلق بإبليس حين يتطاول إلى رحمة الله تعالى يوم القيامة لما يرى من سعتها - كما ورد في الحديث - مع عدم رغبته فيها في الدنيا، وقعوده عن طلبها في وقت الطلب، وقد سمى النبي ﷺ من كان بهذه الصفة عاجزاً أو أحمق، فقال: "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوتِ، وَالْعَاجِزُ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَالأَحْمَقُ - مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَىْ اللهِ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، من حديث شداد بن أوس ﵁ (١).
ثم لما كان مَنْ هذا وصفُهُ أشبهَ الخلق بالشيطان الرجيم، جمع بينهما في نار الجحيم.
قال الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعر اء: ٩٤ - ٩٥].
стр. 2732
روى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾؛ قال: الشَّياطين (١).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ قال: ذريته (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزُّهد"، وابنه في "زوائده" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى بكل جبَّار، وكل شيطان، وكل من كان يخاف النَّاس شره في الدُّنيا، فأوثقوا في الحديد، ئم أمر بهم إلى النَّار، ثم أوصدها عليهم - أي: أطبقها - قال: فلا - والله - لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا - والله - لا تلقى جفونهم على غمض أبداً، ولا - والله - لا ينظرون إلى أديم السَّماء أبداً، ولا - والله - لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً؛ قال: ثم يقول لأهل الجنة: فتحوا الأبواب، ولا تخافوا اليوم شيطاناً ولا جباراً، وكلوا اليوم واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية (٣).
فتأمل كيف جمع الله تعالى بين أهل الشَّر والشِّياطين، وإبليس رأسهم وقائدهم لما كان قائداً لهم في الدُّنيا إلى كل سوء.
стр. 2733
وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٠].
قال قتادة ﵀ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]؛ قال: لننزعن من أهل كل دين قادتهم، ورؤوسهم في الشر (١).
وقال أبو الأحوص رحمه الله تعالى في الآية: نبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً (٢). رواهما ابن أبي حاتم.
وروى الثاني هو، والبيهقي في "البعث" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٣).
فيبدأ بإبليس، ثم يلحق بالأشد عتياً، والأكبر جرماً، فالأشد، فقرب كل عاتٍ من الشَّيطان في العذاب على قدر عُتُوِّه في الدُّنيا؛ أي: على قدر طاعته للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: تغويهم إغواءً.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: تشليهم إشلاءً.
стр. 2734
وقال قتادة رحمه الله تعالى: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله.
رواها ابن أبي حاتم (١).
فاجتمع في النار المغوون والغاوون:
المغوون: الشياطين.
والغاوون: الطائعون لهم، العاملون بأعمالهم.
وذكر الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": أن أول شبهة وقعت في البرية شبهة إبليس - لعنه الله تعالى -، ومصدرها أخذه بالرأي في مقابل النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بمادة النار التي خلق منها على مادة الطين التي خلق منها آدم ﵇، وتشعبت عن شبهته هذه سبع شبهات صارت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلال.
وقد حكي أنه صارت بينه - لعنه الله - وبين الملائكة ﵈ مناظرة بعد أمره بالسجود، وامتناعه منه، فقال: سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق، وأنه عالم قادر مريد مهما أراد شيئاً قال له: كن فيكون، وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على سياق حكمته أسئلة.
قالت الملائكة: ما هي؟ وكم؟
قال: سبعة:
الأول منها: أنه علم قبل خلقي ما الذي يصدر عني فَلِمَ خلقني؟
стр. 2735
وما الحكمة في خلقه إياي؟
الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فَلِمَ كلفني معرفته وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف وهو لا ينتفع بطاعة، ولا يتضرر بمعصية؟
الثالث: كيف كلفني بمعرفته وطاعته وهو لا يريد ذلك مني؟
الرابع: ما الحكمة في أنه لما لم أسجد لآدم لعنني، وأخرجني من الجنة وأنا لم أرتكب قبيحاً إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟
الخامس: حيث لعنني وطردني وأخرجني من الجنة فَلِمَ سلطني على آدم حين دخلت الجنة ثانياً، وغررته في ذلك، ولو منعني من ذلك لاستراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟
السادس: هب أن الخصومة كانت بيني وبين آدم فَلِمَ سلطني على ذريته حتى أراهم من حيث لا يروني، وتؤثر فيهم وسوستي، ولو خلقهم على الفطرة دون من يغتالهم عنها، فيعيشون طاهرين سميعين مطيعين كان أحرى بهم، وأليق بالحكمة؟
السابع: سلمت هذا كله، فَلِمَ إذ استمهلته أمهلني المدة الطويلة، ولو أهلكني في الحال استراح الخلق مني، ولم يبق في العالم شر، أليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟
فأوحى الله إلى الملائكة ﵈: قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك، وإله الخلق غير صادق ولا مخلص؛ إذ لو
стр. 2736
صدقت بألوهيتي ما احتكمت على حكمتي؛ فأنا الله الذي لا إله إلا أنا، لا أسأل عما أفعل وهم يُسألون.
قال الشهرستاني: وكنت بُرْهة من الزمان أتفكر، وأقول: من المعلوم الذي لا مراء فيه أن كل شبهة وقعت فهي من هذه الشبهات السبع لإبليس ... إلى أن قال: فاللعين الأول لما حكم العقل على من لم يحكم عليه العقل لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، وحكم الخلق على الخالق؛ فالأول غلو، والثاني تقصير.
قال: فبان من هذه الشبهة الأولى مذاهب الحلول، والتناسخية، والمشبهة، والغلاة من الرافضة حيث غلوا في شخص من الأشخاص حتى وصفوه بصفات الجلال.
وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية، والجبرية، والْمُجَسِّمة.
