وروى الطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة مكتوبة فضم يده في الصلاة، فَلمَّا قضى الصلاة قلنا: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟
قال: "لا" إِلاَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدَيَّ، وَايْمُ اللهِ! لَوْلا مَا سَبَقَنِي إِلَيْهِ أَخِي سُلَيْمَانُ لَنِيْطَ إِلَى سَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَطِيْفَ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ" (١).
* تنبِيْهٌ:
روى عبد الرزاق عن نافع بن جبير رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا" (٢)؛ أي: إن لم يدن منها بدليل ما رواه عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إذا صلَّى أحدكم فليصلِّ إِلى سترَةٍ لا يَحولُ الشَّيطان بينه وَبَين صَلاتِه (٣)؛ أي: لئلا يحول.
وهو مثل قوله ﷺ في حديث ابن أبي حثمة: "وَلْيَدْنُ مِنْ سُتْرَتهِ؛
стр. 2872
لا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ" (١)؛ أي: لئلا يقطع.
فالدنو من السترة مانع من قطع الشيطان لصلاة العبد، وحيلولته بينه وبينها.
وروى عبد الرزاق أيضاً عن عمر ﵁: أنه قال في المار بين يدي المصلي: لا تدعه يمر بين يديك؛ فإن معه شيطان (٢).
وفيه إشارة إلى أن مرور المار بين يدي المصلي يكون سبباً لمرور الشيطان بين يديه، فهو قرين الشيطان مكاناً وحالأ؛ فاحذره.
ودل كلام عمر هذا مع كلامه السابق والحديث: أن الشيطان يستبيح المرور بين يدي المصلي بدون السترة ومع بُعْدِها، فإن قربت لم يستبحه إلا إن مر بين يديه وبين سترته مارٌّ من الإنس، ومن ثم حرم المرور حينئذ.
٥٧ - ومن أعمال الشيطان -لعنه الله- العبث بكل طائع في كل طاعة أمكنه العبث به ليشغله عن طاعته أو يفسدها .
روى الإمام أحمد، والطبراني في "المعجم الكبير" ورجاله ثقات، عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه قال: قلت لابن عباس ﵄: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سنة؟
قال: صدقوا، إن إبراهيم ﵇ لما أمر بالمناسك اعترض عليه الشيطان عند المسعى فسابقه، فسبقه إبراهيم ﵇، ثم ذهب به
стр. 2873
جبريل ﵇ إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الحجرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال: يا أبه! إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين.
قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش.
قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم ذهب به جبريل ﵉ إلى منى؛ قال: هذا مناخ الناس، ثم أتى به جمعاً فقال: هذا المشعر الحرام، ثم ذهب به إلى عرفة؛ قال ابن عباس: هل تدري لم سميت عرفة؟ قلت: لا، قال: إن جبريل قال لإبراهيم ﵉: عرفت -وفي رواية: هل عرفت؟ - قال: نعم، قال ابن عباس: فمن ثم سميت عرفة (١).
٥٨ - ومن أخلاقه -لعنه الله-: الغفلة عن ذكر الله تعالى، ولا سيما إذا استقلت الشمس .
وأهل الغفلة أشبه الناس بالشياطين.
روى ابن السني، وأبو نعيم عن عمرو بن عبسة رضي الله تعالى
стр. 2874
عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ إِلاَّ يُسَبحُ الله بِحَمْدِهِ إِلاَّ مَا كانَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَأَغْبِيَاءِ (١) بَنِيْ آدَمَ".
قال: فسألته عن أغبياء (٢) بني آدم، فقال: "الْكُفَّارُ شِرارُ الْخَلْقِ، أو: شِرارُ خَلْقِ اللهِ تَعالَى" (٣).
٥٩ - ومنها: الفرار من الأماكن التي يقرأ فيها القرآن العظيم، مع الإقبال على المجالس التي يضرب فيها بالآلات، ويتغنى فيها بأنواع التلحينات .
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥].
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوْتَكُم مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذي تُقْرَأُ فِيْهِ الْبَقَرَةُ" (٤).
وروى أبو عبيد في "فضائل القران"، والدارمي، والطبراني، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن رجلاً لقي شيطاناً
стр. 2875
في سكة من سكك المدينة فصارعه فصرعه، فقال: دعني وأخبرك بشيء يعجبك، فودعه، فقال: هل تقرأ سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: فإن الشيطان لا يسمع منها شيئاً إلا أدبر وله خَبْج كخَبْج الحمار، فقيل لابن مسعود: ومن ذاك الرجل؟ قال: عمر بن الخطاب ﵁ (١).
والْخَبْج -بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الموحدة وبالجيم آخره-: وهو الضراط.
٦٠ - ومنها: الفرار من الأذان وعدم إجابة المؤذن واستماعه، والتلهي عن سماعه، والخروج من المسجد بعد الأذان وقبل الصلاة لغير ضرورة، وكل ذلك مكروه، وفاعله متشبه بالشيطان .
روى الإمام مالك، والشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا نُوْدِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِيْنَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثَوُّبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَذْكُرُ كَمْ صَلَّى" (٢).
стр. 2876
وروى ابن أبي شيبة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا نَادَى الْمُنَادِي بِالصَّلاةِ هَرَبَ الشَّيْطَانُ حَتَّى يَكُوْنَ بِالرَّوْحَاءِ"؛ وهي ثلاثون ميلاً منَ المدينَة (١).
وروى مسلم، وابن ماجه عن أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فاتبعه أبو هريرة ببصره حتى خرج من المسجد، فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٢).
* تَنْبِيْهٌ:
قد علمت من حديث أبي هريرة السابق، ومن أحاديث أخرى تقدمت أن الشيطان يدخل إلى المسجد ليوسوس للمصلين، ويفرق بين الذاكرين، وقد تظاهرت النصوص على أنه يحدث الحدث الأصغر والأكبر لمَا علمنا أنه يجامع وينزل ويضرط، فَلَنَا أن نعد من قبائحه دخول المسجد والمكث فيه وهو جنب، ودخوله وهو محدث، ودخوله لغير الصلاة بل للفتنة، وتحديث النفوس بحديث الدنيا، وغير ذلك.
فينبغي للعبد أن ينزه نفسه عن هذه الأمور لكونها من أفعال الشيطان، وإن كان بعضها مباحاً.
стр. 2877
ولقد قال الغزالي في "الإحياء": يكره دخول المسجد على غير وضوء (١).
ونقل عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري أن المحدث كالجنب يمر في المسجد ولا يجلس، على أن اتخاذ المسجد ممراً مكروه.
وقال المتولي، والروياني من أصحابنا الشافعية: إن القعود في المسجد من غير غرض صحيح من انتظار صلاة، أو اعتكاف، أو قراءة، أو تعليم، أو موعظة، أو نحو ذلك مكروهٌ.
وقال غيرهما: مباح.
قلت: ومحل ذلك فيما لم تتمحض نيته من المكلف في دخول المسجد لأمر دنيوي كبيع أو شراء، أو تحدث مع إخوان في أمور الدنيا، فإذا تمحضت نيته لذلك كان مكروها قطعاً.
وروى ابن حبان عن ابن مسعود، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ ناَسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأتُوْنَ الْمَسَاجِدَ فَيَقْعُدُونَ فِيْهَا حِلَقًا ذِكْرُهُمْ الدُّنْيَا وَحُبُّ الدُّنْيَا؛ لا تُجَالِسُوْهُمْ، فَلَيْسَ لِلَّهُ بِهِمْ حَاجَةٌ" (٢).
فإن قلت: فما يصنع بما رواه عبد الرحمن بن معقل: أنه قال:
стр. 2878
كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان (١)؟
والجواب: أن معناه: أن العبد المؤمن إذا دخل المسجد فإنما يدخله غالباً لصلاة، أو اعتكاف، أو ذكر، أو غير ذلك من الطاعات، ولذلك قال النبي ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيْمَانِ". رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه (٢).
ومَنْ ذَكَرَ الله وأطاعه فقد تحصن من الشيطان، فلما كان دخول المسجد في حق المؤمن سبباً لدخول المؤمن في الذكر والطاعة التي هي الحصن حقيقة من الشيطان، أطلق على المسجد أنه حصن حصين من الشيطان.
ومثال من دخل المسجد واشتغل بشيء مكروه أو محرم مثال من دخل الحصن الحصين وفتح بابه للعدو المُلِحِّ في عداوته.
٦١ - ومن أخلاق اللعين: إنساء العبد أن يذكر ربه في شدائده وحاجاته، فيلقي في قلب العبد طلب الغوث والحاجة من العبد لما له من الجاه أو الكلمة أو القوة .
فمن استشارك في مهمة أو ملمة فأرشده أولاً إلى رفع حاجته
стр. 2879
إلى الله تعالى، واعتماده عليه، وانتظار الخير منه، ثم أشر عليه بما ترى.
وإياك أن تشير إليه أن يلجأ إلى متوجَّه أو متجَوِّه أو فاسق، فتكون من إخوان الشيطان إلا أن تشير عليه بمداراته أو الانتفاع به من حيث إنه مسخر، وتُعرِّفه بأنه لا فعل له وإنما هو مسخر، فإن حصل منه نفع فهو بتسخير الله تعالى إياه له، كما في تسخير فرعون لموسى ﵇ حتى ربِّي في حِجْرِهِ مكرماً، فكأن موسى ﵇ يرى فرعون مسخراً له، فلذلك لم يحمله الحياء منه ووجود الصنيعة منه إليه على ترك مواجهته بالأمر والنهي في دعوته إلى الله تعالى وإرشاده إلى الحق، وكان فرعون يرى نفسه فاعلاً فامتن عليه بتربيته بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨ - ١٩].
ومن هنا كان المن من العبد قبيحاً محرماً محبطاً للثواب، وليس الشكر من حيث إنه يرى المنعم عليه غير الله هو الفاعل، كما ظنه فرعون، بل من حيث إنه محل وواسطة في إيصال النعم إليه، فلا تركن ولا تأمر أحداً أن يركن إلى غير الله تعالى إلا من حيث أمرُ الله تعالى، فتكون ذاكراً لله تعالى مذكِّراً به، غيرَ ناسٍ له ولا منسٍ عنه.
وقد ذم الله تعالى نسيانه، ونسب إنساءه على لسان أنبيائه إلى فعل الشيطان.
قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ
стр. 2880
نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ [يوسف: ٤٢]؛ يعني: لساقي الملك، وهو أحد الفتيين اللذين استفتياه فيما رأياه في منامهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢].
قال ابن عباس ﵄ -قال البغوي: وعليه الأكثرون -: أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حتى ابتغى الفرَج من غيره، واستعان بمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان (١).
واستشكل هذا بعضهم بأن الشيطان ليس له على الأنبياء ﵈ سلطنة، فكيف يضاف نسيان يوسف ﵇ إلى الشيطان؟
وأجيب بأن الأنبياء ﵈ إنما يعصمون عن النسيان فيما يبلغون عن الله تعالى فقط، وأمَّا في غيره فإذا وقع النسيان منهم حيث يحذر وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقاً، وذلك فيما يخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك.
قال القرطبي: ونظير ذلك قول يوشع بن نون: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَه﴾ [الكهف: ٦٣]، فنسب نسيانه لذكر الحوت لموسى ﵇ إلى الشيطان (٢).
والتحقيق في هذه المسألة: أن تسليط الشيطان على الأنبياء فيما يؤثر في طبائعهم أو في أجسادهم من غير أن يزحزحهم عن الثبات
стр. 2881
تحت أعباء النبوة وعن التبليغ كما أمر، وألا يقدح في رُتَبِهم لأنهم يفيئون إلى الله تعالى في آخر أمرهم، وإنما يكون ذلك لمزيد الابتلاء؛ لأنهم أشد الناس بلاء كما تقدم.
وذلك كما أثر كلام الشيطان في نفس آدم ﵇ حتى ذاق الشجرة، وقد كان شديد الحرص على أن لا يخالف أمر ربه.
وكما أثر في بدن أيوب ﵇ حتى ابتلي بما لا مزيد عليه.
وكما أثر السحر في بدن رسول الله ﷺ وفي فكره حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، وأنه أتى النساء وما أتاهن، حتى بعث الله تعالى إليه الملك فرقاه بالمعوذتين.
وكان حال يوسف ﵇ حتى أنساه الشيطان ذكر ربه من هذا القبيل.
وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: عثر يوسف ﵇ ثلاث عثرات:
حين هم بها فسجن.
وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، فلبث في السجن بضع سنين، وأنساه الشيطان ذكر ربه.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] (١).
стр. 2882
وروى ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وابن مردويه في "تفاسيرهم" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ يُوْسُفَ! لَولا الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] مَا لَبِثَ فِيْ السِّجْنِ مَا لَبِثَ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "العقوبات"، وابن جرير الطبري، وأبو القاسم الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوْسُفُ الْكَلِمَةَ الَّتِي قالَ، ما لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ" (٢)؛ حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى.
وروى الإمام أحمد في "الزهد"، والمفسرون عن الحسن رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: "رَحِمَ اللهُ يُوْسُفَ! لَوْلا كَلِمَةٌ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُوْلَ مَا لَبِثَ؛ قَوْلُهُ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ".
ثم يبكي الحسن ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس (٣).
ويروي عن الحسن -أيضاً- رحمه الله تعالى قال: دخل جبريل على يوسف ﵇ في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له:
стр. 2883
يا أخا المنذرين! ما لي أراك بين الخاطئين؟
فقال له جبريل: يا طاهر ابن الطاهرين! يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني إذ استشفعت بالآدميين؟ فَوَعِزَّتي لألبثنك في السجن بضع سنين.
قال يوسف: وهو في ذلك راض عني؟
قال: نعم.
قال: إذاً لا أبالي (١).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن أيضاً قال: لما قال يوسف للساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] قيل له -أي: قال الله له -: يا يوسف! اتخذت من دوني وكيلاً؟ لأطيلن حبسك، فبكى يوسف ﵇، وقال: يا رب! تشاغل قلبي من كثرة البلوى فقلتُ كلمة (٢).
وبكاء يوسف ﵇ لم يكن من الحبس، ولكن خوفاً منه أن يكون حبسه سخطًا، ولذلك سكن قلبه حين قال لجبريل: وهو في ذلك راضٍ عني؟ قال: نعم.
وإنما عوقب بالحبس على كلمة قالها مع شدة البلوى؛ لأن مثله لا يسامح في مثل ذلك لعلو رتبته، وارتفاع مقامه، فقد يكون من
стр. 2884
حسنات الأبرار ما هو من سيئات المقربين.
وروى ابن أبي شيبة، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وهؤلاء عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أوحى الله تعالى إلى يوسف ﵇: من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلوك؟
قال: أنت يا رب.
قال: من استنقذك من الجُبِّ إذ ألقوك فيه؟
قال: أنت يا رب.
قال: من استنقذك من المرأة إذ هممت بها؟
قال: أنت يا رب.
قال: فما لك نسيتني وذكرت آدمياً؟
قال: جزعاً، وكلمة تكلم بها لساني.
قال: فَوَعِزَّي لأخلِّدنك في السجن بضع سنين، فلبث فيه سبع سنين (١).
بيَّنَ في هذا الحديث وجه مؤاخذة يوسف ﵇، وهو عدم مطالعته هذه النعم ومراجعته هذه الفوائد، فلو نظر إليها دعاه النظر إليها إلى الاعتماد على من أعادها عليه وأسداها إليه دون المخلوقين، ولم يكن ذلك نقصاً في رتبته ولا تنزيلاً عن مقامه، بل ليظهر فيه مظهر مزيد الابتلاء الذي هو وصف الأنبياء ﵈.
стр. 2885
وقد كان ليوسف ﵇ سلف صالح في الاعتماد على الله تعالى من حيث إن جده إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار وعرض له جبريل، وقال له: هل لك حاجة؟
قال: أمَّا إليك فلا.
وقال عند ذلك: حسبنا الله ونعم الوكيل (١).
ومن حيث إن أباه أو عمه ابتلي بالذبح فسلَّم وصبر.
وكان مقتضى حبسه ومقامه أن لا ينظر إلى غير الله تعالى، فلما تعلق بتذكرة المخلوق للمخلوق ابتُلِي.
وقال الإمام فخر الدين الرازي في "تفسيره" عند الكلام على هذه الآية: والذي جربته من طول عمري أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سبباً للبلاء والمحنة، والشدة والرزيَّة، وإذا عول على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه.
قال: فهذه التجربة قد استمرت بي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين، فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه (٢).
стр. 2886
قال ابن السبكي في "طبقاته" -وذكر هذا الكلام عن الإمام المذكور-: وما ذكره حق، ومن حاسب نفسه وجد الأمر كذلك، وإن فرض أحد عول في أمره على غير الله حصل له فاعلم أنه لا يخلو عن أحد رجلين:
إما رجل ممكور به والعياذ بالله.
وأما رجل يطلب شراً وهو يحسب أنه خير لنفسه، ويظهر ذلك بعاقبة ذلك الأمر، انتهى (١).
قلت: وهذا أمر جربته في أول العمر قبل أن أقف على كلام الإمام برهة من الزمان ثم استقر قلبي عليه، من ئم إلى الآن وأنا في الحادية والثلاثين من عمري.
ولقد قضيت العجب من الإمام كيف لم يستقر قلبه على ذلك حتى مر به هذه المدة الطويلة؟
وقال والدي في "تفسيره" حاكياً لكلام الإمام رحمه الله تعالى: [من الرجز]
قالَ الإِمامُ وَالَّذِي جَرَّبْتُهُ ... فِيْ عُمُرِىِ كَلاَّ وَقَدْ حَقَّقْتُهُ
أَنَّكَ إِنْ عَوَّلْتَ فِيْ أَمْرٍ عَلى ... غَيْرِ الإِلَهِ كانَ أَصْلاً فِي الْبَلا
وإنْ عَلى الإِلَهِ عَوَّلْتَ وَلَمْ ... تَرْجِعْ إِلى غَيْرِهِ فِيما قَدْ آلم
стр. 2887
يَحْصُلْ لَكَ الْمَقْصُوْدُ كامِلاً عَلى ... أَحْسَنِ ما يَكُوْنُ يا مَنْ عَوَّلا
قالَ وَقَدْ جَرَّبْتُ هَذا فِي الزَّمانْ ... مِنْ أَوَّلِ الْعُمْرِ إِلى هَذا الأَوانْ
قُلْتُ وَقَدْ جَرَّبْتُ هَذِي الْحالَةْ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ أَسْمَعَ ما قَدْ قالَهْ
ثم أقول: إن ما ذكره ابن السبكي على سبيل الفرض هذا حال أكثر الناس فعلاً لا فرضاً، وأكثرهم ممكور به، فيجري الله تعالى لهم العادة بحصول النفع أو الدفع بالخلق، فيتعلقون بهم في مهماتهم حتى لا يشهد بعضهم سواهم، وهم في ذلك على قسمين:
- منهم: من شهد النفع والدفع من نفسه كما قال قارون: قَالَ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
- ومنهم: من شهده ممن ينسب إليه أو يعول عليه كما قال قائلهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١].
ومن هنا: من فاته مطلوب يتأسف على ما فاته منهم لاعتباره إياهم وتعويله عليهم كما يقول القائل: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].
٦٢ - ومن قبائح أخلاق الشيطان: حب الدنيا، والدرهم والدينار، وتحبيبها إلى الخلق .
