← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وافق ذلك منهم غفر له (١). نقله ابن سيد الناس في "شرح الترمذي". وروى ابن أبي شيبة عن القاسم، عن أبيه قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد لصلاة الفجر، فإذا قوم قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة، فقال: تنحوا عن القبلة، لا تَحُولوا بين الملائكة وبين صلاتها؛ فإن ما بين الركعتين صلاة الملائكة ﵈ (٢). وروى الإِمام محمَّد بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة"، وابن جرير، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما فِيْ السَّماءِ مَوْضعُ قَدَمٍ إِلاَّ وَعَلَيْهِ ملك ساجِدٌ أَوْ قائِم، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٤، ١٦٥] " (٣). وروى محمَّد بن نصر، وابن عساكر عن العلاء بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال يومًا لجلسائه: "أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ؛ لَيْسَ مِنْها مَوْضعُ قَدَمٍ إِلاَّ عَلَيْهِ ملك راكِع أَوْ ساجِدٌ"، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٤، ١٦٥] (٤).

стр. 317

وقال أبو طالب المكي: يقال: إن المصلين من الملائكة يُسَمَّون في السماوات خُدَّام الرحمن، ويفخرون بذلك على سائر المرسلين من الأملاك (١). ٩ - ومنها: كثرة السجود لله تعالى: قال الله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠]. وروى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنِّيْ أَرَىْ ما لا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ ما لا تَسْمَعُوْنَ؛ إِنَّ السَّماءَ أَطَّتْ وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِط؟ ما فِيْها [موضع] أَرْبَع أَصابعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ واضعٌ جَبْهَتَهُ ساجِداً لله تَعَالَىْ" (٢). وفي لفظ: "أَطَّتِ السَّماءُ وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ؛ ما مِنْها مَوْضعُ أَرْبَعِ أَصابعَ إِلاَّ وَعَلَيْهِ مَلَكٌ وَاضعٌ جَبْهَتَهُ" (٣). وروى ابن أبي حاتم الرازي، وأبو القاسم الطبراني، والضياء

стр. 318

المقدسي في "المختارة"، وغيرهم عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله ﷺ مع أصحابه فقال لهم: "تَسْمَعُوْنَ ما أَسْمَعُ؟ " قالوا: ما نسمع من شيء، قال: "إِنَي لأَسْمَعُ أَطِيْطَ السَّماءِ، وَما تُلامُ أَنْ تَئِطَّ؛ ما فِيْها مَوْضعُ قَدَمٍ إِلاَّ عَلَيْهِ ملك ساجِدٌ أَوْ قائِمٌ" (١). وروى أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَطَّتِ السَّماءُ وَيَحِقُّها أَنْ تَئِطَّ؛ وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ ما فِيْها مَوْضعُ شِبْرٍ إِلاَّ فِيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجِدٍ يُسَبِّحُ الله بِحَمْدِه". وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" عن يحيى بن جعدة قال: قال عمر ﵁: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد مت؛ لولا أن أضع جبيني لله ساجداً، أو أجالس أقواماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب التمر والبُسر، أو أكون في سبيل الله، لأحببت أن أكون قد مت (٢). * تنبِيْهٌ: يتأتى التشبه بالملائكة ﵈ في كثرة السجود بكثرة الصلاة، وبسجود التلاوة، وسجود الشكر عند هجوم نعمة أو اندفاع نقمة أو رؤية مبتلى. وأما السجود هكذا مجرداً عن هذه المعاني فإنه غير مشروع.

стр. 319

وأما ما ينقل عن بعض الصوفية من كثرة السجود فمحمول على أنهم مراقبون بسرائرهم وأحوالهم، فكلما فجأهم حال شريف، أو نزلوا في مقام منيف سجدوا شكرًا لهجوم تلك النعمة، وكلما تخلصوا من آفة من آفات الطريق سجدوا لاندفاع تلك الآفة، وكلما رأوا مبتلى بمعصية سجدوا لذلك. وأما سجود بعض المتصوفة لصورة جميلة، أو لشيوخهم فإنه ضلال شبيه بسجود النصارى لأساقفتهم، كما سيأتي. قال رسول الله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها" (١). رواه الإِمام أحمد عن معاذ، والترمذي وصححه، عن أبي هريرة، والحاكم وصححه، عن بريدة ﵁. * فَائِدَةٌ: قال أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين": يقال: إن الله تعالى خلق سبع سماوات، وحَشَاها بالملائكة، وتعبَّدهم بالصلاة لا يَفْتُرُوْنَ ساعة، فجعل لأهل كل سماء نوعا من العبادة، فأَهْل سماء قيام على أرجلهم إلى نفخة الصور، وأهل سماء سجود، وأهل سماء مرخية الأجنحة من هيبته، وأهل عليين، ومن حول العرش يسبحون بحمد

стр. 320

ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض، فجعل الله تعالى ذلك كله في صلاة واحدة كرامة للمؤمن حتى يكون له حظ من عبادة كل سماء، وزادهم القرآن يتلونه فيها، وطلب منهم شكرها، وشكرُها إقامتها بشروطها، وحدودها. انتهى. وروى أبو نعيم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب ﵁: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَىْ فِيْ السَّماواتِ السَّبع مَلائِكَةً يُصَلُّوْنَ لَهُ غِنَىً عَنْ صلاةِ فُلانٍ"؛ عن رجل من المنافقين تخلف عن الصلاة مع النبي ﷺ ، وأراد عمر قتله، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وما صلاتهم يا رسول الله؟ قال: فلم يردَّ عليه شيئًا، فجاءه جبريل ﵇ فقال: "يا نبي الله! سألك عمر عن صلاة أهل السماء؟ قال: نَعَمْ، فقال: اقرأ على عمر السلام، وأخبره أن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة تقول: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت" (١). وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد والرقائق" عن شريح ابن عبيد الحضرمي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب رحمه الله تعالى: خَوِّفنا يا كعب، قال كعب: والله إن لله لملائكة قياماً منذ يوم

стр. 321

خلقهم، ما انثنوا لأصلابهم، وآخرون ركوع ما رفعوا أصلابهم، وآخرون سجود ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعًا: سبحانك، وبحمدك ما عبدناك ككنه ما ينبغي لك أن تعبد، ثم قال: والله لو أن لرجل يومئذ كعمل سبعين نبيًا لاستقل عمله، لشدة ما يرى يومئذ، وذكر الحديث (١). ١٠ - ومنها: التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتقديس، والتحميد، والحوقلة: قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. وقد سبق أن الملائكة ﵈ يصلون الصلاة المعهودة، وسيأتي أنهم يؤذنون، وهما مستلزمان التكبير. وقال الله تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧]. وقال تعالى حكايته عن الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: تسبيح الملائكة صلاتهم (٢).

стр. 322

ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: من المصلين. وقال الفضيل: تسبيح الملائكة رفع أصواتهم بالذكر. وقال قتادة: هو سبحان الله (١). قال القرطبي في "تفسيره": وهو الصحيح لما رواه أبو ذر (٢): أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصْطَفَىْ اللهُ لِمَلائِكَتِهِ: سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْده". أخرجه مسلم (٣). انتهى (٤). قلت: هو من رواية أبي ذر رضي الله تعالى عنه، ومقتضاه أن تسبيحهم مجموع قوله: (سبحان الله وبحمده)، وهو مقتضى الآيات المتقدمة. وفي الحديث: أن النبي ﷺ حكى عن نوح ﵇ أنها تسبيح كل شيء (٥).

стр. 323

ومصداقه من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وروى ابن أبي شيبة عن مصعب بن سعد قال: إذا قال العبد: (سبحان الله) قالت الملائكة: (وبحمده)، وإذا قال: (سبحان الله وبحمده) صلوا عليه (١). والله الموفق. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، والبيهقي في "الشعب" عن الأوزاعي، قال: حدثني هارون بن رِئَاب، قالا: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم، قال: فتقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك، وتقول الأربعة الآخرون: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك (٢). رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر"، والأصبهاني في "الترغيب" عن شهر بن حوشب، وزاد فيه: لِمَا يرون من ذنوب بني آدم. وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قُرط (٣) رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به سمع في السماوات: "سبحان العلي

стр. 324

الأعلى " (١). وروى ابن حيان (٢) الأصبهاني عن محمَّد بن مسلم الطائفي، عن لوط بن أبي لوط، قال: بلغني أن تسبيح سماء الدنيا: سبحان ربي الأعلى، والثانية: ، والثالثة: سبحانه، سبحانه وبحمده، والرابعة: سبحانه، لا حول ولا قوة إلا بالله، والخامسة: سبحان محيى الموتى وهو على كل شيء قدير، والسادسة: سبحان الملك القدوس، والسابعة: سبحان الذي ملأ السماوات والأرضين السبع عزة ووقارًا (٣). وقوله: (تسبيح السماء الدنيا)؛ أي: تسبيح أهلها، وهم الملائكة ﵈. وذكرت في هذا المقام ما قرأته بخط والدي شيخ الإِسلام لصاحبه العلامة السيد عبد الرحيم العباسي الإسطنبولي رحمه الله تعالى: [من مجزوء الرجز] يَا واهِبًا غُفْرانَهُ ... لِمَنْ أَعَزَّ شَانَهُ هَبْ لِفُؤَادِيَ قُوَّةً ... تزِدْ بِها إِيْمانَهُ حَتَّىْ يَقُوْلَ دائِماً ... لِمَنْ بَرَىْ جُثْمانَهُ سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ ... سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ

стр. 325

وذكر أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" عن علي رضي الله تعالى عنه: إن أول من قال: (سبحان ربي الأعلى) ميكائيل ﵇، وإن من قالها في سجود فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، ويشفع له يوم القيامة، فيدخل الجنة (١). وذكر في كتاب "العرائس"، ونقله عنه القرطبي، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده، قال: إن لله تعالى ملكًا يقال له: حزقيائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمس مئة عام، فخطر له خاطر، هل يقدر أن يبصر العرش جميعه؟ فزاده الله أجنحةً مثلها، فكان له ستة وثلائون ألف جناح، ثم أوحى الله إليه: أيها الملك طِر، فطار مقدار عشرين ألف سنة، فلم يقطع رأس قائمة من قوائم العرش، ثم ضاعف الله له في الأجنحة والقوة، وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضًا، فأوحى الله إليه: أيها الملك لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك، وقوتك لم تبلغ ساق عرشي، فقال الملك: سبحان ربي الأعلى، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال النبي ﷺ : "اجْعَلُوْها فِيْ سُجُوْدِكُمْ" (٢). وفي "مسند الإِمام أحمد"، و"سنن أبي داود"، و"ابن ماجه"، وآخرين وصححه ابن حبان، والحاكم، عن عقبة بن عامر الجهني

стр. 326

رضي الله تعالى عنه قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢]، قال: "اجْعَلُوْها فِيْ رُكُوْعِكُمْ"، ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: "اجْعَلُوْها فِيْ سُجُوْدِكُمْ" (١). وروى الطبراني في "معجمه الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله أَذِنَ لِيْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيْكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأَرْضَ وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّة تَحْتَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: سُبْحانَكَ ما أَعْظَمَكَ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ: لا يَعْلَمُ ذاكَ مَنْ حَلَفَ بِيْ كاذِباً" (٢). وروى أبو الشيخ في كتاب "العظمة" عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ دِيْكًا بَراثِنُهُ فِيْ الأَرْضِ السُّفْلَىْ، وَعُنُقُهُ مَثْنِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَجَناحَاهُ فِيْ الْهَواءِ، يَخْفِقُ بِهِا فِيْ السَّحَرِ كُلَّ لَيْلةٍ، يَقُوْلُ: سُبْحانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوْسِ، رَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمَلِكُ لا رَبَّ غَيْرُه" (٣). وروى الترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ صبَاحٍ يُصْبحُ الْعِبادُ إِلاَّ وَمُنادٍ يُنادِيْ: سُبْحانَ

стр. 327

الْمَلِكِ الْقُدُّوْسِ" (١). وأخرجه ابن السُّني في "عمل اليوم والليلة"، ولفظه: "إلا صَرَخَ صارِخٌ: أَيُّهَا الْخَلائِقُ! سَبحُوْا الْمَلِكَ الْقُدُوْسَ" (٢). وروى ابن حبان في كتاب "الثقات" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: إن لله ديكاً رجلاه في الأرض السابعة، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، وعنقه مثنية تحت العرش، يسبح الله تعالى ويحمده، ويقدسه، فإذا مضى من الليل ما شاء الله أن يمضي صفق بجناحيه، فقال: قدوس قدوس، رب الملائكة، الحق لا إله إلا هو، فعند ذلك تصيح الديوك، وتصفق بأجنحتها (٣). قلت: ورد أن هذا الديك ملك على صورة الديك (٤). ويقال: إنه إسرافيل ﵇، والله الموفق. وفي "الحلية" عن كعب الأحبار قال: إن لله تعالى ملكًا على صورة ديك، رِجْلاه في التخوم الأسفل من الأرض، ورأسه تحت العرش، فما من ليلة إلَّا والجبار ينزله، أو ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا من سائل فيعطى، ألا من تائب فيتاب عليه، ألا من مستغفر فيغفر له، فيسبح

стр. 328

الله تعالى، ويحمده، ثم يصوت حتى يفزع لذلك من حول العرش، فيسبحون الله، ويمجدونه، ثم أهل السماء الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم هذه السماء الدنيا، فأول من يعلم ذلك من أهل الأرض الدجاج، فأول ما يزقو الديك، فيقول: قوموا أيها العابدون، فإذا زقا الثانية قال: قوموا أيها المسبحون، فإذا زقا الثالثة قال: قوموا أيها القانتون، فإذا زقا الرابعة قال: قوموا أيها المصلون، فإذا زقا الخامسة قال: قوموا أيها الذاكرون، فإذا أصبح ضرب بجناحيه، وقال: قوموا أيها الغافلون، فمن قرأ بعشر آيات قبل أن يصبح لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ بعشرين آية قبل أن يصبح كتب من الذاكرين، ومن قرأ بخمسين آية كتب من المصلين، ومن قرأ بمئة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمسين ومئة آية أعطي قنطاراً من الأجر، والقنطار مئة رطل، والرطل اثنان وسبعون مثقالًا، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط مثل أُحُدٍ (١). وروى أبو يعلى، وابن مردويه بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُذِنَ لِيْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالْعَرْشُ عَلَىْ مِنْكَبِهِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: سُبْحانَكَ أَيْنَ كُنْتَ، وَأَيْنَ تَكُوْنُ" (٢). وروى الطبراني في "معجمه"الكبير" عن ابن عباس ﵄، عن

стр. 329

النبي ﷺ قال: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَىْ مَلَكًا لَوْ قِيْلَ لَهُ: الْتَقِمِ السَّماواتِ السَّبع، وَالأَرَضِيْنَ بِلُقْمَةٍ لَفَعَلَ؛ تَسْبِيْحُهُ: سُبْحانَكَ حَيْثُ كُنْتَ" (١). وروى أبو الوليد الأزرقي في "تاريخ مكة" عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: حج آدم ﵇ وطاف بالبيت سبعا، فلقيته الملائكة ﵈ في الطواف، فقالوا: بِرَّ حجك يا آدم، أَمَا إنَّا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفي عام، قال: فما كنتم تقولون في الطواف؟ قال: كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال آدم: فزيدوا فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فزادت الملائكة ﵈ فيها ذلك، ثم حج إبراهيم ﵇ بعد بنائه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف، فسلَّموا عليه، فقال لهم إبراهيم: ما كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل آدم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فأعلمناه ذلك، فقال آدم ﵇: زيدوا فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال إبراهيم ﵇: زيدوا فيها: العلي العظيم، ففعلت الملائكة ذلك (٢). وروى أبو الشيخ في "العظمة" عن وهب قال: حَمَلَةُ العرش اليوم أربعة فإذا كانوا يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين:

стр. 330

- ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم. - وملك في صورة نسر يشفع للطير في أرزاقها. - وملك في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقها. - وملك في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقها. فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم، فلقنوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستووا قيامًا على أرجلهم (١). وروى الديلمي في "مسند الفردوس" عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، عن أبي هريرة ﵁ -وهذا من لطائف الإسناد - قال: قال رسول الله ﷺ . "مَا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ، وَلا صَعِدَ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ حَتَّىْ يَقُوْلَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ" (٢). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن أبي سعيد الخدري، أو عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: (سُبْحانَ اللهِ) قالَ الْمَلَكُ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإذا قالَ: (سُبْحانَ الله وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) قالَ الْمَلَكُ: (وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهم)، وَإِذا قالَ: (سُبْحانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) قالَ الْمَلَكُ: (وَاللهُ أَكْبَرُ)، وإذا قالَ: (سُبْحانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ) قالَ الْمَلَكُ:

стр. 331

(يَرْحَمُكُ اللهُ رَبُّكَ) (١) ". وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه" عن سعد بن سنان قال: أتيت بيت المقدس أريد الصلاة، فدخلت المسجد، فبينما أنا على ذلك إذ سمعت حفيفًا له جناحان قد أقبل -وهو يقول: سبحان الدائم القائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الملك القدوس، سبحان رب الملائكة والروح، سبحان الله وبحمده، سبحان العلي الأعلى، ، ثم أقبل حَفيفٌ يتلوه يقول مثل ذلك، ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد، فإذا بعضهم قريب مني، فقال: آدميٌّ؟ قلت: نعم، قال: لا رَوع عليك، هذه الملائكة (٢). وروى البيهقي عن علي ﵁: أنه قال: الروح ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، في كل وجه، سبعون ألف لسان، في كل لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]. وروى ابن المنذر في "تفسيره"، وأبو الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الرعد ملك يسوق السحاب بالتسبيح

стр. 332

كما يسوق الحادي الإبل بحُدائه (١). ورويا عن الضحاك قال: الرعد ملك يسمى الرعد، وصوته الذي تسمع تسبيحه (٢). وروى أبو الشيخ -أيضًا - عن ابن عباس قال: الرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير (٣). وروى البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سفر، فأصابنا رعد وبرق، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: (سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته) ثلاثًا، عوفي مما يكون في ذلك. قال ابن عباس: فقلنا، فعوفينا. ثم أدركت عمر في بعض الطريق، فإذا بردة قد أصابت أنفه، فأثرت فيه، فذكرت له قول كعب، فقال عمر: هلا أعلمتمونا حتى كنا نقول (٤). وروى الإِمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في "الأم" عن طاوس:

стр. 333

أنه كان يقول إذا سمع الرعد: سبحان من سَبَّحْتَ (١). قال الشافعي: كأنه (٢) يذهب إلى قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣]. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال أُبي بن كعب ﵁: لأدخلن المسجد فلأصلين، ولأحمدن الله بمحامد لم يحمده بها أحد، فلما صلى، وجلس ليحمد الله، ويثني عليه، فإذا هو بصوت عال من خلفه يقول: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله -علانيته وسره- لك الحمد، إنك على كل شيء قدير، اغفر لي ما مضى من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني أعمالًا زاكية ترضى بها عني، وتب عليَّ، فأتى رسول الله ﷺ ، فقصَّ عليه، قال: "ذَلِكَ جِبْرِيْلُ ﵇" (٣). وروى محمَّد بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة"، وابن أبي الدنيا في كتاب "الهواتف" عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: أنه أتى إلى النبي ﷺ ، فقال له: بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلمًا يقول: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر

стр. 334

كله -علانيته وسره- أهلٌ أن تحمد، إنك على كل شيء قدير (١). ولفظ ابن أبي الدنيا: أهلُ الحمد، أنت على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني عملًا صالحًا ترضى به عني، فقال له النبي ﷺ : "ذَاكَ مَلكٌ أَتاكَ يُعَلِّمُكَ تَحْمِيْدَ رَبِّكَ". وروى محمَّد بن نصر -أيضًا - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلماً يقول: اللهم لك الحمد كله، فذكر الحديث بنحوه. * فَائِدَةٌ: روى ابن مردويه عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "الْحُوْرُ الْعِيْنُ خُلِقْنَ مِنْ تَسْبِيْحِ الْمَلائِكَةِ ﵈" (٢). وروى الطبراني في "المعجم الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "خُلِقَت الْحُوْرُ الْعِيْنُ مِنَ الزَّعْفَرانِ" (٣).

стр. 335

وروى ابن مردويه، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحُوْرُ الْعِيْنُ خُلِقْنَ مِنَ الزَّعْفَرانِ" (١). قلت: ولا تنافي بين الحديثين، فقد يكون من الحور العين من خلق من تسبيح الملائكة ﵈، ومنهن من خلق من الزعفران، كما روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ غَدَاةٍ مِنْ غَدْواتِ الْجَنَّةِ إِلاَّ أَنَّهُ يُزَفُّ إِلَى وَلِيِّ اللهِ فِيْها زَوْجَة مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ؛ أَدْناهُنَّ التِيْ خُلِقَتْ مِنَ الزَّعْفَرانِ" (٢). أو يكون الزعفران خلق من تسبيح الملائكة، ثم خلقت منه الحور العين. أو يكون جواهر الحور، وأجسادهن مخلوقة من الزعفران، ثم يَحْيَيْنَ من تسبيح الملائكة ليكون تسبيحهم كاللقح للزعفران. وروى الإِمام عبد الله بن المبارك عن زيد بن أسلم قال: إن الله تعالى لم يخلق الحور العين من تراب، إنما خلقهن من مسك وكافور وزعفران، وأنتم تطمعون أن تعانقوا هؤلاء ولا تطيعون الله فيما أمركم (٣).

стр. 336

وروى ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار -كأنه عن بعض الكتب- قال: جنات النعيم بين جنان الفردوس، وبين جنان عدن، وفيها جَوارٍ خُلِقن من ورد الجنة، قيل: ومن يسكنها؟ قال: الذين همُّوا بالمعاصي فلمَّا ذكروا عظمتي راقبوني، والذين انثنت أصلابهم من خشيتي (١). ويجمع بين هذا وبين حديث أبي أمامة وأنس: بأن جمهور الحور خلقن من الزعفران، ومنهن من خلقن من مسك، أو كافور، أو ورد، فاقتصر النبي ﷺ على ذكر الغالب. - ومن أخلاق الملائكة ﵈: ١١ - محبة مجالس الذكر، وإقبالهم عليها، وحنينهم إليها، وحفهم بها، ومساعدتهم لأهلها في الذكر، وتكثير سوادهم . روى مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُوْنَ الله تَعَالَىْ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيتهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَه" (٢). وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِيْنَ فِيْ الأَرْضِ فُضُلاً (٣)

стр. 337

عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، يَطُوْفُوْنَ فِيْ الطُّرُقِ يَلْتَمِسُوْنَ أَهْلَ الذّكْرِ، فَإِذا وَجَدُوْا قَوْمًا يَذْكُرُوْنَ الله تَعَالَىْ تَنادَوْا: هَلُمُّوْا إِلَىْ حاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّوْنَ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَىْ السَّماءِ الدُّنْيا، فَيَسْألهُمْ ربهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ-: ما يَقُوْلُ عِبادِيْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: يُسَبحُوْنَكَ، وُيكَبروْنَكَ، وَيَحْمَدُوْنَكَ، وُيمَجِّدُوْنَكَ، فَيَقُوْلُ: هَلْ رَأَوْنيْ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: لا -وَاللهِ- ما رَأَوْكَ، فَيَقُوْلُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنيْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: لَوْ رَأَوْكَ كانُوْا أَشَدَّ لَكَ عِبَادةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيْداً، وَأكثَرَ لَكَ تَسْبِيْحاً، فَيَقُوْلُ: فَمَا يَسْألوْنيْ؟ فَيقوْلُوْنَ: يَسْألوْنَكَ الْجَنَّةَ، فَيَقُوْلُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيقُوْلُوْنَ: لا -وَاللهِ يا رَبِّ- ما رَأَوْها، فَيَقُوْلُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنهمْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُوْلُوْنَ: لَوْ أَنهمْ رَأَوْها كانُوْا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَها طَلَباً، وَأَعْظَمَ فِيْها رَغْبَةً، قالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُوْنَ؟ فَيقُوْلُوْنَ: مِنَ النَّارِ، فَيَقُوْلُ اللهُ تَعَالَىْ: وَهَلْ رَأَوْها؟ فَيقُوْلُوْنَ: لا -وَاللهِ يا رَب- ما رَأَوْها، فَيقوْلُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْها؟ فَيقوْلُوْنَ: لَوْ رَأَوْها كانُوْا أَشَدَّ مِنْها فِراراً، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، فَيقوْلُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَني قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُوْلُ ملك مِنَ الْمَلائِكَةِ: فِيْهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جاءَ لِحاجَةٍ، فَيَقُوْلُ: هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١). وفي رواية مسلم: "إِنَّ للهِ ﵎ مَلائِكَةً سَيارَةً فُضُلاً عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ يَبْتَغُوْنَ مَجَالِسَ الذكْرِ، فَإذا وَجَدُوْا مَجْلِسًا فِيْهِ ذِكْرٌ قَعَدُوْا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّىْ يَمْلَؤُوْا ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ،

стр. 338

فَإِذا تَفَرَّقُوْا عَرَجُوْا، وَصَعِدُوْا إِلَىْ السَّماءِ، قالَ: فَيَسْألهُمُ اللهُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ -: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: جِئْنا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِيْ الأَرْضِ يُسَبِّحُوْنَكَ، وُيكَبِّرُوْنَكَ، وَيُهَللوْنَكَ، وَيَحْمَدُوْنَكَ، وَيسْألوْنَكَ، قالَ: فَما يَسْألوْنيْ؟ قالُوْا: يَسْألوْنَكَ جَنَّتَكَ، قالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِيْ؟ قالُوْا: لا يا رَبِّ، قالَ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِيْ؟ قالُوْا: وَيسْتَجِيْرُوْنَكَ، قالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيْرُوْننِيْ؟ قالُوْا: مِنْ نارِكَ يا رَبِّ، قالَ: وَهَلْ رَأَوْا نارِيَ؟ قالُوْا: لا يا رَبِّ، قالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نارِيَ؟ قالَ: وَيَسْتَغْفِرُوْنَكَ، قالَ: فَيَقُوْلُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ ما سَألوْا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجارُوْا، قالَ: فَيَقُوْلُوْنَ: رَبِّ! فِيْهِمْ فُلان عَبْدٌ خَطَّاءُ، إِنَّما مَرَّ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قالَ: فَيقُوْلُ: وَلَهُ قَدْ غَفَرْتُ؛ هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١). وروى الطبراني في "معجمه الصغير" عن ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بعبد الله بن رواحة ﵁ وهو يُذَكِّرُ أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : "أَمَا إِنكمُ الْمَلأُ الَّذِيْنَ أَمَرَنيْ اللهُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَهُمْ"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. "أَمَا إِنَّهُ ما جَلَسَ عِدَّتُكُمْ إِلاَّ جَلَسَ مَعَهُمْ عِدَّتُهُمْ مِنَ الْمَلائِكَةِ؛ إِنْ سَبَّحُوْا الله سَبَّحُوْهُ، وَإِنْ حَمِدُوْا الله حَمِدُوْهُ، وإنْ كَبَّرُوْا اللهَ كَبَّرُوْهُ, ثُمَّ يَصْعَدُوْنَ إِلَىْ الرَّبِّ -جَلَّ ثَناؤُهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- فَيَقُوْلُوْنَ: رَبَّنَا!

стр. 339

عِبادُكَ سَبحُوْكَ فَسَبحْنَا، وَكَبرُوْكَ فَكَبرْنا، وَحَمِدُوْكَ فَحَمِدْنا، فَيَقُوْلُ ربُّنَا: يا مَلائِكَتِيْ! اشْهَدُوْا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيقُوْلُوْنَ: فِيْهِمْ فُلانٌ الْخَطَّاءُ، فَيَقُوْلُ: هُمُ الذِيْنَ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١). وفي هذا الحديث إشارة لطيفة، وهي أن من أخلاق الملائكة أنهم يتشبهون بالذاكرين إذا رأوهم، ويلائمونهم، فإذا سبحوا سبحوا، وإذا كبروا كبروا، وإذا حمدوا حمدوا. وروى ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال المنذري: حسن، عن جابر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيهَا النَّاسُ! إِنَّ لِلَّهِ سَرايا مِنَ الْمَلائِكَةِ تَحُلُّ، وَتَقِفُ عَلَىْ مَجالِسِ الذِّكْرِ فِيْ الأَرْضِ، فَارْتَعُوْا فِيْ رِياضِ الْجَنَّةِ" قالُوْا: وَأَيْنَ رِياضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ: "مَجالِسُ الذِّكْرِ، فَاغْدُوْا وَرُوْحُوْا فِيْ ذِكْرِ اللهِ، وَذَكّرُوْهَ أَنْفُسَكُمْ، مَنْ كانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلتهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ؛ فَإِنَّ الله يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أنزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ" (٢).

стр. 340

١٢ - ومنها: شفاعتهم للذاكرين، والترحم لهم، والأخذ بأيديهم، والثناء عليهم، واعتقاد الخير فيهم، والشهادة لهم عند الله، وتبشيرهم بالمغفرة بما هم فيه من الخير، والتأمين على دعائهم . روى ابن أبي شيبة عن سلمان ﵁ قال: إذا كان العبد يذكر الله في السراء، ويحمده في الرخاء، فأصابه ضر، فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف من امرئ ضعيف، فيشفعون له، وإذا كان العبد لا يذكر الله في السراء، ولا يحمده في الرخاء، فأصابه ضر، قالت الملائكة: صوت منكر (١). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ سَيَّارَةً مِنَ الْمَلائِكَةِ إِذا مَرّوْا بِحِلَقِ الذِّكْرِ قالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوْا، فَإِذا دَعا الْقَوْمُ أَمَّنُوْا عَلَىْ دُعائِهِمْ، فَإِذا صَلّوْا عَلَىْ النَّبِيِّ ﷺ صَلّوْا مَعَهُمْ حَتَّىْ يَفْرُغُوْا، ثُمَّ يَقُوْلُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: طُوْبَىْ لِهَؤُلاءِ يَرْجِعُوْنَ مَغْفُوْراً لَهُمْ" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن سهل بن حنظلة العبشمي (٣) ﵁ قال: ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا مغفوراً لكم (٤).

стр. 341

ورواه الطبراني مرفوعًا، لكن قال: عن سهل بن الحنظلية - وهي أمه كما قال ابن قانع في "معجمه" (١) -، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسا يَذْكُرُوْنَ اللهَ فِيْهِ فَيقُوْمُوْنَ حَتَىْ يُقالَ لَهُمْ: قُوْمُوْا قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ، وَبُدِّلَتْ سَيئاتُكُمْ حَسَناتٍ" (٢). وروى الإِمام أحمد بسند حسن، والبزار، والطبراني عن أنس، والبيهقي عن عبد الله بن مُغَفل؟ كلاهما عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوْا يَذْكُرُوْنَ اللهَ تَعَالَىْ، لا يُرِيْدُوْنَ إلا وَجْهَهُ، إلا نادَاهُمْ مُنادٍ مِنَ السماءِ أَنْ قُوْمُوْا مَغْفُوْراً لَكُمْ قَدْ بُدِّلَتْ سَيئاتُكُمْ حَسَناتٍ" (٣). وروى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لله تَعَالَىْ سَيَّارَةً مِنَ الْمَلائِكَةِ يَطْلُبُوْنَ حِلَقَ الذِّكْرِ، فَإِذا أَتَوْا عَلَيْهِمْ حَفُّوْا بِهِمْ، ثُمَ بَعَثُوْا رائِدهمْ إِلَىْ السماءِ إِلَىْ رَبِّ الْعِزةِ ﵎ فَيَقُوْلُوْنَ: رَبَّنا! أَتَيْنا عَلَىْ عِبادٍ مِنْ عِبادكَ يُعَظِّمُوْنَ آلاءكَ، وَيتْلُوْنَ كِتابَكَ، وَيُصَلُوْنَ

стр. 342

عَلَىْ نبِيِّكَ ﷺ ، وَيَسْألوْنَكَ لآخِرَتهِمْ وَدنياهُمْ، فَيقُوْلُ اللهُ ﵎: غَشُّوْهُمْ رَحْمَتِيْ؛ فَهُمُ الْجُلَساءُ لا يَشْقَىْ بِهِمْ جَلِيْسُهُمْ" (١). ١٣ - ومنها: الأمر بذكر الله تعالى، وتسبيحه، وتحميده، وبكل معروف، وقد أمر جبريل نبينا وسائر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام أجمعين - بكل معروف أمره الله تعالى أن يبلغهم إياه. وروى أبو يعلى، وابن السُّنِّي عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ صَباحٍ يُصْبحُ الْعِبادُ فِيْهِ إِلاَّ صارِخ يَصْرُخُ: أيها الْخَلائِقُ! سَبِّحُوْا الْمَلِكَ الْقُدُّوْسَ" (٢). وروى أبو الشيخ في "العظمة" عن ابن أبي عمرة رحمه الله تعالى (٣) قال: حين يقول الملك: سبحوا الملك القدوس، تحرك الطير أجنحتها (٤). وروى الطبراني في "معجمه الأوسط"، و"الصغير" وسنده جيد، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا يُنادِيْ عِنْدَ كُلِّ

стр. 343

صلاةٍ: يا بَنِيْ آدَمَ! قُوْمُوْا إِلَىْ نِيْرانِكُمُ التِيْ أَوْقَدْتُمُوْها فَأَطْفِئُوْهَا" (١). وفي "الكبير" عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "يُبْعَثُ مُنادٍ عِنْدَ حَضْرَةِ كُلِّ صلاةٍ فَيَقُوْلُ: يا بَنِيْ آدَمَ! قُوْمُوْا فَأَطْفِئُوْا ما أَوْقَدْتُمْ عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ، فَيَقُوْمُوْنَ فَيتطَهرُوْنَ، وُيصَلُّوْنَ الظُّهْرَ، فَيُغْفَرُ لَهُمْ ما بَيْنَهُما، فَإذا حَضَرَتِ الْعَصْرُ قِيْلَ ذَلِكَ، فَإِذا حَضَرَتِ الْمَغْرِبُ قِيْلَ ذَلِكَ، فَإِذا حَضَرَتِ الْعَتَمَةُ قِيْلَ ذَلِكَ، فَيَنامُوْنَ؛ فَمُدْلجٌ فِيْ خَيْرٍ، وَمُدْلجٌ فِيْ شَر" (٢). وروى البزار بسند حسن، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى رضي الله تعالى عنه على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبرْكم بقضاءٍ قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله ﵎ قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يومٍ صائف، سقاه الله يومَ العطش (٣).

стр. 344

وأخرجه ابن أبي الدنيا في "الهواتف" عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: خرجنا غازين في البحر، فبينما نحن نسير بريحٍ طيِّبة إذ سمعنا مناديا ينادي: يا أهل السفينة! قفوا أخبرْكم حتى والى بين سبعة أصوات، قال: فقام أبو موسى على صدر السفينة فقال: من أنت؟ ومن أين أنت؟ ألا ترى أين نحن؟ وهل نستطيع وقوفاً؟ فأجابه الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ فقال: بلى، قال: إن الله قضى على نفسه أنه من عطَّش نفسه لله في يوم حار، كان حقًا على الله أن يرويَه يوم القيامة. قال: وكان أبو موسى رضي الله تعالى عنه يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان أن ينسلخ حرًا فيصومه (١). وفيه عن عبد الواحد بن الخطَّاب قال: أقبلنا قافلين من بلاد الروم نريد البصرة حتى إذا كنَّا بين الرصافة وحِمْص سمعنا صائحاً يصيح بين تلك الرمال - سمعته الآذان، ولم تره الأعين - يقول: يا مستور! يا محفوظ! اعقل في ستر مَنْ أنتَ، فإن كنت لا تعقل في ستر من أنت فاتق الدُّنيا؛ فإنها حمى الله ، فإن كنت لا تتقيها فاجعلها شَرَكًا، ثم انظر أين تضع قدميك منها (٢). وأخبار الهواتف في الأمر بالمعروف كثيرة، وأقرب ما تحمل على

стр. 345

أنهم ملائكة ﵈. ١٤ - ومنها: قراءة القرآن العظيم، واستماعه، وحضور مجالس تلاوته: ولا يخفى أن جبريل ﵇ قرأ القرآن على رسول الله ﷺ ، وأقرأه إياه، ومدارسته إياه القرآن في رمضان ثابتة في "الصحيح" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ﵇، وكان يلقاه جبريل ﵇ في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فَلَرَسُوْلُ الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المُرْسَلة (١). وروى الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وغيرهم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: "تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمعُ فِيْها" (٢). أي: في صلاة الفجر. وروى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن

стр. 346

النبي ﷺ قرأ هذه الآية، قال: "يَشْهَدُهُ اللهُ، وَمَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَلائِكَةُ النَّهارِ" (١). وروى مسلم، وأبو داود، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما اجْتَمَعَ قَوْم فِيْ بَيْتٍ مِنَ الْبُيُوْتِ يَتْلُوْنَ كِتابَ اللهِ، وَيتدَارَسُوْنهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَه" (٢). وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد والرقائق" عنه (٣) قال: البيت الذي يتلى فيه كتاب الله أكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، وإن البيت الذي لم يتل فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقلَّ خيره، وحضرته الشياطين، وخرجت منه الملائكة (٤). وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن أُسيد بن حُضير بينما هو في ليلة يقرأ في مِرْبده إذ جَالَت فرسُه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد ﵁: فخشيت أن تطأ يحيى؛ يعني: ولده، قال: فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، قال: فغدوت على

стр. 347

رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! بينما أنا البارحة في جوف الليل أقرأ في مربدي ... الحديث. فذكر له الحديث، فقال له رسول الله ﷺ : "تِلْكَ الْمَلائِكَةُ تَسْتَمعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يراهَا النَاسُ ما تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ" (١). وروى الحاكم نحوه باختصار، وقال فيه: فالتفت فإذا أمثال المصابيح مدلاة بين السماء والأرض، فقال: يا رسول الله! ما استطعت أن أمضي، فقال: "تِلْكَ الْمَلائِكَةُ نزَلَتْ لِقِراءَةِ الْقُرْآنِ، أَمَا إِنَكَ لَوْ مَضَيْتَ لَرَأَيْتَ الْعَجائِبَ". قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" (٢). * تنبِيْهٌ: لا مناقضة بين ما ذكرناه، ويين ما ذكره ابنُ الصلاح: أن قراءة القرآن خصيصة أوتيها البشر دون الملائكة، وأنهم حريصون على سماعه من الإنس (٣)؛ لأن هذا في عامة الملائكة دون جبريل، ونحوه من خواص الملائكة ﵈، كإسرافيل، كما سيأتي. وإذا ثبت أن جبريل ﵇ كان يقرأ القرآن، ويدارسه، فقد ثبت أن ذلك من أخلاق الملائكة، بل من أخلاق خواصهم.

стр. 348

على أنه روى أبو عبيد القاسم بن سلام أن عمر رضي الله تعالى عنه سقط عليه رجل من المهاجرين وعمر يتهجد من الليل، يقرأ بفاتحة الكتاب لا يزيد عليها، ويكبر، ويسبح، ثم يركع، وسجد، فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لعمر رضي الله تعالى عنه فقال عمر: لأمك الويل! أليست تلك صلاة الملائكة؟ (١). لكن أفاد السيوطي أن الملائكة ﵈ إنما أذن لهم في قراءة الفاتحة فقط (٢). وكأنه أخذه من أثر عمر هذا من قوله: أليست تلك -أي: الصلاة بقراءة الفاتحة فقط- صلاة الملائكة ﵈؟ * فَائِدَةٌ جَلِيْلَةٌ: المستمع لقراءة القرآن العظيم - مع كونه في ذلك متشبهاً بالملائكة والنَّبيين والصالحين - فإنه متخلق بخلق من أخلاق الله تعالى (٣)، خصوصًا إذا كان القارئ حسن الصوت، حسن التأدية؛ لأن سماع القرآن من أخلاقه المقدسة؛ بدليل ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَمَا أَذِنَ لِنَبِي حَسَنِ الصَّوْتِ

стр. 349

يَتَغَنَّىْ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ". لفظ مسلم (١). قال المنذري: أذن -بكسر الذال -؛ أي: ما استمع الله؛ أي: لشيء من كلام النَّاس، كما استمع من يتغنى بالقرآن؛ أي: يحسن به صوته. قال: وذهب سفيان بن عيينة، وغيره إلى أنه من الاستغناء. وهو مردود؛ أي: لأن التغني بمعنى الاستغناء لا يعرف من كلام العرب. قال: وروى ابن جرير هذا الحديث بإسناد صحيح، وقال فيه: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لِنَبِي حَسَنِ التَرَنمِ بِالْقُرْآنِ" (٢). قال: وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، والبيهقي عن فضالة بن عبيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "للهُ أشَدُّ أَذَناً لِلرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صاحِب الْقَيْنَةِ إِلَىْ قَيْنَتِهِ" (٣). قال الحاكم: "صحيح على شرطهما" (٤). ١٥ - ومن أعمال الملائكة ﵈ وأخلاقهم: تعليم القرآن، وقد علمه جبريل ﵇ رسول الله ﷺ .

стр. 350

وقال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]. وفي "الفردوس" للديلمي، وأسنده أبو الحسن بن بشران في "فوائده"، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ، أَتاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ يُعَلِّمُهُ فِيْ قَبْرِهِ، وَيَلْقَىْ الله وَقَدِ اسْتَظْهَرَهُ" (١). وقال الحسن البصري ﵀: بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن، أمر حفظته أن يعلموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله. وقال يزيد الرَّقاشي رحمه الله تعالى: بلغني أن المؤمن إذا مات وقد بقي عليه من القرآن شيء لم يتعلمه، بعث الله ملائكة يحفظونه ما بقي عليه منه حتى يبعث من قبره. رواهما ابن أبي الدنيا. ١٦ - ومنها: قيام الليل، وإيقاظ المتهجدين . واعلم أن ما وصف الله تعالى به ملائكته من المداومة على العبادة، وعدم الفتور عنها كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا

стр. 351

يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] دليل واضح على أنهم لا ينامون. وأيضًا فإن النوم فتور مستولٍ على الدماغ حتى يغمره بسبب الأبخرة المتصاعدة إليه من الأغذية، وذلك مفقود في الملائكة ﵈. وقد تقدم حديث مدارسته جبريل ﵇ القرآن في كل ليلة من رمضان. وروى البزار عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى مِنْكُمْ بِاللَّيْلِ فَلْيَجْهَرْ بِقِراءَتِهِ؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تُصَلِّيْ بِصَلاتِهِ، وَتَسْتَمعُ لِقِراءَتِهِ، وَإِنَّ مُؤْمِنِيْ الْجِنِّ الَّذِيْنَ يَكُوْنُوْنَ فِيْ الْهَواءِ، وَجيرانه فِيْ مَسْكَنِهِ يُصَلُوْنَ بِصلاِتهِ، وَيسمَعُوْنَ قِراءَتَهُ، وإنَّهُ يَطْرُدُ بِقِراءَتِهِ عَنْ دارِه، وَعَنْ الدُّوْرِ الَّتِيْ حَوْلَهُ فُسَّاقَ الْجِنِّ وَمَرَدَةَ الشَّياطِيْنِ"، الحديث (١). وروى ابن أبي الدنيا في "قيام الليل" عن كُرز ﵁ قال: بلغني أن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يصلون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء (٢).

стр. 352

وروى فيه عن رجل -وسماه في "الهواتف" بأسعد من أهل الإسكندرية- قال: كنت أبيت في مسجد بيت المقدس، وقلَّ ما يخلو من المتهجدين، فقمت ليلة فلم أرَ متهجداً، فقلت: ما حال النَّاس لا أرى أحدًا يصلي؟ فوالله إني لأذكر ذلك في نفسي إذ سمعت قائلًا من نحو القبة التي على الصخرة يقول: [من الطويل] فَيا عَجَباً لِلنَّاسِ لَذَّتْ عُيُوْنهمْ ... مَطاعِمُ غَمْضٍ دُوْنَها الْمَوْتُ مُنْتَصِبْ وَطُوْلُ قِيامِ اللَّيْلِ أَيْسَرُ مُؤْنةً ... وَأَهْوَنُ مِنْ نارٍ تَفُوْرُ وَتَلْتَهِب قال: فسقطت على وجهي، فلمَّا أفقت فإذا لم يبقَ متهجد إلَّا قام (١). وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا - في كتاب "الزهد" عن أُويس القَرني رحمه الله تعالى: أنه قال: لأعبدنَّ الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. وكان إذا استقبل الليل قال: يا نفسُ! الليلةَ للقيام، فيصفّ قدميه حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثانية، فيقول: يا نفسُ! الليلةَ للركوع،

стр. 353

فلا يزال راكعًا حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثالثة قال: يا نفسُ! الليلةَ للسجود، فلا يزال ساجداً حتى يصبح (١). ١٧ - ومنها: شهود جماعات المؤمنين في صلواتهم، وخصوصاً في صلاة الفجر، وصلاة العصر . روى الإِمام مالك في "الموطأ"، والستة إلَّا الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُوْلُوْا: آمِيْنَ؟ فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" (٢). فهذا الحديث يشير إلى أنهم يشهدون الجماعة في كل صلاة. وروى الشيخان عن أبي هريرة -أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَتَعاقَبُوْنَ فِيْكُمْ مَلائِكَةٌ بِالليْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ، وَيجْتَمِعُوْنَ فِيْ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الذِيْنَ باتُوْا فِيْكُمْ، فَيَسْألهُمْ ربهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فَيقُوْلُوْنَ: تَرَكْناهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ" (٣). وسبق عنه ما حسنه الترمذي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: "تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ

стр. 354

اللَّيْلِ، وَمَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمعُ فِيْها" (١). وفي "الصحيحين" عنه عن النبي ﷺ قال: "تَجْتَمعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ فِيْ صَلاةِ الْفَجْرِ". يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢). * فَائِدَةٌ: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَلائِكَةَ النَّهارِ أَرْأَفُ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ". رواه ابن النَّجار في "تاريخه" عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما (٣). قلت: وهذا من منَّة الله تعالى على عباده، ولطفه بهم أن جعل ملائكة النهار أرأف من ملائكة الليل؛ لأن حركات بني آدم بالنهار أكثر منها بالليل، وكثيراً ما تهدأ حركاتهم بالليل، ولا تكاد تهدأ بالنهار، فيقارفون بسبب ذلك في النهار ما لا يقارفونه بالليل من المعاصي، والذنوب، فكانت ملائكة النهار أرأف ليُكثروا من الاستغفار للعباد، والترحم عليهم، ولو كان الغضب لله تعالى أغلب عليهم من الرأفة بعباده لهلك الخلق بدعائهم. - وأيضًا فإن منهم الحفظة، فالحفظة بالنهار - حيث هم أرأف منهم

стр. 355

بالليل - تأنوا في كتابة السيئات، وبادروا إلى تقييد الحسنات. وقد استفيد من ذلك: أن من أخلاق الملائكة التي ينبغي للعبد أن يتشبه بهم فيها الرأفة على عباد الله، والرحمة عليهم، والغضب لله تعالى لا لأنفسهم. ١٨ - ومنها: التصدق على المصلي منفردًا بالصلاة خلفه: روى عبد الرزاق عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: إذا كان الرجل بخلاء من الأرض فأذن، وأقام، صلى معه أربعة آلاف ملك، أو أربعة آلاف ألف من الملائكة (١). وعن طاوس قال: إذا صلى الرجل فأقام، صلى معه مَلَكَاهُ، وإذا أذَّن وأقام، صلى معه من الملائكة كثير (٢). وعن مكحول، وسعيد بن المسيب نحوُه (٣). وعن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كانَ الرَّجُلُ بِأَرْضٍ قِيٍّ (٤) فَحانَتِ الصَّلاةُ، فَلْيتوَضَّأ، فَإِنْ أَقامَ صَلَّىْ مَعَهُ مَلَكَاهُ، فَإِنْ أَذَّنَ، وَأَقامَ صَلَّىْ خَلْفَهُ مِنْ جُنُوْدِ الله ما لا يَرىْ طَرْفاه". وأخرجه ابن
следующие страницы →