قال: فالمعتزلة مشبهة الأفعال، والمشبهة: حلولية الصفات، وكل واحد منهم أعور بأي عينيه شاء.
قال: وسنح للقدرية طلب العلة في كل شيء فذلك ما سنح للَّعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق، ثم في التكليف، ثم في تكليف السجود لآدم، وعنه نشأ مذهب الخوارج؛ إذ لا فرق بين قولهم: لا حكم إلا لله، ولا حكم للرجال، وبين قوله: لا أسجد إلا لك، أأسجد لمن خلقت من صلصال، انتهى (١)، وفيه تلخيصٌ.
стр. 2737
وصدَقَ ﵀؛ فإن كل شبهة من شبهات إبليس فإنها مشابهة لشبهة فرقة من الفرق الهالكة، وكيف لا وهو الذي استزلهم حتى وقعوا في الشبهة والبدعة، فهو إمامهم في ذلك كله، وسابقهم إليه وباعثهم عليه؟
وفي "الحلية" لأبي نعيم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما موقوفاً قال: إن إبليس موثق بالأرض السفلى، فإذا تحرك كان كل شر على الأرض بين اثنين فصاعداً من تحركه (١).
فبان بذلك أن كل خصلة قبيحة وخلق سيئ ناشئ عن الشَّيطان، وكل من تلبس بشيء من ذلك فهو متشبه بالشيطان، غير أنا أردنا أن نذكر هنا جملة مما ورد النص بالنهي عن التشبه به فيه، أو بنسبته إليه من الأخلاق والأعمال تنفيراً منها، وإرشاداً إلى التنزه عنها.
١ - فمنها: الكفر بكل أنواعه:
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال العلماء: كفر إبليس إنما كان من حيث نسبة الله تعالى إلى الظلم، واستقباح ما أمره به من السجود لآدم، كما قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١].
وهل كان كفر اللعين عناداً، أو جهلاً؟
стр. 2738
قولان، ولا خلاف أنه كان قبل السجود من العلماء.
فمن قال بالأول يقول: كفر وعلمه معه عناداً، وهو أبلغ في الإثم.
ومن قال بالثاني قال: سلبه الله تعالى العلم عند الإباء والاستكبار، وهو أبلغ في النكال والمكر، نسأل الله العافية.
ومن أشنع ما وقع من كفر إبليس دعواه الألوهية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
قوله ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الملائكة.
وقوله ﴿مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي من دون الله.
قال قتادة رحمه الله تعالى في الآية: إنما كانت هذه خاصة لإبليس.
رواه عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وقال الضَّحَّاك رحمه الله تعالى: ولم يقل ذلك من الملائكة أحد إلا إبليس؛ دعا إلى عبادة نفسه، وشرع الكفر. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وقوله: "شرع الكفر"؛ أي: ابتدأه، وسَنَّهُ، وفتح طريقه، فعليه إثم نفسه وإثم كفر كل كافر من غير أن ينقص من آثامهم شيء.
стр. 2739
وكذلك كل من سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة؛ بل الشيطان سَنَّ كل سنة سيئة.
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وعبادة الشيطان مجرد الميل إليه، والتعلق به على غير وجه الإعراض واللعن، وهي أعم من الطاعة والسجود له، والانقياد إليه، واتخاذه إلهاً - وإن كان هذا أشد أنواع العبادة - ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢]؛ أي: تعقلون ما يمنعكم عن الميل إليه، وإلى ما يأمر به؛ فإنه لا يجر إلا إلى الضَّلال، وأنتم لا تجدون أحداً عبده وأطاعه إلا ضل.
* تَنْبِيْهٌ:
في قوله تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] إشارة
إلى أنه قد يكون الاستكبار سبباً للعمى عن الحق، كما صار في إبليس على القول الثاني بأنه كان عالماً فسُلب العلم.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
ثم الأرجح أن إبليس أول من كفر، بل أول من عصى.
قال النيسابوري: ما كفر أحد قبل إبليس.
стр. 2740
وروي: أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أول من مات إبليس لأنه أول من عصاني (١).
وقالت طائفة: كان تقدمه من الجن من كفر، فشبهه الله تعالى بهم في الكفر، وجعله منهم لَمَّا فعل فعلهم، فقال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قلت: وفي هذا تقريرٌ لما حرَّرنا سابقاً من أن من تشبه بقوم فهو منهم.
وفيه نكتة لطيفة، وهي أن الشيطان كان في كفره متشبهاً بكفرة الجن، فهو أول من تشبه بالكفار والفجار، كما أنه أول من امتنع من التشبه بالأخيار، وأول من منعه من ذلك الاستكبار، وأول من باء بسبب ذلك باللعن والعار والبوار.
قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣٥].
وقد نقل الإمام الوالد في "تفسيره": أن المراد بقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]: تشتبه أفعاله بأفعالهم؛ لأنه إن كان منهم حقيقة فإنه
стр. 2741
كان من الملائكة على قول ابن عباس وأكثر المفسرين كما نقله البغوي، وحكاه القرطبي - أيضاً - عن ابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة، وغيرهم؛ قال: وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري، ورجحه الطبري (١).
قلت: وروى ابن جرير، وابن عساكر عن ابن مسعود، وناس من الصحابة ﵃: أن إبليس كان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة (٢).
وعليه: فالجن الذي كان إبليس منهم غير الجن الذين هم أحد الثقلين، وبينهم فرق في الاشتقاق أيضاً؛ فالجن أحد الثقلين سموا جناً لتسترهم عن الناس، والجن الحي من الملائكة سموا جناً لأنهم خُزَّان الجنَّة.
وهذا الذي ذكرناه هنا قول ثالث في قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله تعالى في الآية؛ قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن.
قال: وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: ولو لم يكن
стр. 2742
من الملائكة لم يؤمر بالسجود (١).
