← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]؛ أي قال: إنما ذكر إبليس هذا الاستثناء لئلا يقع في كلامه الكذب. قال: والكذب يستنكفه إبليس فكيف يليق بالرجل المسلم؟ انتهى (١). قلت: هذا لا يصح في حق إبليس أن يحترز عن الكذب، بمعنى أنه لا يكذب لثبوت الكذب عنه بالنص كما سبق، وإنما أظهر التحرز عن الكذب والتنزه عنه خديعة، وزعمًا منه أن كذبه يخفى بدعواه التحرز عنه. وهذا من تخيلاته، ومفترياته، وتلبيساته. ويتشبه به في هذا التلبيس كذبة الصوفية الذين يظهرون الزهد، والورع، ويدعون الصدق والتنزه عن الكذب والفحش، وهم في أنفسهم على خلاف ذلك. ومن هنا شرب المنافقين والمارقين، وأكثرهم يفتضحون ويظهر الله تعالى سرائرهم في أسرتهم وفلتات ألسنتهم، فافهم واحذر! ٣٥ - ومنها: الكذب على رسول الله ﷺ ، أو على غيره من الأنبياء ﵈ وهو -وإن كان داخلًا في الكذب- إلا أني نبهت عليه على حدة لمزيد الاعتناء بالزجر عنه، والتنفير منه .

стр. 2837

وقد قال أبو محمَّد الجويني من الأئمة الشافعية: إن مرتكبه يكفر به (١). وروى الخطيب في كتاب "الكفاية" -كما قال السيوطي- عن أبي العالية أنه قال رحمه الله تعالى: لا تقوم الساعة حتى يمشي إبليس في الطرق والأسواق يقول: حدثني فلان عن فلان عن نبي الله ﷺ بكذا وكذا (٢). وروى ابن عدي عن الليث بن سعد رحمه الله تعالى قال: قدم علينا شيخ الإسكندرية يروي لنافع، ونافع يومئذ حي، فكتبنا عنه قنداقين، فلما خرج الشيخ أرسلنا بالقنداقين إلى نافع، فما عرف منها حديثا واحدًا، فقال أصحابنا: ينبغي أن يكون هذا من الشياطين الذين حبسوا (٣). قلت: يدخل في التشبه بالشيطان في ذلك من زعم أنه رأى النبي ﷺ أو أحدًا من الأنبياء في منامه، أو كوشف بأرواحهم وهو في ذلك كاذب، فيكون شيطانا رجيمًا. ٣٦ - ومنها: التكذيب بالحق . روى النسائي، والترمذي، وابن حبان وصححاه، عن ابن مسعود

стр. 2838

رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَهُ لَمَّةٌ بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيْعَادٌ بِالشَّرِ وَتَكْذِيْبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيْعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيْقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ" (١). ٣٧ - ومنها: مجادلة الناس بغير حق . روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما موقوفاً عليه، ورواه الطبراني عنه مرفوعا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "يُوْشِكُ أَنْ يَظْهَرَ فِيْكُمْ شَيَاطِيْنٌ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ أَوْثَقَها فِيْ الْبَحْرِ، يُصَلُّوْنَ مَعَكُمْ فِيْ مَسَاجِدِكُمْ، وَيَقْرَؤُوْنَ مَعَكُمُ الْقُرْآنَ، وَيُجَادِلُوْنكُمْ فِيْ الدّيْنِ، وَإِنهمْ لَشَيَاطِيْنٌ فِيْ صُوْرَةِ إِنْسَانٍ" (٢). روى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس (٣). والقياس له شروط وأحكام مذكورة في كتب الأصول فمن استوفاها وقاس لم يكن من هذا القبيل، بل يكون مثاباً عليه.

стр. 2839

٣٨ - ومنها: مصادمة النص بالقياس، وتقديم الرأي على النص . ألا ترى أن إبليس أُمر بالسجود نصًا فترك السجود رأيًا فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]. وروى أبو نعيم، والديلمي عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ قال: "أَوَّلُ مَنْ قَاسَ أَمْرَ الدِّيْنِ بِرَأْيِهِ إِبْلِيْسُ؛ قَالَ اللهُ لَهُ: اسْجُدْ لآدَمَ، فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] ". قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس (١). وهذا محمول على القياس الذي تأباه قواعد الكتاب والسنة كما علمت. ٣٩ - ومنها: محبة البدعة، والدعاء إليها، وذلك من الكبائر، ومجالسة أهل البدعة ومعاشرتهم لغير ضرورة . روى ابن أبي الدنيا عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن إبليس قال: سولت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار، فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله منها (٢)؛ يعني: الأهواء. وروى اللالكائي في "شرح السنة" عن ابن مسعود رضي الله تعالى

стр. 2840

عنه قال: إياكم وما يحدث الناس من البدع؛ فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث بدعًا حتى يخرج الإيمان من قلبه (١). وعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: لقي إبليس جنوده فقال: من أين تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل، قال: هل تقدرون أن تأتوهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: إنا نجده مقروناً بالتوحيد، فقال: لآتينهم من قبل ذنب لا يستغفرون منه، قال: فبث فيهم الأهواء (٢). وروى هو وأبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها (٣). وروى الطبراني -ورجاله ثقات- عن عرفجة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالشَّيْطَانُ مَعَ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ" (٤).

стр. 2841

وقال الخطيب في كتاب "شرف أصحاب الحديث": أنشدني عبد الغفار بن محمد بن جعفر المكتب قال: أنشدني عمر بن أحمد الواعظ قال: أنشدنا أحمد بن كامل لأبي جعفر الخواص رحمه الله تعالى: [من الرمل] ذَهَبَتْ دَوْلَةُ أَصْحابِ الْبِدَعْ ... وَوَهَىْ حَبْلُهُمُ ثُمَّ انْقَطَعْ وَتَداعَىْ بِانِصْرامٍ جَمْعُهُمْ ... حِزْبُ إِبْلِيْسَ الَّذِيْ كانَ جَمَعْ هَلْ لَهُمْ يا قَوْمُ فِيْ بِدْعَتِهِمْ ... مِنْ فَقِيْهٍ وَإِمامٍ مُتَّبَعْ مِثْلِ سُفْيانَ أَخِيْ ثَوْرِ الَّذِيْ ... عَلَّمَ النَّاسَ دَقِيْقاتِ الْوَرَعْ أَوْ سُلَيْمانَ أَخِيْ التَّيْمِ الَّذِيْ ... تَرَكَ النَّوْمَ لِهَوْلِ الْمُطَّلَعْ أَوْ فَتَىْ الإِسْلامِ أَعْنِيْ أَحْمَدا ... ذاكَ لَوْ قارَعَهُ الْقَرا قَرَعْ لَمْ يَخَفْ سَوْطَهُمُ إِذْ خَوَّفُوْا ... لا وَلا سَيْفَهُمُ حِيْنَ لَمَعْ (١) ٤٠ - ومنها: محبة الفتنة، والإشارة بها وبقتل المؤمن، والسعي في إهلاك خيار العباد والمكر بهم . قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. روى ابن هشام في "سيرته"، وابن جرير، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن قريشًا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن

стр. 2842

يتفاقم أمر رسول الله ﷺ ، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله ﷺ ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ من نجد، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، وقد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيًا ونصحًا، قالوا: ادخل. قال أبو البختري: فأما أنا فأرى أن تأخذوا محمداً وتحبسوه في بيت، وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه منها طعامه وشرابه، وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء، فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال: بئس الرأي! والله لئن حبستموه ليخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، ويوشك أن يثبوا عليكم فيقاتلوكم، ويأخذوه من أيديكم، قالوا: صدق الشيخ. فقال هشام بن عمرو: أمَّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير فتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع وأين وقع، فإذا غاب عنكم استرحتم، فقال إبليس: ما هذا لكم برأي، تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم لتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم، ألم تروا إلى حلاوة منطقه، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما سمع من حديثه، والله لئن فعلتم ذلك فيذهب ويستميل قلوب قوم، ثم يسيرهم إليكم فيخرجوكم من بلادكم، فقالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: لأشيرن إليكم برأي ما أرى غيره؛ إني أرى أن

стр. 2843

تأخذوا من كل بطن شاباً نسيباً وسيطاً فيكم، ثم يعطى كل فتى منهم سيفًا صارماً، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، وإنهم إذا أرادوا ذلك قبلوا العَقْل، فتودي قريش بديته، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، وهو أجودكم رأياً، وإن القول ما قال لا أرى غيره، فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجتمعون له، فأتى جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، وأمره أن لا يبيت مضجعه الذي كان يبيت فيه، فأذن الله تعالى له بالخروج إلى المدينة، فأمر رسول الله ﷺ علياً رضي الله تعالى عنه أن يبيت في مضجعه، وقال: "تَسَحَّ بِبُرْدَتِيْ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ مِنْهُمْ ما تَكْرَهُهُ". ثم خرج رسول الله ﷺ ، وأخذ قبضة من تراب، فأخذ الله أبصارهم، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ أوائل سورة يس إلى قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يسَ: ٩] , ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر ﵁، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٥] (١).

стр. 2844

٤١ - ومنها: الغش . وأي عبد أغش لعباد الله تعالى ممن يأمرهم بمعصيته ليضلوا ويهلكوا كما في هذه القصة التي ذكرناها آنفاً. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، وأي غش أعظم من هذا الغش، وهذا غشه لأوليائه الذين هم حزبه فكيف بغيرهم؟ قال ابن زيد رضي الله تعالى عنه: يدعو حزبه إلى معاصي الله، وأهل معاصي الله هم أصحاب السعير، وهؤلاء حزبه من الإنس ألا تراه يقول: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩]؛ قال: والحزب ولاته الذين يتولاهم ويتولونه. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وبذلك يظهر أن كل موالاة في غير ذات الله غش، والقائم بها متشبه بالشيطان في الغش لأن مآلها إلى السوء، فهي عين العداوة. ومن ثم قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، فالغش مباينة - وإن كان ظاهره موافقة واتفاقا في الهوى - ومن ثم قال ﷺ : "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (٢)، فكلما توغل العبد في غش العبد كلما كان بالشيطان أشبه، وله أوفق؛ لأنه أغش الخليقة للخليقة.

стр. 2845

روى أبو نعيم عن مُطرِّف رحمه الله تعالى قال: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين (١). قلت: ومن العجب أن الشيطان أغش الخلق للخلق وهو يدعي النصيحة، ويقسم عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وكذلك حال أهل الغش لا يألون جهدًا في إخفائه على من يريدون غشه بالقسم وإقامة الأدلة على الولاية والنصيحة. والغش خلق قلبي نفاقي الظاهر منه غير الباطن. وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان -يعني: الداراني- رحمهما الله تعالى يقول: ما أتي من أتي من إبليس وقارون وبلعام إلا أن أصل نياتهم على غش، فرجعوا إلى الغش الذي في قلوبهم، والله أكرم من أن يمن على عبد بصدق ثم يسلبه إياه (٢). * تنبِيْهٌ: الغش من الكبائر. وصح في الحديث: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (٣)، وفي لفظ آخر:

стр. 2846

"لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأتاه رجل، فقال: أقبلنا حجَّاجاً حتى إذا كنا في الصفاح توفي صاحب لنا، فحفرنا له، فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد، فحفرنا له قبراً آخر وآخر، فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد، فتركناه، وأتيتك أسألك ماذا تأمرنا به؟ [قال]: ذاك عمله الذي كان يعمل؛ اذهبوا به فادفنوه في بعضها، فو الله لو حفرتم له الأرض كلها لوجدتم ذلك. قال: فألقيناه في قبر منها، فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها عنه، فقالت: كان يبيع الطعام فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم يخلط فيه مثله من قصب الشعير، ثم يبيعه (٢)؛ فعذب بذلك. ٤٢ - ومنها: الخديعة والمكر . ولعل الفرق بينهما وبين الغش: أن الغش إيصال الضرر من فعل الغاش على وجه الإخفاء، وإظهار خلاف ما هو فيه من الضرر، أو تغطية الضرر بما ظاهره نفع. والمكر والخديعة: تزيين الشيء للممكور به والمخدوع ليقع في الضرر، أو لينتفع الماكر أو الخادع بمأمنه، وإن استضر هو في نفسه.

стр. 2847

ومنه الخديعة في البيع بتحسين الكلام والإقسام ليشتري بأزيد، وليبيع بأنقص من غير فعل في المبيع، فإن انضم إليه خلط المبيع بدونه أو كتم عيبه مع الاطلاع عليه كان غشاً وخديعة، فإن اقتصر على الخلط والكتم من غير تحسين ويمين فهو غش فقط، ولا شك أن أول المخادعين والماكرين إبليس. قال قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]: حلف بالله لهما حتى خدعهما -قال: وقد يخدع المؤمن بالله- قال لهما: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما. قال قتادة: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا. رواه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (١). وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيْمٌ" (٢). وأنشد نفطويه: [من الكامل] إِنَّ الْكَرِيْمَ إِذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ .. وَتَرَىْ اللَّئِيْمَ مُجَرَّبًا لا يُخْدَعُ (٣) وقلت: [من الرجز]

стр. 2848

إِيَّاكَ أَنْ تُعاشِرَ اللَّئِيْما ... إِنَّ اللَّئِيْمَ يَخْدَعُ الْكَرِيْما مَنْ عاشَرَ اللَّئِيْمَ إِمَّا نادِماً ... تَراهُ أَوْ مُوَبَّخاً مَلُوْما إِنَّ اللَّئِيْمَ وَالرَّجِيْمَ اتَّفَقا ... طَبْعًا وَخُلْقاً سَيِّئاً وَشُوْما ٤٣ - ومنها: اليمين الغموس . قال الله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] , وقد شهد الله أنه لم ينصحهما، بل غرهما، فقال الله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: غرهما باليمين، وكان يظن آدم ﵇ أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً (١). قلت: فالشيطان أول من حلف اليمين الفاجرة، فمن حلف يميناً كاذبة ليغر بها أو يضر فهو أشبه الناس بالشيطان. واليمين الغموس كبيرة، وهي الفاجرة؛ سميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار. روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوْقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِيْنُ الْغَمُوْسُ" (٢).

стр. 2849

وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم عن عبد الله بن أُنَيْس الجهني رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "مِنَ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوْقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِيْنُ الْغَمُوْسُ، مَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللهِ يَمِيْنَ صَبْرٍ فَأَخَذَ بِهَا سَهْمًا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوْضَةٍ إِلَّا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِيْ قَلْبِهِ كَيَّهً (١) يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). وفي حديث رواه الطبراني: "إِنَّ الْيَمِيْنَ الْغَمُوْسَ [تُذْهِبُ المالَ وتُقِل في الرَّحِم]، تَذَرُ الدِّيَارَ بَلاقِعَ" (٣)؛ أي: ديار الدنيا بأن تخلو من الحالف وذريته سريعاً. قلت: وكذلك ديار الآخرة، فليحذر الحالف أن تخلو منه دار السلام كما خلت من إبليس وذريته، وصارت بلاقع منهم. وفي ذلك قلت: [من السريع] مُذْ أَقْسَمَ الشَّيْطانُ فِيْ جَنَةِ الْـ ... ـخُلْدِ يَمِيْنَ الْمَيْنِ كَيْ يَخْدَعا

стр. 2850

أُخْرِجَ مِنْها ثُمَّ لَمَّا يَعُدْ ... وَأَصْبَحَتْ مِنْهُ قُوًى بَلْقَعا حُقَّتْ يَمِيْنُ الْمَيْنِ مِنْ أَجْلِ ذا ... فِيْ الْعَكْسِ وَالنَّكْسِ بِأَنْ تُسْرِعا ٤٤ - ومنها: الحلف بغير الله تعالى . روى الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد، عن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَحْلِفُوْا بِالطَّوَاغِيْتِ، وَلا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَاحْلِفُوا بِاللهِ؛ فَإِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ أَنْ تَحْلِفُوا بِهِ، وَلا تَحْلِفُوا بِحَلْفِ الشَّيْطَانِ" (١). وروى هو وأبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: أنه قال: لا تحلفوا بحلف الشيطان أن يقول أحدكم: وعزة الله، ولكن قولوا كما قال الله تعالى: [والله] رب العزة (٢). وإنما أراد ابن مسعود ﵁ المبالغة في التنفير من أعمال الشيطان -وإن كان بعضها مباحاً- وإلا فإن العزة من صفات الله تعالى، واليمين بها منعقدة سائغة.

стр. 2851

وفي الحديث: "إِنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ لَمَّا نَظَرَ إِلَىْ الْجَنَّةِ رَجَعَ إِلَىْ اللهِ تَعالَىْ فَقالَ: وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِها أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَها"، الحديث. رواه الترمذي، والنسائي، وغيرهما (١). ويقال: إن العزة اسم حية محيطة بجبل (ق) (٢) المحيط بالدنيا؛ فإن كان هذا صحيحاً فلعل الشيطان قصدها بيمينه، فيكون حالفاً بغير الله تعالى. وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا مُعَاذُ! إِنِّي مُرْسِلُكَ إِلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فِإِذَا سُئِلْتَ

стр. 2852

عَنْ الْمَجَرَّةِ الَّتِيْ فِيْ السَّمَاءِ فَقُلْ: هِيَ لُعَابُ حَيَّةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ" (١). * تَنْبِيْهٌ: الحلف بغير الله تعالى محظور عند أكثر العلماء. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق. رواه الطبراني بإسناد صحيح (٢). وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنه مكروه، قال: وأخشى أن يكون معصية. وصحح الرافعي القطع بأنه مكروه. وصرح أبو محمد الجويني، والماوردي بانه حرام، واختاره الأذرعي لصحة النهي عنه. قال الرافعي: قال الأصحاب: ولو أن الحالف بغير الله تعالى اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله كَفَرَ (٣).

стр. 2853

وعليه حمل قوله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فقد كَفَرَ". [وفي لفظ] (١): "فَقَدْ أَشْرَكَ". رواه أبو داود باللفظ الأول (٢)، والإمام أحمد بالثاني، والحاكم، وصححه بهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٣). وإن جرى لسان العبد بالحلف بغير الله تعالى فهو من لغو اليمين، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وعليه حمل قوله ﷺ في حديث الصحيحين: "أَفْلَحَ وأبيهِ إِنْ صَدَقَ" (٤). ٤٥ - ومنها: التصميم على اليمين وغيرها خير منها، فإن كانت اليمين على محرم فتركها واجب، وإلا فسنة، والكفارة فيهما . وبيان أن ذلك من أفعال الشيطان أنه قال كما حكاه الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، ثم صمم على يمينه، فهو يغويهم إلى آخر الدهر، فلا ينبغي التشبه باللعين في ذلك.

стр. 2854

وروى ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فِيْ قَطِيْعَةِ رَحِم أَوْ مَا لا يَصْلُحُ فَبِرُّهُ أَنْ لا يُتِمَّ عَلَى ذَلِكَ" (١)؛ أي: بل يفعل ما حلف عليه، ويكفر كما قال رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ". رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي (٢). ٤٦ - ومنها: قلة المبالاة بحنث اليمين إلا في خير، وترك تكفير اليمين المحنوث فيها . فإن اللعين لم يكفر عن ما وقع منه من الحلف، ولم يبال باليمين الفاجرة التي حلفها لآدم وحواء ﵉، ولا يحنث في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]؛ فإنه زين لكثير منهم وأغواه، لكنهم بلطف الله تعالى بهم لم يغووا ولم يهلكوا بإغوائه، فينبغي أن يخالف الشيطان في ذلك كله. قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ٤٧ - ومنها: إيقاع الناس في الكذب والحنث . روى البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: إني

стр. 2855

لا أقول: لا أزني، ولا أسرق، ولا أشرب الخمر، قال: لِمَ؟ قال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ مَا قَالَ الْعَبْدُ لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ إِلاَّ تَرَكَ الشَّيْطَانُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فَوَلَعَ بِذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْثمَهُ" (١). ٤٨ - ومنها: أن يحول بين العبد وبين الوفاء بالعهد أو باليمين أو بالنذر، وبينه وبين إخراج ما نوى أن يتصدق به، وإذا خلا رجل بامرأة كان ثالثهما، ويلازم المعجبين بآرائهم، ويصوب إعجابهم، فالمؤمن عليه أن يحذر هذه الأخلاق الشيطانية . روى ابن أبي الدنيا في "المكائد" عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: بينما موسى ﵇ جالس في بعض مجالسه إذ أقبل إبليس وعليه برنس له يتلون فيه ألواناً، فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه، ثم أتاه فقال له: السلام عليك يا موسى، قال له موسى ﵇: من أنت؟ قال: أنا إبليس، قال: أنت؟ فلا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمنزلك من الله تعالى ومكانك منه، قال: فما الذي رأيت عليك؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم، قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه استحوذت عليه، واحذر ثلاثاً: لا تخل بامرأة لا تحل لك؛ فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه

стр. 2856

دون أصحابي حتى أفتنه بها، ولا تعاهد الله عهداً إلا وفيت به؛ فإنه ما عاهد الله أحد عهداً إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به، ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها؛ فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء بها. ثم ولى وهو يقول: يا ويله -ثلاثاً- علم موسى ما يحذر به بني آدم (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأةٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا" (٢). ٤٩ - ومنها: النذر في المعصية . روى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن أبي مجلز رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]؛ قال: النذور في المعاصي (٣). وسأل الحسنَ رجلٌ فقال: حلفت إن لم أفعل كذا وكذا أن أحج حبواً؟ فقال: هذا من خطوات الشيطان، فحج واركب، وكفر عن يمينك.

стр. 2857

وسُئل جابر بن زيد رضي الله تعالى عنه عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب؟ فقال: هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصياً لله ، فليكفر عن يمينه. رواهما عبد بن حميد، وغيره (١). ومن هذا القبيل ما يفعله بعض النساء: لئن ولد لها ولد لتثقبن أذنه، وهو حرام من تغيير خلق الله. وروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نذرت أن أقوم على قعيقعان عرياناً إلى الليل، فقال: أراد الشيطان أن تبدو عورتك، وأن تضحك الناس بك؛ البس ثيابك، وصل عند الحجر ركعتين (٢). وروى النسائي عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "النَّذْرُ نَّذْرَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِيْ طَاعَةِ اللهِ فَذَلِكَ للهِ، وَفِيْهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِيْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ، وَلا وَفَاءَ فِيْهِ، ويُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِيْنَ" (٣). ٥٠ - ومنها: الجهل بالله تعالى وبعظمته، وهذه أخص أوصاف الرجيم ، ولو عرف الله تعالى لاتقاه وخشيه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقد تقدم أن إبليس سلب العلم والمعرفة.

стр. 2858

وروى الطبراني بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ -جَلَّ ذِكْرُهُ- أَذِنَ لِيْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيْكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ اْلأَرْضَ، وَعُنْقُهُ مُنْثَنٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَكَ رَبَّنَا! فَيَرُدُّ عَلَيْهِ: مَا عَلِمَ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِيْ كَاذِبًا" (١). وقد تقدم أن إبليس أول من حلف بالله كاذباً، فهو أول من جهل بالله تعالى، وبصفات جلاله وجماله؛ فافهم! ٥١ - ومنها: الفحش، والبَذَاء، والوقاحة، وقلة الحياء، بل عدمه بالكلية، وهذا مما لا شك فإن الشيطان أول من ألقى جلباب الحياء من الله ومن الناس . أما عدم حيائه من الله تعالى، فإنه قابل أمره بالإباء والاستكبار، ولما سئل عن علة امتناعه عن السجود المأمور به أجاب ربَّ العزة بما لا ينبغي أن يخاطب به، فقال: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦١ - ٦٢]، وغير ذلك. وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَيَّ مِنَ الإِيْمَانِ، وَهُمَا يُقَرِّبَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُبَاعِدَانِ مِنَ النَّارِ، وَالْفَحْشُ وَالْبَذَاءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَهُمَا

стр. 2859

يُقَرِّبَانِ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدَانِ مِنَ الْجَنَّةِ" (١). وقال الجنيد رحمه الله تعالى: لقيت إبليس يمشي في السوق عرياناً، وبيده كسرة خبز يأكلها، فقلت له: أما تستحي من الناس؟ فقال: يا أبا القاسم! وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحيى منه. * تنبِيْهٌ: مصداق ما تقدم في الحديث أن الحياء والعي يقربان من الجنة ويباعدان من النار، وأن الفحش والبذاء بعكسهما: أن إبليس لمَّا عصى غلب عليه الفحش والوقاحة حتى صارا خلقه، فتجرأ في الحضرة الإلهية، وتكلم بشقاشق كلامه، فانقلب ما قصد به الخلاص وبالًا عليه، فأدخله الله النار، وأن آدم ﵇ لما عصى غلب عليه الحياء والعي حتى هرب، ولم ينطق بكلمة سوى أنه اعتذر بالحياء لما سئل عن سبب هربه، فألقى الله تعالى إليه الكلمات الإلهية، وعلمه كيف يقول في توبته، ووعده أن يعيده إلى الجنة هو ومن اتبع هداه من ذريته، وكان ذلك بسبب العي والحياء. روى الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، عن نبي الله ﷺ قال: "إِنَّ آدَمَ ﵇ كَانَ رَجُلاً طِوَالاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوْقٌ، كَثيْرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا وَقَعَ بِمَا وَقَعَ بِهِ بَدَتْ

стр. 2860

لَهُ عَوْرتُهُ، فَكَانَ لا يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا، فَأَخَذَتْ بِرَأْسِهِ شَجَرَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهَا: أَرْسِلِيْنِيْ، فَقَالَتْ: لَسْتُ مُرْسِلَكَ، قَالَ: فَنَادَاهُ رَبَّهُ أَمِنِّيْ تَفِرُّ؟ قَالَ: إِيْ رَبِّيْ! لا، إِنِّي أَسْتَحِييكَ، قَالَ: فَنَادَاهُ: وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحْييْ رَبَّهُ مِنَ الذَّنْبِ إِذَا وَقَعَ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِحَمْدِ اللهِ أَنَّ الْمَخْرَجَ فِيْ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ" (١). ٥٢ - ومن أخلاق الشيطان: الامتناع من السجود لله تعالى، وإن شئت فقل: الامتناع من الصلاة، فتارك الصلاة أشبه الناس بالشيطان لأنه أمر بالسجود فلم يسجد . وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِيْ، يَقُوْلُ: يَا ويلَهُ -وفي رواية: يَا ويلَتَا! - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُوْدِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُوْدِ فَأَبَيْتُ، فَلِي النَّارُ" (٢). وإذا كان هذا أسَفه عند سجدة التلاوة وهي سجود مسنون، فما ظنك بأسفه على حرمانه من الصلاة المفروضة ذات الركوع والسجود، وقراءة القرآن وذكر الله تعالى. وإنما يحصل هذا الأسف لإبليس عند السجود لأنه ممنوع منه بسبب ما قضي عليه من اللعنة المؤبدة مع حيلولة القدرة الإلهية بينه وبين

стр. 2861

السجود، واللعنة هي الإبعاد عن حضرة القرب إلى الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وقال النبي ﷺ : "أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا كَانَ سَاجِدًا". رواه مسلم (١)، وغيره. وكذلك تارك الصلاة إنما يتأسف عليها عند اليأس منها، وذلك عند الموت. وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: ليس شيء أشد على إبليس وجنوده الشياطين، ولا أكثر لبكائهم من أن يروا مسلماً ساجداً؛ يقولون: بالسجود دخلوا الجنة، وبالسجود دخلنا النار (٢). أي: بالسجود دخلوا الجنة إجابة، وبالسجود دخلنا النار إباءة. وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن إبليس -لعنه الله- لقي موسى ﵇ فقال: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليماً، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت وأنا أريد أن أتوب، فاشفع لي إلى ربك أن يتوب علي، قال موسى: نعم، فدعا موسى ربه تعالى، فقال: يا موسى! قد قضيت حاجتك، فليسجد لقبر آدم، فلقي موسى إبليس، فقال له: أمرت أن تسجد لقبر آدم ليتاب عليك، قال: فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حياً، أأسجد له ميتا؟ ثم قال: يا موسى! إن علي حقاً مما شفعت لي إلى

стр. 2862

ربك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن: اذكرني عندما تغضب؛ فإن وحيي في قلبك، وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. واذكرني حين تلقى الزحف؛ فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره ولده، وزوجته، وأهله حتى يولي. وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم لك؛ فإني رسولها إليك ورسولك إليها (١). * تَنْبِيْهٌ: كان سجود الملائكة ﵈ لله تعالى، وآدم ﵇ كان كالقبلة لهم، فعبادتهم لله تعالى لا لآدم، وإبليس فَهِمَ أن العبادة لآدم فلذلك امتنع من السجود رأياً، وكان حقه أن لا يرى ولا يقيس مع وجود النص بالأمر بالسجود. على أن السجود حق لله تعالى، ولصاحب الحق أن يتبرع به لمن يشاء، فالله تعالى أمر بالسجود لآدم تفضلاً عليه من حيث إنه خليفة، ثم لم يأذن فيه لغير آدم إلا أن يكون ذلك مشروعاً في غير ملتنا، فيكون قد أذن لهم فيه، ثم لم يأذن به في ملتنا، فليس لأحد أن يسجد لأحد، بل ليس لغير الملائكة أن يسجدوا لآدم ولا لغيره من أولاده إلا

стр. 2863

إن كان مشروعا في ملة غير ملتنا، فإن الأمر بالسجود لآدم خاص بالملائكة ﵈ لحكمة ظهرت أسرارها وبهرت أنوارها. ومن ثم قال النبي ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١). ومن شعر أبي الحسن محمد بن علي المعروف بابن أبي الصقر الواسطي أحد أصحاب ابن إسحاق الشيرازي: [من الخفيف] كُلُّ رِزْقٍ تَرْجُوْهُ مِنْ مَرْزُوْقِ ... يَعْتَرِيْهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْوِيْقِ وَأَنا قائِلٌ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّـ .... ـهَ مَقالَ الْمَجازِ لا التَّحْقِيْقِ لَسْتُ أَرْضَىْ مِنْ فِعْلِ إِبْلِيْسَ شَيْئاً ... غَيْرَ تَرْكِ السُّجُوْدِ لِلْمَخْلُوْقِ (٢) ولقد قلت: [من الخفيف] لَسْتُ أَرْضَىْ مِنْ فِعْلِ إِبْلِيْسَ شَيْئاً ... كُلُّ أَفْعالِهِ الْقِباحِ ذَمِيْمَة لا وَلَوْ صادَفَ الصَّوابَ فَهَذا ... صُوْرَةَ وَالطّباعُ مِنْهُ لَئِيْمَة * فائِدَةٌ: روى أبو نعيم، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ الشَّيْطَانُ ذَعِرًا من الْمُؤْمِن

стр. 2864

مَا حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِذَا ضَيَّعَهُنَّ تَجَرَّأَ عَلَيْهِ، وَأَوْقَعَهُ فِيْ العَظَائِمِ، وَطَمِعَ فِيْهِ" (١). ٥٣ - ومن أخلاق اللعين: كراهية السجود من غيره، وعيبه واستقباحه . ألا ترى إلى قول الملعون: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]؛ فإنه يتضمن الإزراء على الساجدين، وتقبيح ما فعلوه. وأشبه الناس -وليسوا من الناس- في هذا الخلق الخبيث الدروز، والتيامنة، والنصيرية الذين ينكرون الصلاة، والركوع والسجود، ويعيبونها، ويسمونها الطويزة، ويعدونها مثلة، وهم كفار بذلك وبأمور أخرى كإنكار الصوم، والحج، وإنكار البعث، والنشور، واعتقاد التناسخ، وغير ذلك، ومن شك في كفرهم مع ذلك يكفر. ومن المتشبهين بالشيطان في هذا الخلق القبيح: المجان والمساخر (٢) فيما قد يقع منهم من إطلاق إنكار الصلاة والسجود لتضحيك غيرهم، ويخشى على من يتجاوز في السخرية إلى مثل ذلك الكفر وخاتمة السوء.

стр. 2865

٥٤ - ومن أعماله لعنه الله تعالى: الصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، أو عن غيرها من الطاعات وأعمال الخير . قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. فكل شيء صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من أعمال الشيطان، فلا ينبغي للإنسان أن يتعاطى شيئاً من ذلك، كأن يرى مصلياً فيعبث به، أو قارئًا فيلغوا عنده، أو يعبث بامرأة فينقض وضوءها، أو تعبث امرأة برجل فتنقض وضوءه صداً عن الصلاة، أو يرى خاشعاً فيضحكه، أو ذاكراً فيشغله عن ذكر الله تعالى، فيكون بذلك متشبهاً بالشيطان. وقد قال بعض العارفين: من شغل مشغولاً بالله تعالى، أدركه المقت في الوقت (١). روى عبد الرزاق عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر، فجعل يهوي بيديه قدامه وهو في الصلاة، فسأله القوم حين انصرف فقال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يُلْقِيْ عَلَيَّ شِرَارَ النَّارِ يَفْتِنِّيْ عَنِ الصَّلاةِ فَتَنَاوَلْتُهُ، فَلَوْ أَخَذْتُهُ مَا انْفَلَتَ مِنِّيْ حَتَّىْ يُرْبَطَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِيْ الْمَسْجِدِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ" (٢).

стр. 2866

وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِيْ أَحَدَكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ حَتَّىْ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ يُسَلِّم" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَأْتِيْ أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِيْ صَلاتِهِ فَيَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ دُبُرِهِ فَيَمُدُّهَا، فَيَرَى أَنَّهُ أَحْدَثَ، فَلا يَنْصَرِفْ حَتَّىْ يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ ريحًا" (٢). وروى الطبراني بسند رجاله موثقون، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قال: إن الشيطان ليلطف بالرجل في صلاته ليقطع عليه صلاته، فإذا أعياه نفخ في دبره، فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئاً فلا ينصرف حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً (٣). وروى الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِيْ الْمَسْجِدِ جَاءَ الشَّيْطَانُ فَأَبَس بِهِ كَمَا يَأْبِسُ الرَّجُلُ بِدَابَّتِهِ، فَإِذَا سَكَنَ لَهُ زَنقَهُ أَوْ أَلْجَمَهُ". قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: وأنتم ترون ذلك، أمَّا المزنوق

стр. 2867

فتراه مائلاً، وأما الملجوم فتراه فاتحاً فاه لا يذكر الله تعالى (١). والبس بالدابة، والإبساس بها: زجرها، وسد فمها. والزنق: تشكيلها. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن الشيطان أطاف بأهل مجلس ذكر ليفتنهم فلم يستطع، فأتى على حلقة يذكرون الدنيا فأغرى بينهم حتى اقتتلوا، فقام أهل الذكر، فحجزوا بينهم، فتفرقوا (٢). وتقدم هذا الأثر بمعناه من رواية ابن أبي الدنيا. * محذرة: رأيت في بعض التواريخ: أن جماعة كانوا في غزو، فعبث رجل منهم بمصلٍّ ليضحكه في صلاته، فلما انفتل من صلاته قام يريد عقوبته، فإذا هو قد مسخ خنزيرًا، وذهب إلى غابة هناك. ٥٥ - ومنها -وهو نوع مما تقدم-: القعود على عقيصة شعر المصلي، ولذلك كره أن يصلي الرجل وشعره معقوص . روى الترمذي وصححه، وغيره عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه: أنه مر بالحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما وهو يصلي وقد عقص ظفيرته، فحلها، فالتفت الحسن إليه مغضباً، فقال: أقبل على

стр. 2868

صلاتك ولا تغضب؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذَلِكَ كِفْلُ الشَّيْطَانِ"؛ أي: مقعده، كما أنه في رواية أبي داود كذلك (١). والحكمة في ذلك: أن الشعر يسجد مع الإنسان إذا سجد كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن ابن مسعود ﵁: أنه دخل المسجد فرأى فيه رجلاً يصلي عاقصاً شعره، فلما انصرف قال عبد الله: إذا صليت فلا تعقص شعرك؛ فإن شعرك يسجد معك، ولك بكل شعرة أجر، قال: إني أخاف أن تترب، فقال: تتريبه خير لك (٢). قال بعض العلماء: لما منع إبليس من السجود شق عليه سجود ابن آدم فلما لم يستطع أن يمنعه من السجود تسبب في تخلف شيء من جسده عن السجود -ولو شعرة واحدة- حتى يكون الساجد كأنه كف بعض أجزائه عن السجود. ٥٦ - ومنها: المرور بين يدي المصلي، وهو حرام على من مر بين المصلي وبين سترته، إذا كان بينه وبين السترة قدر ثلاثة أذرع فما دونها . روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَىْ شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النِّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ ويَجُرَّهُ؛

стр. 2869

فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (١) أي: متشبه بالشيطان لأن ذلك من أعماله الخبيثة. وروى عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: بينما أبو سعيد رضي الله تعالى عنه يصلي، إذ جاء شاب يريد أن يمر قريبا من سترته -قال: وأمير الناس يومئذ مروان-، قال: فدفعه أبو سعيد حتى صرعه، قال: فذهب الفتى حتى دخل على مروان فقال: هاهنا شيخ مجنون دفعني حتى صرعني، قال: وكانت الأنصار يدخلون عليه يوم الجمعة، فدخل عليه أبو سعيد، فقال مروان للفتى: هل تعرفه؟ فقال: نعم، هو هذا الشيخ، قال مروان للفتى: تدري من هذا؟ قال: لا، قال: هذا صاحب رسول الله ﷺ ، قال: فرحب به مروان، وأدناه حتى قعد قريباً من مجلسه، فقال له: إن هذا الفتى يذكر أنك دفعته حتى صرعته، قال: ما فعلت، فرددها عليه وهو يقول: إنما دفعت شيطاناً، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَبَيْنَ سُتْرَتك فَارْدُدْهُ، فَإِنْ أَبَى فَادْفَعْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (٢). فانظر كيف ألحق أبو سعيد ﵁ المار بين يدي المصلي بالشيطان حتى قال: "ما دفعت إلا شيطاناً"، فجعله شيطاناً حقيقة أخذاً من الحديث: "فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" لأنه فَعَلَ فِعْلَ الشيطان.

стр. 2870

روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْ سُتْرَتهِ؛ لا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ" (١). وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي لِيَقْطَعَ الصَّلاةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُؤثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئاً" (٢). وروى مسلم، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعته يقول: "أَعُوْذُ بِاللهِ مِنْكَ"، ثم قال: "ألعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ"، ثم بسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة سألناه فقال: "إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيْسَ جاءَ بِشِهابٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ، فَلَوْلا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ ﵇ لأَصْبَحَ مَوْثُوْقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ الْمَدِيْنَةِ" (٣).

стр. 2871

وروى الطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة مكتوبة فضم يده في الصلاة، فَلمَّا قضى الصلاة قلنا: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "لا" إِلاَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدَيَّ، وَايْمُ اللهِ! لَوْلا مَا سَبَقَنِي إِلَيْهِ أَخِي سُلَيْمَانُ لَنِيْطَ إِلَى سَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَطِيْفَ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ" (١). * تنبِيْهٌ: روى عبد الرزاق عن نافع بن جبير رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا" (٢)؛ أي: إن لم يدن منها بدليل ما رواه عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إذا صلَّى أحدكم فليصلِّ إِلى سترَةٍ لا يَحولُ الشَّيطان بينه وَبَين صَلاتِه (٣)؛ أي: لئلا يحول. وهو مثل قوله ﷺ في حديث ابن أبي حثمة: "وَلْيَدْنُ مِنْ سُتْرَتهِ؛

стр. 2872

لا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ" (١)؛ أي: لئلا يقطع. فالدنو من السترة مانع من قطع الشيطان لصلاة العبد، وحيلولته بينه وبينها. وروى عبد الرزاق أيضاً عن عمر ﵁: أنه قال في المار بين يدي المصلي: لا تدعه يمر بين يديك؛ فإن معه شيطان (٢). وفيه إشارة إلى أن مرور المار بين يدي المصلي يكون سبباً لمرور الشيطان بين يديه، فهو قرين الشيطان مكاناً وحالأ؛ فاحذره. ودل كلام عمر هذا مع كلامه السابق والحديث: أن الشيطان يستبيح المرور بين يدي المصلي بدون السترة ومع بُعْدِها، فإن قربت لم يستبحه إلا إن مر بين يديه وبين سترته مارٌّ من الإنس، ومن ثم حرم المرور حينئذ. ٥٧ - ومن أعمال الشيطان -لعنه الله- العبث بكل طائع في كل طاعة أمكنه العبث به ليشغله عن طاعته أو يفسدها . روى الإمام أحمد، والطبراني في "المعجم الكبير" ورجاله ثقات، عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه قال: قلت لابن عباس ﵄: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا، إن إبراهيم ﵇ لما أمر بالمناسك اعترض عليه الشيطان عند المسعى فسابقه، فسبقه إبراهيم ﵇، ثم ذهب به

стр. 2873

جبريل ﵇ إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الحجرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال: يا أبه! إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين. قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش. قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم ذهب به جبريل ﵉ إلى منى؛ قال: هذا مناخ الناس، ثم أتى به جمعاً فقال: هذا المشعر الحرام، ثم ذهب به إلى عرفة؛ قال ابن عباس: هل تدري لم سميت عرفة؟ قلت: لا، قال: إن جبريل قال لإبراهيم ﵉: عرفت -وفي رواية: هل عرفت؟ - قال: نعم، قال ابن عباس: فمن ثم سميت عرفة (١). ٥٨ - ومن أخلاقه -لعنه الله-: الغفلة عن ذكر الله تعالى، ولا سيما إذا استقلت الشمس . وأهل الغفلة أشبه الناس بالشياطين. روى ابن السني، وأبو نعيم عن عمرو بن عبسة رضي الله تعالى

стр. 2874

عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ إِلاَّ يُسَبحُ الله بِحَمْدِهِ إِلاَّ مَا كانَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَأَغْبِيَاءِ (١) بَنِيْ آدَمَ". قال: فسألته عن أغبياء (٢) بني آدم، فقال: "الْكُفَّارُ شِرارُ الْخَلْقِ، أو: شِرارُ خَلْقِ اللهِ تَعالَى" (٣). ٥٩ - ومنها: الفرار من الأماكن التي يقرأ فيها القرآن العظيم، مع الإقبال على المجالس التي يضرب فيها بالآلات، ويتغنى فيها بأنواع التلحينات . قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوْتَكُم مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذي تُقْرَأُ فِيْهِ الْبَقَرَةُ" (٤). وروى أبو عبيد في "فضائل القران"، والدارمي، والطبراني، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن رجلاً لقي شيطاناً

стр. 2875

في سكة من سكك المدينة فصارعه فصرعه، فقال: دعني وأخبرك بشيء يعجبك، فودعه، فقال: هل تقرأ سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: فإن الشيطان لا يسمع منها شيئاً إلا أدبر وله خَبْج كخَبْج الحمار، فقيل لابن مسعود: ومن ذاك الرجل؟ قال: عمر بن الخطاب ﵁ (١). والْخَبْج -بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الموحدة وبالجيم آخره-: وهو الضراط. ٦٠ - ومنها: الفرار من الأذان وعدم إجابة المؤذن واستماعه، والتلهي عن سماعه، والخروج من المسجد بعد الأذان وقبل الصلاة لغير ضرورة، وكل ذلك مكروه، وفاعله متشبه بالشيطان . روى الإمام مالك، والشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا نُوْدِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِيْنَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثَوُّبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَذْكُرُ كَمْ صَلَّى" (٢).
следующие страницы →