بالمكان الأيمن، وكنت مع عيسى بن مريم ﵉ فقال لي: إن لقيت محمداً ﷺ فاقرأ ﵇.
فقال النبي: ﷺ "﵇، وَعَلَيْكَ يَا هَامَّةُ، مَا حَاجَتَكَ؟ ".
قال: إن موسى علمني التوراة، كان عيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن.
فعلمه رسول الله ﷺ ، وقُبض رسول الله ﷺ ولم ينعه إلينا (١).
وهذا الحديث رواه العقيلي، والبيهقي، وأبو نعيم - أيضاً - عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنحوه، ولم يذكر فيه لقيه إبراهيم ﵇، وزاد فيه: وكنت زواراً ليعقوب ﵇، وكنت من يوسف ﵇ بالمكان الأمين، وكنت ألقى إلياس ﵇ بالأودية، وأنا ألقاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران ﵇ فعلمني التوراة، وقال: إني لقيت عيسى بن مريم فأقرئه مني السلام.
وذكر الحديث وزاد فيه: فعلمه رسول الله ﷺ إذا وقعت، والمرسلات، وعم يتسألون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: "اِرْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ يَا هَامَّةُ، وَلا تَدَعْ زِيَارَتَنَا".
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: فقُبض رسول الله ﷺ ولم ينعه
стр. 2767
إلينا، فلست أدري أحي هو أم ميت (١).
* تَنْبِيْهٌ:
ما تقدم من قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ شَيْطانٌ" (٢)، يدل على أنه لا بد لكل عبد من شيطان يقارنه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "مكائد الشيطان" عن يونس بن يزيد الأيلي رحمه الله تعالى قال: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن من ينشأ معهم ويعلمهم، ما سمعت من منكر (٣).
وأراد أولاد الشياطين، فعبر عنهم بالجن كأنه كان يرى أن الشياطين والجن جنس واحد.
ولا يلزم أن لا يكون للعبد إلا شيطان واحد، فقد يكون له شياطين متعددة زيادة في ابتلائه.
ويؤيد ذلك ما يأتي أن العبد لا يخرج حتى يفك عنها لحي سبعين شيطاناً، وما روي أن لكل عمل صالح شيطاناً موكلاً بالمنع من ذلك العمل كما ستعلم قريباً.
стр. 2768
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠] قال: هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وهم أكثر عدداً (١).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر (٢)؛ يعني: من الشياطين.
وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عساكر عن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: بلغني أن إبليس قال: يا رب! إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلطني على أولاده، قال: صدورهم مساكن لك، قال: رب! زدني، قال: لا يولد لآدم ولد إلا ولد لك عشرة، قال: رب! زدني, قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤].
فشكى آدم إبليس إلى ربه قال: يا رب! إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاً، وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا بك، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء، قال: رب! زدني، قال: الحسنة بعشرة أمثالها، قال: رب! زدني، قال: لا أحجب عن ولدك التوبة ما لم يغرغر (٣).
стр. 2769
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: من ذرية إبليس لاقيس، وولهان؛ وهو صاحب الصلاة والطهارة، واللهفان، ومرَّة، وبه يكنَّى.
وزلنبور؛ وهو صاحب الأسواق يزين اللغو، والحلف الباطل، ومدح السلعة.
ونسوطاً صاحب الصخب والغضب.
وثبر؛ وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه، ولطم الخدود، وشق الجيوب.
والأعور؛ وهو صاحب الزنا، ينفخ في إحليل الرجل وعَجُز المرأة.
ومطوس - وفي رواية: مسوط -؛ وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً.
وداسم؛ وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم، ولم يذكر اسم الله، دخل معه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه.
والأبيض؛ وهو الموكل بالأنبياء ﵈، وهو الذي أضل بَرْصِيصا.
وخنزب، وهو بالخاء المعجمة المفتوحة، والنون الساكنة، والزاي المفتوحة؛ وهو شيطان الصلاة.
روى ذلك مفرقاً عن مجاهد، ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما (١).
وقرأت بخط العلامة البرهان ابن الباعوني رحمه الله تعالى عن
стр. 2770
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه قال: من ذرية إبليس تسعة؛ زلنبور، ووثين، وأعوان، ولهفان، ومرة, ولقوس، والمسوط، وداسم، وولهان.
أما زلنبور فهو صاحب الأسواق ينصب فيها رايته.
وأما وثين فهو صاحب المصائب.
وأما أعوان فهو صاحب أبواب السلطان؛ أي: المترددين إليه والملازمين له؛ عبر عنهم بالأبواب وأراد الأبواب حقيقة.
وأما اللهفان فهو صاحب الشراب.
وأمَّا مرة فهو صاحب المجوس.
وأمَّا المسوط فهو صاحب الأخبار الزور يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً.
وأمَّا داسم فهو صاحب البيوت، فإذا دخل الرجل منزله ولم يسم ولم يذكر الله، أوقع بينهم المنازعة حتى يقع الضرب، والطلاق، والخلع.
وأما ولهان فهو يوسوس في الصدور في الصلاة والعبادات.
وقال في "القاموس": والولهان شيطان يغري بكثرة صب الماء في الوضوء (١).
وفي "القاموس" أيضاً: إن عمل زلنبور أن يفرق بين الرجل وأهله،
стр. 2771
ويبصر الرجل بعيوب أهله (١).
وفيه: أن سوطاً - وهو على وزن السوط الذي يجلد به بدون لام التعريف - ولد لإبليس يغري على الغضب (٢).
وقال فيه: والأزب - أي: بالهمزة، والزاي، والموحدة المشددة - من أسماء الشياطين.