قلت: وهذا دليل واضح.
وروى أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: لما لعن إبليس تغيرت صورته، فجزع لذلك، فَرَنَّ؛ فكل رنة في الدُّنيا إلى يوم القيامة فهي منها (٢).
وهنا فصلان ينبغي التنبه عليهما.
стр. 2743
الفَصْلُ الأَوَّلُ
علم مما اختاره الشيخ الوالد في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]: أن الجن غير الشَّياطين، وهو ما عليه المحققون أن الجن خلقٌ على حِدَتِهم، خُلِقَ أبوهم - وهو الجان - من مارج من نار السَّموم كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر (١).
وأما قوله تعالى حكايةً عن إبليس: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فالمراد أنه خلق من النار التي خلقت منها الملائكة، وهي النور.
وقد وقعت تسمية النور ناراً - أيضاً - في قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] الآية.
ثم لما لعن إبليس وطرد صار له ذرية، كما قال تعالى:
стр. 2744
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ فذريته هم الشياطين، وهو أبو الشياطين.
وأما قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٤ - ٦]، وقوله ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ"، قال: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟ قال: "نَعَمْ". رواه الإمام أحمد، والبيهقي في "الشعب" (١).
فالمراد بشياطين الجن والإنس من كان من الثقلين على قدم الشيطان.
سُمُّوا شياطين لتلبسهم بأخلاق الشيطان.
فأعتى الشياطين إبليس - وهو المراد بالشيطان عند الإطلاق - ثم أعتاهم من كان من ذريته، ثم من كان من الجن، ثم من كان من الإنس.
إلا أن من الناس من قال: إن شيطان الإنس أشد لأنه أبلغ في الاستزلال والإضلال؛ بسبب أن الجنس أميل إلى الجنس، فرب مستمال بشيطنة الإنسي ما لا يستمال بشيطنة الجني.
стр. 2745
والذي تلخص مما سبق - على القول الأصح -: أن آدم ﵇ أبو البشر، وإبليس - لعنه الله - أبو الشياطين، والجان أبو الجن، ثم إن الجن والإنس هما الثقلان، وعليهما التكليف، ولهما ثواب الطاعة، وعليهما عقاب المعصية على الأصح.
خلافاً لمن يقول: لا ثواب للجن إلا الخروج من النار، ثم يكونون تراباً، أو في رَبَض الجنة.
وقيل: هم أصحاب الأعراف.
وقيل غير ذلك.
وعلى الأصح: فالجن منهم كافرون، ومنهم مسلمون، فالمسلمون لا يخلد عاصيهم في النار، ولا يدخل الجنة منهم الكفار، وقد نطق القرآن العظيم بأن نفراً من الجن صرفوا إلى النبي ﷺ ، وسمعوا منه القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا، وصح الحديث، وأصله عند مسلم: أن رسول الله ﷺ بعثهم رسلاً إلى قومهم، وسألوه الزاد، فقال: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِيْ أَيْدِيْكُمْ أَوْفَىْ ما يَكُوْنُ لَحْماً، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوابِّكُمْ".
قال ﷺ : "لا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمُ الْجِنِّ" (١).
وروى الإمام الشافعي، والبيهقي: أن رجلاً من الأنصار خرج يصلي العشاء، فَسَبَتْهُ الجن، وقعد أعواماً، وتزوجت امرأته، ثم أتى المدينة،
стр. 2746
فسأله عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: اختطفتني الجن، فلبثت فيهم زماناً طويلاً، فغزاهم جن مؤمنون، وقاتلوهم، فأظهرهم الله تعالى عليهم، فَسَبَوْا منهم سبايا، وسَبَوْني معهم، فقالوا: نراك رجلاً مسلماً، ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم والقفول إلى أهلي، فاخترت أهلي، فأتوا بي المدينة، فقال له عمر: ما كان طعامهم؟ قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما كان شرابهم؟ قال: الحذف (١)، وهو الرغوة؛ لأنها تحذف عن الماء، وقيل: كل إناء كشف عنه غطاؤه.
ودلَّ هذا الخبر أن مطعوم كفار الجن ما لم يذكر اسم الله عليه، كما دل الذي قبله أن مطعوم مؤمنيهم ما ذكر اسم الله عليه، وهو تشرع منهم.
ومَا دل عليه من سباء الجن للإنس دلَّ عليه ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، وأبو يعلى بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ حدث ذات ليلة نساءه حديثاً، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله! هذا حديث خرافة، قال: "أتدْرُوْنَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كانَ رَجَلاً مِنْ بَنِي عَذْرَةَ أَسْرَتْهُ الْجِنُّ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَكَثَ فِيْهِمْ دَهْرًا، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى النَّاسِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأى فِيْهِم مِنَ الأَعَاجِيْبِ، فَقَالَ النَّاسُ: حَدِيْثُ خُرَافَةَ" (٢).
стр. 2747
قال ابن الأثير: ويروى عنه ﷺ أنه قال: "خُرَافَةُ حَقٌّ" (١)؛ أي: حديثه.
وقد نطق القرآن العظيم أن من الجن صالحين - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك - وهم إخوان المؤمنين من الإنس، وكذلك قال ﷺ في العظم والبعر: "فَإِنَّهُما طَعامُ إِخْوانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ" (٢) - كما تقدم - وقال في الطاعون: " [وخز] أَعْدائِكُمْ مِنَ الْجِن" (٣)، فسماهم أعداء لأن المؤمنين من الجن لا يطعنون المؤمنين من الإنس، وأما ما اشتهر على الألسنة: "وَخْزُ إِخْوانِكُمْ" فإنه لفظ منكر لم ترد به الرواية، كما نبه عليه ابن حجر في "بذل الماعون" (٤).
وبذلك يتضح أن إخبار الأنصاري عن طعام الجن أنه كل ما لم يذكر اسم الله عليه أراد به الإخبار عن الجن الكفار الذين سبَوه أولاً، فلا تعارض بينه وبين قوله ﷺ : "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ" لأنه في مقام الدعوة والتكليف لمؤمنيهم، ممَّا يدل على أن الجن متعبدون بشريعته ﷺ كما نقل ابن عطية، وغيره الإجماع على ذلك، [ويدل عليه]: ما رواه الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي، وأبو نعيم كلاهما في "الدلائل" عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى
стр. 2748
عنهما قال: أول خبر قدم المدينة عن رسول الله ﷺ : أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع، فجاء في صورة طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل، قال: إنه بعث بمكة نبي منع منا القرار، وحرم علينا الزناء (١).
وروى أبو نعيم في "الدلائل" عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه قال: كنت بالشام حين بعث رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى بعض حاجتي، فأدركني الليل، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي، فلما أخذت بمضجعي إذا أنا بمناد ينادي لا أراه: عُذْ بالله؛ فإن الجن لا تجير على الله أحداً، قلت: ويم الله! ما تقول؟ قال: قد خرج الأمين رسول الله، وصلينا خلفه بالحجون، فأسلمنا، واتبعناه، وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين، فأَسْلِمْ.
قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى راهب فأخبرته الخبر، فقال: قد صدقوك؛ يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الأنبياء، فلا تُسْبَقْ إليه (٢).
وروى أبو سعد الخركوشي في "شرف المصطفى ﷺ " عن الجعد
стр. 2749
ابن قيس المرادي قال: خرجنا أربعة أنفس نريد الحج في الجاهلية، فمررنا بواد من أودية اليمن، فلما أقبل الليل استعذنا بعظيم الوادي، وعقلنا رواحلنا، فلمَّا هدأ الليل ونام أصحابي إذا هاتف من بعض أرجاء الوادي يقول: [من الطويل]
أَلا أَيُّها الرَّكْبُ الْمُعَرِّسُ بَلِّغُوْا ... إِذا ما وَقَفْتُمْ بِالْحَطِيْمِ وَزَمْزَما
مُحَمَّدًا الْمَبْعُوْثَ مِنَّا تَحِيَّةً ... تُشَيِّعُهُ مِنْ حَيْثُ سارَ وَيَمَّما
وَقُوْلُوا لَهُ إِنَّا لِدِيْنِكَ شِيْعَةٌ ... بِذَلِكَ أَوْصانا الْمَسِيْحُ بْنُ مَرْيَما (١)
ومن أشهر ما في هذا الباب قصة سواد بن قارب رضي الله تعالى عنه، وقد أخرجها البخاري في "تاريخه" والطبراني عن سعيد بن جبير، عن سواد، والحسن بن سفيان في "مسنده" عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر رضي الله تعالى عنه.
وهو وأبو يعلى، والحاكم، والطبراني، والبيهقي عن محمد بن كعب قال: دخل سواد بن قارب رضي الله تعالى عنه على عمر رضي الله تعالى عنه.
والبيهقي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لسواد بن قارب رضي الله تعالى عنه: حَدِّثْنا ببدء إسلامك، قال: كان لي رَئي من الجن، فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ جائني فقال: قم، وافهم، واعقل إن كنت تعقل؛ قد بعث
стр. 2750
رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول: [من السريع]
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَنْحاسِها ... وَشَدِّها الْعِيْسَ بِأَحْلاسِها
تَهْوِيْ إِلَىْ مَكَّةَ تَبْغِيْ الْهُدَىْ ... ما مُؤْمِنُوْها مِثْلُ أَرْجاسِها
فَانْهَضْ إِلَىْ الصَّفْوَةِ مِنْ هاشِمٍ ... وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَىْ راسِها
ثم أنبهني، وأفزعني، وقال: يا سواد بن قارب! إن الله تعالى بحث نبياً، فانهض إليه تَهْتَدِ وترشد، فلما كانت الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول: [من السريع]
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَطْلابِها ... وَشَدِّها الْعِيْسَ بِأَقْتابِها
تَهْوِيْ إِلَىْ مَكَّةَ تَبْغِيْ الْهُدَىْ ... لَيْسَ قُداماها كَأَذْنابِها
فَانْهَضْ إِلَىْ الصَّفْوَةِ مِنْ هاشِمٍ ... ما صادِقُ الْجِنِّ كَكَذَّابِها
فلمَّا كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول: [من السريع]
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَخْبارِها ... وَشَدِّها الْعِيْسَ بِأَكْوارِها
تَسْعَىْ إِلَىْ مَكَّةَ تَبْغِيْ الْهُدَىْ ... لَيْسَ ذَوُوْ الشَّرِّ كَأَخْيارِها
فَانْهَضْ إِلَىْ الصَّفْوَةِ مِنْ هاشِمٍ ... ما مُؤْمِنُ الْجِنِّ كَكُفَّارِها
قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة دخل في قلبي حب الإسلام، فانطلقت إلى النبي ﷺ ، فلما رأني قال: "مَرْحَبًا بِكَ يا سَوادُ بْنُ قارِبٍ، قَدْ عَلِمْنا ما جاءَ بِكَ"، قلت: يا رسول الله! قد قلت شعراً، فاسمعه مني، فقلت: [من الطويل]
стр. 2751
أَتانِيْ رَئِيٌّ بَيْنَ لَيْلٍ وَهَجْعَةٍ ... وَلَمْ أَكُ فِيْما قَدْ بَلَوْتُ بِكاذِبِ
ثَلاثَ لَيالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ... أَتاكَ رَسُوْلٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ
فَشَمَّرْتُ عَنْ ساقِيْ الإِزارَ وَوَسَّطَتْ ... بِيَ الذِّعْلِبُ الْوَجْناءُ بَيْنَ السَّباسِبِ
فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ... وَأَنَّكَ مَأْمُوْنٌ عَلَىْ كُلِّ غائِبِ
وَأَنَّكَ أَدْنَىْ الْمُرْسَلِيْنَ شَفاعَةً ... إِلَى اللهِ يا ابْنَ الأَكْرَمِيْنَ الأَطايِبِ
فَمُرْنا بِما يَأتِيْكَ يا خَيْرَ مَنْ مَشَىْ ... وَإِنْ كانَ فِيْما جاءَ شَيْبُ الذَّوائِبِ
وَكُنْ لِيْ شَفِيْعاً يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ... سِواكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قارِب (١)
وروى الطبراني، وابن عساكر عن خريم بن فاتك رضي الله تعالى عنه قال: خرجت في طلب إبل لي، وكنا إذا نزلنا بواد قلنا: نعوذ بعزيز هذا الوادي، فتوسدت ناقة، وقلت: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فإذا هاتف يهتف وهو يقول: [من الرجز]
ويحَكَ عُذْ بِاللهِ ذِيْ الْجَلالِ ... مُنَزِّلِ الْحَرامِ وَالْحَلالِ
وَوَحِّدِ اللهَ وَلا تُبالِيْ ... ما كَيْدُ ذِيْ الْجِنِّ مِنَ الأَهْوالِ
стр. 2752
إِذْ يُذْكَرُ اللهُ عَلَىْ الأَمْيالِ ... وَفِيْ سُهُوْلِ الأَرْضِ وَالْجِبالِ
وَصارَ كَيْدُ الْجِنِّ فِيْ سَفالِ ... إِلاَّ التُّقَىْ وَصالِحَ الأَعْمالِ
فقلت له:
يا أَيُّها الْقائِلُ ما تَقُوْلُ ... أَرَشَدٌ عَنْكَ أَمْ تَضْلِيْلُ
فقال:
هَذا رَسُوْلُ اللهِ ذُوْ الْخَيْراتِ ... جاءَ بِيَاسِيْنَ وَحامِيْماتِ
وَسُوَرٍ بَعْدُ مُفَصَّلاتِ ... يَأْمُرُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
وَيَزْجُرُ الأَقْوامَ عَنْ هِنَاتَ ... قَدْ كُنَّ فِيْ الأَيَّامِ مُنْكَراتِ
فقلت له: من أنت؟ قال: مالك بن مالك الجني، بعثني رسول الله ﷺ على جن نجد، فقلت: أما لو كان لي من يؤدي إبلي هذه إلى أهلي لأتيته حتى أسلم، قال: أنا أؤديها، فركبت بعيراً منها، ثم قدمت فإذا النبي ﷺ على المنبر، فلما رآني قال: "ما فَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِيْ ضَمِنَ لَكَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِبِلَكَ؟ أَما إِنَّهُ قَدْ أَدَّاها" (١).
وذكر ابن خميس في "مناقب الأبرار"، والدميري في "حياة الحيوان" عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: سمعت سرياً السقطي رحمه الله تعالى يقول: كنت مرة في البادية فأواني الليل إلى جبل لا أنيس فيه، فلما تهور
стр. 2753
الليل ناداني مناد، فقال: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب، فعجبت، فقلت: أَجِنِّيٌّ أنت أم إِنْسِيٌّ؟ فقال: بل جني يؤمن بالله سبحانه، ومعي إخواني، فقلت: وهل ما عندك عندهم؟ قال: وزيادة.
قال: فناداني الثاني منهم، فقال: لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الفكرة، قال: فقلت: ما أنفعَ كلامَ هؤلاء، فناداني الثالث، فقال: من أَنِسَ به في الظلام نشر له غداً الأعلام، قال: فصعقت، فلما أفقت فإذا أنا بنرجسة، فشممتها، فذهب ما كان بي من الوحشة، واعتراني الأُنس، فقلت: وصية - رحمكم الله تعالى -، فقالوا: إِيْ؛ أبى الله أن يحيي بذكره، ويأنس به إلا قلوب المتقين، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، ومن اتبع طبيباً مريضاً دامت علته، ومن اتبع الدليل الحائر رجع وهو كليل.
قال: وودعوني، ومضوا، وقد أتى عليَّ حينٌ وأنا أرى برد كلامهم في خاطري.
وفي رواية: فلا أزال أرى بركات كلامهم في خاطري (١).
وذكر ابن خميس عن أبي سعيد الخزاز رحمه الله تعالى قال: بقيت إحدى عشرة سنة أتردد من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة أريد أن أحج حجة لا أرى فيها مكة، وأرى رب مكة، فما صح لي منه نفس، فلمَّا كان بعد إحدى عشرة سنة أنا راجع من المدينة إلى
стр. 2754
مكة تراءى لي بعض الجن، فقال: يا أبا سعيد! قد - والله - رحمتك من كثرة ترددك في هذا، وقد حضرني شيء فيك، فاسمعه، فقلت: هات، فانشأ يقول: [من الطويل]
أَتِيْهُ فَلا أَدْرِيْ مِنَ التِّيْهِ مَنْ أَنا ... سِوَىْ ما يَقُوْلُ النَّاسُ فِيَّ وَفِيْ جِنْسِيْ
أَتِيْهُ عَلَىْ جِنِّ الْبِلادِ وَإِنْسِها ... فَإِنْ لَمْ أَجِدْ خَلْقاً أَتِيْهُ عَلَىْ نَفْسِيْ
قال أبو سعيد: فقلت له: اسمع يا من لا يحسن أن يقول إن كنت تحسن أن تسمع، وقلت: [من الطويل]
أَيا مَنْ يَرَىْ الأَسْبابَ أَعْلا وُجُوْدِهِ ... وَيَفْرَحُ بِالتِّيْهِ الدَّنِيِّ وَبِالإِنْسِ
فَلَوْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعُلُوِّ لَغِبْتَ عَنْ ... مُباشَرَةِ الأَفْلاكِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِي
وَكُنْتَ بِلا حالٍ مَعَ اللهِ واقِفاً ... تُصانُ عَنِ التِّذْكارِ لِلْجِنِّ وَالإِنْسِ
في أبيات أخرى (١).
стр. 2755
وذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري هذه القصة على خلاف هذا الوجه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن طارق بن شهاب قال: بعث سليمان بن داود ﵉ بعض عفاريته، وبعث نفراً ينظرون ما يقول، ويخبرونه، فأخبروه أنه على السوق، قال: فرفع رأسه إلى السماء، ثم نظر إلى الناس، وهز رأسه، فسأله سليمان: لِمَ فعل ذلك؟ قال: عجبت من الملائكة على رؤوس الناس ما يكتبون، ومن الذين أسفل منهم ما أسرع ما يملون (١).
فهذه الآثار ونظائرها تدل على أن في الجن أخياراً، وأبراراً، وعارفين، ومقربين، وحكماء، ومكاشفين، وأن لهم مناصحات لأخيار بني آدم، ومكاشفات.
والنظر الآن في أنه هل يشرع التشبه بهم، أو لا؟
احتمالان.
وقد يستدل للأول بما رواه الترمذي، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الدلائل"، وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: "مَا لِيَ أَرَاكُمْ سُكُوتاً؟ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا، مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلهِ تَعَالَى:
стр. 2756
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قَالُوا: وَلا بِشَيْءٍ مِنْ آلائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ" (١).
وروى البزار، والدارقطني في "الأفراد"، والخطيب في "التاريخ" بسند صحيح، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فسكتوا، فقال: "مَا لِيْ أَسْمَعُ الْجِنَّ أَحْسَنَ جَوَابًا مِنْكُم؟ مَا أتَيْتُ عَلَى قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] إِلاَّ قَالُوا: وَلا بِشَيءٍ مِنْ آلائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ" (٢).
والذي يترجح عندي الاحتمال الثاني؛ لأن في التشبه بالصالحين من البشر غنية عن التشبه بهم، ولأنهم مستورون عنا، ولذلك سموا جناً - كما علمت - فلا يتحقق الأخذ عنهم.
ومن ثم أفتى شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى بأن الجماعة لو تمت أربعين بِجِنِّيٍّ لا تصح الجمعة لعدم تحققنا الذكورة فيه، والحرية، والحضور، والصحة - وإن كان التكليف يعم الفريقين - كما احتج به القمولي في إجازته لنكاح الجنية، واختاره شيخ الإسلام
стр. 2757
الجد، ومنعه العماد بن يونس وغيره جاعلين اختلاف الجنسيَّة من موانع النكاح لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]، ومشى عليه شيخ الإسلام الوالد، وهو المعتمد، ونص على ذلك جماعة من الحنابلة، وبعض الحنفية.
وحكم تزويج المرأة الإنسية الجني كذلك، وفيه محذور آخر لأنه يفتح باب البغي على النساء - خصوصاً من لا ولي لها - حتى لو حملت لقالت: إن زوجي جني.
وأما ما رواه ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَدُ أَبَوَيْ بَلْقِيسَ كَانَ جِنِّيًّا" (١)، فلا حجة فيه - إن صح الحديث - لأنهم كانوا كفاراً يعبدون الشمس.
ولو كان ذلك جائزاً في شرع بعض الأنبياء ﵈ لقلنا: إنه منسوخ بشرعنا، أو: ليس بشرع لنا.
ولا كلام في أنه لا يجوز التشبه بكفرة الجن، ولا بفسقتهم، وقد علمت أن الله تعالى ذم إبليس بتشبهه بالجن الذين كانوا قبل خلق آدم في الأرض، فعتوا وكفروا على أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وفي قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
ويلوح لي في هذه الآية أنها واردة على طريقة العرب في قولهم
стр. 2758
إذا وصفوا أحداً بالشر، أو بالمكر، ودقة الحيلة، وسرعة الحركة، أو نحو ذلك: إن فلاناً من الجن، وكان من الجن.
٢ - ومن أعمال فجرة الجن: مسيس بني آدم بالصرع، والقتل، والأمراض، وغير ذلك .
وقد روى الإمام أحمد بأسانيد أحدها صحيح، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فَنَاءُ أُمَّتِيْ بِالطَّعْنِ، وَالطَّاعُونِ"، فقيل: يا رسول الله! هذا الطعن عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "وَخْزُ أَعْدَائِكُم مِنَ الجنِّ، وَفِيْ كُلٍّ شَهادَةٌ" (١).
وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطِّاعُونِ"، فقيل: يا رسول الله! هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "وَخْزَةٌ تُصِيْبُ أُمَّتِيْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْجِنِّ كَغُدَّةِ الْبَعِيْرِ؛ مَنْ أقَامَ عَلَيْهَا كانَ مُرَابِطًا، وَمَنْ أُصِيْبَ بِهِ كَانَ شَهِيْدًا، وَمَنْ فَرَّ مِنْهُ كانَ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ" (٢).
واشتهر أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه قتلته الجن.
стр. 2759
قيل: إنه بال في سرب فقتلوه، وأنشدوا: [من مجزوء الرمل]
نَحْنُ قتَلْنا سَيِّدَ الْـ ... خَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةْ
وَرَمَيْناهُ بسَهْمَيْـ ... ـنِ فَلَمْ يُخْطِ فُؤادَه
ذكر ذلك الحافظ ابن عساكر وغيره (١).
وقد رفع بعض فضلاء المغاربة إلى شيخ الإسلام الوالد سؤالاً منظوماً في حكم تطبيب الممسوس، وفي حقيقة الجن ومسهم، فقال: [من الرمل]
يا إِمامَ الْعَصْرِ يا نَجْمَ الْهُدَىْ ... فِيْ سَماءِ الْعِلْمِ يا بَدْرَ الْعَمَلْ
ما تَرَىْ فِيْ طِبِّ مَنْ طُبَّ وَمَنْ ... عَقْلُةُ مِنْ مَسِّ جِنٍّ مُخْتَبَلْ
هَلْ تَراهُ سُنَّةً أَوْ واجِباً ... أَمْ حَراماً أَمْ عَلَىْ الْكُرْهِ اشْتَمَلْ
وَالَّذِيْ قَدْ يَقَعُ النَّاسُ بِهِ ... هَلْ مُثابٌ أَمْ عَلَىْ الإِثْمِ حَصَلْ
وَإِذا عالَجَ بِالرُّقْيَةِ أَوْ ... غَيْرِها مِمَّا إِلَيْكُمْ قَدْ وَصَلْ
كَيْفَ أَصْلُ الْجِنِّ مَعْ خِلْقَتِهِمْ ... فَهْوَ نارٌ أَمْ عَنِ النَّارِ انتقَلْ
وَإِذا هُمْ لِبَنِيْ آدَمَ هَلْ ... صَحَّ أَوْ ذا قَوْلُ زُوْرٍ مُفْتَعَلْ
وَالَّذِيْ يُنْكِرُ وُجْدانهمُ ... هَلْ أَصابَ الْحَقَّ أَوْ عَنْهُ عَدَلْ
فَتَصَدَّقْ بِجَوابٍ وَاغْتَنِمْ ... أَجْرَ عَبْدٍ ذِيْ افْتِقارٍ قَدْ سَأَلْ
الفَصْلُ الثَّاني
الشياطين كلهم كفار لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، والمراد إبليس وذريته.
فأمَّا شياطين الجن والإنس فقد يكون منهم من ينقله الله تعالى من الشيطانية إلى الطاعة، فيوفقه إلى الإسلام بعد الكفر، وإلى التوبة بعد المعصية؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وقد يكون منهم من يدوم على الشيطنة إلى الممات، فيطبع الله على قلبه، ويكون شيطاناً رجيماً، ويحشر مع إبليس وجنوده.
قال الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥].
وقال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٦٩].
روي في تفسير الآية: أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة،
стр. 2763
ثم يحضرون حول جهنم مغلولين، ثم يقدم الأكفر فالأكفر فيلقى في النار.
وقال مجاهد: يقدم الأعتى فالأعتى (١).
وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: قرناءهم من الشياطين لأنهم نظراؤهم كزوجَي النعل والخف.
ثم الكلام في الشياطين الذين هم من ذرية إبليس هل يسلم منهم أحد، أم لا؟
قولان.
روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَمَعَهُ شَيْطَانٌ"، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "وَأَنَا، إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَعَاننَيْ عَلَيْهِ فَأَسْلَم" (٢)؛ روي بفتح الميم؛ أي: فأسلمَ شيطاني، وهو المختار عند الأكثرين.
وكان سفيان يروي الحديث: "فأسلمُ" - بضم الميم -؛ أي: فأنا أسلمُ منه، وكان يقول: إن الشيطان لا يُسلم (٣).
لكن يشهد للأول: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم عن ابن مسعود ﵁،
стр. 2764
والطبراني عن المغيرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِيْنُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِيْنُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ"، قالوا: وإياك؟ قال: "وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَاننِيْ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَمْ (١) يَأْمُرْنِيْ إِلاَّ بِخَيْرٍ" (٢).
وروى أبو نعيم، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلْتُ عَلَى آدَمَ بِخَصْلَتَيْنِ؛ كانَ شَيْطَانِيْ كَافِرًا فَأَعَانَنِيْ اللهُ عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ، وَكُنَّ أَزْوَاجِيْ عَوْنًا لِي عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ عَوْنًا عَلَى خَطِيْئَتِهِ" (٣).
والحق أن هذه خصوصية للنبي ﷺ ، وأن شيطانه أسلم حقيقة كما جزم به السيوطي في "الخصائص"، والقسطلاني في "المواهب اللدنية" (٤).
ولا بدع أن يشذَّ عن الأبالسة واحد فيسلم كما شذَّ عن الملائكة واحد فكفر بالله تعالى، وهو إبليس على قول ابن عباس وغيره: أنه كان من الملائكة، كما تقدم.
ولم أر أن أحداً من الشياطين أسلم غير شيطان النبي ﷺ ، إلا ما رواه أبو نعيم في "الدلائل" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنت
стр. 2765
عند رسول الله ﷺ وهو بظاهر المدينة إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكاز، فقال النبي ﷺ : "إِنَّهَا لَمِشْيَةُ جِنِّيٍّ"، ثم سلم، فقال النبي ﷺ : "إِنَّهَا لَنَغْمَةُ جِنِّيٍّ".
فقال: أجل يا رسول الله! أنا الهامة بن الهام بن لاقيس بن إبليس.
فقال له النبي ﷺ "لا أَرَى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلاَّ أَبَوَيْنِ".
قال: أجل يا رسول الله.
قال: "كَمْ أتَى عَلَيْكَ مِنَ الْعُمُرِ؟ ".
قال: أكلت عمر الدنيا إلا القليل، كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاماً ابن أعوام، وكنت أتسوف على الآكام، وأصطاد الهام، وأفسد الطعام، وأورش بين الأنام.
فقال له النبي ﷺ : "بِئْسَ الْعَمَلُ".
فقال: يا رسول الله! دعني من العتب؛ فإني ممن آمن مع نوح ﵇، وعاتبته في دعوته، فبكى وأبكاني، وقال: إني والله لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولقيت هوداً ﵇ فعاتبته في دعوته، فبكى وأبكاني، وقال: إني لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولقيت إبراهيم ﵇ فآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ قذف به في المنجنيق، وكنت معه في النار إذ ألقي فيها، وكنت مع يوسف ﵇ إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره، ولقيت موسى بن عمران عليه السلام
стр. 2766
بالمكان الأيمن، وكنت مع عيسى بن مريم ﵉ فقال لي: إن لقيت محمداً ﷺ فاقرأ ﵇.
فقال النبي: ﷺ "﵇، وَعَلَيْكَ يَا هَامَّةُ، مَا حَاجَتَكَ؟ ".
قال: إن موسى علمني التوراة، كان عيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن.
فعلمه رسول الله ﷺ ، وقُبض رسول الله ﷺ ولم ينعه إلينا (١).
وهذا الحديث رواه العقيلي، والبيهقي، وأبو نعيم - أيضاً - عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنحوه، ولم يذكر فيه لقيه إبراهيم ﵇، وزاد فيه: وكنت زواراً ليعقوب ﵇، وكنت من يوسف ﵇ بالمكان الأمين، وكنت ألقى إلياس ﵇ بالأودية، وأنا ألقاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران ﵇ فعلمني التوراة، وقال: إني لقيت عيسى بن مريم فأقرئه مني السلام.
وذكر الحديث وزاد فيه: فعلمه رسول الله ﷺ إذا وقعت، والمرسلات، وعم يتسألون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: "اِرْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ يَا هَامَّةُ، وَلا تَدَعْ زِيَارَتَنَا".
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: فقُبض رسول الله ﷺ ولم ينعه
стр. 2767
إلينا، فلست أدري أحي هو أم ميت (١).
* تَنْبِيْهٌ:
ما تقدم من قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ شَيْطانٌ" (٢)، يدل على أنه لا بد لكل عبد من شيطان يقارنه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "مكائد الشيطان" عن يونس بن يزيد الأيلي رحمه الله تعالى قال: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن من ينشأ معهم ويعلمهم، ما سمعت من منكر (٣).
وأراد أولاد الشياطين، فعبر عنهم بالجن كأنه كان يرى أن الشياطين والجن جنس واحد.
ولا يلزم أن لا يكون للعبد إلا شيطان واحد، فقد يكون له شياطين متعددة زيادة في ابتلائه.
ويؤيد ذلك ما يأتي أن العبد لا يخرج حتى يفك عنها لحي سبعين شيطاناً، وما روي أن لكل عمل صالح شيطاناً موكلاً بالمنع من ذلك العمل كما ستعلم قريباً.
стр. 2768
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠] قال: هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وهم أكثر عدداً (١).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر (٢)؛ يعني: من الشياطين.
وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عساكر عن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: بلغني أن إبليس قال: يا رب! إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلطني على أولاده، قال: صدورهم مساكن لك، قال: رب! زدني، قال: لا يولد لآدم ولد إلا ولد لك عشرة، قال: رب! زدني, قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤].
فشكى آدم إبليس إلى ربه قال: يا رب! إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاً، وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا بك، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء، قال: رب! زدني، قال: الحسنة بعشرة أمثالها، قال: رب! زدني، قال: لا أحجب عن ولدك التوبة ما لم يغرغر (٣).
стр. 2769
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: من ذرية إبليس لاقيس، وولهان؛ وهو صاحب الصلاة والطهارة، واللهفان، ومرَّة، وبه يكنَّى.
وزلنبور؛ وهو صاحب الأسواق يزين اللغو، والحلف الباطل، ومدح السلعة.
ونسوطاً صاحب الصخب والغضب.
وثبر؛ وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه، ولطم الخدود، وشق الجيوب.
والأعور؛ وهو صاحب الزنا، ينفخ في إحليل الرجل وعَجُز المرأة.
ومطوس - وفي رواية: مسوط -؛ وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً.
وداسم؛ وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم، ولم يذكر اسم الله، دخل معه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه.
والأبيض؛ وهو الموكل بالأنبياء ﵈، وهو الذي أضل بَرْصِيصا.
وخنزب، وهو بالخاء المعجمة المفتوحة، والنون الساكنة، والزاي المفتوحة؛ وهو شيطان الصلاة.
روى ذلك مفرقاً عن مجاهد، ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما (١).
وقرأت بخط العلامة البرهان ابن الباعوني رحمه الله تعالى عن
стр. 2770
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه قال: من ذرية إبليس تسعة؛ زلنبور، ووثين، وأعوان، ولهفان، ومرة, ولقوس، والمسوط، وداسم، وولهان.
أما زلنبور فهو صاحب الأسواق ينصب فيها رايته.
وأما وثين فهو صاحب المصائب.
وأما أعوان فهو صاحب أبواب السلطان؛ أي: المترددين إليه والملازمين له؛ عبر عنهم بالأبواب وأراد الأبواب حقيقة.
وأما اللهفان فهو صاحب الشراب.
وأمَّا مرة فهو صاحب المجوس.
وأمَّا المسوط فهو صاحب الأخبار الزور يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً.
وأمَّا داسم فهو صاحب البيوت، فإذا دخل الرجل منزله ولم يسم ولم يذكر الله، أوقع بينهم المنازعة حتى يقع الضرب، والطلاق، والخلع.
وأما ولهان فهو يوسوس في الصدور في الصلاة والعبادات.
وقال في "القاموس": والولهان شيطان يغري بكثرة صب الماء في الوضوء (١).
وفي "القاموس" أيضاً: إن عمل زلنبور أن يفرق بين الرجل وأهله،