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إن الشيطان مع الدنيا، ومَكْرُهُ مع المال، وتزيينه مع الهوى، واستكماله
стр. 2888
عند الشهوات (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن ثابت البناني ﵀ مرسلاً - قال: لما بُعِثَ النبي ﷺ قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمر فانظروا ما هو، فانطلقوا ثم جاءوه فقالوا: ما ندري، قال إبليس: أنا آتيكم بالخبر، فذهب وجاء، وقال: قد بعث محمد ﷺ .
قال فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فينصرفون خائبين، ويقولون: ما رأينا قوماً قط مثل هؤلاء نُصيب منهم، ثم يقومون إلى صلواتهم فيمحى ذلك، فقال إبليس: رويداً بهم! عسى الله يفتح لهم الدنيا؛ فهناك تصيبون حاجتكم منهم (٢).
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما ضرب الدينار والدرهم أخذه إبليس ووضعه على عينيه، وقال: أنت ثمرة قلبي وقرة عيني، وبك أكفر وبك أدخل النار، رضيت من ابن آدم أن يعبدني في حب الدينار والدرهم (٣).
стр. 2889
* تَنْبِيْهٌ:
قال كعب رحمه الله تعالى: أول من ضرب الدينار والدرهم آدم ﵇، وقال: لا تصلح المعيشة إلا بهما (١).
وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ خَوَاتِيْمُ اللهِ فِيْ أَرْضِهِ، مَنْ جَاءَ بِخَاتمِ مَوْلاهُ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ". رواه الطبراني في "الأوسط" (٢).
فالدرهم والدينار إنما ضربا لإصلاح المعاش وقضاء الحوائج، ومن هذا الوجه هما من نعم الله تعالى على العباد، ولم يضربا للاكتناز والادخار حرصًا عليهما ومحبة لهما إلا من حيث لا يصرفان إلا في مصلحة، فإذا ادخرا للمصلحة فلا يضر، كما قيل: [من الوافر]
لَمالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفاقِرَهُ آتمُّ مِنَ الْقُنُوْعِ (٣)
فأما حبهما لذاتهما أو ليصرفا في الهوى فهو الخلق الشيطاني، فأكثر الناس حملهم الشيطان على حبهما حتى آثروهما على أمر الله تعالى.
стр. 2890
ومن هذا الوجه هما مذمومان لأنهما ينقلبان نقمتين على صاحبهما في الدنيا وفي الآخرة.
أما في الدنيا فإن من غلب عليه حب الدنيا والدرهم استولى على قلبه حتى يجتهد في تحصيلهما، ويتألم قلبه بصرفهما ومفارقتهما، فلا يصلح له بهما معيشة ولا تطيب له بهما عيشة، لا في طعام ولا في شراب ولا في غير ذلك من متاعات الدنيا.
وأما في الآخرة فإن غلبة حب الدرهم والدينار يحملان صاحبهما على منع الزكاة، ومنع الحقوق، وتضييع العيال، وعدم المبالاة بالعقوبة على ذلك، بل ربما أدَّى به الحال إلى القتل، والغصب، والسرقة، والربا، والرشاء، والمكس، والقمار، وأكل مال اليتيم وأموال الأوقاف، وغير ذلك، وإذا منع من الدنيا وقع في السخط والكفر والحسد، وتناول الأعراض طلباً لها وانكلابًا عليها، بل قد يطلبها بالدين والتزي بزي العلماء والصالحين، فهو هالك بها لا محالة.
ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "دَعُوْا الدُّنْيَا لأَهْلِهَا؟ فَإِنَّ مَنْ أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ أَخَذَ حَتْفَهُ وَهُوَ لا يَشْعُرُ". رواه البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه (١).
стр. 2891
وروى البخاري، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّيْنَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيْصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيْكَ فَلا انتقشَ" (١).
وروى الترمذي من حديثه: "لُعِنَ عَبْدُ الدِّيْنَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ" (٢).
٦٣ - ومن قبائح أخلاق الشيطان: البخل، وحمل الناس عليه .
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇ للحواريين: إن الشيطان يريد أن يبخلكم فلا تسقطوا في بخله؛ فإني سألت الله أن يقويكم (٣).
وروى البزار، والطبراني -وسنده حسن- عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ الشَّيْطانُ لَعَنَهُ اللهُ: لَنْ يَسْلَمَ مِنِّي صاحِبُ المالِ مِن إِحْدَى ثَلاثٍ أُغْدُو عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَرُوْحُ: أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَإِنْفاقِهِ فِيْ غَيْرِ حَقِّهِ، وَأُحَبِّبُهُ إِلَيْهِ فَيَمْنَعُهُ مِن حَقِّهِ" (٤).
стр. 2892
وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن الشيطان يريد الإنسان بكل ريدة، فإذا أعياه اضطجع في ماله ليمنعه أن ينفق منه شيئًا (١).