ومنه حديث ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أنه وجد رجلاً طوله شبران، فاخذ السوط، فأتاه، فقال: من أنت؟ قال: أزب، قال: وما أزب؟ قال: رجل من الجن، فقلب السوط فوضعه في رأس أزب حتى باص (٣)؛ أي: هرب، أو خفي واستتر.
وقال فيه: والسرحوب - أي: بضم السين المهملة، وإسكان الراء، وضم الحاء المهملة، وبالموحدة - ابن آوى، أو شيطان أعمى يسكن البحر (٤).
وقال فيه: والزوبعة: اسم شيطان رئيس للجن، ومنه الإعصار زوبعة، وأم زوبعة، وأبو زوبعة يقال فيه: شيطان مارد (٥).
وذكر القرطبي عن شيخه عبد المعطي: أن شيطاناً يقال له
стр. 2772
البيضاوي يتمثل للفقراء الواصلين في الصيام، فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم، يكشف لهم عن سناء ونور حتى يملأ عليهم البيوت، فيظنون أنهم قد وصلوا، وأن ذلك من الله، وليس كما ظنوا (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ شِهَابًا اِسْمُ شَيْطَانٍ" (٢).
وروى ابن سعد في "طبقاته" عن عروة بن الزبير، والشعبي مرسلاً قالا: قال رسول الله ﷺ : "الْحُبَابُ شَيْطَانٌ" (٣).
وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن ماجه عن مسروق قال: لقيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: سمعت رسول الله هو يقول: أَجْدَعُ اسْمُ شَيْطَانٍ؛ أنت مسروق بن عبد الرحمن (٤).
وذكر بعضهم: أن من ذرية إبليس صخراً، وهو الذي انتزع خاتم سليمان بن داود ﵉؛ وهذا رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٥).
стр. 2773
وروى هو عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه مارد يقال له: أسيد.
وعن السدي: أنه شيطان اسمه حبقيق (١).
وروى عبد الرزاق عن مجاهد: أن اسمه آصف (٢)، وهو غير آصف بن برخيا الذي عنده علم الكتاب، وهو ابن خالة سليمان ﵇، ووزيره من الإنس.
قلت: ولعله تصحيف.
ويؤيده ما رواه ابن جرير عن مجاهد نفسه: أن اسمه - أعني: الشيطان الذي انتزع خاتم سليمان - آصِر (٣) - بالراء -، وهو محبوس في البحر.
وروى ابن أبي حاتم عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي مس أيوب ﵇ يقال له: سوط (٤).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: عطس ابن لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: أب، أو: أشهب، [فقال ابن عمر]: لا تقل أب أو أشهب؛ فإنه اسم شيطان.
وقال إبراهيم رحمه الله تعالى؛ إن شيطاناً يسمى إهاب؛ فمن عطس
стр. 2774
فليخفض من صوته، ولا يقل: إهاب. نقلهما البغوي في "شرح السنة" (١).
وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن جحين الأكبر: أن رجلاً أتاه فقال: إني نذرت أن لا أكلم أخي، فقال: إن الشيطان ولد له ولد فسماه نذراً، وإنه من قطع ما أمر الله به أن يوصل فقد حلت عليه اللعنة (٢).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن قتادة رحمه الله تعالى قال: إن لإبليس شيطاناً يقال له: قيقب يخمه أربعين سنة، فإذا دخل الغلام في هذا الطريق - يعني: طاعة الله - يقول له: دونك إنما كنت أخمك لمثل هذا، أجلب عليه، وافتنه (٣).
وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: لا يقال: بغذاذ بالذال - يعني المعجمة -؛ فإن بغ شيطان، وذاذ عطية، ولكن يقول: بغداد وبغذاد كما تقول العرب (٤).
وفي "القاموس": إن الشيصبان قبيلة من الجن واسم الشيطان، انتهى (٥).
стр. 2775
ويحتملها قول الشاعر: [من المتقارب]
وَلِيْ صاحِبٌ مِنْ بَنِيْ الشَّيْصَبانِ ... فَطَوْراً أَقُوْلُ وَطَوْراً يَقُوْلْ
وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد"، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وُكِّلَ بِالْمُؤْمِنِ مِئَةٌ وَستُّونَ (١) مَلَكًا يَذبُّونَ عَنْهُ مَا لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْهِ؛ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْبَصَرِ سَبْعَةُ أَمْلاكٍ يَذبُّوْنَ عَنْهُ كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ الْعَسَلِ الذُّبَابُ فِيْ الْيَوْمِ الصَّائِفِ، وَمَا لَوْ بَدَا لَكَ لَرَأَيْتُمُوْهُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ؛ كُلُّهُم بَاسِطٌ يَدَيْهِ فَاغِرٌ فَاهُ، وَمَا لَو وُكِلَ الْعَبْدُ إِلَى نفسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِيْنُ" (٢).
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبِي ﷺ : أنه لما نزل ليلة الإسراء إلى سماء الدنيا نظر أسفل منه، فإذا هو بريح وأصوات ودخان، فقال: "ما هَذَا يَا جِبْرِيْلُ؟ " فقال: "هذه شياطين يحومون على أعين بني آدم لئلا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب" (٣).
وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن وهب بن منبه
стр. 2776
رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً من بني إسرائيل صام سبعين سبتاً يفطر في كل سبعة أيام، وهو يسأل الله تعالى أن يريه كيف تغوي الشياطين الناس، فلما طال عَلَيْه ذلك ولم يجب، فقال: لو اطلعت على خطيئتي وذنبي وما بيني وبين الله ربي لكان خيراً لي من هذا الأمر الذي طلبته، فأرسل الله تعالى ملكاً فقال له: إن الله أرسلني إليك وهو يقول لك: إن كلامك هذا الذي تكلمت به أعجب إليَّ مما مضى من عبادتك، وقد فتح الله بصرك فانظر، فإذا جنود إبليس قد أحاطت بالأرض، وإذا ليس أحد من الناس إلا وحوله الشياطين مثل الذباب، فقال: أي رب! من ينجو من هذا؟ قال: الوادع اللين (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: إن آدم ﵇ لما أهبط قال: رب! هذا العبد الذي جعلت بيني وبينه عداوة ألا تعينني عليه؟ لا أقوى عليه، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكاً، قال: ربي! زدني، قال: أجزي بالسيئة سيئة، وبالحسنة عشراً إلى ما أريد، قال: ربي! زدني، قال: باب التوبة مفتوح ما دام في الجسد الروح.
قال إبليس: يا رب! هذا العبد الذي كرمته ألا تعينني عليه؟ لا أقوى، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولد، قال: ربي! زدني، قال: تجري منه مجرى الدم، وتتخذون صدورهم بيوتاً، قال: ربي! زدني،
стр. 2777
قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] (١).
* تَتِمَّةٌ:
سبق أن إبليس كنيته أبو مرة، وهذا مشهور عند الناس.
وروى عبد بن حميد عن سفيان رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] , قال: أشركاه في الاسم، قال: وكنية إبليس أبو كدوس (٢).
٣ - ومن أخلاق الشيطان - لعنه الله تعالى - الدعاء إلى الكفر، بل هو أشد من الكفر .
قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦].
ذكر البغوي، والقرطبي، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قال في هذه الآية: كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا قد تعبد في صومعته سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين حتى أعيا إبليس، فجمع إبليس مردة الشياطين، فقال: لا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض - وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي قصد النبي ﷺ في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فجاءه جبريل عليه
стр. 2778
السلام فدخل بينهما، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند، فذكر قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]، فقال: أنا أكفيكه.
فانطلق، فتزيا بزي الرهبان، وحلق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه، وكان لا ينفتل من صلاته إلا في كل عشرة أيام يوماً، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام، وكان يواصل العشرة أيام، والعشرين، والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته رأى الأبيض قائماً يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فندم حيث لم يجبه، فقال: ما حاجتك؟ قال: أن أكون معك فأتأدب بآدابك، وأقتبس من علمك، ونجتمع على العبادة، فقال: إني في شغل عنك، ثم أقبل على صلاته، وأقبل الأبيض كذلك على الصلاة، فلمَّا رأى برصيصا شدة اجتهاده قال: ما حاجتك؟ قال: أن أرتفع إليك، فأذن له، فأقام الأبيض معه حولاً لا يفطر إلا في كل أربعين يوماً، وربما مد إلى الثمانين، فلمَّا رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه، ثم قال الأبيض: عندي دعوات يشفي الله بها السقيم والمبتلى والمجنون، فعلمه إياها، ثم جاء إبليس فقال: قد - والله - أهلكت الرجل.
ثم تعرض لرجل فخنقه، ثم قال لأهله - وقد تصور في صورة الآدميين -: إن بصاحبكم جنوناً أفاطبه؟ قالوا: نعم، قال: لا أقدر على جنيته، ولكن اذهبوا إلى برصيصا؛ فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أُعطي، وإذا دعى به أجاب، فجاؤوه، فدعا بتلك
стр. 2779
الكلمات، فذهب عنه الشيطان، ثم جعل الأبيض يفعل ذلك بالناس، ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون، فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة أخوة، وكان أبوهم ملكاً فمات، واستخلف أخاه، وكان عمها ملكاً في بني إسرائيل، فعذبها وخنقها، ثم جاء إليهم في صفة رجل متطبب ليعالجها، فقال: إن شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا إلى برصيصا، فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرأت، فقالوا: لا يجيبنا إلى هذا، قال: فابنوا صومعة إلى جانب صومعته، ثم ضعوها فيها، وقولوا: هي أمانة عندك، فاحْتَسِب فيها، فسألوه ذلك، فأبى، فبنوا صومعة ووضعوا فيها الجارية، فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال، فوقعت في قلبه وأسقط في يديه، فجاءها الشيطان وخنقها، فدعا بتلك الكلمات، فذهب عنها الشيطان، فلما أقبل على صلاته عاد إليها الشيطان، وكان يكشف عنها ويتعرض لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان وقال: ويحك! واقعها فما تجد مثلها، ثم تتوب بعد ذلك، فلم يزل به حتى واقعها فحملت، وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويلك! قد افتضحت فهل لك أن تقتلها ثم تتوب ولا تفتضح، فإن جاؤوك وسألوك فقل: جاءها شيطانها فذهب بها، فقتلها برصيصا، ودفنها ليلاً، فأخذ الشيطان طرف ثوبها حتى بقي خارجاً من التراب، ورجع برصيصا إلى صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم فلم يجدوها، فقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب بها، ولم أطقه، فصدقوه، فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إليهم في منامهم، فقال لكل من إخوتها:
стр. 2780
إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها، ودفنها في جبل كذا، فقالوا: هذا حلم، فتتابع عليهم ثلاث ليال، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ فقال: أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم اتهمتموني؟ فقالوا: لا - والله - لا نتهمك، واستحيوا منه وانصرفوا، فجاءهم الشيطان وقال: ويحكم! إنها المدفونة في موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب، فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوه في المنام، فمشوا وغلمانهم معهم المساحي والفؤوس فهدموا صومعة برصيصا، وأنزلوه منها، ثم ذهبوا به إلى الملك، فأقر على نفسه، فأمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال: يا برصيصا! أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الكلمات فاستجيبَ لك، أما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها؟ وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحييت؟ فما زال يعيره ويعنفه حتى قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك، وفضحت نفسك وأشباهك من الناس؛ فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع؟ فقال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك، قال: وما هي؟ قال: تسجد لي، قال: أفعل، فلما سجد له قال: يا برصيصا! هذا الذي أردت منك؛ صار عاقبة أمرك أن كفرت بربك، إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين (١).
стр. 2781
قلت: وقد اشتملت هذه القصة على أمور كثيرة من مخازي الشيطان، فينبغي للعبد أن لا يتشبه به في شيء منها.
فمن جملتها: التزيي بزي الصالحين ظاهراً مع امتلاء القلب بالكفر، والغش، والمكر، والاستهزاء بالطاعة، والسخرية بالمصلين والمتعبدين، وإكذاب الناس بغير حق، وانتهاك الحرم، والجناية على عرض ذوي الأعراض، والتشبع بما ليس في الملك، وبث الغش في صورة النصيحة، وكشف عورات الناس، والنميمة بهم وعليهم وإليهم، والسعاية إلى الحكام، وغير ذلك، نسأل الله العافية.
٤ - ومن أخلاق الشيطان الرجيم: نية السوء، وإضماره للعباد .
روى أبو نعيم، ومن طريقه ابن الجوزي عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: ما أتى من أتى إبليس وقارون وبلعام إلا أن أصل نياتهم على غش، فرجعوا إلى الغش الذي في قلوبهم، والله أكرم من أن يمن على عبد بصدق ثم يسلبه إياه (١).
٥ - ومنها - وهو أخصها وأجمعها -: الإغراء، والأمر بالمعاصي .
قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
стр. 2782
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩].
وقال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠]، وهذه الآية تدل على أن الإخلاص من الحصون المانعة من كيد الشيطان.
٦ - ومنها: الاستزلال، والتغرير .
وقد علمت ما فعل الشيطان الأبيض مع برصيصا.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
قال القرطبي: اللام في: ﴿لِتَصْغَى﴾ لام كي، والعامل فيه: يوحي؛ تقديره: يوحي بعضهم إلى بعض ليغروهم، ولتصغى، انتهى (١).
ومعنى الآية الكريمة على هذا - والله أعلم -: أن شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض بالشيء، ويأمره به كأنه ناصح له، وما يريده له، ولكنه يتكلم معه في سورة النصيحة ليغر السامع بكلامه، ويصغي السامع إليه فيستحسنه، ويرضى به، ويفعله،
стр. 2783
فمن فعل من هذه الأفعال فهو متشبه بالشيطان لا محالة، بل سماه الله تعالى في هذه الآية شيطاناً.
قال قتادة، ومجاهد، والحسن رحمهم الله تعالى: إن من الإنس شياطين (١).
والشيطان: العاتي المتمرد من كل شيء.
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: "يَا أَبَا ذَرٍّ! هَلْ صَلَّيْتَ؟ " فقلت: لا، قال: "قُمْ فَصَلِّ"، قال: فقمت وصلَّيت ثمَّ جلست، فقال: "يَا أَبَا ذَرٍّ! تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِيْنِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ"، فقلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟ قال: "نعمْ" (٢).
وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن؛ وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، قال: وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً (٣).
وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان - يعني: الداراني رحمه الله تعالى - يقول: ما خلق الله خلقاً أهون علي من إبليس، لولا أن الله تعالى أمرني أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبداً.
стр. 2784
قال: وقال: شيطان الجن أهون علي من شيطان الإنس؛ شيطان الإنس يتعلق بي فيدخلني في المعصية، وشيطان الجن إذا تعوذت خنس عني دقيقة (١).
ومن حيل الشيطان في تغرير الإنسان: ما رواه ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: اجتمع قوم يذكرون الله ، فأتاهم الشيطان ليقيمهم من مجلسهم ليفرق بينهم، فلم يستطع، فأتى رفقة أخرى يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم، فقاموا يقتتلون.
قال عبد الله: وليس إياهم يريد؛ فقام الذين يذكرون الله تعالى يفصلون بينهم، فتفرقوا عن مجلسهم (٢).
* تَنْبِيْهٌ:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾ [النمل: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥].
قال أهل السنة: الآية الأولى وأمثالها على الحقيقة، وما بعدها
стр. 2785
على المجاز؛ لأنه الله تعالى هو المضل حقيقة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وعكس المعتزلة ذلك فجعلوا إسناد التزيين إلى الله تعالى مجازاً، وإسناده إلى الشيطان حقيقة، وهم محجوجون بالكتاب والسنة.
ومر حديث ابن عدي وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ دَاعِياً وَمُبَلِّغًا، وَليْسَ لِيْ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيْسُ مُزَيِّناً وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ شَيْءٌ" (١).
٧ - ومن أخلاق الشيطان لعنه الله تعالى: الرضا بالمعصية، والسخط بالطاعات، والغيظ منها .
وحكم الرضا بالمعصية حكم تلك المعصية، فالرضا بالكفر كفر، وبالكبيرة كبيرة، وبالصغيرة صغيرة، وبالمكروه مكروه.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه رحمه الله تعالى قال: من رضي بالفسق فهو من أهله، ومن رضي أن يعصى الله لم يرفع له عمل (٢).
قال عبيد الله: وسمعت أبي يقول: رأس مال المؤمن دينه؛ حيثما
стр. 2786
زال زال معه لا يخلفه في الرحال، ولا يأمن عليه الرجال (١).
٨ - ومنها: الابتداع في الدين .
روى الإمام الزاهد الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" عن أبي الجلد رحمه الله تعالى قال: يرسل على الناس على رأس كل أربعين سنة شيطان يقال له: القمقم، يبتدع لهم بدعة.
ومثل ذلك لا يقال من قبل الرأي.
وقد سبق بيان أن البدع أصلها كلها من شبه إبليس التي بيناها سابقاً.
٩ - ومنها: إنكار البعث، والجنة، والنار .
روى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾؛ قال: قال: لا بعث, ولا جنة، ولا نار.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ قال: من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها.
﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ قال: من قبل حسناتهم بطَّأهم عنها.
﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]؛ قال: زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها.
أتاك يا ابن آدم من قبل وجهك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، غير أنه لم يأتك من فوقك؛ لا يستطيع أن يكون بينك
стр. 2787
وبين رحمة الله تعالى (١).
١٠ - ومنها: التكذيب بالقضاء والقدر .
روى ابن أبي الدنيا عن أبي عثمان - يعني: النهدي - قال: كان عيسى ﵇ يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم، قال: ألق نفسك من الجبل، وقل: قُدِّرَ عَلَيَّ، قال: يا لعين! الله يختبر العباد، وليس العباد يختبرون الله تعالى (٢).
وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن عمرو بن الأغضف، فقال: قاضي الأهواز ثقة، قال لعباد بن منصور: من حدثك أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رجع عن: الشقيُّ من شَقِيَ في بطن أمه؟ قال: شيخ لا أدري من هو، فقال عمرو: أنا أدري من هو، قال: من هو؟ قال: الشيطان.
نقله (٣) الحافظان؛ المزي، والعراقي، وغيرهما (٤).
١١ - ومنها: اعتقاد كون الأسباب مؤثرة بأنفسها في المسببات، وأنها هي الفاعلة، واعتقاد المسلمين أن الله تعالى يوجد الأشياء عند
стр. 2788
وجود أسبابها.
روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: إن إبليس طار بعيسى حتى وضعه على بيت المقدس، فقال: أزعمت أنك تحمي الموتى؟ فإن كنت كذلك فادع الله أن ترد هذا الجبل خبزاً، فقال عيسى ﵇: أوكل الناس يعيشون من الخبز؟ قال: فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان؛ فإن الملائكة ستلقاك، قال: إن ربي أمرني أن لا أجرب نفسي به، ولا أدري يسلمني أم لا (١).
١٢ - ومنها: إنكار قدرة الله تعالى على كل الممكنات، كما يفهم من اقتراح اللعين على عيسى ﵇ أن يرد الله الجبل خبزاً .
وحكى بعض العلماء: أن إبليس عرض لإدريس ﵇ وهو يخيط ثوبه فقال له: يا إدريس! أنت الذي تزعم أن في قدرة الله تعالى أن يجعل السماوات والأرض في خرم هذه الإبرة؟ قال: نعم، قال: فكيف يكون ذلك؟ فقال إدريس: هكذا -وفقأ عينه-.
قال بعض المتكلمين: علم إدريس ﵇ أن إقامة الدليل على ذلك لا يرد إبليس عن كفره، فرجع إلى العقوبة.
стр. 2789
* تنبِيْهٌ:
ما ذكرنا من أن إدريس فقأ عين إبليس نقله السنوسي في "شرح عقيدته"، وغيره.
واشتهر على الألسنة أن عمر رضي الله تعالى عنه هو الذي قلع عين إبليس، وقد اجتهدت أن أرى ذلك فلم أجده.
نعم ثبت في الحديث أن الشيطان كان يَفْرَقُ من عمر رضي الله تعالى عنه، ويفر منه.
روى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه" عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أَن النبي ﷺ قال لعمر رضي الله تعالى عنه: "إِنَّ الشَّيْطِانَ لَيَفْرَقُ مِنْكَ يَا عُمَرُ" (١).
وروى ابن عساكر عن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَا لَقِيَ الشَّيْطَانُ عُمَرَ مُنْذُ أَسْلَمَ إِلاَّ خَرَّ لِوَجْهِهِ" (٢).
ورواه الطبراني بإسناد حسن عن سديسة مولاة حفصة رضي الله تعالى عنهما (٣).
стр. 2790
١٣ - ومنها: الحيلولة بين العبد وبين التفكر في آيات الله تعالي، ومخلوقاته، ومصنوعاته .
روى الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ لَمَّا انتهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَنَظَرْتُ فَوْقيَ فَإِذَا أَنَا بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ وَصَوَاعِقَ، فَأَتَيْتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُوْنهم كَالْبُيُوْتِ فِيْهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِم، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاء يَا جِبْرِيْلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ أكَلَةُ الرِّبَا، فَلَمَّا نزَلتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا نَظَرْتُ أَسْفَلَ مِنِّيْ فَإِذَا أَنَا بِوَهْجٍ وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيْلُ؟ قَالَ: هَذهِ الشَّيَاطِيْنُ يَحُوْمُوْنَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَنْ لا يتَفَكَّرُوا فِيْ مَلَكُوْتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ" (١).
١٤ - ومنها: التشكيك في الدين .
روى البيهقي في "الدلائل" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فجاء رجل من أقبح الناس وجهًا،
стр. 2791
وأقبحه ثوبا، وأنتنه ريحًا، يتخطَّى رقاب الناس حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: من خلقك؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله"، قال: من خلق السماء؟ قال: "اللهُ"، قال: من خلق الأرض؟ قال: "الله"، قال: من خلق الله؟ قال: "سُبْحَانَ اللهِ"، وأمسك بجبهته، وطأطأ رأسه، وقام الرجل فذهب، فرفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: "عَلَيَّ بِالرَّجُلِ"، فطلبناه فكأن لم يكن، فقال: "هَذَا إِبْلِيْسُ جَاءَ يُشَكِّكُمْ فِيْ دِيْنكُمْ" (١).
قلت: أين حسن الصورة التي جاء فيها جبريل ﵇ سائلاً من النبي ﷺ عن أمور الدين، وبياض ثوبه، وجلوسه بين يديه على نعت الأدب، كما تقدم في حديث عمر رضي الله تعالى عنه في القسم الأول، من قبح صورة إبليس، ونتن ريحه، وقبح سؤاله، وقلة أدبه؟
وأين قوله ﷺ : "هَذا جِبْرِيْلُ أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ" (٢) [من قوله ﷺ ]: "هَذا إِبْلِيْسُ جاءَ يُشَكِّكُمْ فِيْ دِيْنكُمْ".
وقد اشتمل هذا الحديث على أخلاق قبيحة من أخلاق إبليس ينبغي للعبد التنزه عنها؛ منها: قبح الثياب وتقذرها، ونتن الريح
стр. 2792
الناشئ غالبًا عن ترك تعاهد المعاطف بالتنظيف ونحوه، والحفاء المستلزم لترك التوقي عن القاذورات، وتخطي رقاب الناس، وقلة الأدب، والتعنت في السؤال، والتغليط في المسائل.
وقد روى الإِمام أحمد، وأبو داود عن معاوية رضي الله تعالى عنهم: أن النبيَّ ﷺ نهى عن الأُغْلُوْطَاتِ (١).
قال الخطابي وغيره: وأراد بها المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا، فيهيج بذلك شرٌّ وفتنة (٢).
وروى الطبراني عن ثوبان رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "سَيَكُوْنُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يتَعَاطَوْنَ فُقَهَاءَهُمْ عَضُلَ الْمَسَائِلِ؛ أُوْلَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِيْ" (٣).
وعضل المسائل: جمع عضلة -بضم المهملة، وإسكان المعجمة فيها -؛ وهي المسألة الصعبة المشكلة.
وروى البيهقي عن مالك رحمه الله تعالى قال: قال رجل للشعبي: إني خبأت لك مسائل، قال: خبئها لإبليس حتى تسأله عنها (٤).
стр. 2793
قلت: والأغلوطات وعضل المسائل هي غير الألغاز والأحاجي التي يتطارحها العلماء لاختبار الأفهام، وامتحان الأفكار والأذهان، لا للتغليط وإظهار الغلبة، وهذا محرم، والأول مستحب مستحسن.
روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرَةِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وإنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ؛ حَدِّثُوْنِيْ مَا هِيَ؟ " قال: فوقع النَّاس في شجرِ الوادي، ووقعَ في نفسي أنَّها النَّخْلَةُ فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا يا رسولَ الله، قال: "هِيَ النَّخْلَةُ" (١).
١٥ - ومن أخلاق الشيطان: كفران النعم .
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧].
قلت: وكان من كفران إبليس: أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵈ ليكون ذلك شكرًا منهم لما لآدم عليهم من نعمة التعليم، سجدوا امتثالاً لأمر الله تعالى، وشكراً لنعمته ونعمة آدم ﵇ علماً منهم أن من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى.
وتخلف إبليس عن السجود لآدم، فلم يشكر له نعمة التعليم، وكفرها، فكان لنعم الله أشد كفرًا وجحوداً.
وقد كان أول شيء علم آدم الملائكة الحمد حين عطس، فقال:
стр. 2794
"الحمد لله" (١).
وبذلك يتضح أن سجود الملائكة له كان بعد أن أخذ آدم في تعليمهم، وعلمهم الحمد، أو كان بعد تعليمه إياهم جميع الأسماء، وذلك أبلغ في ظهور معنى الخلافة فيه، فكان تأخر إبليس عن السجود كفراناً منه لنعمة الله ونعمة آدم، ولا يتم شكر الله إلا بشكر من أمر بشكره من الناس.
روى الإِمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ الله" (٢).
واعلم أن مما يوضح لك أن الكفران من أخلاق الشيطان حرصه على وقوعه من الإنسان.
وقد قيل في قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]: إنه طريق الشكر.
وقال طاعنًا على أولاد آدم: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] (٣).
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]:
стр. 2795
إنه ظن قلة الشكر في "أكثر الناس فكانوا كذلك، وكان الأمر على ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]
١٦ - ومنها: التكبر الحامل للعبد على الامتناع، والخروج عن الطاعة، واتباع الحق .
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال القرطبي: الاستكبار الاستعظام، فكأنه كره السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم، وكان تركه للسجود لآدم تسفيهاً لأمر الله تعالى وعن تكبر.
عبر النبي ﷺ بقوله: "لا يدخلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِيْ قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّهِ خَرْدلٍ مِنْ كِبْرٍ".
وفي رواية: فقال رجلٌ: إن الرجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبهُ حسنًا ونعلهُ حسنًا؟ قال: "إِنَّ اللهَ جَمِيْلٌ يُحب الْجَمَالَ؛ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ"، خرجه مسلم (١).
ومعنى بطر الحق: تسفيهه، وإبطاله.
وغمط الناس: الاحتقار لهم، والازدراء بهم.
قال: وقد صرح اللعين بهذا فقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦].
стр. 2796
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١].
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣].
وكُفْرُهُ الله بذلك.
قال: فكل من سفه شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله كان حكمُهُ حكمَهُ، انتهى (١).
وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِيّاَكُمْ وَالْكِبْرَ؛ فَإِنَّ إِبْلِيْسَ حَمَلَهُ الْكِبْرُ عَلَى أَنْ لا يَسْجُدَ لآدمَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحِرْصَ؛ فَإِنَّ آدَمَ ﵇ حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أَنْ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وإيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ ابْنَي آدم إِنَّمَا قتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَسَدًا، فَهُوَ أَصْلُ كُلِّ خَطِيْئَة" (٢).
* لَطِيْفَتانِ:
* الأُوْلَى:
روى البيهقي في "الشعب" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: من كانت معصيته في شهوة فأرجو له التوبة؛ فإن آدم عصى مشتهياً فغفر له، وإن كانت في كبر فأخشى على صاحبها اللعن؛ فإن إبليس أبى مستكبراً فلعن (٣).
стр. 2797
* اللَّطِيْفَةُ الثَّانِيَةُ:
روى البيهقي -أيضًا- عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام (١).
قلت: فالنبي ﷺ سيد الكرام لأنه أكثرهم تواضعاً، وإبليس -لعنه الله - رأس اللئام لأنه أشدهم تكبرًا، فقد علم المتواضعون من سيدهم وإمامهم، وعلم المتكبرون من رأسهم وقائدهم، والله الموفق.
١٧ - ومن أخلاق الشيطان: رؤية النفس وتزكيتها، والأعجاب بها ، والغضب لها؛ فإن إبليس لما أمر بالسجود لمن هو دونه في اعتقاده غضب وحنق، وحمله الغضب على الإباء، والكبر، والكفر، ولم ينشأ غضبه إلا من رؤيته لفضل نفسه ومفضولية آدم، ألا ترى كيف قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]؟
ولم يكتف بحقيقة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ولم يتنبَّه لمعنى المثل السائر: يا ويح النار! ما تُخَلِّف إلا الرماد.
فلما نظر إلى نفسه بالتعظيم أنف من السجود لمن رآه بعين التحقير، فغضب، فطارت شرارة غضبه حتى أحرقته، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاء فإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْتوَضَّأ".
стр. 2798
رواه الإِمام أحمد، وأبو داود عن عطية السعدي رضي الله تعالى عنه (١).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو يعلى، والبزار، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ذكروا رجلًا عند النبي ﷺ ، فذكَرُوا قُوَّتَهُ في الجهادِ، وَاجتِهادَهُ في العبادةِ، فإذا هم بالرجلِ مقبلٌ، فقال النبيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَرَى فِيْ وَجْهِهِ سَفْعَةً مِنَ الشَّيْطَانِ"، فَلَمَّا دَنَا سَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "هَلْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيْ الْقَوْمِ أَحَدٌ خَيْر مِنْكَ؟ "قَالَ: "نعَمْ".
ثمَّ ذَهَبَ فَاختط مَسْجِدًا، وَوَقَفَ يُصَلِّيْ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَقُوْمُ إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ؟ " فَقَامَ أَبُوْ بَكْرٍ ﵁ فَانْطَلَقَ، فَوَجَدَهُ قَائِمًا يُصَلِّيْ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: "وَجَدْتهُ يُصَلِّيْ فَهِبْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ"، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "أيُّكُمْ يَقُوْمُ إِلَيْهِ فَيقتُلُهُ؟ " فَقَامَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَصَنعَ كَمَا صَنعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "أيَّكُمْ يَقُوْمُ إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ؟ " فَقَالَ عَلِي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنْ أَدْرَكْتُهُ، فَذهبَ فَوَجَدَهُ قَد انْصَرَفَ، فَرَجَعَ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "هَذَا أَوَّلُ قَرْنٍ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِيْ، لَوْ قَتَلْتَهُ مَا اخْتَلَفَ اثنَانِ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي" (٢).
стр. 2799
قلت: لعله إنما أمر بقتله لما أطلعه الله عليه من كفره ونفاقه، أو لأنه كفر باعترافه بما حدث نفسه به من أنه خير من القوم، وفيهم رسول الله ﷺ .
وفي قوله: "لَوْ قَتَلْتَهُ مَا اخْتَلَفَ اثْنَان بَعْدِيْ مِنْ أُمَّتِيْ" الظاهر أنه لو قتله لتسامع الناس أن رسول الله ﷺ قتل رجلًا يجاهد ويصلي ليس إلا لكونه أظهر تزكية نفسه، ودعوى أنها خير من الناس، فلا يزكي أحد بعده نفسه، ولا يعجب برأيه، فيتوافق كل الناس على ذلك، فلا يختلفون، فلا يهلكون بسبب ذلك.
قال رسول الله ﷺ . "ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: هَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وإعْجَابُ كُلِّ ذِيْ رَأْيٍ بِرَأْيهِ". رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم (١).
* تنبِيْهٌ:
اصطلح الصوفية على التحذير من الأنانية؛ أي: من قول العبد: أنا فعلت، أو: أنا أعلم، أو: أنا أكرم من فلان، ونحو ذلك مبالغة منهم في التحذير من رؤية النفس وإثبات ملكيتها.
فأمَّا إذا قال المرء: ﴿أنا﴾ لمن قال له: أتعلم مسألة كذا؟ أو:
стр. 2800
اشهد بكذا، فقال: أنا أعلم، أو: أشهد، ونحو ذلك، فليس من هذا.
وفي "سنن أبي داود" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كانَ إِذَا سَمعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: "وَأَنَا، وَأَنَا" (١).
وما أحسن هذه الأنانية المفصحة عن حقيقة العبودية!
أين هذا من أنانية الرجيم المشعرة بمنازعة الربوبية؟
وبالجملة: تتحد الألفاظ، وإنما يفرق بينها إرادة القلوب.
١٨ - ومن أخلاق اللعين: دعاء الغير إلى تزكية النفس، ورؤيتها، والإعجاب بها .
روى ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه: أنه أَمَّ قوماً مرة، فلما انصرف قال: ما زال علي الشيطان آنفاً حتى رأيت أن الفضل لي على من خلفي؛ لا أَؤم أبدًا (٢).
١٩ - ومنها -وهو من جنس ما تقدم -: دعوى الأحوال الشريفة والمقامات العالية، وهو على خلافها .
ومن هذا القبيل: قول الشيطان كما حكاه الله تعالى عنه بقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ يعني: لقريش يوم بدر، ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا
стр. 2801
تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
ادعى الشجاعة، وقد بدا لهم في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، وأنه يثبت في الحرب عند اللقاء، وأنه يجير القوم إذا كادوا أن يغلبوا، فظهر أنه جبان لا ثبات له عند اللقاء، بل نكص على عقبيه، ثم ادعى الخوف من الله تعالى.
قال قتادة رحمه الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]: ذكر لنا أنه رأى جبريل ينزل معه الملائكة ﵈، فعلم عدو الله أنه لا يدانِ له بالملائكة، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وكذب عدو الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له به، ولا منعة له. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (١).
٢٠ - ومنها: تسخط المقدور، وعدم الرضا بالقسمة، والحسد .
قال قتادة: حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله تعالى من الكرامة، فقال: أنا ناري وهذا طيني (٢)؛ أي: فأنا أحق بأن يسجد لي منه، فإن الحسد تمني زوال النعمة عن المحسود، وسببه زعم الحاسد أنه أحق بالنعمة منه، وهذا اعتراض على الله تعالى، وتسخط لقضائه.
стр. 2802
ولقد أحسن المعافى بن زكريا في قوله رحمه الله تعالى: [من المتقارب]
أَلا قُلْ لِمَنْ كانَ لِيْ حاسِداً ... أتدْرِيْ عَلَىْ مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ
أَسَأْتَ عَلَىْ اللهِ فِيْ فِعْلِهِ ... لأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ ما وَهَبْ
فَجازاكَ عَنِّيْ بِأَنْ زادَنِيْ ... وَسَدَّ عَلَيْكَ وُجُوْهَ الطَّلَبْ (١)
قلت: وكذلك فعل الله تعالى بإبليس، فأبَّد لعنته، وتلافى آدم بالتوبة، وغفر زلته.
وروى البيهقي عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]؛ قال: هو أول ذنب كان في السماء (٢).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء؛ يعني: حسد إبليس آدم، وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض؛ حسد ابن آدم أخاه فقتله (٣).
وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله تعالى: أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد،
стр. 2803
والكبر، والشح؛ حسد إبليس آدم، وتكبر عليه، وشح آدم؛ قيل له: كُلْ من جميع شجر الجنة إلا هذه الشجرة، فشح، فأكلها (١).
وقال ابن أبجر رحمه الله تعالى في بعض الكتب: يقول الله تعالى: الْحَاسِدُ عَدُوُّ نِعْمَتِيْ، مُتَسَخِّطٌ لِقَضَائِيْ، غَيْرُ رَاضٍ بِقِسْمَتِيْ بَيْنَ عِبَادِيْ (٢).
قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى: ذنبك إلى الحاسد دوام نعم الله تعالى عليك (٣).
وقيل لابن السَّمَّاك رحمه الله تعالى: أي الأعداء لا يجب أن يعود صديقاً؟ قال: من سبب عداوته النعمة؛ يعني: الحاسد (٤).
ثم قال: قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة؛ فإنه لا يرضيه إلا زوالها (٥).
وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: رأيت أعرابياً في بني عذرة قد أتت له مئة وعشرون سنة، فقلت له: ما أطولَ عمرَك! فقال: تركت الحسد فبقيت (٦). رواها الدينوري في "المجالسة".
стр. 2804
وروى الطبراني في "الكبير" عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوْا" (١).
٢١ - ومنها: الحقد؛ وهو غاية الحسد .
وقد حمل حقد إبليس على آدم على أن حمله على أن تسلط على أولاده نحو سبعة آلاف سنة، ولم يشتف منهم.
ولا يخفى أن الحسود في غم أبدًا ما دام محسوده فيما حسد عليه، فإذا وصل به الحسد إلى الحقد كان أكثر غماً، إلا أنه قد يخرج من ضيق غمه إلى فضاء الانتقام والعدوان، وفيه هلاكه، والعياذ بالله.
وروى الدينوري عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى قال: ستة لا يخلون من الكآبة:
- رجل افتقر بعد غنى.
- ومن يخاف على ماله التِّوى (٢).
- وحقود.
- وحسود.
- وطالب مرتبة لا يبلغها قدره.
- ومخالطة العلماء بغير علم (٣).
стр. 2805
٢٢ - ومنها: اللجاج؛ وهو ملازمة الأمر وعدم الانصراف عنه .
ومن لجاج إبليس حرصه على دخول الجنة بعد أن أخرج منها وطرد، لا لنعيمها, ولا لبرد نسيمها, ولكن لينال من آدم وحواء، فبالغ في الحيلة حتى دخل جوف الحية كما ذكره المفسرون (١).
ومن لجاجه ما قدمناه من أنه واضع خطمه على قلب ابن آدم، لا يترك ابن آدم الذكر إلا بادر اللعين إلى قلبه، فالتقمه؛ لا يمل ولا يفتر.
قيل لبعض السلف: أينام أبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة (٢).
واللجاج خلق مذموم من الإنسان لما علمت أنه من أخلاق الشيطان.
روح الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهيب ﵀: أنه قال الخضر لموسى ﵉: يا موسى بن عمران! انزع عن اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجيب، والزم بيتك، وابك على خطيئتك (٣).
ومن لطائف هذا الباب: ما رواه الدينوري في "المجالسة" عن الأصمعي قال: قال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فَعِبْ نفسك، فقال: أعفني يا أمير المؤمنين، قال: فأبى، قال: أنا لجوج، حقود، حسود، قال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت.