← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. ادعى الشجاعة، وقد بدا لهم في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، وأنه يثبت في الحرب عند اللقاء، وأنه يجير القوم إذا كادوا أن يغلبوا، فظهر أنه جبان لا ثبات له عند اللقاء، بل نكص على عقبيه، ثم ادعى الخوف من الله تعالى. قال قتادة رحمه الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]: ذكر لنا أنه رأى جبريل ينزل معه الملائكة ﵈، فعلم عدو الله أنه لا يدانِ له بالملائكة، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وكذب عدو الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له به، ولا منعة له. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (١). ٢٠ - ومنها: تسخط المقدور، وعدم الرضا بالقسمة، والحسد . قال قتادة: حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله تعالى من الكرامة، فقال: أنا ناري وهذا طيني (٢)؛ أي: فأنا أحق بأن يسجد لي منه، فإن الحسد تمني زوال النعمة عن المحسود، وسببه زعم الحاسد أنه أحق بالنعمة منه، وهذا اعتراض على الله تعالى، وتسخط لقضائه.

стр. 2802

ولقد أحسن المعافى بن زكريا في قوله رحمه الله تعالى: [من المتقارب] أَلا قُلْ لِمَنْ كانَ لِيْ حاسِداً ... أتدْرِيْ عَلَىْ مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ أَسَأْتَ عَلَىْ اللهِ فِيْ فِعْلِهِ ... لأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ ما وَهَبْ فَجازاكَ عَنِّيْ بِأَنْ زادَنِيْ ... وَسَدَّ عَلَيْكَ وُجُوْهَ الطَّلَبْ (١) قلت: وكذلك فعل الله تعالى بإبليس، فأبَّد لعنته، وتلافى آدم بالتوبة، وغفر زلته. وروى البيهقي عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]؛ قال: هو أول ذنب كان في السماء (٢). وروى الدينوري في "المجالسة" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء؛ يعني: حسد إبليس آدم، وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض؛ حسد ابن آدم أخاه فقتله (٣). وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله تعالى: أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد،

стр. 2803

والكبر، والشح؛ حسد إبليس آدم، وتكبر عليه، وشح آدم؛ قيل له: كُلْ من جميع شجر الجنة إلا هذه الشجرة، فشح، فأكلها (١). وقال ابن أبجر رحمه الله تعالى في بعض الكتب: يقول الله تعالى: الْحَاسِدُ عَدُوُّ نِعْمَتِيْ، مُتَسَخِّطٌ لِقَضَائِيْ، غَيْرُ رَاضٍ بِقِسْمَتِيْ بَيْنَ عِبَادِيْ (٢). قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى: ذنبك إلى الحاسد دوام نعم الله تعالى عليك (٣). وقيل لابن السَّمَّاك رحمه الله تعالى: أي الأعداء لا يجب أن يعود صديقاً؟ قال: من سبب عداوته النعمة؛ يعني: الحاسد (٤). ثم قال: قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة؛ فإنه لا يرضيه إلا زوالها (٥). وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: رأيت أعرابياً في بني عذرة قد أتت له مئة وعشرون سنة، فقلت له: ما أطولَ عمرَك! فقال: تركت الحسد فبقيت (٦). رواها الدينوري في "المجالسة".

стр. 2804

وروى الطبراني في "الكبير" عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوْا" (١). ٢١ - ومنها: الحقد؛ وهو غاية الحسد . وقد حمل حقد إبليس على آدم على أن حمله على أن تسلط على أولاده نحو سبعة آلاف سنة، ولم يشتف منهم. ولا يخفى أن الحسود في غم أبدًا ما دام محسوده فيما حسد عليه، فإذا وصل به الحسد إلى الحقد كان أكثر غماً، إلا أنه قد يخرج من ضيق غمه إلى فضاء الانتقام والعدوان، وفيه هلاكه، والعياذ بالله. وروى الدينوري عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى قال: ستة لا يخلون من الكآبة: - رجل افتقر بعد غنى. - ومن يخاف على ماله التِّوى (٢). - وحقود. - وحسود. - وطالب مرتبة لا يبلغها قدره. - ومخالطة العلماء بغير علم (٣).

стр. 2805

٢٢ - ومنها: اللجاج؛ وهو ملازمة الأمر وعدم الانصراف عنه . ومن لجاج إبليس حرصه على دخول الجنة بعد أن أخرج منها وطرد، لا لنعيمها, ولا لبرد نسيمها, ولكن لينال من آدم وحواء، فبالغ في الحيلة حتى دخل جوف الحية كما ذكره المفسرون (١). ومن لجاجه ما قدمناه من أنه واضع خطمه على قلب ابن آدم، لا يترك ابن آدم الذكر إلا بادر اللعين إلى قلبه، فالتقمه؛ لا يمل ولا يفتر. قيل لبعض السلف: أينام أبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة (٢). واللجاج خلق مذموم من الإنسان لما علمت أنه من أخلاق الشيطان. روح الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهيب ﵀: أنه قال الخضر لموسى ﵉: يا موسى بن عمران! انزع عن اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجيب، والزم بيتك، وابك على خطيئتك (٣). ومن لطائف هذا الباب: ما رواه الدينوري في "المجالسة" عن الأصمعي قال: قال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فَعِبْ نفسك، فقال: أعفني يا أمير المؤمنين، قال: فأبى، قال: أنا لجوج، حقود، حسود، قال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت.

стр. 2806

قال الأصمعي: فإذا أردت أن تسلم من الحاسد فعمِّ عليه أمورك (١). وقد وقع وصف الحجاج بالشيطانية في كلام الحسن رحمه الله تعالى. روى أبو نعيم عن ابن شوذب، عنه قال: دعا الحجاج أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: ما أعظم عقوبة عاقب بها النبي ﷺ ؟ فحدثه بالذين قطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم، وألقاهم بالحرة، ولم يطعمهم ولم يسقهم حتى ماتوا، قال الحجاج: أين هؤلاء الذين يعيبون علينا والنبي ﷺ قد عاقب بهذا؟ فبلغ ذلك الحسن، فقال: إن أنساً حمق؛ يعمد إلى شيطان يلتهب فيحدثه بهذا (٢). * تَنْبِيْهٌ: حكى البغوي وغيره: أن إبليس لما أراد أن يدخل الجنة فيوسوس لآدم وحواء ﵉ منعته الخزنة، فأتى الحية وكانت صديقة لإبليس، وكانت من أحسن الدواب لها أربعة قوائم كقوائم البعير، وكانت من خزان الجنة، فسألها إبليس أن تدخله الجنة في فيها، فأدخلته، فمرت على الخزنة وهم لا يعلمون، فأدخلته الجنة (٣).

стр. 2807

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]: إنه خطاب لآدم وحواء، وإبليس، والحية. رواه ابن جرير عنه (١). وعلى هذا: فالآية نص في عداوة إبليس لنا، وهي صديقة إبليس، فاستدل لذلك بأن النبي ﷺ كان يأمر بقتل الحيات، وقال: "مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثأرِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا". زاد في رواية: "مَا سَالَمْنَاهُنَ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ". رواه عبد الرزاق، وغيره من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). وقد علمت بذلك أن مسالمة الحية ومصادقتها من أعمال الشياطين، وأشبه الناس بالشيطان من يمسك الحيات ويحميهن من القتل، ويتلطف بهن حتى يضعهن في جيبه مما يلي لحمه، ويزعم أن ذلك كرامة لشيخه. وهَبْ أن ذلك كرامة لبعض الصوفية أن يمسك بعض فقرائهم الحية ليقتلها لا ليتلطف بها ليكون ذلك من باب قوله ﷺ : "لِيَشْجَعْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ" (٣)،

стр. 2808

كما ذكره القرطبي (١). فزعم بعض الجهلة من هؤلاء أن الكرامة في إمساكها ومسالمتها وهي مستسلمة لا تؤذيه، وربما زعم أن الحال يأخذه فيأكلها، ويقطعها باسنانه، وهذا كله حرام لأنها مسمومة، ولحمها نجس, وأكل السم والنجاسة حرام، وكذلك التضمخ بالنجاسة؛ فإن لسعته الحية فمات مات عاصياً، وعلى شيخه مثل إثمه في ذلك كله إن رضي بحاله، ولم ينهه عن ذلك. وقتل الحيات في الحل والحرم -ولو كان القاتل محرمًا- مشروع مثاب عليه، إلا ما كان من عوامر البيوت فإنهن يؤذنَّ ثلاثة أيام خشية أن يكن من الجن المسلمين، فإن بدا منهن شيء بعد ذلك فقد قال رسول الله ﷺ : "فَاقْتُلُوْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان" كما رواه مسلم، وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٢). وروى الطبراني، والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجِنُّ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ: فَصِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَة يَطِيْرُوْنَ بِهَا فِيْ الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّات وَكِلابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّوْنَ وَيَظْعَنُوْنَ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير"، وغيره عن ابن عباس رضي الله

стр. 2809

تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "الْحَياتُ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازيرُ مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ" (١). وروى الترمذي عن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا ظَهَرَتِ الْحَيَّةُ في الْمَسْكَنِ فَقُوْلُوْا لَهَا: إِنَّا نسألكِ بِعَهْدِ نُوْحٍ، وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ داوُدَ: لا تُؤْذِيْنَا، فَإِنْ عَادَتْ فَاقتلُوْهَا" (٢). والحاصل أن الحية إما حية حقيقة فتقتل؛ فإنها من الفواسق. وإما شيطان في صورة حية. وإما جني متصور بصورة الحية فيقتل لحديث: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (٣). وإنما تستأذن العوامر مخافة أن يكن من الجن المسلمين المخلوقين على صورة الحيات. وروى الإِمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَلَهُ سَبع حَسَنَاتٍ" (٤).

стр. 2810

وروى عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: اقتلوا الوزغ فإنه شيطان (١). وروى البخاري عن أم شريك رضي الله تعالى عنها: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ؛ قَالَ: وَكَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ ﵇ (٢). قلت: ولعل هذا سبب تسميته شيطاناً؛ فإنه وافق الشيطان في عداوة إبراهيم ﵇ ومساعدة قومه على إحراقه، فقد ورد أنهم لما أججوا النار لم يستطيعوا أن يلقوا إبراهيم فيها لعظمها، فعلَّمهم إبليس أن يعملوا المنجنيق، ويلقوه منه إليها (٣)، فتوافق هو والوزغ في عداوة إبراهيم ﵇ كما توافق هو والحية على عداوة آدم ﵇، فيستحب قتل الوزغ والحية، وكذلك بقية الفواسق، وهي العقرب، والغراب الأبقع، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور، وسائر المؤذيات كالزنبور، والبراغيث، والبق، وغير ذلك. * لَطِيْفَةٌ: روى عبد الرزاق عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الضِّفْدَعَ؛ فَإِنَّ صَوْتَهُ الَّذِيْ تَسْمَعُوْنَ تَسْبِيْحٌ وَتَقْدِيْسٌ وَتَكْبِيْرٌ؛ إِنَّ الْبَهَائِمَ اسْتَأْذَنت رَبَّهَا أَنْ تُطْفِئَ النَّارَ عَنْ

стр. 2811

إِبْرَاهِيْمَ ﵇ [فأذنَ للضَّفَادعِ] (١)، فَتَرَاكَبَتْ عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَهَا اللهُ تَعَالَى بِحَرِّ النَّارِ الْمَاءَ" (٢). فاعتبِرْ بحَال الضِّفْدَع والوزَغِ حَال من يوَالِي أولِيَاءَ الله تعَالى وحَال من يُعَادِيْهِم؛ فإن الله تعالى جعل ذلك وأمثاله عبرة لأولي الألباب. ٢٣ - ومن أخلاق الشيطان: العجلة، والطيش، والإنسان بطبعه عجول . قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. وقال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. ولكن الله تعالى خلق له العقل، فأرشده إلى التثبت والتأني، فمن استعمل عقله في تحصيل هذين الخلقين الشريفين فقد فارق الشيطان في الطباع. روى البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التأني مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٣). فإن قلتَ: إذا كان كذلك، فما الحكمة في طبع الإنسان على العجلة؟

стр. 2812

قلتُ: لتكون العجلة مطيته في طريق الآخرة، فإذا جمحت به إلى غير ذلك حَبَسَها بزمام العقل. روى أبو داود، وغيره، وصححه الحاكم، عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "التُّؤَدَةُ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلاَّ فِيْ عَمَلِ الآخِرَة" (١)؛ أي: فالإسراع فيه خير. قال حاتم الأصم رحمه الله تعالى: العجلة من الشيطان إلا في خمس فإنها من سنة رسول الله ﷺ : - إطعام الضيف. - وتجهيز الميت. - وتزويج البكر. - وقضاء الدين. - والتوبة من الذنوب (٢). وروى الترمذي، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلاثة لا تُؤَخِّرْهَا: - الصَّلاةُ إِذَا أتتْ. - وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ. - والأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ كُفُؤًا" (٣).

стр. 2813

ولا حصر في ذلك، بل كذلك الحج -وإن قلنا: إن وجوبه على التراخي- والعمرة، وتأدية الزكاة إذا حانت، وإخراج الصدقة إذا خطرت لك لئلا يثبطك عنها الشيطان والهوى، وتعلُّم العلم، وغير ذلك مما يجمعه عمل الآخرة المشار إليه في حديث سعد رضي الله تعالى عنه. * تنبِيْهٌ: روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهب رحمه الله تعالى: أن إبليس -لعنه الله- جاء إلى سائح فاراده، فلم يستطع منه شيئًا، فقال له: إني أريد أن أصادقك، قال له السائح: ليس لي بصداقتك حاجة، قال: بلى، سلني عما شئت أخبرك، قال: نعم، قال: بماذا تفتنون الناس؟ قال: إنا ننظر إلى أهل العجلة معهم الحدة فنلعب بهم كما تلعب الصبيان بالأكرة (١). ٢٤ - ومن أفعال الشيطان الرجيم: قتل النفس التي حرم الله، والدعاء إليه، والمعاونة فيه . قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥]؛ يعني: قتل القبطي. وروى الإِمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُشِرْ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيْهِ بِالسِّلاحِ؛ فَإِنَّهُ

стр. 2814

لا يَدْرِيْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ فِيْ يَده فَيَقَعَ فِيْ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ" (١). يقال: نزغ بيده، وبالرمح: إذا طعن، ومنه هذا الحديث. ومنه أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦]. عبر عن وسوسة الشيطان بالطعن، كأنه يطعن بالوسواس في الصدور. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] فهو معنى الإفساد والتحريش. وقال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠]: تمثل له إبليس وأخذ طيرًا، فوضع رأسه على حجر، ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر، فعلمه القتل، فرضح قابيل رأس أخيه هابيل بين حجرين (٢). وقد علمت في قصة الأبيض مع برصيصا كيف سوَّل له قتل المرأة التي زنى بها. وعن وهب: إن المرأة التي حبلت من برصيصا جاءت بولد، فزين له الأبيض قتل الولد فقتله، ثم زين له قتل أمه فقتلها (٣).

стр. 2815

وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيْسُ بَثَّ جُنُوْدهُ وَقَالَ: مَنْ أَخَذَ الْيَوْمَ مُسْلِمَا ألبَسْتُهُ التَّاجَ، قَالَ: فَيَجِيْءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأتهُ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يتَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَجِيْءُ هَذا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيهِ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيجِيءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَشَرَكَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيجِيْءُ هَذَا فَيَقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قتَلَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أنتَ، وَيُلْبِسهُ التَّاجَ" (١). وفي هذا الحديث: أن من أخلاق هذا الخبيث وأعماله السعي في التفريق بين الزوجين، وفي عقوق الوالدين، وهذا الثاني من الكبائر، والأول أبغض الحلال إلى الله تعالى؛ لما رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللهِ الطَّلاقُ" (٢). وقد يكون الطلاق حراماً كطلاق البدعة. وربما ترتب على الطلاق أمور قبيحة كالظلم في المهر، أو في المتعة، أو في النفقة، والوقوع في العرض من أحد الزوجين، وربما

стр. 2816

كان في قلب أحدهما محبة الآخر فيسعى بالتوصل إليه بالحرام، أو في أذيته، أو أذية من يتصل به، إلى غير ذلك، فلهذا كان أبغض الحلال إلى الله تعالى، وأحبه إلى الشيطان. وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيْسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْناَهُمْ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً؛ يَجِيْءُ أَحَدُهُمْ فَيقوْلُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيقُوْلُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، وَيجِيْءُ أَحَدُهُمْ فَيقُوْلُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، فَيُدْنِيْهِ، وَيقُوْلُ: نعَمْ أَنْتَ" (١). * تنبِيْهٌ: روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى قال: ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كِفل منها (٢). وهذا ثابت في الحديث الصحيح في حق ابن آدم كما سيأتي، وهو ظاهر فيهما. ٢٥ - ومن أخلاق اللعين: كراهية النكاح والتزوج، ومحبة العزوبة من كل أحد؛ لأنه يتمكن بالخواطر الشهوانية إذا لم يكن له حليلة . قال محمَّد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: إذا تزوج الرجل

стр. 2817

صرخ إبليس صرخة يجتمع إليه جميع جنوده، فيقولون: مالك يا سيدهم؟ فيقول: عصم ابن آدم من فخ كنت أصيده به. وروى أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أيما شاب تزوج في حداثة سنه عج شيطانه: يا ويله! يا ويله! عصم مني دينه. وفي رواية: إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يقول: يا ويله! عصم ابن آدم مني ثلثي دينه (١). وروى الإِمام أحمد، وغيره عن عكاف بن وداعة (٢) رضي الله تعالى عنه: أنه أتى النبي ﷺ فقال له: "ألكَ زَوْجَةٌ يَا عكافُ؟ " قَالَ: لا، قَالَ: "وَلا جَارِية"، قَالَ: لا، قَالَ: "وَأَنْتَ صَحِيْحٌ مُوْسِرٌ"، قَالَ: نَعَمْ، وَالْحَمْدُ للهِ، قَالَ: "فَأَنْتَ مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِيْنِ؛ إِنْ كُنْتَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى فَالْحَقْ بِهِمْ، وَإِنْ كُنْتَ مِنَّا فَاصْنع كَمَا نَصْنَعُ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النكَاحَ، شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وإنَّ مِنْ أَرْذَلِ مَوْتَاكُمْ عُزَّابَكُمْ، بِالشَّيَاطِيْنِ تَمَرَّسُونَ، مَا لِلشَّيْطَانِ سِلاحٌ أَبْلَغُ فِيْ الصَّالِحِيْنَ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا الْمُزَوَّجُوْنَ، أُوْلَئِكَ الْمُطَهَّرُوْنَ الْمُبَرَّؤُونَ مِنَ الخَنَا" (٣)، الحديث.

стр. 2818

٢٦ - ومن قبائح الشيطان: الزنا والأمر به . والزاني مطيع للشيطان كما في قصة برصيصا وغيرها، ومتشبه به لأنه يزني؛ لما رواه الحكيم الترمذي عن مجاهد رحمه الله تعالى: أن الرجل إذا لم يسم الله تعالى عند الجماع انطوى الشيطان على إحليله فجامع معه، وأنزل معه (١). وروى سعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والمفسرون عنه في قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]: أنه أراد أولاد الزنا (٢). وروى الفريابي، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] قال: كل خيل تسير في معصية الله، وكل رجلٍ تمشي في معصية الله، وكل مال أخذ بغير حقه، وكل ولد زنا (٣). وفي "الصحيحين" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتىْ أَهْلَهُ قَالَ: اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ" (٤).

стр. 2819

وروى البزار، والطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أتىْ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ؛ فَإِنَّهُ إِنْ لمْ يَسْتَتِرْ اسْتَحْيَتِ الْمَلائِكَةُ فَخَرَجَتْ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيْهِ نَصِيْبٌ" (١). وذكر بعض العلماء: أن آسية بنت مزاحم ﵂ خرجت من الدنيا وهي عذراء لم يصل إليها فرعون، وإنما كان يتمثل الشيطان في صورتها لفرعون، وكان يأتي الشيطان وهو يحسب أنه أتى آسية. وعليه: فالزانية -أيضًا- متشبهة بالشيطان. * لَطِيْفَةٌ: قال القرطبي في "تفسيره": روى الأعمش عن عبد الله قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُقْبِل عَلَى شَخْصٍ فِيْ صُوْرَةِ الْفِيْلِ، وَهُوَ يَلْعَنُهُ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِيْ يَلْعَنُهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: "إِبْلِيْسُ"، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللهِ! لأَقتلَنَّكَ، وَلأَرِيْحَنَّ الأُمَّةَ مِنْكَ، فَقَالَ: مَا هَذَا جَزَائِيْ مِنْكَ؟ قُلْتُ: وَمَا جَزَاؤُكَ مِنّيْ يَا عَدُوَّ اللهِ؟ قَالَ: وَاللهِ مَا أَبْغَضَكَ أَحَدٌ قَط إلا وَقَدْ شَرِكْتَ أَبَاهُ فِيْ أُمّهِ (٢).

стр. 2820

قلت: بغض علي رضي الله تعالى عنه لا شك أنه خلق شيطاني، ولذلك إذا شارك الشيطان في الولد أباه كان مبغضاً لعلي رضي الله تعالى عنه، فالشيطان لا يستحق من علي إلا تمام النكال، فطلبه الجزاء منه مغالطة ومخادعة. ودل هذا الأثر أن الشيطان يتظاهر في صورة فيل. وذكر حجة الإِسلام في "الإحياء" عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أن رجلًا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور يرى داخله من خارجه، ورأى الشيطان في صورة ضفدع قاعدًا على منكبه الأيسر بين منكبه وأذنه، وله خرطوم طويل، وقد أدخله من منكبه الأيسر يوسوس إليه، فإذا ذكر الله خنس (١). قال: وقد رآه بعض الكاشفين في صورة كلب جاثم على جيفة يدعو الناس إليها، وكانت الجيفة مثال الدنيا، انتهى (٢). وقال الثعلبي: قال قتادة: إن الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس (٣).

стр. 2821

قال: وروى الفرج بن فضالة عن عروة بن رويم رحمه الله تعالى: أن عيسى بن مريم ﵉ دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلى له، فإذا رأسه رأس الحية واضعا رأسه على ثمرة القلب، فمنَّاه وحدثه (١). وذكر صاحب "البهجة" في مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى: أن الشيخ عبد القادر عرض له الشيطان وهو يصلي، ورده في صورة ثعبان عظيم فاغر فاه، ثم تطوق على عنقه وهو ثابت، ثم عرفه أنه الشيطان، وأنه استزل بذلك سبعين صديقًا. قلت: وقد رأيته في المنام في صورة بين صورة الحمار وصورة الكلب، وأشوه منهما، وجثته دون جثة الحمار وفوق جثة الكلب، وقد وثب علي فأمسكته بيديه، ثم صرعته إلى الأرض، وعلوت على صدره، وأردت أن أستعين عليه بشخص فألهمت أن أعظم ما يستعان به عليه الذكر، فأخذت في ذكر الله تعالى، فما زال يضعف حتى صار كالأديم الملقى، فلما أمنت بطشه تركته، وكثيراً ما رأيته في صورة كلب وأُذيبه بالذكر. وقد يتظاهر في صورة الآدمي كما ظهر لقريش في صورة الشيخ النجدي كما سيأتي، وكما ظهر لهم في صورة سراقة يوم بدر، وكما ظهر للصحابة في أقبح صورة رجل ليشككهم في دينهم كما تقدم.

стр. 2822

وقد رأيته مرة في المنام في صورة فقير متعبد قد أنحله النسك وعليه زي الصالحين كأنه مجذوب، وأنا جالس في مجلس الدرس بصحن الجامع الأموي، فمر في وسط الحلقة، ثم توجه ورفع يده ليبطش بي قائلًا: ما تدع ذكر الشيطان وقبائحه، وتشتغل بغير ذلك؟ فعلمت أنه هو الشيطان، وهان أمره عندي، ولا يمكنه الله مني. وكان لهذا المنام سبب، وذلك أني كنت مشتغلاً في تأليف هذا الباب، وأنا أتتبع قبائح الشيطان لأذكرها فيه فتحذر. ٢٧ - ومن قبائح الشيطان: التلوط به، والدعاء إلى نكاح نفسه . قال الكلبي رحمه الله تعالى: أول من عمل به قوم لوط إبليس في صورة شاب، ثم دعا إلى دبره، فنكح في دبره، ثم عبثوا بذلك العمل (١). وروى ابن عساكر من طريق ابن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس قال: إنما كان بدء عمل قوم لوط إبليس جاءهم في هيئة صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه، فنكحوه، ثم جروا على ذلك (٢). ٢٨ - ومنها: العبث بمذاكير نفسه، أو بمذاكير غيره اجتلاباً للمني . وقد نص العلماء على تحريم الاستمناء باليد إلا أن يكون بيد الحليلة،

стр. 2823

فأما بيد غيرها فإنه أقبح منه بيد نفسه، وهو من أفعال الشيطان؛ بدليل ما رواه الطبراني عن عكرمة، والدينوري عن مجاهد؛ كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان بالحال المثيرة للشهوة من الإنسان -ذكرًا كان، أو أنثى- (١). وقال أبو طالب المكي في "القوت": روينا عن إسماعيل عن أبان، عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "أَهْلَكَ اللهُ أُمَّةً كَانُوْا يَعْبَثُوْنَ بِمَذَاكِيْرِهِمْ" (٢). ٢٩ - ومنها: العبث بدبر نفسه أو بدبر غيره بقصد الشهوة . وقد قيل في قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠]: إن الشيطان له ذكر طويل يدخله في دبره فيبيض، ثم تنفلق كل بيضة عن جملة من الشيطان، فهذا أصل ذريته (٣). وقال الشعبي رحمه الله تعالى: إني لقاعد يومًا إذ أقبل حمال فقال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك لعرس ما شهدته، ثم ذكرت قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، فعلمت

стр. 2824

أنه لا يكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم (١). قلت: والمراد أن للشيطان شيطانة يسافدها, لا أنها زوجة بنكاح وعقد؛ فإنه أخس من ذلك. وعلى ما ذكرناه أولًا فلو كان للرجل ذكر طويل يصل إلى دبر نفسه فلو أدخل في دبر نفسه لكان مرتكباً كبيرة من الكبائر وهو في ذلك متشبه بالشيطان. والنظر في أنه هل يجب عليه الحد بذلك أم لا؟ لم أقف على نقل في ذلك، والظاهر الأول لأنه لا يملك الاستمتاع بنفسه حتى يحرم عليه الاستمناء بيده، فلا شبهة له تسقط الحد عنه، وقد دخل فعله في مسمى اللواط بلا شك. وأمَّا عبث الشيطان بدبر غيره، فدليله ما رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أتىْ الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ شَيْئًا مِنْ رَمْلٍ فَيَسْتَدْبِرَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِيْ آدَمَ؛ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، ومَنْ لا، فَلا حَرَجَ" (٢). فالعبث بالدبر من أفعال الشيطان، فلا ينبغي العبث بدبر الحليلة

стр. 2825

باليد ونحوها -وإن كان له أن يتمتع بما أحب من زوجته- لأن ذلك ربما استجر من يفعله إلى وطئها في الدبر، وهو حرام. وفي الحديث: "إنه اللوطية الصغرى" (١). ومن ثم منع بعض العلماء من النظر إلى دبر الحليلة. ومن القواعد أنه متى حرم النظر حرم المس إلا في مسائل، والأصح أنه مكروه، أو خلاف الأولى. قال شيخ الإِسلام الوالد في كتاب "فصل الخطاب": [من الرجز] يَجُوْزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَمْتِعا ... بِأَمَةٍ لَهُ وَزَوْجَةٍ مَعاً بِكُلّ جِسْمِها وَلَوْ بِالدُّبُرِ ... مِنْ غَيْرِ إِيْلاج لَهُ بِالذَّكَرِ وَوَطْؤُها فِيْ دُبُرٍ مَحَرَّمُ ... كَما بِهِ جُمْهُوْرُهُمْ قَدْ جَزَمُوْا وَنَظَرُ الْقُبُلِ مِثْلُ الدُّبُرِ ... يَكُوْنُ مَكْرُوْهًا عَلَىْ الْقَوْلِ الْجَلِي أَيْ نَظَرُ الْحَلْقَةِ وَالْفِقاحْ ... مِنْ خارِجٍ مَنْظَرُها مُباحْ هذا حكم المسألة مع الحليلة. وأما ما يفعله بعض الفسقة من العبث بمقاعد المرد -ولو من فوق الثياب- فإنه حرام، وهو من أفعال الشياطين، ولا يكون ذلك في

стр. 2826

ملأ ولا خلاء إلا ممن سقط من عين الله تعالى، وطرد من حضرته. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الملاهي"، وابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: لو أن رجلًا عبث بغلام بين أصبعين من أصابع رجليه يريد الشهوة لكان لواطاً (١). ومن اعتذر عن ذلك بأن الأمرد مملوكه أو صبيه فإن اعتذاره بذلك يوهم استحلال استمتاعه بالمملوك، وهو كفر، وعسى أن الله تعالى قد أطلع نبيه ﷺ على ما يقع في هذا الزمان من الفسقة الفجرة من ذلك -ولا عجيب في ذلك- فقال: "شَرُّ الْمَالِ فِيْ آخِرِ الزَّمَانِ الْمَمَالِيْكُ". رواه أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢). وأراد بالمماليك العبيد -وإن لم يكونوا بيضًا-، ويحتمل أنه أراد البيض خاصة وهو المتعارف بين الناس، ويكون في طي إخباره بذلك إخباره بالعرف الذي يصطلح الناس عليه من إطلاق المماليك على البيض. ثم إن المملوك من حيث هو قد يكون شر المال من حيث إنه يسرق، أو يزني، أو يؤذي فيستجر اللوم والضرر لسيده، وهذا شائع في سائر المماليك إلا أن الشر في البيض أكثر من حيث فعل الفاحشة

стр. 2827

بهم، وإقرارها فيهم، وإذا كان المملوك محبوباً لسيده فربما يتلف ماله، ويجني على أهله، ويمنعه الحب من مفارقته وإنزال العقوبة به، فالأبيض شر المماليك، والمماليك شر الأموال في هذه الأزمان. ٣٠ - ومن قبائح الشيطان: التشبه بالنساء . وقد تقدم أنه كان يتصور لفرعون في صورة آسية حتى ينكحه فرعون، وهذا يقتضي أنه كان يتلبس بكل ما تفعله المرأة للرجل إذا أراد أن يطأها. وتقدم أنه أول من نكح في دبره حين ظهر لبعض قوم لوط في صورة غلام جميل، ودعا الناس إلى دبره -لعنه الله تعالى- فهو أول المخنثين. وروى ابن الجوزي في "ذم الهوى" عن علي بن محمَّد الدلال قال: وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه، فوقف عليه في الحلقة غلام لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجهًا منه يعرف بابن مسلم، فقال له: تَنَحَّ، فلم يبرح، فقال له الثانية: تَنَحَّ يا شيطان عنا، فلم يبرح، فقال له الثالثة: تَنَحَّ وإلا خرقت كل ما عليك (١). ٣١ - ومنها: القيادة بين الرجال والنساء، وبين الرجال والمرد، وكلاهما من الكبائر، والثاني أقبح . وقد تقدم أن شيطان الزنا يسمى الأعور ينفخ في إحليل الرجل،

стр. 2828

وفي عجز المرأة، فتهيج الشهوة بينهما. وروى ابن الجوزي في "ذم الهوى" عن ابن عباس ﵄: أنه قال: الشيطان من الرجل في ثلاثة منازل: في بصره، وقلبه، وذَكَرِه. وهو من المرأة في ثلاثة منازل: في بصرها، وقلبها، وعجزها (١). وروى الإِمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححاه، عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال في حديث: "أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" (٢). ومن ثم حرمت الخلوة بالأجنبية، والفتنة في الاختلاء بالأمرد -وخصوصاً إن كان مخنثاً- أشد. وقد قال سفيان: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان (٣). وقال النجيب بن السري رحمه الله تعالى: كان يقال: لا يبيت الرجل في بيت مع أمرد. وفي رواية عنه: أنه كره أن ينام الرجل مع الغلام الأمرد في بيت. رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والبيهقي (٤).

стр. 2829

وقال أبو أسامة: كنا عند شيخ يقري فبقي عنده غلام يقرأ عليه، وأردت القيام، فأخذ بيدي وقال: اصبر حتى يفرغ هذا الغلام، وكره أن يخلو هو والغلام. رواه ابن الجوزي في "ذم الهوى" (١). ٣٢ - ومنها: صحبة الأحداث، والنظر إلى الجميل منهم ، وإلى ما لا يحل النظر إليه كالنظر إلى الأجنبية، وإن كانت كبيرة أو قبيحة. وقد تقدم عن سفيان أن مع كل غلام شيطانين. بل روى البيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: دخل سفيان الثوري رحمه الله تعالى الحمام، فدخل عليه غلام صبيح، فقال: أخرجوه؛ فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل غلام بضعة عشر شيطانًا (٢). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن الحسن بن ذكوان رحمه الله تعالى: أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء؛ فإن لهم صورًا كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى (٣). قلت: إنما خص أولاد الأغنياء لأنهم ببزتهم أقرب إلى لعب الشيطان بالناظر إليهم في أول وهلة، وقد كان أهل زمانه أبعد عن الفتنة من أهل هذه الأزمنة، وإلا ففي بعض أولاد الفقراء والرذال من

стр. 2830

هو أجمل من كثير من أولاد الأغنياء، والحاجة تدعوهم إلى صحبة ذوي الثروة، وتدعو أولياءهم إلى الإغضاء عنهم، وقد أكثر الآن وقبله بزمان اختلاس الأجناد وذوي الغنى والجاه لأولاد الفقراء، والاستيلاء عليهم بالقوة أو بالاحتيال عليهم بالقرض والدين، أو بغير ذلك، بل يرون التوصل إليهم أيسر من التوصل إلى أولاد الأغنياء. والحاصل أن صحبة المرد الحسان مطلقًا ينبغي أن تحذر -سواء كانوا من أشراف الناس أو من رذالهم، وسواء كانوا من فقراء الناس أو أغنيائهم، وسواء كانوا أحراراً أو أرقاء- وخصوصاً أهل التهمة. وقد روى البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أول من اتهم بالأمر القبيح -يعني: عمل قوم لوط- اتهم به رجل على عهد عمر ﵁، فأمر عمر بعض شباب قريش ألا يجالسوه (١). وفي هذا الحديث إشارة إلى الحذر من مجالسة الأمرد وخصوصاً المتهم -سواء فيه الرجل الملتحي والأسمر-، بل ينبغي أن يكون حذر الأمرد من الأمرد أشد؛ لأن صحبتهما تدعوهما إلى القبيح فاعلية ومفعولية، فيكونا شيطانين كلٌّ من وجهين. وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن الوضين بن عطاء رحمه الله تعالى، عن بعض التابعين قال: كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل (٢).

стр. 2831

وعن بقية رحمه الله تعالى قال: قال بعض التابعين: ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سَبُع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه (١). قلت: وكذلك لا يؤمن على الشيخ من الفتنة بالمرد، ولا شك في مضاعفة العذاب على الشيخ الزاني وهو على الشيخ اللوطي أشد، وهو بذلك أدخل في التشبه بالشيطان من حيث إن كلًّا منهم لوطي أتى عليه الدهر، وإذا كان الشيخ مأبونًا كان أشد تشبهاً بالشيطان؛ لأنه شيخ مأبون. ولقد قلت: [من السريع] يا أيها الشَّيْخُ الَّذِيْ لِيْطَ بِكْ ... إِلَىْ مَتَىْ فَما تَرَىْ تُرْبَتَكْ أَشْبَهْتُ شَيْطانَكَ فِيْ الْفِعْلِ بَلْ ... ما أَشْبَهَ الشَّيْطانَ يا شَيْخُ بِكْ وروى الطرطوشي في كتاب "تحريم الفواحش" عن شجاع بن نصر رحمه الله تعالى: أن سليمان بن داود ﵉ قال لعفريت من الجن: ويلك أين إبليس؟ فسعى العفريت بين يديه حتى هجم به على البحر، فإذا إبليس على بساط على الماء، فلما رأى سليمان ﵇ ذعر منه وفَرَق، فقال: يا نبي الله! هل أمرت في شيء؟ قال: لا, ولكن جئت لأسألك عن أحب الأشياء إليك، وأبغضها إلى الله تعالى، فقال إبليس: أما والله لولا ممشاك ما أخبرتك، ليس شيء أبغض إلى الله من أن يأتي الرجل الرجل، والمرأة المرأة (٢).

стр. 2832

وروى الحاكم وصححه، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّظَرُ سَهْم مِنْ سِهَامِ إِبْلِيْسَ مَسْمُوْمَة، فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللهِ تَعَالَى أَناَبَهُ اللهُ إِيْمَاناً يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِيْ قَلْبِهِ" (١). وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوْسَ عَلَى الطُّرُقِ"، قَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! مَا لَنَا بُدُّ مِنْ مَجَالِسِنَا نتَحَدَّثُ فِيْهَا، قَالَ: "إِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوْا الطَّرِيْقَ حَقَّهُ"، قَالُوْا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيْقِ يَا رَسُوْلَ الله؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَىْ، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوْفِ، وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ" (٢). وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن جرير العجلي رضي الله تعالى عنه قال: سَأَلْتُ رسُوْلَ اللهِ ﷺ عن نظرة الفجاءة، فأمَرَني أن أصرف بصري (٣). وروى أبو داود، والترمذي عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعلي رضي الله تعالى عنه: "لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الأُوْلَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَة" (٤).

стр. 2833

والمفتى به من مذهب الشافعي ﵁: أن النظر إلى الأمرد الجميل مطلقًا حرام بشهوة وبغير شهوة، ولا يحل منه إلا ما يحل من النظر إلى الأجنبية للضرورة كالمعاملة، والشهادة، والتعليم، والمداواة إذا لم يوجد من يتولهم لك من نحو محرم (١). ٣٣ - ومن أخلاق الشيطان لعنه الله: الكذب . قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ أي: يكذبون. والضمير عائد إلى شياطين الإنس والجن. وروى ابن أبي الدنيا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ إِبْلِيْسَ لَما نزَلَ إِلَى الأَرْضِ قَالَ: يَا رَبِّ أَنْزَلْتَنِيْ إِلَى الأَرْضِ وَجَعَلْتَنِيْ رَجِيْمًا، فَاجْعَلْ لِي بَيْتًا، قَالَ: الْحَمَّامُ، قَالَ: فَاجْعَلْ لِيْ مَجْلِسَا، قَالَ: الأَسْوَاقُ وَمَجَامعُ الطُّرُقِ، قَالَ: فَاجْعَلْ لِيْ طَعَامًا، قَالَ: مَا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، قَالَ: فَاجْعَلْ لي شَرَابًا، قَالَ: كُل مُسْكِرٍ، قَالَ: اجْعَلْ لِيْ مُؤَذنا قَالَ: الْمَزَامِيْرُ، قَالَ: اجْعَلْ لِيْ قُرْآنًا، قَالَ: الشِّعْرُ، قَالَ: اكْتُبْ لِيْ كِتَابًا، قَالَ: الْوَشْمُ، قَالَ: اجْعَلْ لِيْ حَدِيْثًا، قَالَ: الْكَذِبُ، قَالَ: اجْعَلْ لِيْ حَبَائِلَ، قَالَ: النسَاءُ" (٢).

стр. 2834

وروى الطبراني نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما -أيضًا- (١). وهذه الأمور كلها إذا لم تراقب فيها أحكام المشرع، فإن مرتكبها متشبه بالشيطان، متعرض بها للمقت والخذلان، وسيأتي بيانها في محالها. * تنبِيْهٌ: ينبغي لمن له ولاية على أحد وهو يريد تأديبه أن لا يخاطبه بما فيه تلقينه باطلًا أو كذبًا ليس له فيه رخصة. روى أبو الشيخ، وابن مردويه، والسِّلفي في "الطيوريات" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُلَقِّنِ النَّاسَ فَيَكْذِبُوا عَلَيْكَ، فَإِنَّ بَنِيْ يَعْقُوْبَ ﵇ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النَّاسَ، فَلَمَّا لَقَّنَهُمْ أَبُوْهُمْ كَذَبُوا، فَقَالُوا: أكلَهُ الذِّئْبُ" (٢). ووقوع ذلك من سيدنا يعقوب ﵇ لم يكن عن تعمد، فمن وقع منه شيء من ذلك عن تعمد ولم يكن فيه مصلحة أثم فأمَّا ما فيه رجعة والمصلحة فيه ظاهرة فيجوز، كما في قوله ﷺ -لمن

стр. 2835

اعترف بين يديه بالزنا -: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلكَ كَذَا، لَعَلَّكَ كَذَا" (١) ليرجع عن إقراره. ٣٤ - ومنها: التلبس بزي غيره إيهامًا أنه غيره . روى أبو نعيم عن وهب رحمه الله تعالى: أن راهباً تخلى في صومعته في زمن المسيح ﵇، فأراد إبليس أن يكايده فلم يقدر عليه، فأتاه متشبها بالمسيح فناداه: أيها الراهب! أتشرف علي كي أكلمك؟ فقال: انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري، فقال: أشرف علي فأنا المسيح، قال: وإن كنت المسيح فمالي إليك من حاجة، أليس قد أمرتنا بالعبادة ووعدتنا القيامة؟ انطلق لشأنك، قال: فانطلق اللعين عنه وتركه (٢). قلت: يدخل في التشبه بالشيطان فيما ذكر من يطرق الباب على غريمه المعسر، فإذا قيل له: "من؟ " قال: "أنا فلان" وغيَّر اسمه لئلا يختفي منه. وأشد منه الشرطي ونحوه إذا طلب عبدًا ليذهب إلى الظالم، فيغير اسم نفسه ليخرج إليه، ونحو ذلك. * تنبِيْهٌ: وقع في "تفسير الإِمام فخر الدين الرازي" في قوله تعالى حكايته عن

стр. 2836

إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]؛ أي قال: إنما ذكر إبليس هذا الاستثناء لئلا يقع في كلامه الكذب. قال: والكذب يستنكفه إبليس فكيف يليق بالرجل المسلم؟ انتهى (١). قلت: هذا لا يصح في حق إبليس أن يحترز عن الكذب، بمعنى أنه لا يكذب لثبوت الكذب عنه بالنص كما سبق، وإنما أظهر التحرز عن الكذب والتنزه عنه خديعة، وزعمًا منه أن كذبه يخفى بدعواه التحرز عنه. وهذا من تخيلاته، ومفترياته، وتلبيساته. ويتشبه به في هذا التلبيس كذبة الصوفية الذين يظهرون الزهد، والورع، ويدعون الصدق والتنزه عن الكذب والفحش، وهم في أنفسهم على خلاف ذلك. ومن هنا شرب المنافقين والمارقين، وأكثرهم يفتضحون ويظهر الله تعالى سرائرهم في أسرتهم وفلتات ألسنتهم، فافهم واحذر! ٣٥ - ومنها: الكذب على رسول الله ﷺ ، أو على غيره من الأنبياء ﵈ وهو -وإن كان داخلًا في الكذب- إلا أني نبهت عليه على حدة لمزيد الاعتناء بالزجر عنه، والتنفير منه .

стр. 2837

وقد قال أبو محمَّد الجويني من الأئمة الشافعية: إن مرتكبه يكفر به (١). وروى الخطيب في كتاب "الكفاية" -كما قال السيوطي- عن أبي العالية أنه قال رحمه الله تعالى: لا تقوم الساعة حتى يمشي إبليس في الطرق والأسواق يقول: حدثني فلان عن فلان عن نبي الله ﷺ بكذا وكذا (٢). وروى ابن عدي عن الليث بن سعد رحمه الله تعالى قال: قدم علينا شيخ الإسكندرية يروي لنافع، ونافع يومئذ حي، فكتبنا عنه قنداقين، فلما خرج الشيخ أرسلنا بالقنداقين إلى نافع، فما عرف منها حديثا واحدًا، فقال أصحابنا: ينبغي أن يكون هذا من الشياطين الذين حبسوا (٣). قلت: يدخل في التشبه بالشيطان في ذلك من زعم أنه رأى النبي ﷺ أو أحدًا من الأنبياء في منامه، أو كوشف بأرواحهم وهو في ذلك كاذب، فيكون شيطانا رجيمًا. ٣٦ - ومنها: التكذيب بالحق . روى النسائي، والترمذي، وابن حبان وصححاه، عن ابن مسعود

стр. 2838

رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَهُ لَمَّةٌ بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيْعَادٌ بِالشَّرِ وَتَكْذِيْبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيْعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيْقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ" (١). ٣٧ - ومنها: مجادلة الناس بغير حق . روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما موقوفاً عليه، ورواه الطبراني عنه مرفوعا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "يُوْشِكُ أَنْ يَظْهَرَ فِيْكُمْ شَيَاطِيْنٌ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ أَوْثَقَها فِيْ الْبَحْرِ، يُصَلُّوْنَ مَعَكُمْ فِيْ مَسَاجِدِكُمْ، وَيَقْرَؤُوْنَ مَعَكُمُ الْقُرْآنَ، وَيُجَادِلُوْنكُمْ فِيْ الدّيْنِ، وَإِنهمْ لَشَيَاطِيْنٌ فِيْ صُوْرَةِ إِنْسَانٍ" (٢). روى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس (٣). والقياس له شروط وأحكام مذكورة في كتب الأصول فمن استوفاها وقاس لم يكن من هذا القبيل، بل يكون مثاباً عليه.

стр. 2839

٣٨ - ومنها: مصادمة النص بالقياس، وتقديم الرأي على النص . ألا ترى أن إبليس أُمر بالسجود نصًا فترك السجود رأيًا فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]. وروى أبو نعيم، والديلمي عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ قال: "أَوَّلُ مَنْ قَاسَ أَمْرَ الدِّيْنِ بِرَأْيِهِ إِبْلِيْسُ؛ قَالَ اللهُ لَهُ: اسْجُدْ لآدَمَ، فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] ". قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس (١). وهذا محمول على القياس الذي تأباه قواعد الكتاب والسنة كما علمت. ٣٩ - ومنها: محبة البدعة، والدعاء إليها، وذلك من الكبائر، ومجالسة أهل البدعة ومعاشرتهم لغير ضرورة . روى ابن أبي الدنيا عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن إبليس قال: سولت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار، فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله منها (٢)؛ يعني: الأهواء. وروى اللالكائي في "شرح السنة" عن ابن مسعود رضي الله تعالى

стр. 2840

عنه قال: إياكم وما يحدث الناس من البدع؛ فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث بدعًا حتى يخرج الإيمان من قلبه (١). وعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: لقي إبليس جنوده فقال: من أين تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل، قال: هل تقدرون أن تأتوهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: إنا نجده مقروناً بالتوحيد، فقال: لآتينهم من قبل ذنب لا يستغفرون منه، قال: فبث فيهم الأهواء (٢). وروى هو وأبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها (٣). وروى الطبراني -ورجاله ثقات- عن عرفجة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالشَّيْطَانُ مَعَ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ" (٤).
следующие страницы →