وقال حجة الإسلام في "الإحياء": لقي يحيى بن زكريا ﵉ إبليس - لعنه الله - في صورته فقال له: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك.
قال: أحب الناس إلي المؤمن البخيل، وأبغض الناس إلي الفاسق السخي.
قال: لم؟
قال: لأن البخيل قد كفاني بخله، والفاسق السخي أتخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله.
ثم ولى وهو يقول: لولا أنك يحيى ما أخبرتك (٢).
وقد علم من ذلك أن الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، أو يمدحون البخل والبخلاء ويحبونهم أشبهُ الناس بالشيطان الرجيم.
ولقد أساء ابن الرومي في قوله كما أنشده العسكري في "أمثاله" له: [من السريع]
стр. 2893
لا تَلُمِ الْمَرْءَ عَلى بُخْلِهِ ... وَلُمْهُ يا صاحِ عَلى نَحْلِهِ
لا عَجَبَ بِالْبُخْلِ مِنْ ذِي حِجَى ... يُكْرَمُ ما يُكْرَمُ مِنْ أَجْلِهِ (١)
وقد عارضته فقلت، وعن الحق ما حلت رادًا عليه، ومشيرًا إليه: [من السريع]
لا تَلُمِ الْمَرْءَ عَلى بَذْلِهِ ... وَلُمْهُ وَاعْتُبْهُ عَلى بُخْلِهِ
وَلا تَقُلْ مُعْتَذِرًا إِنَّهُ ... يُكْرَمُ ما يُكْرَمُ مِنْ أَجْلِهِ
ذُو الْمالِ لا يُكْرِمُهُ مُكْرِمٌ ... إِلاَّ لِما يَصْنعُ مِنْ بَذْلِهِ
وَمَنْ يَقُلْ غَيْرَ الَّذِي قُلْتُهُ ... فَذاكَ لا شُبْهَةَ فِي جَهْلِهِ
قَدْ أَشْبَهَ الشَّيْطانَ فِي قَوْلهِ ... هَذا فَحاذِرْهُ وَفِي فِعْلِهِ
فَاللهُ قَدْ واعَدَ أَهْلَ النَّدى ... بِالْفَضْلِ وَالْغُفْرانِ مِنْ أَجْلِهِ
فَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ مالِهِ ... أَمَدَّهُ مَوْلاهُ مِنْ فَضْلِهِ
ولا يخفى ما في ذلك من التلميح بقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨].
قال ابن عباس ﵁: اثنتان من الله تعالى، واثنتان من الشيطان؛ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]؛ يقول: لا تنفق مالك
стр. 2894
وأمسكه عليك؛ فإنك تحتاج إليه، ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ على هذه المعاصي ﴿وَفَضْلًا﴾ في الرزق. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
ومعنى يعدكم الفقر: يخوفكم بالفقر لئلا تنفقوا في وجوه الخير، فيلقي إلى الإنسان أنك إذا أكثرت من الصدقة وتوسعت في النفقة يقل ما بيدك، وتحتاج إلى أموال الناس فتسألهم منها، فيمنعونك ويعيرونك بفقرك.
ومن هذا القبيل قولهم: خلف لعدوك، ولا تحتج لصديقك.
والله قد أمرنا بالإنفاق ووعدنا بالخلف، فقال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
وقال بعض العارفين: من كان في الله تلفُه، كان على الله خَلَفُه (٢).
وفي التوراة: عبدي أنفق من رزقي أبسطْ عليك فضلي، وإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة (٣).
بل في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "قالَ اللهُ تَعالَى: عَبْدِي! أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" (٤).
стр. 2895
وروى الطبراني عن ابن مسعود، والبزار عن أبي هريرة، وعن بلال رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ قال لبلال رضي الله تعالى عنه: "أَنْفِقْ يا بِلالُ، وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا" (١).
والأمر بالإنفاق والإطماع في فضل الله تعالى خُلُقٌ من أخلاق الله تعالى، وأخلاق رسول الله ﷺ .
والأمر بالإمساك وعدم الإنفاق خشية الفقر والإملاق خُلُقٌ من أخلاق الشياطين والفساق.
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري عن حمدون القصار رحمه الله تعالى قال: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: رجل مؤمن قتل مؤمنًا، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر (٢).
* تَنْبِيْهٌ:
روى أبو نعيم عن يحيى بن معاذ الرازي قال: قال ذو النون رحمه الله تعالى: حقيقة السخاء أن لا يلوم البخيل في منعه إياك لومًا
стр. 2896
لأنك إنما لمته واشتغلت به لوقوع ما منعك في قلبك، ولو هان ذلك عليك لم تشغل بلومه، ثم أنشأ يقول: [من الطويل]
كَرِيمٌ بِصَفْوِ الْماء لَيْسَ بِباخِلٍ ... بِشَيْءٍ وَلا مُهْدٍ مَلامًا لِباخِلِ (١)
قلت: وهذا لا يمنع من ملام البخلاء على البخل من حيث هو، إنما يذم العبد على ملام البخيل من حيث بخله عليه ووقوع ما منعه إياه في قلبه، وهذا علامة الحرص في القلب.
وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].
فأما لو لامه على بخله على غيره، أو على مطلق البخل فإنه خلق كريم.
وقلت: [من الكامل]
لا تَسْخَطَنَّ عَلى الْبَخِيْلِ لِمَنْعِهِ ... إِيَّاكَ إِنْ تَسْخَطْ فَإِنَّكَ أَبْخَلُ
بَلْ كُنْ لِوَصْفِ الْبُخْلِ أَقْوى كارهٍ ... إِنَّ الْبَخِيْلَ مُذَمَّمٌ لا يَنْبُل
٦٤ - ومن أخلاق الشيطان - وهو من جنس ما تقدم -: النهي عن الصدقة لمن تطلب منه الصدقة لا سيما الزكاة .
وقد يتفق اللوم في هذا الزمان على أبناء الزكاة ممن غلب على قلوبهم حب الدنيا حتى آثرها على الله تعالى على أمره، فيقول لولده أو
стр. 2897
لقريبه أو رفيقه: إن رأس مالك قليل لا يحتمل أن تتصدق منه، وربما سماه مبذراً أو مبذرقًا، وهذا كله من أخلاق الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
والشيطان يأمر بخلاف ذلك، وكلمة الشح مطاعة وإن كانت شيطانية.
وقد روى الإمام أحمد، وابن خزيمة في "صحيحه"، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا يُخْرِجُ رَجُلٌ شيئًا مِنَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ لَحْييَ سَبْعِيْنَ شَيْطَانًا" (١).
وروى ابن أبي شيبة، والبيهقي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: ما خرجت صدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطاناً؛ كلهم ينهى عنها (٢).
وقلت في المعنى: [من البسيط]
إِنَّ الكَرِيْمَ الَّذِي يَجْرِي التَّصَدُّقُ مِنْ ... عاداتِهِ أَبَداً سِرًّا وَإِعْلانا
لَهُوَ الكَرِيْمُ الَّذِي ما مِثْلُهُ بَطَلٌ ... بِقَهْرِهِ النَّفْسَ مَعْ سَبْعِيْنَ شَيْطانا
стр. 2898
واعلم أن الشياطين الذين يبعثون على المتصدقين أعتى الشياطين وأشدهم كما رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيْسَ يَبْعَثُ أَشَدَّ أَصْحابِهِ وَأَقْوَى أَصْحابِهِ إِلَى مَنْ يَصْنعُ الْمَعْرُوْفَ فِيْ مالِهِ" (١).
* تَنْبِيْهٌ:
قد يتفق من الشيطان الترغيب في الصدقة، والإشادة بها لا لذاتها ولا لحصولها، ولكن ليتوصل إلى غرض من أغراضه الفاسدة.
وكذلك حكم من يأمر بالصدقة والزكاة، ويرشد إليها ليحصل له منها شيء، لا لنفع إخوانه الفقراء، ولا ليثاب المعطي، وقد كان أحبار يهودَ يأمرون بني إسرائيل بصرف الزكاة، ويرغبونهم فيها، ثم كانوا يجمعون الزكاة ويكنزونها.
وقال الثعلبي في "العرائس": أخبرنا أبو يزيد الثقفي عن ابن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: تبدى إبليس لقارون في بُدُوِّ أمره، وكان قارون قد أقام في جبلٍ أربعين سنة يتعبد حتى شهر عنه ذلك وعلا أمره في العبادة على بني إسرائيل حتى لم يقم أحد منهم مقامه في العبادة، فحسده إبليس - لعنه الله تعالى - وبعث إليه شياطينه ليفتنوه عن تلك العبادة فلم يقدروا عليه،
стр. 2899
فأتاه إبليس بنفسه ودخل عليه، وجعل يتعبد معه وقارون يقهره بعبادته، فقال له إبليس: يا قارون! قد رضينا بهذه العبادة وما نحن فيه، أفلا نعود مريضًا لبني إسرائيل، ونشهد لهم جنازة؟
قال قارون: نعم، فأخذ إبليس قارون من الجبل بعد ما كان قد مكث فيه أربعين سنة، فلما أخذه تمكن منه.
فقال إبليس: يا قارون! قد رضينا بهذه العبادة وما نفعله، أفلا نكتسب في الجمعة يومًا ونتعبد بقية الجمعة ونعطي السائل؟
قال قارون: نعم.
قال: فاكتسبوا يومًا، وتعبدوا بقية الجمعة.
ثم قال إبليس: يا قارون! ما نتعبد يومًا ونكتسب يوماً نتصدق ونعطي السائل؟
قال قارون: نعم.
قال: فاكتسبا يومًا وتعبدا يومًا.
قال: فلما فتح إبليس على قارون باب التكسب، وأفسد عليه عبادته انصرف عنه وغاب، وانفتحت على قارون أبواب الدنيا حتى أفسدت عليه دينه فكان من الهالكين (١).
٦٥ - ومن أعمال الشيطان: التبذير والإسراف، والأمر بذلك .
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ
стр. 2900
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧].
قال الإمام الوالد في تفسير هذه الآية: [من الرجز]
إِنَّ الْمُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوانا ... مِثْلَ الشَّياطِيْنِ وَكانُوا خِلاَّنا
وَأَصْدِقاءَ لَهُمُ أَوْ تَبَعا ... فَإِنَّ مَنْ بَذَّرَ أَوْ مَنْ ضَيَّعا
مالَهُ فِيْ مَعْصِيَةٍ أَوْ سَرَفِ ... يُشْبِهُهُمْ فِي شَرِّهِ أَو تَلَفِ
وروى [الطبراني]- ورواته ثقات - عن أبي العبيدين قال: سألت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، فقال: هو النفقة في غير حقه (١).
وروى الحاكم وصححه، عن يحيى بن الحرار قال: جاء أبو العبيدين إلى عبد الله - وكان رجلاً ضريراً - فكان عبد الله يعرف له، فقال: يا أبا عبد الرحمن! من نسأل إذا لم نسألك؟
قال: فما حاجتك؟
قال: ما الأَوَّاه؟
قال: الرحيم.
قال: فما الماعون؟
قال: ما يتعاون الناس بينهم.
قال: فما التبذير؟
стр. 2901
قال: إنفاق المال في غير حقه.
قال: فما الأُمَّة؟
قال: الذي يعلم الناس الخير (١).
وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾ [الإسراء: ٢٧]؛ قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبًا في طاعة الله لم يك إسرافاً، ولو أنفقت صاعًا - أي: من شعير ونحوه - في معصية الله كان إسرافًا (٣).
وقيل لبعضهم: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير (٤).
وروى البيهقي في "الشعب" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء أو سمعة فذلك حظ الشيطان (٥).
стр. 2902
* تَنْبِيْهانِ:
الأَوَّلُ: ذكر النووي، وغيره أنه يقال: أنفق في الخير، وأما في الشر فيقال: غرم وخسر.
قلت: هذا في الغالب، ومن غير الغالب ما نقلناه عن ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، ومجاهد ﵃.
الثَّانِي: البخل والتقتير تفريط، والإسراف والتبذير إفراط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وهما من أعمال الشيطان، والقصد بين الطرفين هو السنة في كل مقام، ولذلك قال مطرف: عمل المؤمن حسنة بين السيئتين (١).
وقال ﵀: خير الأمور أوساطها. رواه البيهقي في "الشعب" (٢).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في "السنن" عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّيْنَ غَلَبَهُ" (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
стр. 2903
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
قال عمر مولى عفرة رحمه الله تعالى: القوام أن لا تنفقوا في غير حق، ولا تمسك من حقٍّ هو عليك (١).
وقال يزيد بن مرة الجعفي رحمه الله تعالى: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين؛ يعني: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، وخير الأمور أوساطها. رواهما ابن جرير (٢)، وسبق الأخير عن مطرف رحمه الله تعالى.
تَابِع
الَّنوْعُ الأَوَّلُ مِنَ القِسْمِ الثَّانِي فِي اْلنَّهِي عَنْ اْلتَّشَبُهِ بِالشَّيطَانِ, لَعَنَهُ الله تَعَالَى
٦٦ - ومن أعمال الشيطان: شرب الخمر، وتناول المسكرات، والقمار، واللعب بالنرد ونحوه مطلقًا، واللعب بالشطرنج إذا اقترن بمحرم، والتكهن، والتنجيم، والتطير، والزجر، والطرق، والعيافة، ونحو ذلك .
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن إبليس طلب من الله تعالى لمَّا أهبطه إلى الأرض أن يجعل له شرابًا، فقال: كل مسكر (١).
وذكر الثعلبي في "العرائس" عن ابن جريج رحمه الله تعالى أن الله تعالى أهبط على آدم ﵇ عرشة عنب فغرسها، فلما أطلعت وحملت العنب جاء إبليس وسرق من عنبها، فقال له آدم: أخرجتني من الجنة ولا تريد تدع لي رزقًا؟
стр. 2910
فقال: إن لي فيها حقًا.
فقال آدم: وما حقك فيها؟
قال: لي فيها شرابها.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم المسكر" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قال إبليس: ما أعجزني فيه بنو آدم فلم يعجزوني في ثلاث: إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فَقُدناه حيث شئنا وعمل بما أحببنا، وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم، ونبخله بما في يديه ونمنيه ما لا يقدر عليه (١).
وأمَّا المَيْسِر فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: هو القمار (٢).
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقال: أين أيسار الجزور؟ فيجتمع العشرة فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيجيلون السهام فتصير لتسعة - أي: يخرج منهم الغرم على واحد، فيغرم فصيلًا واحدًا فتصير لتسعة حتى تصير إلى واحد - يغرم الآخرون فصيلًا فصيلًا إلى الفصال، فهو الميسر (٣).
وروى ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى